كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء صحافيين إيرانيين حول تغطية المظاهرات ضد تدهور الوضع المعيشي

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)

أصبحت وسائل الإعلام الإيرانية مرة أخرى أمام اختبار صعب لتقييم مصداقيتها في الشارع الإيراني من جهة، ولاختيار جاهزيتها لتغطية أزمة داخلية ضربت البلاد من جهة أخرى.
و قبل شهر تحركت شرائح المجتمع الإيراني ضد غلاء المعيشة، كانت البلاد شهدت أكثر من ألف زلزال على أثر تحرك الطبقات تحت الأرض، قبل أن ينتقل التحرك إلى طبقات المجتمع الإيراني فوق الأرض.
وأثناء الحملات الانتخابية ، حذر المرشد الإيراني علي خامنئي من تلاسن المسؤولين عبر وسائل الإعلام وتحرك طبقات المجتمع والتسبب في زلزال كبير.
ولم تكن الحرب محصورة بين السلطات وشبكات التواصل الاجتماعي. وسائل الإعلام بدورها كانت مسرحاً لمواجهة بين الإعلام الرسمي والإعلام غير الرسمي. داخلياً لم تنشر الصحف الإيرانية سوى قليل من الأخبار وردت على لسان المسؤولين الإيرانيين، فيما شهدت تغطية القنوات الناطقة بالفارسية خارج إيران تبايناً كبيراً في التغطية. في هذا السياق ارتأت «الشرق الأوسط» أن ترصد آراء الصحافيين الإيرانيين حول أداء الإعلام الإيراني بمختلف اتجاهاته في تغطية الاحتجاجات الإيرانية.

