الخبير في معهد «أميركان إنتربرايز» بواشنطن: روسيا دولة معادية وخطرة لكن ربما ليست مارقة

مايكل روبين دعا في حوار مع («الشرق الأوسط») إلى استقالة سمانثا باور لأنها انتقدت الصمت الأميركي حول رواندا وتغاضت عما يجري في سوريا

مايكل روبين
مايكل روبين
TT

الخبير في معهد «أميركان إنتربرايز» بواشنطن: روسيا دولة معادية وخطرة لكن ربما ليست مارقة

مايكل روبين
مايكل روبين

في حوار حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، خاصة سوريا، وإيران، والدول المارقة، وأيضا روسيا وأوكرانيا، انتقد خبير أميركي كبير سياسة الرئيس باراك أوباما نحو سوريا، وحمله جزءا من مسؤولية ما يحدث الآن. بيد أنه قال إن المسؤولية الكبرى يتحملها الرئيس السوري بشار الأسد.
ودعا الدكتور مايكل روبين، الخبير بمعهد «أميركان إنتربرايز» في واشنطن، إلى استقالة سمانثا باور السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، واتهمها بالنفاق لأنها انتقدت الصمت الأميركي حول مذبحة رواندا، ولم تفعل ذلك بشأن ما يجري في سوريا. وانتقد أيضا سياسة أوباما نحو روسيا وأوكرانيا. وقال إن روسيا ليست «دولة مارقة»، لكنها «شبه مارقة». ونفى أن تكون قائمة «الدول المارقة» تركز فقط على الدول الإسلامية. وقال إنه يعارض شعار «صراع الحضارات»، الذي كان رفعه، قبل عشرين سنة تقريبا، صمويل هنتنغتون، الأستاذ السابق في جامعة هارفارد. وقال روبين إنه من المفارقات أن الإسلاميين صاروا يرفعون هذا الشعار.
وعن التدخلات العسكرية الغربية في دول إسلامية، قال إن قادة مسلمين في دول مارقة ارتكبوا أعمال عنف ضد إخوانهم المسلمين أكثر مما فعلت الدول غير الإسلامية في تلك الدول.
يذكر أن روبين نال دكتوراه في التاريخ من جامعة ييل (ولاية كونتيكيت)، وعمل مستشارا لوزير الدفاع لشؤون إيران والعراق، وحاضر في جامعات أميركية كثيرة وفي مجلس العلاقات الدولية، وفي الجامعة العبرية بالقدس، وجامعة السليمانية في شمال العراق، قبل أن ينتقل باحثا مقيما في معهد «أميركان إنتربرايز» بواشنطن. وعمل بعد غزو العراق مستشارا لسلطة التحالف المؤقتة. وعاش في إيران، واليمن، وفي العراق، قبل الحرب وبعدها، وقضى فترة مع طالبان في أفغانستان قبل هجمات عام 2001. ألف مجموعة من الكتب؛ منها «رقص مع الشيطان: مخاطر التعامل مع الأنظمة المارقة».
وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط».

* ما تعريفك للدولة «المارقة»؟
- في القانون الدولي، لا يوجد تعريف موحد لهذه الكلمة. لكن، لا يوجد، أيضا، تعريف عالمي لكلمة «إرهاب» في كل حال. في سبعينات القرن الماضي، صار دبلوماسيون وخبراء علوم سياسية وعلاقات دولية يناقشون معنى «دولة مارقة»، وفي التسعينات، أعلنت إدارة الرئيس كلينتون تطبيق التعريف على كل حكومة تفعل الآتي:
أولا: لا تلتزم قواعد الدبلوماسية. مثلا، تستولي على سفارات أجنبية، وتعتقل رهائن أجانب. ثانيا: لا تلتزم قواعد الديمقراطية. ثالثا: تشترك في نشاطات إرهابية. رابعا: تشترك في نشر الأسلحة النووية.
واعتمادا على هذا التعريف، أقول إن دولا مثل إيران وكوريا الشمالية دول «مارقة».
