تضارب حول مصير مدينة تركمانية محاصرة.. وتحذيرات من مذابح

شاهد عيان من تكريت: مسلحون رفعوا شعارات البعث وصور الدوري قبل إزالتها خوفا من إغضاب «داعش»

متطوعون يستمعون إلى تعليمات من مسؤولهم في مركز للتطوع ببغداد أمس (أ.ف.ب)
متطوعون يستمعون إلى تعليمات من مسؤولهم في مركز للتطوع ببغداد أمس (أ.ف.ب)
TT

تضارب حول مصير مدينة تركمانية محاصرة.. وتحذيرات من مذابح

متطوعون يستمعون إلى تعليمات من مسؤولهم في مركز للتطوع ببغداد أمس (أ.ف.ب)
متطوعون يستمعون إلى تعليمات من مسؤولهم في مركز للتطوع ببغداد أمس (أ.ف.ب)

لليوم السادس على التوالي، خاض مسلحو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) أمس، معارك كر وفر مع القوات العراقية الساعية إلى استعادة زمام المبادرة بعد انتكاسة الموصل في التاسع من يونيو (حزيران) الحالي إثر سقوطها بيد المسلحين من دون قتال. وفيما تتضارب الأنباء بشأن السيطرة على قضاء تلعفر شمال غربي مدينة الموصل (400 كم شمال بغداد) واعتقال آمر لواء الذيب المعروف بـ«أبي الوليد» على يد «داعش»، فإنه وطبقا لما أعلنه قائد عمليات الأنبار الفريق رشيد فليح فإن قوات الجيش وبمساندة العشائر تمكنت من استعادة السيطرة على مناطق واسعة من قضاء القائم، غرب الرمادي (110 كم غرب بغداد)، بعد ساعات من سقوطها بيد تنظيم «داعش». وقال فليح في تصريح صحافي بأن «قوات الجيش والشرطة بدأت بالتوجه إلى مناطق تجمع عناصر (داعش) في منطقة الكرابلة والرمانة لتطهيرها وإعادة فتح مراكز الشرطة من جديد». في سياق ذلك، قطعت القوات الأمنية جميع اتصالات شبكات الإنترنت عن عموم مدن محافظة الأنبار حتى إشعار آخر، على خلفية قيام القوات الأمنية بعملية واسعة، غرب الرمادي. وفي إطار عمليات تكثيف الجهد العسكري باستخدام طيران الجيش بكثافة فقد أعلنت عمليات الأنبار عن مقتل ما لا يقل عن 200 عنصر من تنظيم «داعش» بقصف للجيش أثناء تنظميهم استعراضا عسكريا في ناحية الصقلاوية شمال الفلوجة.
ومن القائم في أقصى الحدود الغربية من العراق حتى قضاء راوة الواقع غرب الأنبار، وسع مسلحو داعش عملياتهم العسكرية باتجاه هذا القضاء بهدف وضعه تحت سيطرتهم. لكنه، طبقا لما أعلنه قائمقام القضاء حسين علي في تصريح فإن عملية أمنية بدأت منذ يوم أمس الاثنين لطرد مسلحي داعش من مناطق القضاء. وأفاد مصدر استخباراتي في المنطقة الغربية لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم الإشارة إلى اسمه، بأن «الهدف من قيام تنظيم داعش بأنشطة في هذه المناطق الشاسعة والتي تبدو بمثابة تشتيت لجهودهم يعود لسببين الأول إن لهم في هذه المناطق خلايا نائمة وقد وجدوا أن الحاجة باتت ماسة لكي تأخذ دورها الآن في ضم ما تستطيع ضمه من هذه المناطق المحاذية للحدود السورية بهدف تأمين طرق الإمدادات لهم وقطعها أمام القوات العراقية»، مشيرا إلى أن «السبب الثاني هو محاولتها إشغال القوات العراقية وتشتيت جهدها في مناطق واسعة من البلاد قد لا تمنحها القدرة على مسك الأرض في النهاية من منطلق أن هؤلاء المسلحين يعرفون جيدا مداخل ومخارج هذه المناطق ولهم أدلاء فيها».
وفي الشمال حاول تنظيم «داعش» توسيع نطاق عملياته لتشمل قضاء تلعفر ذي الغالبية الشيعية التركمانية والواقع شمال غربي مدينة الموصل. وفيما يقول: «داعش» إنه سيطر على القضاء واعتقل قائد العمليات «أبو الوليد» فإنه واستنادا لما أعلنه الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة الفريق قاسم عطا فإن قضاء تلعفر لم يسقط بيد داعش وإن الأنباء التي تحدثت عن اعتقال آمر «لواء الذئب» عارية عن الصحة. ومنذ مساء أمس الأحد تدور اشتباكات بين المسلحين الذين ينتمون إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» الجهادي المتطرف وتنظيمات أخرى من جهة، والقوات العراقية من جهة ثانية، في قضاء تلعفر (380 كلم شمال بغداد) وسط نزوح آلاف العائلات.