إيران تسعى لفرض الرقابة على وسائل الإعلام الأجنبية

> يقول مسؤول ملف إيران وأفغانستان في منظمة «مراسلون بلا حدود»، رضا معيني المقيم بباريس في شهادته لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، حول تغطية احتجاجات إيران، إنها تأثرت بـ«سياسة إيران في تدويل الرقابة»، لافتاً إلى أن السلطات تحاول عبر الترهيب أو الإغراء التأثير في نشر أخبار الداخل الإيراني في وسائل الإعلام الأجنبية.
وباعتقاد معيني في محاولة فهم طبيعة نقل الأحداث الداخلية الإيرانية، «نحن نواجه واقعين؛ أولاً لا توجد لدينا القنوات الداخلية الحرة والمستقلة لنقل الأخبار والمعلومات. وسط هذا تشكل القنوات الدولية التي يملك بعضها خدمة فارسية مصدراً أكثر استقلالية من الشبكات الداخلية. هذا المصدر الوحيد الأكثر استقلالية من القنوات الداخلية».
ويستند معيني إلى بيانات سابقة صدرت من منظمة «مراسلون بلا حدود» في هذا الصدد، قائلاً: «هناك محاولات للسيطرة على هذه القنوات. هذه التهديدات عملياً يمكن أن تكون مؤثرة. النظام يهدد الصحافيين الذين يعملون في هذه القنوات. ويغري بعضاً منهم أي يقدم لهم بعض الإمكانيات، وحتى الصحافيين الأجانب الذين يتوجهون إلى إيران لم يسلموا، بواسطة الضغوط التي يتعرضون لها والملفات التي تجمعها ضدهم إيران، تحديداً تمارس إيران عليهم الضغوط والرقابة وتجبرهم على نشر أخبار معينة مثل وسائل الإعلام الداخلية».
وأوضح معيني في شهادته حول محاولات التحكم بوسائل الإعلام الأجنبية: «إذا أردت أن أضرب مثالاً على ذلك، فإنه يمكننا مقارنة الأخبار التي تنشرها وكالة (رويترز) بالأخبار التي تنشرها وكالة الصحافة الفرنسية».
وبشأن هذه المقارنة يلفت إلى أن «وكالة الصحافة الفرنسية» لديها مكتب في طهران، وتتعرض إلى ضغوط ولا يمكنها العمل كما ينبغي، بينما «رويترز» لا تملك مكتباً والأخبار الأكثر حرية واستقلالية هي لوكالة «رويترز». الحالة ذاتها تنطبق على القنوات والصحف الأخرى.
وعن صعوبة مهمة المراسلين في العاصمة الإيرانية، صرح معيني بأن «أي صحافي يذهب إلى إيران، إذا كان من أصحاب الجنسية المزدوجة يتعرض لضغوط مضاعفة، وإذا لم يكن من أصحاب الجنسية المزدوجة يواجه ملفات أعدت للقناة أو الصحيفة التي يعمل لصالحها. هذه الملفات هي مجموعة الأعمال التي قام بها الصحافي أو وسيلة الإعلام التي ينتمي لها، وبهذا التهديد لا توجد إمكانية لتمديد التأشيرة وإصدار رخصة عمل في إيران، مثلما قلنا في أحد البيانات: النظام الإيراني يحاول أن يجعل الرقابة دولية. في هذه القضية خصوصاً، أوضحنا أن الصحافيين والمراسلين في أي وضع يجب أن يكونوا حاضرين، وألا ينسوا الأخلاق والواجب المهني الاحترافي، وإذا تحول الصحافي إلى متعاون مع النظام فإنه لم يعد صحافياً».
وعلى صعيد الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيرانية بفرض قيود على الإنترنت خلال الأيام القليلة الماضية، تطرق معيني إلى القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على حرية المعلومات ونقل الأخبار واستخدام الإنترنت بشكل عام في إيران. ويرى أن النظام يعاني من الازدواجية والمفارقة في مواقفه من الإعلام. من جانب يجني الأموال من الإنترنت و«من جانب آخر يفرض قيوداً على حرية المواطنين ويمارس الرقابة».
وبحسب معيني، فإن مخاوف النظام من الإنترنت بدأت منذ توسع استخدام الخدمة في عام 2000. فمن جهة شكلت ثورة الكومبيوتر والإنترنت مصدراً اقتصادياً ضخماً للنظام، ومن جانب آخر يحاول النظام التحكم بالإنترنت.
يقول معيني في هذا الخصوص: «هذا التناقض عملياً نراه عندما تقلل سرعة الإنترنت حتى يواجه عرقلة نقل المعلومات». ويشير إلى رغبة المجتمع الإيراني في الوصول إلى المعلومات عبر استخدام الإنترنت، لكنه في الوقت ذاته يتساءل: «ما الداعي لشراء أحدث الأجهزة إذا كان من المقرر أن يشاهد المواطن الإيراني منتجات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني في الإنترنت؟».
وينوه معيني بإقامة إيران شبكة معلومات وطنية بهدف عزل الإنترنت في إيران عن المناطق الأخرى، وهو ما أطلق عليه في إيران «الإنترنت الحلال». ويعتقد أن مشروع الحكومة في رفع تكلفة الإنترنت للاتصال بالخارج مقابل أسعار أرخص للإنترنت الداخلي «تمييز إلكتروني» تمارسه السلطات عبر الإنترنت الحلال.
إضافة إلى ذلك يتحدث معيني عن سياسة السلطات الإيرانية عبر إطلاق مشروع «الحجب الذكي»، وذلك بهدف استمرار الأرباح الاقتصادية مع توسع نطاق الرقابة على الإنترنت.

