«فلسفة التناغم» العربية

بين الروح الدينية والثقافة القومية

TT

«فلسفة التناغم» العربية

لقد قلنا في المقالين السابقين إن هناك علاقة ديناميكية بين مفهومي القومية والروح الدينية، من خلال تحليل كتاب المفكر الفرنسي «دي توكفيل»، عبر أطروحته المهمة التي أكد فيها على أن الروح الدينية ساندت بقوة الفكر القومي في الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر، وهو ما تناقض تماماً مع الوضع في أوروبا. كما تابعنا التشريح العلمي لمفهوم القومية الذي عرفه المفكرون باعتباره فكراً يجمع مجموعة من الأفراد على أسس مشتركة، من بينها العرق واللغة والقيم والتقاليد والدين والتاريخ... إلخ. ثم توقفنا أمام سؤال محير، وهو: بماذا نصف الدولة البازغة بوفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام)؟ هل كانت مبنية على الروح الدينية أم الثقافة القومية العربية؟ وحقيقة الأمر أنني وقعت في هذه المعضلة الفكرية منذ أسابيع قليلة أثناء مراجعة كتابي الأخير «حي بين الأموات»، فبماذا أصف الدولة الإسلامية الفتية؟ هل بُنيت على فكر قومي أم روح دينية خاصة، مع اقتراب التماس الزمني بين انقطاع الوحي بوفاة المصطفى وإعادة بنائها وانطلاقها في عهد الصديق أبو بكر (رضي الله عنه)؟
وبعد فكر توصلت لقناعة بأنها معضلة من صنعنا نحن، استناداً على موروثات وهياكل فكرية وتاريخية وضعتنا أمام أحادية فكرية، مبنية على فرضية تدفع نحو حتمية التناقض بين المفهومين أو التوصيفين، عند مناقشة تشييد هذه الدولة العظيمة بحق، وهي حتمية خلصت إلى أنه لا داعي لها من الأساس.
حقيقة الأمر أنه لا خلاف على أن القيادة السياسية لهذه الدولة العظيمة كانت إلهية الصنع، بموجب نزول الوحي على النبي (عليه الصلاة والسلام)، فالبنيان الذي أقيمت عليه هذه الدولة واضحة شرعيته، ولا لبس فيه، وبعد وفاته فإن هذه الروح لم تزهق؛ بل أصبحت جزءاً من هذا الكيان الموحد وتكويناته المختلفة حتى يومنا هذا، فالإسلام هوية قولاً واحداً، ومع ذلك فإنه من الإجحاف أن نستبعد العنصر القومي الذي قامت عليه هذه الدولة بمركزية قريش، منذ اجتماع «سقيفة بني ساعدة» التي حسمت تماماً مسألة خلافة الرسول في الحكم وقيادة الدولة.
وإذا ما أكدنا أن الروح الدينية هي مسند الشرعية الأساسي، فإننا لا يمكننا إغفال روح القومية العربية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية، التي كانت تفتقد لسلطة مركزية نتيجة الظروف المحيطة بهذا المجتمع القبلي والنعرات المختلفة التي غشيته، وهذه هي الروح التي ساهمت بشكل كبير بمجرد تهذيبها وإخضاعها بدعوة الصادق الأمين في صهر الدولة. وفي هذا الإطار فإننا يمكن أن نرجع ملامح هذه الروح القومية إلى العناصر الرئيسية التالية:
أولاً: تسيد اللغة العربية لشبه الجزيرة، وهو ما خلق أهم عنصر من عناصر القومية التي سمحت بالانتماء والانصهار في الدولة الفتية، فاللغة الواحدة سمحت بالتفاعل والتجانس بين القبائل قبل الوحي، ولا تخفى أهمية هذا العنصر؛ بل ومحوريته في خلق روح الانتماء داخل القومية، وفقاً لتعريفات هذا المفهوم؛ بل إن القرآن الكريم ذكر هذا العنصر صراحة في الآية الكريمة: «إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون»، ولا خلاف على وجود لكنات مختلفة للعربية، ولكنها لم تكن بأي حال من الأحوال عنصراً مؤثراً على الهوية اللغوية للقبائل المختلفة.
ثانياً: لعل عنصر الدين كان أيضاً عاملاً داعماً لهذا المفهوم، فالعرب كانت لديها هوية وثنية دينية متقاربة، رغم ظهور بؤر لديانات أخرى، كاليهودية والنصرانية، قبل الإسلام، فساعد ذلك على التقارب الفكري وخلق روح الألفة بين القبائل، وهو ما يبرر مركزية مكة المكرمة في هذه المنظومة، لوجود بيت الله الحرام بها والحج، وهو ما فطن إليه قصي بن كلاب عبر جملته الشهيرة: «فوالله لا تستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون إخراجكم، فتسودوا العرب أبداً»، وهي عبارة تدل مباشرة على وجود مفهوم العروبة والهوية القومية المشتركة لها، ودور الدين فيها؛ لأنه كان يتحدث عن قريش وسيطرتها على بيت الله.
ثالثاً: لا خلاف على أن الطبائع الاجتماعية والثقافية، رغم اختلافها، كانت عنصراً مؤسساً لهذه الهوية العربية المشتركة، فالقبائل كانت لها سننها التي تتفق عليها، مثل الكرم، والأخذ بالثأر، والموروثات، والاجتماعيات، والنكاح، وغيرها من الطبائع التي لا تخفى عن العين المجردة عند تناول أحوال العرب قبل الإسلام.
رابعاً: تجلى عنصر الروح القومية في السلوك السياسي للقبائل، رغم تناحرها أمام العدو الخارجي. ولا تفوتنا هنا حالة العرب عندما انتصرت قبيلة «بني شيبان» وحلفاؤها على الفرس، في معركة «ذي قار» الشهيرة، الذي اعتبرته كل القبائل انتصاراً عربياً جمع العرب حولها، وهو ما دفع الأعشى لكتابة أبياته الشهيرة التي انتشرت بين العرب، فقال فيها:
وجند كسرى غداة
الحنو صبحهم
منا كتائب تزجي الموت
فانصرفوا
ولكل هذه الأسباب مجتمعة، فإن روح القومية تعد عنصراً أساسياً وقوياً مساهماً في انصهار القبائل، لدفعهم نحو بناء الدولة الإسلامية العربية والقومية المركزية. ولكل هذه الأسباب خرجتُ بقناعة ضرورة التخلص من المعضلة الموروثة بأن ألقب هذه الدولة العظيمة في كتابي بأنها «الدولة الإسلامية - العربية»، فالإسلام وحّدها ومنح شرعيتها السياسية وروحها، أما القومية العربية فصقلتها في دولة قومية موحدة، وهو ما فطن إليه بشدة الأمويون، فسعوا لإبقاء هذه الهوية العربية، فما أتعس ممن يخلق المعضلة فيقع فيها.



سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة عمرها

الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم (وسائل التواصل)
الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم (وسائل التواصل)
TT

سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة عمرها

الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم (وسائل التواصل)
الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم (وسائل التواصل)

رحلت، يوم الاثنين، الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم، بعد عمر طويل قضته في القراءة والبحث والتنقيب والتأريخ. عُرفت بشغفها برواد النهضة الأدبية، لا سيما أولئك الشوام الذين وجدوا في مصر موطناً ثانياً لهم. كانت تتقصّى مساراتهم وعلاقاتهم ومؤلفاتهم، وتبحث في ما خفي من كتاباتهم وما لم يُنشر منها. وهي، في الحقيقة، بعملها هذا، كانت تبحث عن نفسها وعائلتها.

سلمى التي وُلدت في القاهرة، هي ابنة والد هاجر من النبك في سوريا إلى مصر، وأم مهاجرة هي الأخرى من جون في لبنان إلى المحروسة. وتتلمذت في المدارس المصرية، والتحقت بالجامعة الأميركية هناك لتدرس الصحافة والأدب.

سلمى مرشاق مع زوجها محسن سليم (وسائل التواصل)

شاءت الظروف أن تلتقي ذات إجازة لها مع عائلتها في بيت مري في لبنان، بالمحامي اللبناني محسن سليم لتتزوج عام 1957 ممن سيصبح نائباً عن بيروت، وتنتقل لتعيش معه، وتبدأ حياة في لبنان بينما قلبها بقي معلقاً في مصر، مع عائلتها هناك التي كانت تزورها كل سنة. ورغم 70 عاماً من العيش في لبنان احتفظت سلمى بلهجتها المصرية، وبقيت حريصة على متابعة حركة النشر والصحافة هناك.

هي والدة الناشرة والأديبة رشا الأمير، والناشط والباحث لقمان سليم، الذي رحل مقتولاً في اغتيال بشع في فبراير (شباط) من عام 2021، مما شكّل ضربة قاصمة للأم التي كانت ترى في ابنها صديقاً ومحاوراً وجاراً ورفيقاً يومياً. رحلت سلمى مرشاق وفي قلبها حسرة وحزن كبيران. فليس من نكبة أكبر على أمّ من محنة فقد ابن أثناء حياتها، فكيف إذا كان هذا الموت قد جاء بيدٍ مجرمة.

هي عاشقة الأرشيف. كانت تتحدث دائماً عن كارثة الاستهتار بالأرشفة، وضياع الأثر بسبب الإهمال واللامبالاة، وأنها علّة تحتاج إلى علاج جذري. هي نفسها حولت بيتها إلى ملتقى لأصدقائها الكتّاب والمثقفين، ومكاناً لتجاربها الأرشيفية المتواصلة.

ولم يكن مشروع ابنها الراحل لقمان في تأسيس «أمم للأبحاث والتوثيق»، الذي عُني بشكل خاص بتوثيق صحف وشرائط وصور الحرب الأهلية اللبنانية، سوى امتداد لهذا الشغف الكبير عند الوالدة.

ولأنها معروفة بولعها بالحفاظ على الإرث وتوضيبه، وهبها أستاذها وصديق عمرها الكاتب المصري وديع فلسطين مكتبته الخاصة قبيل وفاته، التي نقلتها من مصر إلى بيروت بجهد كبير، وأمضت سنوات في ترتيب محتوياتها وإعادة تنظيم مكوناتها. وهي ترحل اليوم عن عمر 95 عاماً، بقيت خلالها نشطة ومعنية بالثقافة والفكر، تاركة هذه المكتبة إضافة إلى مكتبتها الخاصة في بيتها في حارة حريك، وفي منزلها الصيفي في سوق الغرب. وهناك أيضاً، بين ما تركت قصاصاتها ومخطوطاتها وصحفها التي كانت مدمنةً على متابعتها ورقياً كل صباح.

مع ابنتها رشا الأمير صاحبة «دار الجديد» (وسائل التواصل)

وضعت مرشاق كتاباً عن «نقولا الحدّاد الأديب والعالم»، استغرقها سنوات من عمرها. فالسيدة الدقيقة المتقنة كانت تبحث حيث لم يصل غيرها، وبالتالي ألقت الضوء على دوره النهضوي والفكري وعمله الصحافي من خلال جريدته «المحروسة». وحين خصّت «إبراهيم المصري رائد القصة النفسية» بكتاب، شملت دراستها مساهماته على اختلافها، في القصة كما في الدراسات والنقد الأدبي.

ومن الشوام الذين هاجروا إلى مصر، الذين اهتمت بمسارهم، «مي زيادة: ما تبقّى منها للجيل الجديد»، مستفيدة من الفرصة لتعرّج على أسماء نسائية أخرى سجلت السبق في ميدانها. وكما في كل مرة، كانت تذهب لتبحث عن الجديد وما تراكم عليه الغبار.

أبحاثها واهتماماتها دارت في غالبيتها حول هذه المجموعات المغامرة، التي تركت بلاد الشام تحت وطأة القمع، وأحياناً بحثاً عن فرص أفضل، وذهبت تبحث عن موطن جديد في مصر. اختارت مرشاق قصص نجاحات ثقافية لهؤلاء، وسير أدباء وصحافيين لم يُكتب عنهم الكثير، لتقوم بالمهمة وتعيد لهم مكانة يستحقونها ولم ينالوها. وقد جمعتها بالأديبة التي كتبت مثلها كثيراً عن المهاجرين ومتاعبهم وهمومهم، كما عاشت آلام بُعد العائلة في المهاجر، الكاتبة اللبنانية أملي نصر الله.

عُنيت سلمى مرشاق دائماً بالهامش. كان لها رأيها في أهمية استعادة ما أُسقط لإتمام الصورة. كانت تحزن على مؤلفات لا تجد من يهتم بها، وكتب لا يتوفر لها من يؤرشفها ويرتبها ويُعنى بها. ترى أنها احتضنت ما أمكنها، وأنقذت ما بمقدورها، وأن ما هو بحاجة إلى عناية يلزمه عمل جماعي وجهد مؤسساتي تُرصد له الإمكانات التي تسمح بالعمل.

برحيل سلمى مرشاق سليم، يتذكر الجميع، لسوء الحظ، مصابها المفجع في ابنها لقمان أكثر مما يتداولون الحديث عن مؤلفاتها. فحزنها، وهي في أوائل تسعيناتها، ودموعها التي كانت تحبسها، تركت في نفس من عرفها أكبر الأثر. وهي بغيابها اليوم، بعد 5 سنوات بالتمام من الاغتيال الشنيع، تترك فراغاً لدى كل أولئك الذين كانوا يتحلقون حولها، ويشاركونها محنتها.

Your Premium trial has ended


عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.