* بعد ما فعلت روسيا في أوكرانيا ما فعلت، هل تعدها «دولة مارقة»؟
- أعتقد أن روسيا دولة «معادية» و«خطرة». لكن، ربما ليست دولة «مارقة». التعريف الذي أؤمن به عندما أقول دولة «مارقة» هو أن هذه الدولة ليست فقط «معارضة»، أو «منافسة»، أو «معادية». أعتقد أنه سيكون خطأ كبيرا من جانبي، وجانب غيري، أن نلصق وصف «مارقة» بأي دولة نختلف معها.
* ما رأيك في ردود فعل الرئيس أوباما إزاء ما فعلت روسيا في أوكرانيا؟
- رغم الإجراءات المتواصلة التي اتخذها، لم يصدر تقييما للأخطاء التي ارتكبناها، خلال عشرين سنة تقريبا، في سياساتنا الخارجية. أقول ذلك لأن تفادي هذه الأخطاء كان يمكن أن يمنع ما فعلت روسيا مؤخرا في أوكرانيا.
لا تنس أن الرئيس السابق بوش الابن قال إنه نظر إلى بوتين في عينيه، ورأى روحه (النقية). ولا تنس أن الرئيس أوباما، بعد أن غزت روسيا جورجيا، سارع وأعلن سياسة «ريسيت باتون» (إعادة تحسين العلاقات). ولا تنس تسريب ما قاله أوباما للرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، ولم يكونا يعرفان أن الميكروفون أمامهما كان مفتوحا. إذ قال لميدفيديف، قبيل انتخابات الرئاسة عام 2012: «انتظر حتى تنتهي الانتخابات، وسنكون أكثر مرونة».
* اتهمت السياسة الخارجية الأميركية بأنها تسترضي الدول المارقة. هل يمكنك أن تقدم بعض الأمثلة؟
- بدلا عن كلمة «ابيزمنت» (استرضاء)، أفضل كلمة «انسينتفيزيشن» (تحفيز)، وأقصد تحفيز الدول المارقة. مثلا، ظللنا نقدم مليارات الدولارات إلى كوريا الشمالية حتى لا ترفض المفاوضات معنا. لكن، لم ينجح هذا التحفيز في الماضي، وأعتقد أنه لن ينجح في المستقبل. وصار واضحا أن الكوريين الشماليين يواصلون إنتاج أسلحة نووية.
حتى الرئيس السابق بوش الابن، حذف كوريا الشمالية من قائمة الإرهاب، رغم أنها كانت تقدم مساعدات إلى ثوار «نمر التاميل» في سريلانكا، وإلى حزب الله في لبنان.
وحتى الرئيس الأسبق رونالد ريغان، تورط في إرسال الأسلحة إلى إيران. وهي دولة كانت في ذلك الوقت، ولا تزال، مارقة.
* هل استرضى أوباما أو حفز روسيا وهي تؤيد وتدعم النظام الحاكم في سوريا، وهو نظام مارق؟
- طبعا، سوريا دولة «مارقة». ويمكن أن تكون روسيا دولة «مارقة»، أو «غير مارقة»، فقط «معادية» و«خطرة».
وفي كل الأحوال.. أولا، أثبت الرئيس الروسي بوتين أنه ليس صادقا. لم يكن صادقا مع الرئيس الأسبق بوش، رغم أن هذا الأخير تحدث عن «روح بوتين». الآن، ليس بوتين صادقا مع أوباما. ثانيا، يؤمن الروس بأن القوة هي: أما النصر وإما الهزيمة. لكن، نحن نؤمن بأن القوة تكمن في دبلوماسية الحل الوسط. لهذا، يؤمن الروس بأننا يجب أن ننهزم لينتصروا هم. ثالثا، نحن، حتى عندما نختلف اختلافا كبيرا مع دولة، نترك الباب شبه مغلق، حتى لا تتطور الخلافات إذا أغلقنا الباب.