اللوبي الإيراني والخطاب الإصلاحي وراء تحفظ قنوات خارجية

> «وسائل الإعلام باللغة الفارسية داخل إيران، بطبيعة الحال، لا يمكن معالجتها جميع الجوانب بسبب القيود. وهناك إمكانية لإغلاق وسائل الإعلام إذا عكست بعض الحقائق ذلك، يبدأ رسام الكاريكاتير ومدير موقع «خودنويس» المغلق حالياً، نك آهنك كوثر، كلامه عن تقييم أداء وسائل الإعلام الإيرانية.
وبحسب نك آهنك كوثر، فإن شبكات التواصل الاجتماعي خلال الاحتجاجات الأخيرة كانت «نشطة جداً، ولكن كانت هناك فرصة ضئيلة للتحقق من أخطائها وقضاياها. لأن كثيراً منها تلقى تقارير من مواقع مختلفة، فمن غير الممكن التحقق من دقة هذه المواد الإعلامية».
وينظر آهنك كوثر بتحفظ على تغطية وسائل التواصل، لأن «بعض الحالات، بدلاً من نقل الأخبار، يصنعون الأخبار. على سبيل المثال، نقول إن مسيرة ستعقد غداً في المنطقة في حين لم يكن هناك أي أخبار عن الحدث، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اجتماع مجموعات، وأن يأتي الطرف المقابل لقمع التجمعات».
ويلفت آهنك إلى أن «الخطر الحقيقي المتمثل في عدم وجود وسائل إعلام حقيقية في غياب حرية الصحافة يجعلنا لا نرى المسؤولية الإعلامية، مثل كثير من الشبكات الاجتماعية».
وعن تقييم وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج حدود إيران، يرى أن قنوات مثل «بي بي سي» الفارسية أو «راديو فردا» تتأثر بلجنة التحرير الإصلاحية، مضيفاً أنها «لا تنقل جزءاً من الأخبار ولا تعمل بالدقة المطلوبة تجاه المجموعات التي تشاركها الأفكار». على سبيل المثال هذا ينطبق تماماً على مواقف الإصلاحيين. وفي «صوت أميركا» يبدو ذلك إلى حد ما، ولكن يبدو أن قناة «من وتو» أعدت تقارير أفضل من الآخرين حول الأحداث.
ومقارنة بالتغطية الإعلامية بين احتجاجات الحركة الخضراء في 2009 واحتجاجات هذا العام، يوضح نك آهنك أن «عنصر التواصل الاجتماعي أقوى مما كان عليه في عام 2009، على سبيل المثال، كان (فيسبوك) هو الأول في ذلك الوقت، هذا العام كان (تويتر) قوياً جداً، ونشط كثير من الإيرانيين لم يكونوا نشطين من قبل، هذا العام على (تويتر)، وأظهر تطبيق (تليغرام) مدى قوته، حتى دفع النظام إلى حجبه».
ويشير آهنك إلى أن كثيراً من البيانات في 2009 «كانت تنقل بواسطة البلوتوث وفي شبكات أصغر. هذا العام يختلف تماماً، كان أوسع بكثير».
ويوضح آهنك أن دور المواطن الصحافي برز أكثر في الأحداث «على الرغم من أن دور الحملة الحكومية على الإنترنت كان أقوى أيضاً هذا العام».
ويقول آهنك إن «النقطة الأخرى في عام 2009، كان جزء من الحشد الذي ذهب في الشوارع والمظاهرات قريباً جداً من الطبقة الوسطى. في ذلك الوقت كان هناك عدد قليل جداً من الهواتف الذكية المتاحة لهذه الطبقة الوسطى، ولكن هذا العام، علينا الانتباه إلى أن هناك ما يقارب 40 مليوناً من الهواتف الذكية بيد شرائح مختلفة لديها إمكانية الوصول إلى هذه الهواتف. ونتيجة لذلك، كان تداول المعلومات أوسع بكثير».
وبالعودة إلى أداء القنوات التلفزيونية مقارنة بأحداث عام 2009، يقول إنه «لم تكن القنوات الفارسية في ذلك الوقت، على ما هي عليه الآن. كانت هيئة الإذاعة البريطانية الفارسية نشطة جداً، وصوت أميركا، ولكن هذا العام، شاهدنا دور قناة من وتو». ويرى أن قناة «من وتو» عبر تغطيتها للأحداث بـ«شفافية أكثر استطاعت أن تجتذب مزيداً من الجماهير».
ومع ذلك ينتقد بعض القنوات لتحفظها في نقل الأحداث، قائلاً إن «التغطية قد تأخرت هذا العام، كانت ردة فعل قناة بي بي سي الفارسية في 2009 سريعة، لكن هذا العام شاهدناها تأخرت عدة ساعات. وفي المقابل كان هناك كثير من السرعة بين الشبكات الاجتماعية، التي كانت قادرة على الحصول على مقاطع فيديو ذات جودة».
وعن أسباب غضب الجمهور من تغطية القنوات، يقول نك آهنك إن الأمر «يعود إلى أن بعض جماهيرنا يريدون موقفاً سياسياً في التغطية الإخبارية. وهذا، بالطبع، على حساب التغطية الإعلامية الحقيقية. وبطبيعة الحال، إذا انحاز معلق مباراة الكلاسيكو في إيران بين فريقي استقلال وبرسبولين، فإنه يلاقي استحسان مشجعي أحد الفريقين».
