مسؤول ليبي: الإطاحة بزيدان صعبة بعد تحييده ممثلي الأحزاب

مدرس أميركي أحدث ضحايا العنف في بنغازي

ليبيون يتجمعون حول حطام سيارة تخص أحد ضباط الاستخبارات عقب انفجار قنبلة فيها في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
ليبيون يتجمعون حول حطام سيارة تخص أحد ضباط الاستخبارات عقب انفجار قنبلة فيها في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
TT

مسؤول ليبي: الإطاحة بزيدان صعبة بعد تحييده ممثلي الأحزاب

ليبيون يتجمعون حول حطام سيارة تخص أحد ضباط الاستخبارات عقب انفجار قنبلة فيها في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
ليبيون يتجمعون حول حطام سيارة تخص أحد ضباط الاستخبارات عقب انفجار قنبلة فيها في مدينة بنغازي أمس (رويترز)

تجاهل علي زيدان، رئيس الحكومة الانتقالية في ليبيا، معلومات يتداولها عدد من أعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان) حول إقالته وتعيين رئيس جديد للحكومة، وتوجه أمس إلى العاصمة الفرنسية باريس، للمشاركة في مؤتمر قمة الإليزيه من أجل السلام والأمن في أفريقيا الذي يبدأ اليوم (الجمعة) أولى جلساته. وقال مكتب زيدان في بيان له أمس إن «مشاركة زيدان في المؤتمر، تأتي نظرا لما وصفه بالأهمية الاستراتيجية لليبيا ودورها في تحقيق الأمن والاستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا».
وكشف مسؤول رفيع المستوى في المؤتمر الوطني، الذي يعتبر أعلى سلطة دستورية وسياسية في ليبيا، النقاب عن تصاعد حدة الانتقادات مؤخرا ضد زيدان، لكنه أكد في المقابل صعوبة التوافق على مرشح بديل.
وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم تعريفه، لـ«الشرق الأوسط»: «لقد نجح زيدان في إنهاء فكرة وجود حكومة محاصصة، وتخلص من تأثير الأحزاب والتكتلات السياسية على أعضائها الممثلين لها داخل المؤتمر الوطني، بحيث يصعب الإطاحة به»، لافتا إلى أن عدة محاولات جرت لإقالة زيدان مؤخرا، لكنها اصطدمت بحاجز الـ«120» صوتا المطلوبة داخل المؤتمر كنصاب قانوني يسمح للمؤتمر بالإطاحة به.
وتابع: «أصبح الأعضاء يمثلون مناطقهم وليس الأحزاب التي ترشحوا للمؤتمر عنها.. لقد نجح زيدان في التواصل مع الكل واستفاد من التوازنات السياسية، ولعب على الخلافات الراهنة بين خصومه داخل الأحزاب التي فقدت بالضرورة سيطرتها إلى حد ما عليهم».
وقال المسؤول الرفيع إن «زيدان مسيطر على الحكومة بشكل ما، ويغير في الوزراء دون اعتراض من أحد، وتغيرت الحكومة من فكرة المحاصصة وأصبحت الآن متجانسة، بعدما كانت مفككة في بداية تشكيلها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي». ومضى المسؤول إلى القول: «الآن زيدان؛ وليس الأحزاب، هو من يدير الحكومة.. نعم نشعر بأن هناك ضرورة لتواجد حكومة جديدة، لكن ليس هناك أي توافق على من سيأتي بعده».
ولخص المسؤول أزمة حكومة زيدان بقوله إن «المشكلة حاليا هي في البحث عن بديل لزيدان»، نافيا أن يكون مطروحا ترشيح الدكتور محمود جبريل رئيس التحالف الوطني الليبرالي التوجه لخلافة زيدان في منصبه. وأضاف: «حتى هذه اللحظة الدكتور جبريل ليس مطروحا، لأنه محل جدل وخصومة سياسية، رغم أن بعض الأصوات في الرأي العام المحلي تعتبره أفضل المرشحين لشغل المنصب في حال إقالة زيدان.
من جهتها، اعتبر عبد المجيد مليقطة، رئيس اللجنة التسييرية العليا لتحالف القوى الوطنية، أن زيدان أصبح شخصا تشوبه الشوائب والغموض بسبب انفراده بالقرار واعتماده الكلي على القوى الخارجية في تسيير أمور البلاد دون التشاور مع شركائه بالداخل.
ونقلت وكالة أنباء التضامن الليبية عنه قوله «أصبح من الضروري مغادرة زيدان للسلطة وجلوس كافة القوى الوطنية للتوافق على وضع خارطة طريق، لاختيار شخص مناسب يقود الحكومة وينقذ البلاد». وانتقد ما وصفه بعدم جدية زيدان في الحفاظ على السيادة الليبية بعد تسجيله ملاحظات عليه، كعدم رغبته في بناء الجيش والشرطة، رغم الفرص التي أتيحت له، وإصراره على تكوين جهاز حرس وطني أشبه ما يكون عمله بجهاز الحرس الشعبي سابقا، مشيرا إلى أن زيدان يدفع بالبلاد نحو الفيدرالية بعد مماطلته المقصودة في حل أزمة النفط التي تمر بها البلاد.