لهذا، لم يصعد أوباما الاختلاف مع روسيا حول سوريا، لأنه كان يتعاون مع بوتين حول أفغانستان، وترتيبات ما بعد انسحابنا من هناك. ولهذا، لم يصعد أوباما الاختلاف مع إيران حول سوريا، لأنه لا يريد إغلاق الباب أمام الرئيس الجديد روحاني.
* في بداية الثورة السورية، رفع أوباما شعار «الأسد يجب أن يرحل». لماذا غير رأيه؟
- بصراحة، أعتقد أن أوباما لم يرد، أبدا، أن يؤيد المعارضة السورية تأييدا فعليا. لم يرد تورطا جديدا في الشرق الأوسط، خاصة بعد عشر سنوات من الحرب في أفغانستان والعراق. وأقول للذين ينتقدوننا لأننا تدخلنا هناك، ها نحن قررنا ألا نتدخل في سوريا.
*هل يتحمل أوباما جزءا من فشل الثورة السورية؟
- نعم. لكن، لا تنس أن بشار الأسد يتحمل المسؤولية الكبيرة.
* لماذا طلبت، مع آخرين، من سمانثا باور، السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، أن تستقيل؟
- اشتهرت سمانثا باور عندما كانت صحافية، وكتبت عن الإبادة في رواندا. ونالت جائزة «بوليتزر» بعد أن انتقدت تقصير الحكومة الأميركية هناك. وكتبت كتابا بعنوان «مشكلة من الجحيم». وترأست مجلس منع الإبادة العالمي. لكن، الحكومة التي تعمل معها باور منذ خمس سنوات، لم تتدخل عندما تحول نزاع مدني في سوريا إلى واحد من أفظع صراعات هذا القرن.
للأسف، ها هي باور لا تطبق ما تقول. تبدو سعيدة وهي تنصح. لكنها لا تريد أن تضحي بطموحاتها. تريد أن تكون وزيرة للخارجية في المستقبل. لهذا، لا تريد أن تسبب مشاكل. في رأيها، لا بأس «إذا صارت في سوريا إبادة، هذا ثمن قليل لوزارة الخارجية».
* يقول خبراء أميركيون في واشنطن، يمكن وصفهم بأنهم «واقعيون»، بأن العالم مليء بالدول المارقة. ولا بد أن يتعايش الأميركيون معها؟
- ليست المشكلة تماما هي أن الدول المارقة ظاهرة واقعية، رغم أنها يمكن أن تكون، حقيقة، مشكلة. لكن، المشكلة هي ما إذا كانت الدبلوماسية وحدها تقدر على التصدي للدول المارقة. توجد كثير من الدول التي لا يحب بعضها بعضا. وأرى أنه أمر جدير بالإعجاب أنها مستعدة للتفاوض الدبلوماسي بعضها مع بعض.
لكن، توجد دول مارقة لا تلتزم بقواعد الدبلوماسية. كيف نتفاوض، ونتفق، مع حكومة نعرف أنها لن تلتزم بما سنتفق عليه؟
* يقول خبراء آخرون، يمكن وصفهم بأنهم «مثاليون»، بأن الأميركيين يقدرون على تغيير الدول المارقة بالتفاوض معها، وكسب صداقتها، وتقديم مساعدات لها؟
- ربما نقدر على أن نصادق الذين نختلف معهم اختلافات عادية. لكن، ليس هذا سهلا مع الدول المارقة التي يبدو واضحا أنها لن تغير العقيدة التي تؤمن بها. وليس هذا رأينا نحن فقط. وسأقدم لك أمثلة عربية وأوروبية.
أولا، خلال عشرين سنة، حاول الرئيسان المصريان، جمال عبد الناصر وأنور السادات، كسب الرئيس الليبي معمر القذافي دبلوماسيا. وهو، كما يعرف كل العالم، كان غريبا جدا. لكنهما فشلا.