ويتابع في هذا الصدد: «قد يكون لدى كثير من الناس في الساحة السياسية هذه النزعة. على وسائل الإعلام أن تهتم بتوفير التغطية الإعلامية، فضلاً عن القضايا التي قد تكون غير مدركة للمجتمع، وقد تؤدي إلى معرفة أكثر عمومية. لكن مع ذلك، نحن لا نرى هذا في كثير من وسائل الإعلام في الخارج. لأنهم يسعون أحياناً إلى حل الأزمة وهم يخضعون للرقابة في مواجهة ما يحدث لحكومة روحاني».
وحول أداء الصحافيين في نقل المعلومات إلى خارج حدود إيران، يرى الخبير الإيراني أن «كثيراً من الصحافيين المحليين لديهم الفرصة لإرسال المعلومات إلى أصدقائهم في الخارج عبر مجموعة متنوعة من الطرق، بما في ذلك أساليب التشفير. ولكن كثيراً من الصحافيين المحليين بسبب موقفهم الإصلاحي، على سبيل المثال لا ينشرون الأشياء التي تضر حكومة روحاني، أو على سبيل المثال، تقارير عن الإصلاحيين التي يمكن أن تجعل موقفهم في المجتمع الأضعف. حتى في الشبكات التواصل الاجتماعي تعليقاتهم متحفظة جداً، ووفقاً لبعض أصدقائهم، يقولون إنهم أكثر إصراراً في الاستمرار مع الإصلاح».
ويعيد آهنك السبب إلى أن «المشكلة الكبيرة التي تبدو مع هيكل مؤسساتنا الإعلامية هي أن كثيراً من الصحافيين في إيران بدلاً من التمسك قواعد الصحافة، يتمسكون بالأهداف الحزبية والسياسية»، موضحاً أنهم «يعملون في إطار المصالح الحزبية والاجتماعية، ويتناسب نوع المعلومات التي يوفرونها مع هذه النظرة الحزبية، وحتى لو ألحق ذلك أضراراً بحزبهم إما أن يحجبوه، أو بطرق مختلفة يقللوا من حجم الخسائر».
وعلى سبيل المثال، لم تنشر وسائل الإعلام موقف جمعية رجال الدين المناضلين التي ينتمي لها خاتمي حول الاحتجاجات إلا بعد ساعات، ولم تتقبل تلك القنوات أن خاتمي كان أحد الموقعين على البيان، وعلى سبيل المثال أيضاً، دور روحاني في مجلس الأمن القومي كجهة مسؤولة أمرت بقمع الشعب، حاولوا أن يقولوا إن روحاني كان يفعل أي شيء لإبعاد الخطر عن الشعب، لكنه رفض الاعتراف بأن ما يحدث في الشوارع أساس قرارات مجلس الأمن القومي.
هذه القضية تقلل من الثقة العامة تجاه جزء من وسائل الإعلام الداخلية، كما هي الآن متراجعة. هذا في حين أن الصحف التي يكثر عنها الكلام في الساحة السياسية الإيرانية تتراجع عدد طبعاتها، وتراجعت إلى نحو 23 عاماً قبل أن يرتبط الصحافيين الإيرانيين العاملين في صحف مختلفة، باللوبي الإيراني، ونتيجة لذلك يحاولون جعل الأخبار في الفضاء الإعلامي والشبكات الاجتماعية مثل «تويتر»، كما لو كنا في إيران، لدينا مجموعة كبيرة جداً من المجموعات التقدمية والديمقراطية تمثلها حكومة روحاني وهناك طرف آخر يقابله باسم حكومة روحاني، هناك مجموعة سيئة للغاية تسمى الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن الحادث الذي وقع كان موقف الإصلاحيين والاشتراكيين في وسائل الإعلام الاجتماعية في وسائل الإعلام المختلفة، فإنها لم تكن قادرة على ترجمة بدقة لجمهور يتحدث الإنجليزية.
ما حدث أن مواقف الإصلاحيين والمعتدلين في شبكات التواصل الاجتماعي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة، لكن الصحافيين رفضوا نقلها إلى اللغة الإنجليزية، حتى لا تقدم صورة سيئة، على سبيل المثال، لمحمد رضا خاتمي لدى المتلقي الإنجليزي. وكذلك الحال بالنسبة لمواقف الإصلاحيين وعملياً يتحكمون بالأخبار.
من جانب آخر يتابعون النهج الإعلامي ذاته للوبي الإيراني في أميركا حول الاحتجاجات في إيران. وتتأثر تغطيتهم الإعلامية بمواقف اللوبي الإيراني في أميركا. هذا الأمر يتسبب في أن تأخذ مراكز صنع القرار في الدول الغربية قراراتها بناء على المعلومات المنشورة.
ويرى أن «تويتر» سبب التوازن ضد هذا الخطاب الإعلامي، لأنه يسمح بمداخلة الصحافيين المتسلقين وتصحيح المعلومات الخاطئة. وهو ما يظهر أن هناك بعض الأخطاء في التغطية.
ويرى أن تحرك اللوبيات لا يترك أثره على الصحافيين الإيرانيين فحسب، إنما يترك أثره على الصحافيين الأجانب. وفي هذا الخصوص يلفت الانتباه إلى تعميم مفهوم آيديولوجي في نقل المعلومات عن إيران. ويعتبر تغطية مراسل «نيويورك تايمز» في طهران «نموذجاً لنقل الأخبار التي ترسم الابتسامة على وجه وزير الخارجية الإيراني أو اللوبي الإيراني في أميركا». ويضيف أن هذا النوع من نقل الأخبار «ينقل جزءاً من الواقع وليس كل الواقع، ونقل جزء من الواقع أسوأ بمرات من الكذب».

