إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة

إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة
TT

إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة

إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة

تخطو ليبيا باتجاه العام الجديد مدعومة بإنجاز عسكري يظهر في القضاء على الإرهاب وعناصر «داعش»، لكن على الجانب الآخر تبدو البلاد المأزومة منذ 3 سنوات مكبلة بإخفاق أمني لا يمكن أن تستتب معه الحياة الطبيعية للمواطنين إلا بالمضي قدماً في اتجاه اتفاق سياسي.
يمكن بوضوحٍ تمييزُ عام 2017 في الأزمة الليبية الممتدة منذ أغسطس (آب) 2014 عندما وقع الانقلاب على شرعية الانتخابات التي أتت بمجلس النواب من قبل ما يعرف بعملية «فجر ليبيا»، بأنه عام هزيمة «داعش» في المدن الليبية التي استطاع التوغل فيها والسيطرة عليها، بدرجات متفاوتة، كبنغازي ودرنة في الشرق، وسرت والجفرة في الوسط، وصبراتة في الغرب، ناهيك عن مدن الجنوب التي لا تكاد تصل إليها سلطة أي من الحكومات الثلاث المتصارعة، حيث استفاد هذا التنظيم من حالة الفوضى وضعف الدولة وانقسامها وغياب المؤسسات العسكرية والأمنية القادرة على التصدي لمخططاته.
لقد تعرّضت مسألة إعادة بناء وتأهيل المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي لتحديات كبيرة، أبرزها إصرار المسلحين وتشكيلاتهم التي تكوّنت في فترة حرب التحرير التي فرضها النظام السابق، وظروف الثورة العارمة ضده في العام 2011، مدعومين وموظّفين من قوى وأحزاب سياسية مؤدلجة تتخذ الإسلام السياسي شعاراً لها، على الاحتفاظ بسلاحهم وعلى إنشاء كيانات موازية تكون بديلاً عن الجيش والشرطة.
وبدأت قوة الدروع وقوامها من المسلحين في الظهور تدريجياً بكل أقاليم ليبيا التاريخية (برقة وفزان وطرابلس)، وألحقت برئاسة الأركان لتكون بديلاً عن المؤسسة العسكرية، كما أُنشئت بنفس التوجه والكيفية قوة اللجان الأمنية لتكون بديلاً عن الشرطة. وبالتالي دخلت هذه الأجسام من خلال سطوتها، كل في محيطه الاجتماعي ومنطقته وتبعيته السياسية، طرفاً في الصراع حول السلطة ومقدرات الدولة وثرواتها التي استُنزِفت بشكل كبير، وغير مسبوق، من قبل هذه الأجسام.
وخضع أول جسم منتخب بعد الثورة، وهو المؤتمر الوطني العام الذي فشل في مهامه، ومنها إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، لإرادة كتلة تشكلت داخله من تلك التيارات السياسية المؤدلجة، التي أجهضت عمل المؤتمر والمسار الديمقراطي والعملية السياسية اللاحقة برمتها.
وبينما اضطلعت الجماعات المسلحة والموالية لكيانات «الإسلام السياسي» بمهام حفظ الأمن، بموجب قرارات خاطئة صادرة عن المؤتمر الوطني العام، تراجعت في المقابل المؤسسة الأمنية الرسمية وانزوت، كما شهدت المدن الليبية انفلاتاً أمنياً ملحوظاً وتصاعدت أعمال العنف والقتل لرجال الجيش والأمن الوطني والنشطاء الإعلاميين والحقوقيين، خصوصاً في بنغازي عاصمة الشرق الليبي ومعقل الثورة.
وكشفت تلك الجماعات بوضوح عن توجهاتها ومخططاتها المعادية وتحالفاتها وارتباطاتها بالخارج تنظيماً وتمويلاً، وهو ما قاد خلال النصف الأول من عام 2014 إلى إطلاق مجموعة من ضباط وجنود الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر «عملية الكرامة» المدعومة شعبياً لمقاتلة تلك الجماعات وتنظيماتها الإرهابية، وهي العملية التي حظيت أيضاً بدعم مجلس النواب الذي انتُخِب لاحقاً بديلاً للمؤتمر الوطني، إذ أضفى الشرعية على قادة العملية ومنحهم الصفة القانونية من خلال تعديل القانون العسكري واستحداث منصب القائد العام للجيش، الذي أسند إلى قائد هذه العملية.
ودفعت الإجراءات السابقة إلى تشكّل نواة لبناء الجيش الوطني الليبي انطلاقاً من شرق البلاد الذي نجح بمساندة شباب المناطق والأحياء في هزيمة الجماعات المسلحة الإرهابية في بنغازي، بعد قتال مرير استمر ثلاثة أعوام كاملة، ليعلن في يوليو (تموز) 2017 تحرير المدينة من الإرهاب وطرد الميليشيات المسلحة من منطقة الهلال النفطي، وبسط سيطرته على منطقة الجفرة واستعادة قاعدتها العسكرية من أيدي تلك الجماعات، إلى جانب تمدده إلى الجنوب، وبسط السيطرة على القاعدة الجوية الرئيسية ومعسكرات الجيش، في أعقاب مذبحة ارتكبتها الجماعات الإرهابية بحق أفراد الجيش من أبناء الجنوب الليبي.
