«الحالة الحرجة»... خلطة سحرية من أدب اللامعقول

رواية السعودي عزيز محمد دخلت القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربية

«الحالة الحرجة»... خلطة سحرية من أدب اللامعقول
TT

«الحالة الحرجة»... خلطة سحرية من أدب اللامعقول

«الحالة الحرجة»... خلطة سحرية من أدب اللامعقول

تُهيمن ثيمتا العزلة والصراع مع مرض السرطان على رواية (الحالة الحرجة للمدعو «ك») للروائي السعودي عزيز محمد، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربية لهذا العام. وهي الرواية الأولى للكاتب، إذ لم يَكتب قبلها سوى عدد من القصائد، والقصص القصيرة، والمقالات السينمائية التي نشرها في مجلات ثقافية، ومواقع إلكترونية متخصصة بالأدب والفن.
يتعالق الراوي، وهو الشخصية الرئيسية في هذه الرواية، مع أفكار كثير من الكُتّاب والروائيين الأجانب، فلا غرابة في أن يكتظ النص بأسماء وعناوين الكتب التي يفضِّلها بعد أن قرأها بإمعان، وتماهى مع مضامينها الفكرية والإنسانية، مثل كتب فرانز كافكا، وأرنست همنغواي، وتوماس مان، وكنوت هامسون، ودستويفسكي، ومونيتشيرو تانيزاكي، وهاروكي موراكامي، وفريدريك نيتشه، وسوزان سونتاغ، وسيدهارثا موكيرجي، وجورج جونسون، إضافة إلى كُتب شعراء أميركيين ويابانيين، وقصص أطفال مسليّة، واسعة الخيال، تؤنسه في عزلته التي اجترحها بنفسه، سواء في البيت أم العمل أم في الأماكن العامة التي خلت من التسميات، تماماً كما خلت الرواية من أسماء الشخصيات والمدن التي يتحرك فيها هذا الراوي المُحتفي بوحدته، وحياته الخاصة المحصورة بين ثلاثة أماكن، وهي: «شركة البتروكيماويات الشرقية» التي يعمل فيها منذ ثلاثة أعوام، والمستشفى الذي يتعالج فيه من السرطان، والبيت الذي يقيم فيه مع أسرته التي تشظّت هي الأخرى إلى أُسَرٍ صغيرة متباعدة، كلّما تقادمت الأعوام.
تشكّل أسرة الراوي بيئة طاردة للثقافة المعاصرة، والكتاب الحديث. فالأم التي تحاول أن تفرض سيطرتها على المنزل، تطالبه بأن يقلع عن الكتب والسجائر، بينما يشعر الراوي مذ التحق بهذه الشركة، بميله إلى الكتابة والاسترسال في تدوين مذكراته الشخصية؛ خصوصاً بعد أن كرّس اسمه كشاعر ضمن دائرة الأسرة والأقرباء، غير أن قراءاته المكثّفة للروايات العالمية سوف تسحبه من الشعر إلى الفضاء السردي، كي يكرس موهبته الإبداعية التي لا تحظى باهتمام العائلة برمتها، فهم يريدونه أن يعتمد على نفسه، ويؤسس أسرة صغيرة، وينهمك في تربيتها طوال حياته.
لم تكن شخصية الراوي غريبة على القارئ العربي أو الأجنبي، فقد ألفنا هذه الشخصيات المتوحدة والمعزولة التي تشعر بأنها لا تنتمي إلى واقعها، فهو يقول بالفم الملآن: «لقد وُلدت منطوياً، ثم كافحتُ بكل غرائزي الدفاعية، عاماً بعد عام، كي أعزل نفسي» وأكثر من ذلك، فإن الأم تشكوه إلى الطبيب وتصفه «بأنه يغرق في عالم يائس كئيب»؛ خاصة بعد اكتشافه أنه مُصاب بالسرطان، وتحديداً باللوكيميا، أو «ابيضاض الدم». ففي واحدة من حالاته المقرفة يقول: «أستيقظ متعرّقاً. غثيان، صداع، دم على المخدة، آلام في المفاصل، كأني خضتُ عِراكاً في نومي».
يستمر تعالق الراوي مع كُتّابه المفضّلين، وخاصة كافكا، حيث يكتب قصة اسمها «قاعة المؤامرات» بطلها (ك) لكن النهاية تعذّرت عليه، بسبب قصور في الإلهام، ومع ذلك فلم يتذمّر؛ لأن كافكا نفسه لم ينهِ كثيراً من رواياته. وكلما أوغل الراوي في القراءة والتأمل، رفض أن يكون جزءاً من القطيع، ولهذا انشقّ عن المجتمع وانطوى على نفسه المُحتفية بنيتشه، وسواه من آبائه الروحيين الذين يغذّونه بإكسير الحياة.