شبكات التواصل و{الصحافي المواطن} تكسر صمت الإعلام الرسمي

> في شهادته حول تغطية الأحداث، يقارن الصحافي إحسان محرابي المقيم في برلين لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، بين غياب الاهتمام الإعلامي الداخلي في احتجاجات هذا العام والاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويقول محرابي إن «التجمعات الأخيرة في إيران مختلفة عن التجمعات الاحتجاجية السابقة من حيث التغطية الإعلامية». ويرى أن الخلاف الجوهري في أنها «لم تنعكس الاضطرابات الاقتصادية التي حدثت في إيران خلال التسعينات وخلال رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني في مدن مشهد وقزوين وإسلامشهر في المجتمع الإيراني، ولهذا السبب كانت وسائل الإعلام أقل اهتماماً بأصل القضية، وباستثناء وسائل الإعلام الرسمية كان هناك قليل من وسائل الإعلام التي تحدث عن الاحتجاجات».
ويتابع محرابي المختص بالشؤون البرلمانية الإيرانية: «لكن المظاهرات الاحتجاجية في 1999 وبعدها الهجوم على سكن طلاب جامعة طهران كان وضعها مختلفاً، والصحف الخاصة التي بدأت إصدارها في فترة حكومة محمد خاتمي، غطت الاحتجاجات على نطاق واسع. حتى بعد أيام من الاحتجاجات كانت العنوان الرئيسي في الصحف».
وعن التغطية الإعلامية في احتجاجات عام 2009، يوضح: «لم تلعب الصحف دوراً بسبب الضغوط الضخمة والتوقيف الواسع الذي وقع في السنوات السابقة للاحتجاجات، ولكن قبل الانتخابات، قام مؤيدو مير حسين موسوي ومهدي كروبي، زعماء الحركة الإصلاحية المحتجين على نتائج الانتخابات، بإطلاق مواقع على شبكة الإنترنت. وغطت هذه المواقع بعد الانتخابات أيضاً تقارير عن الاحتجاجات والقتلى والمحتجزين. هذا العام، أجرت بي بي سي الفارسية وراديو فردا أيضاً، مقابلات مع كثير من مؤيدي موسوي وكروبي، وكذلك الصحافيين، وغطت أخبار الاحتجاجات والأحداث اللاحقة».
كما يشير إلى وجود عدد كبير من الصحافيين الأجانب في طهران لتغطية الانتخابات، وهو ما ساعد أيضاً في نقل الأيام التالية من الانتخابات وانطلاق احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية.
ولكن عن هذا العام يقول إن «أحداثه كانت مختلفة عن جميع الأحداث السابقة. في هذه الاحتجاجات، لم تكن لدى المتظاهرين قيادة واحدة لديهم، ولا حتى مواقع ووسائل إعلام واضحة. ومن ناحية أخرى، كانت التغطية الإعلامية المحلية للاحتجاجات متاحة فقط للمسؤولين».
ولكن في هذه الاحتجاجات، لعبت وسائل الإعلام الاجتماعية والصحافيين المواطنين دوراً خاصاً، ونشرت تجمعات الأخبار على الشبكات الاجتماعية أو أرسلت إلى بي بي سي وراديو فردا، وغيرهما من وسائل الإعلام في خارج البلاد، بحسب محرابي.
في هذا الصدد، يلفت إلى مساهمة «بعض الصحافيين المحليين أيضاً في تغطية هذا التطور، ولكن بشكل عام، فإن الصحافيين المحليين في المحافظات الإيرانية لديهم اتصالات أقل من صحافيين في عاصمة إيران طهران وأقل إمكانيات».
يختم محرابي قائلاً: «بطبيعة الحال، فإن التحقق من صحة التقارير التي يرسلها الصحافيون المواطنون إلى وسائل الإعلام في الخارج صعب، حيث يواجهون صعوبة في طلب خبرة متخصصة، ويتعين على صحافيين من وسائل الإعلام الأجنبية القيام بكثير من الأبحاث حول هذه الأفلام والصور».

