اشتباكات طرابلس تتصاعد.. و«قادة جبل محسن» يهددون بمحاصرة المدينة

وزير الداخلية اللبناني لـ {الشرق الأوسط} : يجب منح الجيش صلاحية كاملة للضرب بيد من حديد

دبابة للجيش اللبناني في أحد شوارع طرابلس بينما يتصاعد عمود من الدخان في سماء المدينة أمس (رويترز)
دبابة للجيش اللبناني في أحد شوارع طرابلس بينما يتصاعد عمود من الدخان في سماء المدينة أمس (رويترز)
TT

اشتباكات طرابلس تتصاعد.. و«قادة جبل محسن» يهددون بمحاصرة المدينة

دبابة للجيش اللبناني في أحد شوارع طرابلس بينما يتصاعد عمود من الدخان في سماء المدينة أمس (رويترز)
دبابة للجيش اللبناني في أحد شوارع طرابلس بينما يتصاعد عمود من الدخان في سماء المدينة أمس (رويترز)

تصاعدت حدة الاشتباكات في طرابلس اللبنانية أمس على محور جبل محسن (ذات الغالبية العلوية) وباب التبانة (ذات الغالبية السنية) على خلفية الأزمة السورية. وسجل ليل السبت - الأحد، استخدام القذائف الصاروخية والهاون والـ«أنيرغا» التي سمعت أصداؤها في المناطق البعيدة من محاور القتال. وهدأت الاشتباكات صباحا، لتعود طوال ساعات النهار، أعمال القنص، لا سيما عند أوتوستراد طرابلس الدولي الذي لا يزال مغلقا نتيجة استهدافه. ووصل الرصاص الطائش إلى مناطق بعيدة عن أماكن الاشتباكات في حين كانت وحدات الجيش اللبناني ترد على مصادر النيران بشكل مركز، وفق ما ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام.
وعلى وقع التخوف من انفلات الوضع في طرابلس بشكل يصعب التحكم به، لا سيما بعد البيانات والبيانات المضادة بين من أطلقوا على أنفسهم تسمية «أولياء الدم» في كل من جبل محسن وباب التبانة المتنازعتين، سجل حراك سياسي وأمني على أكثر من خط في محاولة لتهدئة الأوضاع في عاصمة الشمال، أهمها لقاء عقد بين رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة السابق، رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة. وارتفعت حصيلة الاشتباكات بعد ثلاثة أيام على بدء المواجهات إلى 13 قتيلا وأكثر من 70 جريحا، 24 من باب التبانة و12 من جبل محسن و13 من القوى الأمنية. وكان عناصر الجيش اللبناني يعمدون إلى سحب المصابين ونقلهم إلى مستشفيات المدينة للمعالجة.
وبعدما كانت مجموعة «أولياء الدم» في باب التبانة تبنت إطلاق النار على أشخاص من جبل محسن الخميس الماضي على خلفية تفجير مسجدين بالمدينة في أغسطس (آب)، معلنة استمرارها في استهداف أهالي جبل محسن إلى حين تسليم زعيم الطائفة العلوية علي عيد وابنه رفعت، أصدرت «اللجنة الموحدة لقادة المحاور في جبل محسن» بيانا، ليل أمس، أعلنت فيه «عدم السماح بعد اليوم لأي اعتداء على أي مواطن في جبل محسن ولا على أي منشأة أو مؤسسة يملكها ابن جبل محسن».
وهددت اللجنة أن الرد سيكون في كل لبنان معلنة فرض الحصار الكامل على مدينة طرابلس منذ اليوم (الاثنين) «حتى تسليم كل من حرض وهدر دم أبناء جبل محسن للقضاء وبملاحقة أي طرابلسي يخرج من المدينة». وحذرت «أبناء الأقضية المجاورة من أنهم سيكونون تحت مرمى نيراننا، إن حاولوا القدوم إلى طرابلس».
ووصف وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» جولة الاشتباكات الثامنة عشرة في طرابلس، بـ«التحدي الأكبر وليس الأخطر» بالنسبة إلى الجيش والقوى الأمنية والسياسيين على حد سواء، على اعتبار أن فريقي القتال يرفضان التراجع ومصران على الاستمرار في المواجهات. وأكد شربل أن الحسم في عاصمة الشمال يتطلب حسما في مواقف الأطراف السياسية والوزراء والنواب المحسوبين على فريقي 8 و14 (آذار). وأضاف: «على الجميع تحمل مسؤولياتهم والإعلان بشكل واضح وصريح عن رفع الغطاء السياسي على المقاتلين ومنح الجيش الصلاحية الكاملة للضرب بيد من حديد».