وقال عبد العال عباس قائمقام تلعفر في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: «هناك 200 ألف نازح والاشتباكات مستمرة داخل تلعفر (...) لدينا شهداء وجرحى وفوضى ونزوح». وذكر من جهته مصدر مسؤول رفيع المستوى في محافظة نينوى أن المسلحين تمكنوا بعد هجوم شنوه في ساعة متأخرة من الليلة قبل الماضية من السيطرة أمس على بعض أحياء القضاء. وأضاف أن «قضاء تلعفر يشهد حاليا سيطرة المسلحين على أبنية حكومية (...) ما عدا الأحياء الشمالية التي لا تزال تشهد اشتباكات». يذكر أن قضاء تلعفر وهو أكبر أقضية العراق من حيث المساحة الجغرافية في منطقة استراتيجية قريبة من الحدود مع سوريا وتركيا، ويبلغ عدد سكانه نحو 425 ألف نسمة. وحذر مسؤولون محليون من مذابح في حال سقوط القضاء تماما بيد «داعش».
من جهتهما، أكد شاهدا عيان من مدينتي الموصل وتكريت في تصريحين منفصلين لـ«الشرق الأوسط» بعض جوانب الحياة في هاتين المدينتين. وقال الشيخ وهاب السالم من تكريت بأن «تنظيم داعش في تكريت يبدو مختلفا من حيث الشكل مع ما هو موجود في الموصل إذ أن الحياة في تكريت تبدو أكثر مدنية مما هي في الموصل طبقا لما عرفناه واستطلعناه»، مضيفا «أود أن أركز على تكريت لكي نعرف الفارق عن الموصل مع أن اللافتة واحدة، إذ أن الحياة تبدو طبيعية جدا حيث لا توجد مظاهر غير طبيعية ويمكن أن تثير المخاوف والقلق مثلما كان متوقعا لحظة دخولهم». ويشير السالم إلى أن «المفارقة اللافتة أن الجميع بمن في ذلك الشرطة كانت تعلم منذ الليل أن الدواعش سيصبحون في تكريت وهو ما حصل بالفعل لكنهم دخلوا بغطاء بعثي تمثل في الصور منها صور عزة الدوري والشعارات الحزبية التي اختفت الآن بعد صدور تعليمات حزبية بعدم إسباغ طابع بعثي على العملية لأن ذلك بدأ يثير مخاوف وشكوك (داعش) التي تعد هي صاحبة اليد الطولى في المعارك». ويتابع الشيخ السالم قائلا إن «الأمر الوحيد اللافت هو أن الجهة التي سيطرت ومنها محافظ المدينة الذي ينتمي إلى حزب البعث وعهد صدام فرضت على موظفي الحكومة كتابة براءة من الحكومة وبالفعل هناك من ذهب إلى الجوامع وكتب هذه البراءة وهناك من لم يذهب علما بأنهم دعوا الموظفين إلى الالتحاق بدوائرهم».
من جهته، يقول الأكاديمي مروان الطائي من مدينة الموصل لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع بدأت طبيعية أول الأمر إلى الحد الذي بدأ الناس يتعاطون معهم بعد أن رفعوا الحواجز الكونكريتية واستمرت الكهرباء من دون انقطاع وبالتالي حصل شعور أن عهدا جديدا بدأ». ويضيف الطائي «لكن في الأيام التالية بدأت المظاهر المدنية تختفي علما بأن العائلات بدأت تعود وبدأوا بفرض نوع من العقوبات الخاصة بالشريعة علما أن المجتمع الموصلي محافظ أصلا لكن هناك مؤشرات على تقييد الحريات وتوجه لهدم القبور والأضرحة والمقامات ومنها أثرية»، متسائلا «من أين يمكن تأمين الطاقة الكهربائية التي هي بيد الحكومة المركزية وبإمكانها قطعها ومن أين يمكن تأمين الرواتب للموظفين والمتقاعدين وهي بيد الحكومة المركزية؟». وعد أن «هذه المسائل لا تصمد طويلا أمام حقائق أخرى خصوصا أن مؤشرات الصراع بدأت بين أكثر من جهة وفصيل داخل الموصل».
وفيما يجري القتال في مناطق شاسعة غرب وشمال العراق فإن أعين الجميع تتجه نحو العاصمة بغداد. ففيما نفت سلطة الطيران المدني توقف الرحلات الجوية في مطار بغداد فإنها نفت أن يكون المطار قد تعرض لهجوم طبقا لما نقلته بعض وسائل الإعلام. وقال رئيس سلطة الطيران المدني ناصر الشبلي في مؤتمر صحافي إن «هناك أعدادا متزايدة من المسافرين وهذا يعد أمرا طبيعيا جدا بسبب بدء العطلة الصيفية لمغادرة الكثير من العراقيين لغرض الاصطياف هذا من جانب ومن جانب آخر نحن لدينا صالة واحدة في المطار وبالتالي يكون الزخم في هذه الصالة كبيرا جدا».
من ناحية ثانية، أفاد بعض سكان العاصمة الذين اتصلت بهم «الشرق الأوسط» من لندن بانتشار كثيف للمسلحين خاصة في الأحياء المختلطة، مشيرين إلى أن المسلحين هم من المتطوعين الجدد إضافة إلى «جيش المهدي» و«عصائب أهل الحق» ومجموعات أخرى مما يشيع أجواء من الخوف وأدى إلى غلق غالبية المحال التجارية.



تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended