اجتماع تركي ـ يوناني اليوم لبحث ملفات التوتر

تلميح أميركي إلى تسليم غولن... وتوافق بين الحزب الحاكم والقوميين

الشرطة اليونانية تحمي وزارة المالية في أثينا خلال احتجاجات ضد التقشف (أ.ف.ب)
الشرطة اليونانية تحمي وزارة المالية في أثينا خلال احتجاجات ضد التقشف (أ.ف.ب)
TT

اجتماع تركي ـ يوناني اليوم لبحث ملفات التوتر

الشرطة اليونانية تحمي وزارة المالية في أثينا خلال احتجاجات ضد التقشف (أ.ف.ب)
الشرطة اليونانية تحمي وزارة المالية في أثينا خلال احتجاجات ضد التقشف (أ.ف.ب)

تستضيف العاصمة التركية أنقرة اليوم الجمعة اجتماعا بين وفدين دبلوماسيين تركي ويوناني، يستهدف بحث العلاقات بين البلدين والملفات التي تؤثر سلبا عليها والتطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك في الوقت الذي دعت فيه تركيا جارتها اليونان إلى الالتزام بتطبيق جميع قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بحقوق الأقليات، في إشارة إلى الأقلية التركية المسلمة في جزيرة تراقيا الغربية.
وذكرت وزارة الخارجية التركية في بيان، أمس الخميس، أن وكيل وزارة الخارجية السفير أوميت يالتشين، والأمين العام لوزارة الخارجية اليونانية السفير ديمتريوس باراسكيفوبولوس سيترأسان الوفدين اللذين سيبحثان التطورات الأخيرة في بحر إيجة، والعلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة.
وأضاف البيان أنه سيتم خلال اللقاء بحث موضوع مسلمي تراقيا الغربية، وملف العسكريين الثمانية الذين شاركوا في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها في تركيا في 15 يوليو (تموز) 2016، والذين فروا إلى اليونان ليلة المحاولة بطائرة عسكرية تركية أعادتها اليونان إلى تركيا.
وكان التوتر تصاعد العام الماضي بين البلدين الجارين واتهمت أنقرة أثينا بانتهاك القانون الدولي بإجرائها تدريبات عسكرية في جزيرة كوس في بحر إيجة في تصعيد لخلاف قديم متجدد بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
واعتبرت تركيا إنزال قوات يونانية خاصة بالمظلات على جزيرة كوس انتهاكا لمعاهدة موقعة عام 1947 تحظر كل أشكال التدريب العسكري المماثل على الجزيرة، فيما لم تعر أثينا اهتماما لرد فعل تركيا وأكدت استمرار جدول تدريبات قواتها المسلحة وردت أنقرة محذرة بأنها ستتخذ إجراء إذا اقتضت الضرورة.
والأسبوع الماضي، فتح قرار لجنة اللجوء المستقلة في اليونان بمنح أحد العسكريين الأتراك الثمانية الذين فروا من تركيا إلى اليونان بطائرة عسكرية ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة الباب لتوتر جديد بين أنقرة وأثينا نظرا لحساسية الملف الذي تسبب في خلافات بين الجانبين لأشهر، وسعت الحكومة اليونانية سريعا إلى امتصاص غضب أنقرة بسبب القرار، وأعلنت تقدمها بطعن على القرار أمام محكمة الاستئناف الإدارية التي ألغت قرار اللجنة بقبول طلب سليمان أوزكايناكجي اللجوء إلى اليونان. وسبق للسلطات اليونانية، أن رفضت طلبات تقدمت بها تركيا أكثر من مرة لتسليم العسكريين الثمانية الفارين إليها.
وفي ملف آخر، طالبت وزارة الخارجية التركية، في بيان أمس الخميس، الحكومة اليونانية بتطبيق جميع قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بحقوق الأقليات ودون أي تمييز.
وأوضحت الخارجية التركية أن موافقة البرلمان اليوناني، الثلاثاء الماضي، على تعديلات تجعل القانون المدني والشريعة الإسلامية مرجعاً للفصل في أمور الزواج والطلاق والإرث بالنسبة للأقلية المسلمة بإقليم «تراقيا الغربية»، جاءت نتيجة دعوى قضائية تقدّم بها مواطن من أصول تركية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، دعت السلطات اليونانية إلى تسجيل المنظمات المدنية التابعة للأقليات في السجلات الرسمية، دون احتجاج على أسماء تلك المنظمات.
وأصبحت المحاكم المدنية، بحسب التعديلات التي أقرها البرلمان اليوناني، صاحبة الفصل في هذه القضايا، لكن سُمح في الوقت نفسه بإمكانية اللجوء للشريعة الإسلامية، عبر 3 مفتين تختارهم الدولة، حال موافقة جميع الأطراف المعنية.
وقبل إقرار هذا التعديل، كانت السلطات اليونانية تحصر شؤون الزواج والطلاق والإرث لدى الأقلية المسلمة بالمفتين، وذلك منذ إقرار معاهدة لوزان عام 1923 التي رسمت الحدود بين اليونان وتركيا.
وأعرب البيان عن أسف أنقرة إزاء الضغوط القانونية التي تمارسها أثينا ضدّ المفتين المنتخبين من قِبل الأقلية التركية في تراقيا الغربية.
على صعيد آخر، اعتقلت الشرطة التركية شخصا يعتقد أنه لعب دورا أساسيا في مخطط اغتيال السفير الروسي لدى أنقرة أندريه كارلوف في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2016. وقالت مصادر لصحيفة «صباح» القريبة من الحكومة التركية إن المشتبه به، الذي لم تذكر اسمه، عضو في حركة الخدمة التابعة للداعية التركي فتح الله غولن المقيم في أميركا منذ عام 1999، والذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، ما تسبب في إقالته من منصبه في إحدى مؤسسات الدولة، وكانت الشرطة اعتقلته لفترة ثم أفرجت عنه. بسبب استخدامه تطبيق «بايلوك» للرسائل المشفرة الذي تقول الحكومة إنه كان وسيلة التواصل بين أعضاء حركة غولن قبل وأثناء محاولة الانقلاب.
وتطالب أنقرة الولايات المتحدة بتسليم غولن باعتباره العقل المدبر لمحاولة الانقلاب، وقال القائم بالأعمال الأميركي في أنقرة، فيليب كونسيت إن هذه المسألة قيد النقاش، وسنواصل المناقشة بشكل مكثف خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
وقال قبل لقائه رئيس اللجنة الخارجية في البرلمان التركي فولكان بوزكير، أمس، إن «مسألة إعادة غولن إلى تركيا، سيتم تناولها في إطار اتفاقية إعادة المجرمين الموقعة بين تركيا والولايات المتحدة وأستطيع القول إن وزارة العدل الأميركية ونظيرتها التركية تعملان بشكل وثيق من أجل التأكد من أنه تم تلقي جميع المعلومات اللازمة لمتابعة هذا الموضوع».
في شأن آخر، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم ماهر أونال، إنه تقرر تأسيس لجنة مشتركة مع حزب الحركة القومية لتشكيل ما أطلق عليه «التوافق القومي الكبير»، وذلك بعد اللقاء الذي جمع أول من أمس كلاً من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، في القصر الرئاسي في العاصمة التركية أنقرة، إثر إعلان بهشلي دعمه غير المشروط لإردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام المقبل.
وأضاف أونال: «في المرحلة المقبلة سيتم العمل على هذه القضية من الناحية التقنية من خلال اللجنة التي سيتم إنشاؤها العدالة والتنمية يعمل من خلال التحالف على مواءمة القوانين مع التعديلات الدستورية التي تم إقرارها في استفتاء 16 أبريل (نيسان) 2017 للتحول إلى النظام الرئاسي».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...