ثانيا: في تسعينات القرن الماضي، حاول كلاوس كنكيل، وزير خارجية ألمانيا، كسب صداقة النظام الحاكم في إيران. لكن، فشل لسبب بسيط، هو أنه تجاهل قوة المرشد الأعلى في إيران، آية الله علي خامنئي. ثم، خلال السنوات 2000 - 2005، ضاعف الاتحاد الأوروبي تجارته مع إيران. رغم أن سعر النفط تضاعف أربع مرات. لكن، الذي حدث هو أن إيران استعملت 70 في المائة من عملتها الصعبة في برامج أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى. يعني هذا أن بعض الدول المارقة لا تهتم بالصداقة مع الدول التي تختلف معها مثلما تهتم بالعملة الصعبة منها.
* عملت مساعدا لوزير الدفاع، فهل هذا سبب انتقادك للحلول الدبلوماسية، وتفضيلك للحلول العسكرية؟
- في الواقع، أنا لا أؤمن بذلك. ومنذ فترة طويلة، ظللت أعارض ضربات عسكرية ضد إيران. أنا لا أرى أن الخيار هو: أما حلول عسكرية وإما حلول دبلوماسية. لكن عندما يتعلق الموضوع بالاستراتيجية الشاملة للدولة، يبدو أن الكل أكبر من مجموع الأجزاء. أقصد أن الجمع بين الدبلوماسية، والضغوط الاقتصادية، والضغوط العسكرية أفضل من الدبلوماسية وحدها. مثلا في عام 2003، عقدنا اتفاقية مع القذافي حول أسلحته النووية وبرنامج صواريخه، وكان ذلك دليلا على أن الدبلوماسية ممكنة.
* تقول بعض الدول المارقة إن شعار «الصفاء الأخلاقي» الذي يرفعه أميركيون، وأنت واحد منهم، شعار لا يخلو من تناقض، إن لم يكن من نفاق. ويقولون إن الأميركيين هم آخر من يتحدث عن «الصفاء الأخلاقي»، بعد أن غزوا ودمروا العراق الذي لم يعتد عليهم أبدا؟
- نقدر على الجدل في حرب العراق. لكن، توجد نقطتان مختلفان. أولا، لا يقدر أي شخص على أن يجادل بأن أي حرب هي مأساة إنسانية.
ثانيا، توجد تكلفة أخلاقية عندما نستعمل الدبلوماسية البطيئة مع الدول المارقة.
في إيران، مثلا، أثناء حكم الرئيس محمد خاتمي، والآن مع الرئيس حسن روحاني، ارتفعت نسبة عمليات الإعدام داخل إيران. في الوقت نفسه، لا الرئيس أوباما، ولا وزير الخارجية جون كيري، يتحدثان عن محنة الأقليات الدينية في إيران. ويعود هذا إلى أنهما يحاولان عقد صفقة مع إيران.
وأيضا صفقة مع الإخوان المسلمين في مصر. وأيضا، صفقة مع النظام المارق في كوريا الشمالية. وأيضا، صفقة مع طالبان، مع الرغبة في تجاهل محنة النساء بأفغانستان.
لهذا، أقول إن المشكلة ليست هي أننا نرفع شعار «الصفاء الأخلاقي»، أو لا نرفعه. المشكلة هي أن الدبلوماسية مع الدول والمجموعات المارقة تكلف كثيرا بالنسبة لحقوق الإنسان في تلك الدول، ومع تلك الأنظمة. هل الدبلوماسية، رغم ذلك، هي الأفضل؟ هذا موضوع آخر.
* يكرر كثير من المارقين، دولا ومنظمات، اتهامات تاريخية ضد الدول الغربية. ضد الاستعمار الغربي، وضد الإمبريالية الغربية؟
- أقول لهؤلاء إنهم ليسوا وحدهم ضحايا قرون الاستعمار الغربي والإمبريالية الغربية. مثلا، لا توجد أي دولة مارقة في دول مجلس التعاون الخليجي. وليست مصر، أو تونس، أو الجزائر، أو المغرب، دولا مارقة. وكلها استعمرتها بريطانيا وفرنسا.