بعض القنوات تحفظت على الاحتجاجات
> ترى بنفشه بور زند أن النظام، خصوصاً القضاء الإيراني، أسكت وسائل الإعلام المستقلة بأي طريقة ممكنة خلال السنوات الماضية.
وفي تعليقها على غياب أخبار الاحتجاجات الأخيرة من وسائل الإعلام الرسمية، قالت إن «الأخبار الواقعية لا يمكن أن تنشر بالطريقة الصحيحة في أيامها العادية، فما بالنا بالأيام التي تشهد احتجاجات».
وقالت بور زند إن بعض وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج إيران: «تحاول التحفظ على الإصلاحيين، وتحت تأثير ذلك فإن تلك الوسائل الإعلامية لا تنقل الأخبار والحقائق وتتغاضى عن الدخول إلى التفاصيل».
وفي المقابل، ترى أن وسائل الإعلام العلمانية التابعة للتيار الليبرالي نقلت الأخبار الصحيحة، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام «تكريس الشائعات وكذلك التنظير السياسي»، ما يؤدي إلى «شغل المواطنين بالقضايا الهامشية». كما أنها «لا تولي اهتماماً للمحليين والمتخصصين الذين يقدمون حلولاً معقولة أو يتناولون الأخبار بحذافيرها بعيداً عن الثرثرة والتنظير»، بحسب بور زند.
وترى أن سياسة الفريقين الإصلاحي والعلماني في الإعلام وأسلوب تناول القضايا «لا يساعد في حل القضايا الإيرانية».
وتعرب بور زند عن اعتقادها أن «شبكات التواصل الاجتماعي نجحت في مهمتها داخل إيران»، فيما رأت أن «بعض المواقع الخبرية تحولت إلى أبواق لبعض الأحزاب»، ورغم أنها لا ترى عيباً في ارتباط الصحافي بالأحزاب، فإنها ترهن ذلك بـ«ألا يترك تأثيراً على أداء الصحافيين ونشر المعلومة».
وقالت بور زند إن المنابر الإعلامية «قدمت تفسيراً على خلاف حركة الاحتجاجات».
كما أعربت عن اعتقادها أن تغطية بعض القنوات التلفزيونية «تأثرت بالحزبية» من دون الإشارة إلى أسماء بعينها. وفي الوقت نفسه ترى أن القنوات الإخبارية خارج الأراضي الإيرانية «لم تكن سيئة، لكن كان بالإمكان أن تكون أفضل فيما يتعلق بنشر الخبر».
وترى أن شبكات التواصل الاجتماعي تفوقت على القنوات الإخبارية في نقل الأخبار دون تحفظ. وطالبت القنوات الإخبارية بأن تقدم تحليلاً بدلاً من التنظير، وتقدم الأولويات للأخبار.
في سياق منفصل، تنتقد بور زند غياب وسائل إعلامية مستقلة باللغة الإنجليزية، لافتة إلى أن تلك الوسائل تعاني من الانحياز للنظام أو الأحزاب المعارضة. كما تشير إلى «نفوذ اللوبي الإيراني في بعض وسائل الإعلام»، إضافة إلى «تمويل إيران وسائل إعلام مثل موقع ألمانيتور»، فضلاً عن عدد الصحافيين الأجانب المرتبطين بالنظام الإيراني، وهو ما يشكل ضغطاً على الصحافيين المستقلين.