يعتمد الروائي عزيز محمد على الأسلوب الساخر، والكوميديا السوداء في كثير من الأحيان، الأمر الذي يخفف من وطأة الثيمة الرئيسة التي تتمحور حول الراوي المريض، الذي يتعرض لانتكاسات متواصلة على مدى أربعين أسبوعاً من جلسات العلاج، التي تكشف كل صغيرة وكبيرة عن هذا المرض اللعين، وكأن مبدع النص متخصص بمرض السرطان، وعارف بأسراره، وطرق علاجه الحديثة، التي لا تخلو من قسوة مريرة، وما تسببهُ من مضاعفات وأعراض جانبية، مثل الفشل الكُلوي، واختلال وظائف الكبد، والاضطرابات القلبية، وتساقط الشعر، والعُقم، والعجز جنسي، والضعف في الذاكرة، والتقرّحات في الفم، والصعوبات في التنفس، واحتمال الإصابة بنوع آخر من السرطان.
يتعرف الراوي في أثناء علاجه على عدد من المرضى؛ لكن تظل المرأة المصابة «بورم بحجم البيضة» في رأسها، هي الأقرب إليه روحياً؛ لأنها قارئة من الطراز الرفيع، وتصارع المرض ذاته الذي يعاني منه، وهي التي نصحته بقراءة كتاب سونتاغ المعنون «المرض كاستعارة». وبما أنه يحتاج إلى نقل ثلاثة أكياس من الدم إلى شرايينه، فينصحه الطبيب بالذهاب إلى العاصمة، وأخذ خزعة منه لأنها ستؤكد المرض، وتحدّد نوعه، والمرحلة التي وصل إليها.
ولكي يتقدم النسق السردي بخط مستقيم، يعود الراوي من إجازته المرضية إلى العمل، ليقدم استقالته؛ لكن المدير ينصحهُ بأخذ إجازة مرضية أخرى، كي لا يخسر التأمين الصحي الذي توفره الشركة للموظفين. وبما أن الراوي لا يستطيع التكتّم على مرضه، فيتوجب عليه أن يخبر ذويه وأعمامه جميعاً، كما تقتضي الأعراف المتّبعة في حال الإصابة بهذا المرض المُهلك. وإذا كان البعض من الإخوة والأعمام يتلقون هذا الخبر كقدرٍ لا بد منه، فإن الأم والجد هما اللذان يُصدَمان فقط؛ حيث يُغمى على الأم غير مرة، وتترقرق الدموع في عيني الجد الذي لم يبكِ إلا في وفاة ابنه، وإصابة حفيده بمرض السرطان.
تكمن سخرية النص في العادات والتقاليد الاجتماعية، فبينما يعاني الراوي من أعراض مرض السرطان، يطالبه شقيقه الأكبر بألا يحرجه أمام ضيوفه وأنسبائه الجدد، وحينما يأكل رغم نفوره من الطعام، يسقط في الحمّام مغشياً عليه، وكادت روحه أن تفارق جسده.
يواصل الراوي رحلته العلاجية رغماً عنه، وتُجرى له فحوصات جديدة متعددة، مثل «الرنين المغناطيسي»، ثم يزرعون في جسده «نظائر مشعة» ليتأكد من «أن الألم هو الحقيقة الوحيدة» التي بات يستشعرها في حياته. وبما أن العلاج الكيميائي قد قضى على 40 في المائة من الخلايا السرطانية، فإن عليه الاستمرار بدورة ثانية من العلاج، وثمة خيار آخر متوفر، وهو زرع الخلايا الجذعية التي تقترح أخته أن تتبرع بها مقابل أن يخرج من البيت كي تبيعه، بعد أن وجدت عروساً من عائلة ثرية لشقيقها الأكبر؛ لكنه يرفض هذا المقترح، فتفقد أعصابها وتخرج صارخة متذمرة، عندها فقط يشعر بأنه «أكثر حرية مما كان في أي وقت مضى».
لم يجد الراوي عزاءه في قصص كافكا ورواياته فحسب، وإنما في كافكا الإنسان المغترب، الذي أورثه السل آلاماً كثيرة في الرئة والروح والمزاج معاً.
تنتهي الرواية ببارقة أمل؛ خلافاً لتوقعات القرّاء الذين ظنوا أن الموت سوف يلتهم هذا الكائن، الهش، الغريب، المجبول على العزلة، غير أن التقارير الطبية كشفت أن الإشعاع قد عالج الكبد من الخلايا السرطانية ولم يبق أمامه سوى مواصلة رحلته العلاجية في اليابان، ومع ذلك فهو لا يستبعد أن يستفيق ذات صباح ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة ضخمة، كما حدث لغريغور سامسا في رواية «المسخ».
تعددت القراءات النقدية لهذه الرواية المحبوكة، فمنهم مَنْ قارنها بغريب كامو، ومَنهم مَن ربطها بجوزيف ك، أو غريغور سامسا، أو ببعض شخصيات تانيزاكي، ولكنها في واقع الحال أقرب إلى الخلطة السحرية من أدب العبث واللامعقول، الذي يمجد البطل المغترب الذي ينفصل عن واقعه تماماً، ويعيش حياة عدمية لا تحطِّم إيقاعها الرتيب حتى علاقة عاطفية عابرة، أما شقيقته الصغرى، فقد كانت تمثل نموذجاً قاسياً للمناكدة الفظّة، والتناحر الأهوج.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.