واسأل هؤلاء المارقين: ماذا عن الظلم في العراق على يدي الأتراك؟ وماذا عن ظلم الصفويين في إيران؟ لا هذا، ولا ذاك، له صلة بالدول الغربية.
وتوجد نقطة أخرى، هي أنه، في كثير من الأحيان، يستعمل المارقون الظلم التاريخي، الذي يقولون إنه وقع عليهم فقط كعذر لسياساتهم المارقة. مثلا: يتهمنا الإيرانيون بأننا، في عام 1953، وبواسطة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) عزلنا محمد مصدق، رئيس الوزراء. لكن تحالف المحافظين الإيرانيين معنا، ومع شاه إيران، ضد مصدق. وقالوا إنه يساري ويميل نحو الروس (والشيوعية). لهذا، اعتذارنا عن انقلاب عام 1953 سيكون فيه خطأ تاريخي. سيكون مثل أن يعتذر متآمر لمتآمر آخر، وليس للضحية نفسها.
* وماذا عن قول بعض الناس بأن «إرهابي» أمس يمكن أن يكون «بطل» اليوم؟ ماذا عن نيلسون مانديلا الذي صار رئيسا لجنوب أفريقيا؟ وبن جوريون الذي صار رئيسا لوزراء إسرائيل؟
- طبعا، هذه حجة صحيحة. والسبب هو أنه لا يوجد تعريف عالمي لكلمة «إرهاب». لكن، في كل الأحوال، ينقسم الإرهابيون إلى نوعين؛ أولا: الذين يفعلون ذلك بسبب الظلم، مثل احتلال أجنبي. ثانيا: الذين يفعلون ذلك بسبب عقيدة، مثل تنظيم القاعدة، ومثل الإخوان المسلمين. وحتى، مثل عصابة «بادر ماينهوف» في ألمانيا.
لهذا، أقول إن النوع الثاني هو الذي يميل نحو الوقوع في قائمة «المارقين». وذلك لسببين بسيطي؛ أولا: ليسوا مستعدين لتقديم تنازلات آيديولوجية. ثاني: لا يعترفون بأن الدبلوماسية الغربية فيها أي فائدة.
* يكرر هؤلاء أن ما سماها الرئيس السابق جورج بوش الابن «الحرب ضد الإرهاب» ليس إلا حربا ضد المسلمين، إن لم تكن ضد الإسلام؟ وأيضا، قائمة «الدول المارقة»، وأنت واحد من أصحابها؟
- أبدا، لم أقتنع بما يسمى «صراع الحضارات». ومن المفارقات أن الذين يؤيدون هذه النظرية صاروا المارقين أنفسهم. صار «صراع الحضارات» أكثر شعبية وسط الإيرانيين والإخوان المسلمين، عنه في الولايات المتحدة، أو في السعودية.
بالنسبة لقائمة «الدول المارقة»، نعم، أكثر الأنظمة المارقة تاريخيا توجد في العالم الإسلامي. لكن، ليست القائمة فقط عن الدين (الإسلام). ليست كوريا الشمالية بلدا مسلما.
وتوجد نقطة أخرى مهمة: نحن، معشر الأميركيين، ننسى أن الدول المارقة في الشرق الأوسط فيها ظلم المسلمين بعضهم بعضا أكثر من ظلم غير المسلمين للمسلمين. وأقدم الأمثلة التالية.
أولا: قتل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عددا كبيرا من الأكراد المسلمين، والشيعة العرب. ثانيا: استهدفت الحكومة الإيرانية الأقلية السنية دون هوادة. ثالثا، نسمع في الولايات المتحدة عن عنف «الأخضر على الأزرق» في أفغانستان. وذلك عندما يقتل جنود أفغان جنودا غربيين. لكننا لا نعرف أن ثلاثة أضعاف هذا العدد يقتلون بسبب عنف «الأخضر على الأخضر»، أي قتل أفغان مسلمين لأفغان مسلمين.
وأخيرا، يمكن أن نتفق، أو نختلف، حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. لكن، ستظل مشكلة الدول المارقة مستمرة بغض النظر عن هذه السياسة الأميركية.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.