وفي الغرب الليبي، ظلت العاصمة طرابلس، ومدن الزاوية وصبراتة وصرمان وورشفانة تحديداً، مسرحاً للجماعات المسلحة بمختلف توجهاتها وانتماءاتها وصراعها من أجل السيطرة والنفوذ داخل هذه المدن.
وعلى جانب آخر، فشلت الحكومة الموازية التي شكلها المؤتمر الوطني العام بعد عودته إلى المشهد مجدداً بقوة السلاح، في احتواء الصراع، بل أصبحت طرفاً فيه من خلال ما تملكه من أذرع مسلحة. ومع دخول المجلس الرئاسي الذي أنتجه الاتفاق السياسي الموقّع في مدينة الصخيرات المغربية في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2015، إلى العاصمة طرابلس في مارس (آذار) 2016. تغيّرت خريطة التحالفات بين هذه الجماعات التي تعذَّر على السلطة التوافقية الجديدة إنفاذ الترتيبات الأمنية القاضية بنزع سلاحها، من خلال دمج أو تسريح مسلحيها، لانطواء ذلك على إشكاليات مرتبطة بطبيعة الصراع وتعقيداته.
كما عمدت السلطة الجديدة إلى «إعادة تدوير» بعض هذه الجماعات التي تضم في عضويتها مدنيين وعسكريين سابقين، وذلك بتأسيس جهاز أمني جديد تحت اسم «الحرس الرئاسي»، ضمنت من خلاله تمثيلاً لبعض المجموعات الأمنية وتعيين أعضاء منها في مواقع قيادية بهذه المؤسسة أو تلك، إلى جانب ضم بعض هذه المجموعات إلى شرعيتها، بحيث أصبحت تبعيتها لحكومة الوفاق.
وتجلت هذه الإجراءات في تشكيل قوة «البنيان المرصوص» التي أطلق من خلالها المجلس الرئاسي حربه علي تنظيم داعش في مدينة سرت التي سيطر عليها بالكامل، وأصبحت مركزاً رئيسياً له بكل مقدراتها ومرافقها الحيوية كالمطار والميناء والقاعدة الجوية لمدة زادت على العام ونصف العام، قبل أن تتمكن هذه القوة من إلحاق الهزيمة به وتحرير المدينة ومحيطها منه، لتعود مدينة سرت اعتباراً من بداية 2017 إلى أهلها وحضن الوطن. كما تمكنت قوة أخرى تابعة لحكومة الوفاق من تحرير مدينة صبراتة من المجموعات المسلحة الإجرامية والإرهابية التي عاثت فيها فساداً.
وغني عن البيان أن الانتصارات التي تحققت ضد «داعش» والجماعات المرتبطة به يعود الفضل فيها بعد التضحيات البطولية لرجال الجيش والمدنيين من الشباب المساند لهم، إلى دعم ومساندة سكان المدن التي دارت الحرب داخل أحيائها، حيث تحملوا آلام ومعاناة النزوح والتدمير لممتلكاتهم والاستهداف لحياتهم، فضلاً عن الدعم الواضح الذي قدمته بعض الدول الشقيقة والصديقة للتخلص من هذا الإرهاب البغيض.
على الصعيد الأمني، فإلى جانب ما كان يعانيه قطاع الأمن أساساً من ضعف في بنية أجهزته وكوادره، فقد فشلت الحكومات الانتقالية والمؤقتة التي تولَّت السلطة بالبلاد في إصلاح وتفعيل وتعزيز دور هذا القطاع لمواجهة التحديات الكبيرة والخطيرة التي تتربص بالوطن والمواطن، ومرد ذلك إلى انتشار السلاح وتزايد التشكيلات المسلحة وتغوُّلها على أجهزة الأمن الرسمية المختلفة، وهو ما أدى إلى تراجع دورها في حفظ الأمن والنظام.
وفضلاً عما سبق، يمكن رصد زيادة معدلات الجريمة في كل المدن والمناطق من دون رادع، بعد أن أصبح الإفلات من العقاب هو السمة المميزة لهذه المراحل الانتقالية الممتدة التي تراجع فيها الأمن، وبالتالي عجزت مؤسسات القضاء والعدالة عن القيام بمهامها.
وإذا كان عام 2017 الذي استمرت فيه الأزمة السياسية والانقسام شهد انحسار الإرهاب وهزيمته عسكرياً في ليبيا بفعل مؤسسة الجيش شرقاً وغرباً، التي تبذل جهوداً حثيثة لتوحيدها وإنهاء انقسامها، فإن العام نفسه تميّز بالانفلات الأمني الكبير والخطير فارتفعت معدلات جرائم القتل والخطف والتعذيب والاعتداء على الممتلكات الخاصة والمرافق العامة.
ومع تقديرنا للجهود التي بُذلت وتُبذل هنا وهناك، فلا سبيل لتدارك الانفلات الأمني إلا بحل الأزمة التي تتخبط فيها البلاد من خلال الاتفاق السياسي الذي تم برعاية الأمم المتحدة، وإنهاء الانقسام بتوحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية، وتشكيل حكومة وطنية واحدة.
وينبغي أن يكون على رأس أولويات الحكومة المنتظرة إنفاذ خطة وطنية وترتيبات أمنية صارمة تقود إلى حل التشكيلات المسلحة بعد دمج وتأهيل أو تسريح أعضائها، طبقاً لمقتضيات المصلحة العامة، وتوحيد وتعزيز دور المؤسستين العسكرية والأمنية لتحتكرا دون غيرهما السلاح واستعمال العنف، تطبيقاً للقانون وتأكيداً للنظام الذي وحده يمدهما بأسباب القوة والقدرة على مواجهة التحديات التي تتربص بالبلاد، وتعيق مسيرتها وتحولها الديمقراطي.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.