اليمين ضد الفلسطينيين: مَن يَعزل مَن؟

اليمين ضد الفلسطينيين: مَن يَعزل مَن؟
TT

اليمين ضد الفلسطينيين: مَن يَعزل مَن؟

اليمين ضد الفلسطينيين: مَن يَعزل مَن؟

أهم الأسئلة المطروحة في مواجهة هذا المد اليميني، بإبعاده الفاشية: من يعزل من؟! هل سينجح اليمين بعزل المواطنين الفلسطينيين، أم ينجح المواطنون الفلسطينيون ببناء جسور تعاون مع قوى ديمقراطية يهودية، للمساهمة الحقيقية في تغيير الحكم على طريق عزل اليمين الفاشي؟!
بافتتاح الدورة الشتوية للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، طلب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، من أعضاء ائتلافه قراءة كتاب: «لماذا صوت لليمين وحصلتَ على اليسار؟» صاحب الكتاب هو إيرِز تدمور، مستشار نتنياهو الإعلامي في مرحلة الانتخابات، وواضع كلمات خطابه التحريضي ضد المواطنين العرب (فلسطينيي 48) في يوم الانتخابات: «حُكم اليمين في خطر. المصوّتون العرب يتدفقون بكميات إلى صناديق الاقتراع، تجلبهم جمعيات اليسار بالحافلات».
كتاب تدمور يصل إلى الخلاصة بأن الليكود اعتلى الحكم في عام 1977، ولكنه لم يمارس الحكم بشكل حقيقي إلا في دورة نتنياهو الرابعة، أي الدورة الحالية. وفقط منذ عهد نتنياهو شرع في السيطرة على الدولة العميقة. ويدعي الكاتب أن مناحم بيغين، أول رئيس لحكومات اليمين، تعامل بشكل رسمي محترِماً المحكمة العليا والصحافة، رافضاً تغيير أي موظف، صغير أو كبير، في سلك الدولة. وكذلك فعل شامير. أما شارون وأولمرت فقد خانا مصوّتي اليمين وانتقلا إلى المركز المتحالف مع اليسار. ونتنياهو، فقط، عمل على تجذير حكم اليمين داخل الدولة بشكل عميق.
هذا التحليل صحيح، فعندما ننظر إلى كل مناحي الحياة السياسية والحكم في إسرائيل، نلاحظ أن تغييرات جذرية تحصل في عهود نتنياهو. في مجال الإعلام على سبيل المثال، ظهرت القناة 20 لتكون بوقا لليمين الديني، وصحيفتا «يسرائيل هيوم» و«مكور ريشون» بديلا يمينياً لسيطرة الإعلام التقليدي. وظهرت مراكز أبحاث «شاليم» و«المركز للاستراتيجية الصهيونية» و«مركز القدس» و«ميدا»، جواباً لمراكز الأبحاث اللبرالية. أما المحكمة العليا، فقد أثخنها اليمين نقداً، وطرح قوانين عدة لتكبيل أيديها. وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة سيستبدل يمينيّان مكان ليبرالييْن في مسعى منهجي لإحكام السيطرة على المحكمة، وكذلك الأمر بالنسبة للجيش الذي يشهد تحوّلاً تاريخياً من حيث تعاظم وجود اليمين المتمديّن (من التيار الصهيوني الديني المسيطر في المستوطنات). أما الجامعات فتسعى حكومة نتنياهو الرابعة إلى وضع نظام للمحاضرين حول المسموح والممنوع تعليمه، وإن كانت النجاحات محدودة حتى الآن.
وعندما لا تسير الأمور بحسب رغبات نتنياهو واليمين، يقود نتنياهو بنفسه وبمساعدة أعضاء ائتلاف بارزين، هجمات غير مسبوقة لتحطيم كل جسم يبدي استقلالية ولا يتماشى مع مشيئته. منذ أشهر، يهاجم ائتلاف نتنياهو الشرطة وقائد الشرطة الذي عينه بنفسه، حتى وصلت بهم الأمور لمهاجمة أداء الشرطة، على أثر أحداث أم الحيران، التي استشهد فيها يعقوب أبو القيعان، عبر عناوين الصحف اليمينية وأبرزها «يسرائيل هيوم». يمرر نتنياهو قوانين بسرعة خارقة هدفها التشكيك بعمل الشرطة والتضييق عليها، ووصل الأمر إلى أن يقوم نتنياهو بنفسه يوم الثلاثاء 19 ديسمبر (كانون الأول)، بإلقاء خطاب أمام الجموع رافضاً توصيات الشرطة المرتقبة بخصوص اتهامه بالفساد، وواصل تحريضه ضد وسائل الإعلام، ليصل إلى ذروة غير مسبوقة إسرائيلياً بتقويض الهامش الديمقراطي.
قد تبدو هذه القضايا عينيّة، ولكن نتنياهو هو قائد منهجي جداً. كل رئيس وزراء إسرائيلي يتميّز بحدث تاريخي (بن غوريون - إقامة الدولة، ليفي آشكول - حرب 1967، غولدا مائير - حرب 1973، مناحم بيغين - السلام مع مصر، إسحق رابين - اتفاقيات أوسلو). ولكن لا يستطيع الإنسان أن يسجّل يوماً مفصلياً وفارقاً في الحياة السياسة لنتنياهو. إلا أنه سيسجل كقائد للتغييرات الكمية العنيدة والمنهجية التي بقياسها منذ تولّيه رئاسة الحكومة مجدداً (2009) حتى اليوم، نجد أن إسرائيل أبعد من أي وقت مضى عن الالتزام بالسلام، الديمقراطية والعدل الاجتماعي.

