تركيا تتمسّك بعضوية الاتحاد الأوروبي بعد فترة من التوتر

القبض على عسكريين من القوات الجوية في إطار تحقيقات المحاولة الانقلابية

رئيس وزراء بلغاريا لدى اجتماعه مع إردوغان قرب فارنا أمس (رويترز)
رئيس وزراء بلغاريا لدى اجتماعه مع إردوغان قرب فارنا أمس (رويترز)
TT

تركيا تتمسّك بعضوية الاتحاد الأوروبي بعد فترة من التوتر

رئيس وزراء بلغاريا لدى اجتماعه مع إردوغان قرب فارنا أمس (رويترز)
رئيس وزراء بلغاريا لدى اجتماعه مع إردوغان قرب فارنا أمس (رويترز)

جدّدت تركيا، أمس، تمسكها بالعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، معتبرة أنها «هدف استراتيجي» بالنسبة لها، وذلك بعد فترة من التوتر بين الجانبين.
وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في مؤتمر صحافي عقده في مطار أتاتورك بمدينة إسطنبول قبل توجهه إلى مدينة فارنا البلغارية، للاجتماع مع قادة الاتحاد الأوروبي، الليلة الماضية، إن بلاده «لن تسمح لبعض الأوساط ببلوغ مبتغاها، ومنع تركيا من الحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي»، في إشارة إلى مطالبات بعض الزعماء الأوروبيين بمنح تركيا وضع الشراكة المتميزة مع الاتحاد كبديل عن العضوية.
وكان مقرراً أن يلتقي إردوغان، الليلة الماضية، رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك حول مائدة العشاء مساء في منتجع فارنا البلغاري. ولفت إردوغان إلى أن تركيا ستواصل المحادثات بشأن العضوية مع الاتحاد الأوروبي، بشكل يتوافق مع قوتها والدور النشط الذي تضطلع به في المنطقة والعالم. وأضاف الرئيس التركي أنه سيتناول خلال اجتماعه مع المسؤولين الأوروبيين، التطورات المتعلقة بالنقاط التي جرى الاتفاق عليها في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وشدد إردوغان على ضرورة إزالة الحواجز السياسية المصطنعة التي تواجه عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد، لافتاً إلى أنه سيتناول مع قادة أوروبا قضايا سياسية وأمنية. وقال إردوغان إن علاقات تركيا والاتحاد الأوروبي عميقة الجذور، وإنها تحسنت في عهد حكومات حزب العدالة والتنمية الحاكم أكثر من أي وقت مضى.
واعتبر إردوغان أن تركيا في عهد حكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة منذ العام 2002 وحتى الآن، قطعت مسافة مهمة في طريق عضوية الاتحاد، رغم تصاعد التوترات في بعض الأحيان. وأشاد إردوغان بعمل آليات الحوار رفيعة المستوى بين تركيا والاتحاد الأوروبي، التي تشمل جميع المجالات من الاقتصاد إلى الطاقة والنقل ومكافحة الإرهاب وغيرها من المجالات الحيوية. وأشار إلى أنه سيؤكد خلال قمة فارنا على مطالبة الاتحاد الأوروبي تقديم تعاون غير مشروط، ولا يتسم بالتردد، لتركيا، في معركتها ضد الإرهاب، مضيفاً: «لسوء الحظ، نسمع تصريحات صادرة من الاتحاد الأوروبي، تتعارض مع مبادئه ولا تليق بعلاقات الشراكة التي تربطنا معه. من الضروري أن نحصل على دعم كامل من أصدقائنا الأوروبيين في كفاحنا ضد الإرهاب لإعادة بناء الثقة».
وأشار الرئيس التركي في هذا الصدد إلى أهمية بعض الخطوات التي اتخذها الاتحاد تجاه حزب العمال الكردستاني في أوروبا، معتبراً أن هناك خطوات لا تزال «دون المطلوب». وقال إردوغان، الذي رافقه وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ووزير شؤون الاتحاد الأوروبي كبير المفاوضين الأتراك عمر تشيليك ووزير الطاقة والموارد الطبيعية برات البيرق وبعض نواب البرلمان من الحزب الحاكم، إننا «سنواصل مباحثاتنا مع الاتحاد الأوروبي بالشكل الذي يتلاءم مع موقع تركيا وقوتها، ودورها الفاعل في المنطقة والعالم... العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي هدفنا الاستراتيجي، ولن نسمح بعرقلة تحقيق هذا الهدف».
وأعلن رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد، مسبقاً، أنه يتوقع اجتماعاً «صعباً جداً» بين المسؤولين الأوروبيين والرئيس التركي. إلا أن أياً من المشاركين لا يريد إفشال المحادثات؛ فالاتحاد الأوروبي يظل بالنسبة لتركيا شريكاً تجارياً مهماً، وأنقرة لا تزال بالنسبة لبروكسل حليفاً لا يمكن الاستغناء عنه في التصدي لموجة الهجرة. وعلقت دكتورة العلوم السياسية وخبيرة الشؤون التركية جنى جبور أن «قمة فارنا ستشكل فرصة لإعادة إطلاق الحوار بين الجانبين، وإن لم يكن من المتوقع تحقيق اختراق ملموس».
وعبَّر الاتحاد الأوروبي مراراً عن قلقه إزاء حملات التطهير في تركيا منذ الانقلاب الفاشل الذي وقع في منتصف يوليو (تموز) 2016، حيث تم توقيف أكثر من 60 ألف شخص، من بينهم معارضون وصحافيون، بينما تمت إقالة أكثر من 160 ألف شخص آخرين. ونددت الأمم المتحدة، في تقرير نشر الأسبوع الماضي، بتمديد العمل بحالة الطوارئ في تركيا، التي فرضت عقب محاولة الانقلاب الفاشلة ما أدى إلى انتهاكات «خطيرة» لحقوق «مئات آلاف الأشخاص». كما ازدادت حدة التوتر الأسبوع الماضي عندما ندد القادة الأوروبيون بـ«التحركات غير القانونية» لتركيا إزاء اليونان وقبرص في بحر إيجه وشرق المتوسط.
في سياق متصل، أدان وزير شؤون الاتحاد الأوروبي في الحكومة التركية، عمر تشيليك، دعوة رئيس الوزراء النمساوي سبستيان كيرتس إلى إنهاء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وقال تشيليك: «على الرغم من كيرتس وأشخاص مثله، فإن تركيا تواصل طريقها، وتعمل من أجل خلق أجواء وأجندة إيجابية في المنطقة والعالم». وأضاف أنّ رئيس الوزراء النمساوي كعادته يدلي بتصريحات «غير عقلانية»، في وقت يسعى فيه الجانبان التركي والأوروبي إلى تحسين العلاقات بينهما. وأكد أن تركيا لا تأخذ تصريحات كيرتس على محمل الجد، متسائلاً عن سبب خوف رئيس الوزراء النمساوي من تحسّن العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي. وأشار إلى أنّ أكبر كذبة تم إنتاجها في القارة الأوروبية إلى الآن، هي عبارة «نعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد، لكننا نريد أن نبني علاقات جوار جيدة معها».
وكان رئيس الوزراء النمساوي ندد، أمس، بعمليات تركيا العسكرية في سوريا، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، ودعا الاتحاد الأوروبي لوقف مفاوضات انضمامها إليه. وقال في مقابلة صحافية أمس، قبل ساعات من قمة الاتحاد الأوروبي وتركيا في فارنا: «مع الأخذ بعين الاعتبار، الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان والقيم الأساسية للديمقراطية، واستناداً إلى حقيقة أن معايير كوبنهاغن (معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي) لم تنفذ، فإن مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يجب أن تنتهي»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن تركيا ستظل «شريكاً استراتيجياً مهماً للاتحاد الأوروبي»، وأن من الضروري التعاون معها «في إطار مفهوم حسن الجوار».
ويشن الجيش التركي و«الجيش السوري الحر» عملية عسكرية أطلقت عليها أنقرة اسم «غصن الزيتون» ضد المسلحين الأكراد في عفرين السورية وضواحيها منذ 20 يناير (كانون الثاني) الماضي. وتقول تركيا إن وحدات «حماية الشعب» الكردية، و«الاتحاد الديمقراطي الكردي»، و«حزب العمال الكردستاني» هي منظمات إرهابية. وتدعم الولايات المتحدة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يمثل المسلحون الأكراد عمودها الفقري.
في سياق قريب، أصدرت النيابة العامة في أنقرة، أمس، مذكرات اعتقال بحق 20 شخصاً في قيادة القوات الجوية التركية للاشتباه في ارتباطهم بحركة فتح الله غولن، المتهم الرئيس في تدبير محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو 2016. وقال مكتب الإعلام بالنيابة العامة في أنقرة «إن النيابة العامة أصدرت مذكرات اعتقال بحق 20 مدنياً في إطار تحقيقات تجريها ضد التكوين السري لجماعة فتح الله غولن، المتغلغل في القوات الجوية التركية»، بسبب استخدامهم تطبيق الرسائل المسفرة عبر الهاتف «بايلوك» الذي يعتقد أنه كان وسيلة التواصل بين مدبري ومنفذي الانقلاب الفاشل. وقال مسؤولون أمنيون إن الشرطة ألقت القبض على 33 مشتبهاً بهم في أنحاء تركيا يوم الاثنين بسبب الاشتباه في صلاتهم بمنظمة «فتح الله الإرهابية»، وهي المجموعة التي تقف وراء الانقلاب المهزوم في عام 2016، كما أصدرت النيابة أوامر اعتقال بحق 36 مشتبهاً بهم في 9 ولايات التهمة نفسها.
وبشكل منفصل، في عملية مركزية مقرها كيرشهير (وسط تركيا)، ألقت قوات الأمن القبض على 10 جنود في الخدمة ضمن عمليات أمنية متزامنة في كل من ولايات مرسين وهطاي، وديار بكر، وأدرنة، وجناق قلعة وأغري. وفي ولاية توكات تم اعتقال ستة من أصل سبعة من المشتبه في أنهم مرتبطون بحركة غولن، كما تم القبض على رجل أعمال هارب في ولاية أدرنة (شمال غرب) عندما كان يستعد للعبور بشكل غير قانوني إلى اليونان.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.