المرأة والعباقرة... سالومي نموذجاً

قد تساعدهم على التفتح أو تدمرهم

TT

المرأة والعباقرة... سالومي نموذجاً

كان اللقاء الأول بين نيتشه وسالومي قد ترتب ترتيباً من قِبل صديق نيتشه الفيلسوف بول ري وسيدة ألمانية تهتم بالثقافة والمثقفين من الخارج - أي بشكل سطحي، لكن مفيد - هي (مالفيلدا فون ميزنبوغ). ومن كثرة ما كتب له بول ري عن هذه الشابة الساحرة القادمة من البلاد السلافية رد عليه نيتشه بالرسالة التالية:
«سلم لي على هذه الروسية السلافية إذا كان للسلام من معنى! لا ريب في أني أطمع بهذا النوع من النساء. نعم، سوف أكرس نفسي قريباً للبحث عن فرائس كهذه!.. فأنا في أمس الحاجة إلى ذلك من أجل إنجاز الأعمال التي أنوي كتابتها خلال السنوات العشر القادمات. أما الزواج فمسألة أخرى... كل ما أستطيع قوله في هذا المجال هو اتخاذ قرار بالزواج لمدة سنتين فقط (أي زواج مؤقت، أو محطة استراحة). لاحظوا هذه الغطرسة الفارغة: لكأن هذه الروسية الحسناء ذات النظرات الغامضة والابتسامة القاتلة لم تكن تنتظر إلا مجرد صدور قرار عن نيتشه لكي تتزوجه!
سوف نلاحظ فيما بعد أنها هي التي سوف «تفترسه» وليس العكس. سوف نرى أنه سيعض أصابعه ندماً عليها بعد أن رفضته بشكل قاطع، وكان حبها قد تسرب إلى قلبه كالسم الزعاف دون أن يشعر، أو حتى وهو يشعر... هذا لا يعنى بالطبع أنها لم تعجب به ولم تعرف قيمته. فمنذ اللقاء الأول أحست بغرابته، وعرفت أنه شخص غير عادي. فهو أولاً قد تلبك وأخذ يبحث في جيبه عن شيء ما، وراح يقوم بحركات غير طبيعية ولم يعد يعرف ما ذا يقول. فصدرت عنه هذه العبارة العبثية والمضحكة في آن معاً: «من أي كوكب سقطنا لكي نلتقي؟» هذه هي طريقة نيتشه في المغازلة!
بعدئذٍ راحت تستمع إليه بكل إصغاء وتتعرف على فلسفته وتمشي معه في الوديان والجبال، وكان مشّاءً كبيراً. وعرفت الفرق الكبير بينه وبين صديقه بول ري. لكن قلبها مال لهذا الأخير على الرغم من كل شيء. بهذا المعنى يمكن القول إن الرجال العاديين بل، وحتى التافهين من أمثالنا أفضل للنساء من الرجال العباقرة.
وذلك لأن العبقري مهووس بشيء واحد فقط: هو عبقريته أو رسالته التي هي أعز عليه من روحه. وبالتالي؛ فالمرأة بالنسبة له عبارة عن أداة لا غاية بحد ذاتها. ثم كانت القطيعة والنميمة والحسد، وتدخل الناس والوشاة، وكل ما يتلو الحب الكبير من سقوط كبير. وراح يهجوها هجاءً مقذعاً لا يليق بفيلسوف كبير. وكره الجنس اللطيف كله من خلالها أو بسببها. وراح يشتم المرأة في المطلق بشكل ظالم وغير مقبول على الإطلاق. ماذا نستطيع أن نفعل لك يا سيد نيتشه إذا لم تكن هناك امرأة واحدة على وجه الأرض تريدك أو تقبل بك؟
لكن، أليس هناك من سبب آخر لابتعادها عن نيتشه: أقصد لرفضها له؟ ألا يمكننا الاعتقاد أنها خافت منه بعد أن انكشفت لها أعماقه العدمية أو دهاليز روحه الداخلية؟ عندئذ راحت لو أندريا سالومي تكتشف عالماً رهيباً مخيفاً لا يكاد يتحمله البشر فانسحبت طالبة النجاة والأمان. وتركت نيتشه يبحر في عُباب الفكر والظلام وحيداً...