الإعلام المحافظ حمّل الحكومة مسؤولية الحراك

قال صحافي ومختص في الشؤون الإعلامية الإيرانية يقيم في طهران ورفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن هناك نقطتين حول تغطية الأحداث في الصحف الإيرانية؛ أولاً: حاولت الصحف المحافظة أن تلقي باللوم في كل ما حدث على الحكومة، وأن تركز على أن السبب الرئيسي في إشعال الأزمة هو تلكؤ الحكومة في تحسين الحالة الاقتصادية، ومن هذه الجهة قامت بتأييد الاحتجاجات، وخصوصاً خلال الأيام الأولى. أما الصحف الإصلاحية فاتجهت في الأيام الأولى إلى رفض الاحتجاجات واتهام المحتجين بأنهم مسيرون من جانب المعسكر المحافظ، وهذا ترك أثراً سلبياً على مكانتهم بين الشارع، من حيث إنهم رفضوا حق التظاهر.
ثانياً: بعد عدة أيام من بدء الأزمة شهدنا توحداً في الاتجاهات بين الصحف من حيث رفض الاحتجاجات ومن حيث إحالتها إلى القوى الخارجية. ولكن مع مرور الزمن ارتفعت هذه اللهجة في الصحف المحافظة، بينما فضلت الصحف الإصلاحية التركيز على أسباب الاحتجاجات والتأكيد على حقوق المحتجين والمعتقلين.
وعن اختلاف تغطية احتجاجات هذا العام مقارنة بعام 2009، قال الصحافي الإيراني إن «الواقع أن وجه الاختلاف الأبرز كان هذا التوحد بين الصحافة الإصلاحية والمحافظة في ذم الاحتجاجات. فبينما شهدت أحداث عام 2009 انحيازاً للصحافة الإصلاحية إلى جانب المحتجين لم نشهد مثل هذا الانحياز في الصحافة الإصلاحية في الأحداث الأخيرة. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن المعالم الأساسية للتغطية الرسمية كانت واحدة في كلا الحادثين، مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع مستوى رد فعل الصحافة الرسمية على الهجمات التي شنتها الصحافة غير الرسمية وشبكات التواصل، ما يدل على اتساع أثر هذه الشبكات».
ورأى المحلل الإيراني أن أغلب الشارع «تابع الأحداث من منطلق شبكات التواصل وتليغرام على وجه الخصوص، وهو ما همش دور الصحافة المتلفزة والمسموعة خلال هذه الاحتجاجات. لكن مع انقطاع الإنترنت ارتفع مستوى متابعة التلفزيون بين المواطنين».
ورداً على سؤال حول تأكيد تفوق شبكات التواصل على الإعلام الرسمي بعدما تفوقت في الانتخابات وأسباب ذلك، قال: «بعدما بينت تأثيرها في الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً في انتخابات البرلمان ومجلس الخبراء، هذه المرة أثبتت الشبكات وخصوصاً تليغرام جدارتها في تحريك الشارع كما أثبتت فقدان الثقة بالتلفزة والصحافة الرسمية لدى الشارع. السبب الأول في ذلك تلكؤ الصحافة الرسمية في التعامل مع الحدث وصمته في الأيام الأولى. والسبب الثاني هو أن الخطاب الذي انتهجته الصحافة الرسمية لم يحصل على ثقة الشارع. وبالتالي فإن عامل المصداقية وعامل السرعة في نقل الأحداث هما سببان أديا إلى تفوق شبكات التواصل في سباقها مع الصحافة الرسمية».


مقالات ذات صلة

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

يوميات الشرق فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

حصد صلاح لبن، المحرر في «إندبندنت عربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، «جائزة فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»

«الشرق الأوسط» (ليماسول (قبرص))
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في روما يوم 15 أبريل 2026 (رويترز)

إيطاليا تستدعي سفير روسيا بعد إهانة مذيع تلفزيوني جورجيا ميلوني

انتقد السفير الروسي لدى إيطاليا الحكومة في روما، الأربعاء، بعد استدعائه بشأن تعليقات مسيئة من جانب مذيع تلفزيوني روسي بحق رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

خاص بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».