وعد شربل أن المواقف التي صدرت وتصدر ليست كافية وحتى الآن يبدو أن الوضع الأمني في طرابلس سيبقى على هذه الحالة، مطالبا القوى السياسية بالاجتماع وتوحيد قرارها في هذا الإطار كي تتمكن القوى الأمنية بالقيام بواجباتها كما يجب. وبعد ظهر أمس، أعلنت قيادة الجيش مديرية التوجيه في بيان لها أنها نفذت سلسلة دهم لأماكن تجمع المسلحين ومراكز القناصة، حيث أوقفت ثمانية مسلحين وضبطت كمية من الأسلحة الحربية الخفيفة والذخائر العائدة لها، بينها بندقية وقناصة بالإضافة إلى أعتدة عسكرية متنوعة. وقد سلم الموقوفون مع المضبوطات إلى المراجع المختصة لإجراء اللازم، بينما سطر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر استنابات قضائية إلى الأجهزة الأمنية في الشمال من شرطة عسكرية وقوى أمن داخلي وغيرها من القوى الأمنية، بالبحث والتحري عن الأشخاص الذين يشاركون في الأحداث الأخيرة في طرابلس ويطلقون النار على الجيش والسكان والأهالي، وطلب معرفة أسمائهم وتوقيفهم وسوقهم إلى دائرته.
من جهته، توجه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي في بيان له إلى أهالي طرابلس، وأعلن عن قرار اتخذ أول من أمس خلال الاجتماع الموسع الذي عقد في طرابلس وحضره سياسيو المدينة ورؤساء القوى الأمنية، بعد التشاور مع الرئيس اللبناني ميشال سليمان، بوضع كل القوى الأمنية تحت إمرة قيادة الجيش لتقوم باتخاذ كل الإجراءات المناسبة والحاسمة لضبط الأمن، مشيرا إلى أنه على يقين بأن الجيش سيقوم بالمهمات الملقاة على عاتقه وسينفذ المذكرات القضائية بمجملها.
وأضاف ميقاتي: «أمام هذا الواقع الأليم بات لزاما علي كمسؤول وكممثل عن طرابلس أن أضع جميع المعنيين أمام مسؤولياتهم وأدل بوضوح على مكامن الخلل في المعالجة أينما وجدت لأن لا شيء أهم لدي في هذه المرحلة من حماية المدينة وحقن الدماء البريئة وصون الأعراض والأرزاق».
كذلك، رأى رئيس كتلة المستقبل، رئيس الحكومة السابق، فؤاد السنيورة أن «هناك حاجة لاتخاذ قرارات حازمة في طرابلس حتى لو اقتضى الأمر تغيير رؤساء الأجهزة الأمنية والعسكرية في المدينة، من أجل أن يسود شعور بأن هناك أمرا جديدا سيجري تطبيقه».
وعد خلال مشاركته في ندوة في صيدا، أن «هناك من يعمل من أجل إبقاء طرابلس جرحا نازفا»، مشيرا إلى أن «هناك حاجة لأن تعمد الدولة إلى سحب السلاح من الجميع في طرابلس».
كما دعا المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الرئيس نجيب ميقاتي إلى «الاعتكاف ورفع الصوت لوقف الاقتتال في طرابلس»، وقال في بيان: «سبق لنا أن نبهنا المسؤولين السياسيين والأمنيين في الدولة، إلى خطورة ترك الوضع في طرابلس لفوضى السلاح التي زرعها النظام السوري وحلفاؤه في المدينة، ولكن تبين أن من هم في موقع المسؤولية لا يتحلون بالمسؤولية، ليدركوا أن التآمر أو التقصير في اتخاذ القرار بمنع تكرار الاعتداء على طرابلس، ستكون له نتائج وخيمة»، داعيا ميقاتي إلى الاعتكاف ورفع الصوت واتخاذ القرار المناسبة لإيقاف ما يحصل في طرابلس.
وأشار ريفي إلى ما سماه «السلوك المشبوه لبعض الأمنيين في التفرج على الاعتداء على طرابلس» بالقول: الأمن لا يكون بالنظر بعين واحدة، بل بتطبيق القانون وفرض الإجراءات الأمنية لحماية المدينة، على الجميع سواسية ومن دون استثناء، وهذا يجب أن يجري فورا، عبر إمساك الدولة بشكل كامل بأمن المدينة».
وأضاف: «لن نتوقف للحظة عن ملاحقة قضية تفجير مسجدي السلام والتقوى، مطلبنا العدالة، وجلب المعتدين والمتورطين إلى القضاء لمحاسبتهم، لأنهم أطلقوا النار على رأس طرابلس. وبالإصرار نفسه، نرفض بشكل قاطع ممارسات إطلاق النار على أرجل الأبرياء. طرابلس تنتظر من الجميع موقفا واضحا، وإلا سيكون لها كلمة واضحة». في المقابل، في حين، قال المسؤول الإعلامي في «الحزب العربي الديمقراطي» عبد اللطيف صالح إن «الأمور بجبل محسن في يد مجموعة أولياء الدم وقادة المحاور»، عادا أن «الحزب العربي الديمقراطي ينأى بنفسه عن كل ما يحصل في طرابلس»، مضيفا: «لا علاقة لنا بكل ما يحصل، لكن إذا طلب منا التدخل للوساطة بين أولياء الدم وقادة المحاور بجبل محسن فنحن مستعدون لذلك». أشار الناطق باسم فعاليات باب التبانة خالد السيد إلى أن «أهالي جبل محسن تعرضوا لاعتداءات من جهات مجهولة وقد تكررت هذه العمليات حتى ظهر أمين عام حزب العربي الديمقراطي رفعت عيد متوعدا أهالي باب التبانة».
وتوجه السيد إلى قيادة الجيش اللبناني بالسؤال: «هل سترخصون دماء عناصر الجيش كرمى عيون رفعت عيد وحزب الله والرئيس السوري بشار الأسد؟».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.