اللقاء الثاني مع ريلكه
دائماً اللقاء الأول له معنى على الرغم من هشاشته، وأنه يتم «بالغلط» أو عن طريق الصدفة المحضة في معظم الأحيان. وكثيراً ما ننساه فيما بعد في زحمة الحياة والعلاقة، ثم لا نعود لكي نتذكره إلا بعد أن تحصل القطيعة المُرّة وتنتهي القصة فنتساءل: كيف حصل ذلك الحب يا ترى؟ وعندئذ نحاول استعادته، ونجد أن له طعماً خاصاً: طعم الحامض - الحلو، أو حتى المر - الحلو، طعم الندم والحرمان...
كان اللقاء الأول بين لو أندريا سالومي وريلكه قد حصل في ميونيخ بتاريخ 12 مايو (أيار) 1897 بواسطة الروائي والصديق المشترك جاكوب واسرمان. وكان كافياً لكي تنقدح شرارة الحب: تلك الشرارة الخالدة التي تخترق العصور والأزمان دون أن تتغير، ودون أن يبليها الزمن. الزمن قادر على إبلاء كل شيء ما عدا شرارة الحب. والحب هو الشيء الوحيد القادر على إيقاف الزمن. الحب هو المنافس الأكبر للموت والزمن. الحب هو الموت بعينه.
وقالت: لقد دخل حياتي كالضرورة، وزارني الحب بكل هدوء وطمأنينة... زارني دون أي تحدٍ أو إحساس بالذنب. زارني كما لو أننا نكتشف شيئاً مباركاً يكتمل بفضله العالم. هذا عن حبها هي، أما عنه هو فحدّث ولا حرج... فقد كان جارفاً، مشتعلاً... ينبغي ألا ننسى هنا الفرق الأساسي بين علاقتها مع نيتشه وعلاقتها بريلكه. فهي عندما تعرفت على فيلسوف الألمان كان عمرها لا يزيد على العشرين عاماً، وكان نيتشه قد شارف الأربعين وأنجز قسماً كبيراً من أعماله، وتهيأ للانعطافة الكبرى التي ستقوده إلى كتابه الحاسم، «هكذا تكلم زرادشت». بمعنى أنها كانت تلميذة صغيرة في محراب فيلسوف كبير يعرف ما يريد وما لا يريد، فيلسوف تشكل وتبلور ونضج.
أما علاقتها بريلكه فكانت مختلفة تماماً. فهي كانت قد اقتربت من الأربعين، في حين أنه لم يكن قد تجاوز العشرين. الأمور معكوسة إذن. ولم يكن قد نشر شيئاً يذكر حتى ذلك الوقت، ولم يكن معروفاً بعد. بل لم يكن أحد يتوقع أنه سيصبح أحد كبار شعراء العصر. لقد التقاها والعمر في أوله، والعبقرية لا تزال نائمة تنتظر فقط شرارة الاحتكاك بالمرأة العشيقة، بالمرأة الصديقة، لكي تنقدح وتشتعل كالحريق... وفي اليوم التالي للقائها لم يستطع البقاء في البيت فراح يتجول كالمجنون في شوارع ميونيخ، ويمر على كل البيوت ما عدا بيتها، وهو يتوقع أن يلقاها صدفة على منعطف شارع ما، أو في منتصف الطريق، أو في إحدى الساحات والزوايا...
وراح يكتب لها الرسائل التي تفوق الشعر:
«في يوم ما، وبعد سنوات طويلة، سوف
تعرفين ماذا كنتِ بالنسبة لي.
كنتِ نبع الجبال للعطشان
آه يا نبعي الصافي!
أي عرفان بالجميل نحوك! لم أعد أتمنى رؤية الأزهار والسماء
والشمس إلا فيك... من خلالك..»...
هذا هو الحب، أو قل جنون الحب: في أوله أحلى من العسل، وفي آخره أمرّ من الحنظل. (بين قوسين للدلالة على مدى خطورة هذه المرأة وكيف أنها كانت تفتك بالرجال فتكاً ذريعاً دعوني أروي لكم النادرة التالية: في أحد الأيام كنت أقلب صفحات كتاب فرنسي قديم، وفجأة وقعت على صورتها وهي تحتل الصفحة كاملة. فوقعت في حبها على الفور، وبالضربة القاضية! صدقوا أو لا تصدقوا، أنتم أحرار... وعندئذ قلت بيني وبين نفسي: الآن فهمت لماذا جننت نيتشه. فإذا كانت الصورة قد دوختني فما بالكم بالحقيقة؟).
لكن جنون ريلكه كان أحياناً أكثر مما يحتمل أو يطاق. كان توتره الداخلي يتفاقم ويتعاظم لكي يتحول في بعض اللحظات إلى مشكلة حقيقية بالنسبة للو أندريا سالومي. وقد حاولت مساعدته عندما عرضته على الأطباء النفسانيين لكي يكتشفوا علته وسر قلقه القاتل، لكن عبثاً... فالعلة كانت غائصة في الأعماق، بل وفي أعماق الأعماق. وربما اقتنعت سالومي في نهاية المطاف بأنه من الأفضل ألا تُكتشف علته؛ لأنها إذا ما اكتشفت زال سر عبقريته! كان ريلكه من صنف المبدعين الكبار الذين تنطبق عليهم كلمته الشهيرة:
«عجبت لمن يرى بمثل هذا الوضوح دون أن يجد مخرجاً!»

اللقاء الثالث مع فرويد
أما اللقاء الثالث والأخير الذي أتيح للو أندريا سالومي أن تحظي به في حياتها العامرة بلقاء العبقريات، فكان مع مؤسس التحليل النفسي: سيغموند فرويد. لكنه كان لقاءً خاصاً ومختلفاً جداً عن اللقاءين السابقين اللذين طبعا حياتها بطابعهما. فعندما التقته كان عمرها قد تجاوز الخمسين وفرويد نفسه تجاوز الستين بكثير، وحقق اكتشافاته الأساسية في مجال التحليل النفسي. باختصار، كانت علاقة ناضجة قائمة على التفاهم والمعرفة وخالية من «المصالح الجنسية» التي كثيراً ما تعكر صفو العلاقة بين الرجل والمرأة. أو قل كانت علاقة تشبه «الصداقة الغرامية» عن بعد لأنها قائمة على تبادل الرسائل أساساً ما عدا بعض اللقاءات العابرة. صحيح أن فرويد كان «مريضاً» أيضاً كنيتشه وريلكه وبقية المبدعين الكبار. لكنه استطاع أن يتجاوز مرضه بعد مشقة هائلة، وبعد أن بلغ الثانية والأربعين من العمر، وذلك عندما أضيئت له طفولته ودهاليز حياته الداخلية في لمعة واحدة. فانحلت عقدته النفسية التي لاحقته طيلة كل تلك السنين. وبناءً على ذلك راح يبلور التحليل النفسي علماً عقلانياً لدراسة كل ما هو لا عقلاني مظلم في حياتنا ومتمركز في منطقة «اللاوعي». لقد استطاع فرويد أن يتجاوز ذاته ويرتفع فوق نفسه: بمعنى أنه اتخذ من ذاته وشخصيته وعقده النفسية حقل تجارب بغية تشكيل علم جديد مفيد جداً للآخرين والأجيال المقبلة. وهذا ما أعجبت به لو أندريا سالومي أيما إعجاب.
وما انفكت سالومي تثني على طريقة فرويد في توظيف العقلانية من أجل الكشف عن كل ما هو جامح ولا عقلاني فينا. وقد طبقت منهجيته على نيتشه ومعرفتها الشخصية به لكي تكشف عن لا عقلانيته، أو عن دهاليز شخصيته الداخلية التي حيرتها، بل وأرعبتها عندما كانت لا تزال شابة صغيرة.
ونتج من ذلك كتابها المهم عنه: «فريدريك نيتشه عبر أعماله ومؤلفاته». ففي حين أن نيتشه كان قد اخترق كل حدود العقلانية في فكره ووصل إلى التخوم الأخرى وقلب كلياً في جهة الجنون، وفي حين أن ريلكه لم يكن يهتم بالحدود الفاصلة بين العقل والجنون إلا من أجل إنكارها أو محوها، استطاع فرويد أن يبقى عقلانياً متزناً. وكانت تبحث عن هذا النوع من الرجال العباقرة الذين استطاعوا الإبحار ضد العواصف والأنواء قبل التوصل إلى الشاطئ الآخر بعد جهد جهيد.



في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»