إلى ذلك، وقعت سلسلة من التفجيرات لسيارات مفخخة استهدفت شخصيات سياسية وأمنية بمدينة درنة مساء أول من أمس، حيث قالت وكالة الأنباء الرسمية إن مجهولين قاموا بتفجير سيارة أحد الناشطين ومنسقي ساحة الاعتصام ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة بميدان الصحابة في المدينة، مشيرة إلى أن دوي الانفجار سمع في كافة نواحي المدينة دون تسجيل أي إصابات بشرية.
كما استهدف مجهولون سيارة منسق حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، عبد الباسط البرعصي، بالتزامن مع تفجير سيارة ضابط الدفاع الجوي بقاعدة مرتوبه الجوية، مما أحدث انفجارا عنيفا بالمنطقة.
وقتل مسلحون مجهولون أمس أميركيا يعمل في المدرسة الدولية ببنغازي. حيث أعلن المقدم إبراهيم الشرع، المتحدث باسم غرفة العمليات الأمنية، أن «المواطن الأميركي كان يمارس الرياضة الصباحية في منطقة الفويهات، وسط المدينة بالقرب من مقر القنصلية الأميركية الذي تعرض لهجوم مسلح في وقت سابق». وقالت مصادر ليبية إن «روني سميث - الأميركي الجنسية - الذي كان يدرس مادة الكيمياء في إحدى المدارس الدولية، قتل رميا بالرصاص بينما كان يتريض في منطقة الفويحات». وقتل ضابطا صف في الجيش الليبي في بنغازي أيضا على أيدي مجهولين في هجوم منفصل، وقال مصدر أمني لوكالة الصحافة الفرنسية إن «مجهولين أطلقوا وابلا من الرصاص على الجندي في القوات الخاصة أحمد حمدي في منطقة حي السلام بالقرب من جزيرة دوران سوق السيارات وأردوه قتيلا». وأضاف أن «مجهولين آخرين قتلوا بالرصاص أحد أفراد الثانوية الفنية العسكرية في منطقة السلماني بالقرب من جزيرة دوران الجرة وسط بنغازي». وقالت مسؤولة في مستشفى الجلاء إن «المستشفى تلقى جثماني مواطنين أصيبا بأعيرة نارية في منطقة الرأس، بينما أصيب مواطن ثالث بجروح خطيرة بعد استهداف السيارة التي كان يقودها بعبوة لاصقه أدت إلى بتر إحدى قدميه».
وشهدت بنغازي الشهر الماضي مواجهات دامية أدت إلى سقوط سبعة قتلى وقرابة خمسين جريحا بين جماعة أنصار الشريعة والقوات الخاصة في الجيش الليبي، تبعها عدة هجمات من قبل مجهولين على الجيش والشرطة.
في غضون ذلك، صادق رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية، نوري العبار، أمس على القوائم المبدئية للمرشحين لانتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور لعدد 17 لجنة انتخابية في ليبيا، وهي لجان سبها وطبرق واجدابيا ومصراتة والكفرة وأوباري وطرابلس وبنغازي والجبل1 والجبل2 والعزيزية والخمس وسرت والزواية ودرنة والبيضاء وغدامس، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
والهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور هي الهيئة المخولة بصياغة الدستور الدائم للبلاد، وتتكون من ستين عضوا ينتخبون وفقا للقانون الصادر عن المؤتمر الوطني العام، وتوزع مقاعدها على ثلاث مناطق انتخابية لكل منطقة عشرون مقعدا، وذلك على غرار لجنة الستين التي شكلت عام 1951.
ويأتي ذلك عقب يوم واحد من إعلان المؤتمر الوطني أن «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الوحيد في ليبيا».. وأن كل ما يخالف أحكامها يعد باطلا؛ مشددا على ضرورة إلزام كل مؤسسات الدولة بذلك.
لكن عمر حميدان، المتحدث الرسمي باسم المؤتمر، قال أول من أمس إن «هذا النص لا يمثل قرارا.. وإنما بيانا ليس ملزما»، مؤكدا أنه لا يعني تطبيقا للشريعة على الفور. كما أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا البيان صدر لمخاطبة المتطرفين ومحاولة لتهدئة الأوضاع والجماعات الإسلامية، خاصة الموجودة في مدينة درنة والتي تكفر المجتمع».
من جانبها، عقبت الخارجية الأميركية على الحادث في بيان مقتضب لها أمس قائلة «نؤكد مقتل مواطن أميركي بالرصاص في بنغازي. نقدم تعازينا، ونحن على تواصل مع أسرته، ونقدم لهم الخدمات القنصلية المناسبة».
وحول تفاصيل الحادث، قال البيان «ليس لدينا أي مزيد من التعليق حاليا.. وفي حال وجود أي أسئلة برجاء التوجه بها إلى السلطات الليبية».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.