معركة المواطنين الفلسطينيين لوحدهم أم معركة الديمقراطيين؟!
في الانتخابات الأخيرة (2015)، تشكلت القائمة المشتركة التي ضمّت وطنيين، وشيوعيين، وقوميين، وإسلاميين، وليبراليين. كانت لحظة فارقة في مسيرة المواطنين العرب، ليس فقط لتحقيقها إنجازات غير مسبوقة من حيث التمثيل (القوة البرلمانية الثالثة ممثلة بثلاثة عشر مقعداً)، وإنما لتدعيم مكانة الفلسطينيين بشكل غير مسبوق إسرائيلياً وعالمياً، وما لا يقلّ أهمية إيمانهم بأنفسهم.
ورغم رومانسية فكرة الوحدة فإن ترسيخ ثقافة الوحدة يبقى العمل الأشقّ والأبقى، وربما كانت مقولة جبران خليل جبران تفي بالمعنى: «فكّر الله فكان فكره الأول ملاكاً. وتكلّم، فكانت كلمته الأولى إنسانا»، إنسانا بتردده، وأخطائه، وانتكاساته، ووقوفه مجدداً. والأهم بالنسبة للقائمة أن نحافظ عليها، ونسعى لتعزيز تمثيلها في الانتخابات المقبلة.
إن كل استطلاعات الرأي تُعطي لحزب العمل و«يش عتيد» المعارضين أربعين مقعداً، في الانتخابات المقبلة، وتُعطي «ميرتس» اليساري الصهيوني حتى سبعة مقاعد. مجرّد الحفاظ على القائمة وتمثيلها سيمنع اليمين من تشكيل حكومته!
لا توجد لدينا أوهام بشأن «اليسار الصهيوني» برئاسة آڤي غباي، ولكن عَمَلاً بالمادة الفقهية: «درء المفاسد أولى من جلب المنافع»، فالمسألة الأكثر إلحاحاً اليوم هي إسقاط حكومة نتنياهو، وحليفيْه نفتالي بينيت، وأفيغدور ليبرمان.
إن أهم المعادلات في السياسة الإسرائيلية هي الشرعية السياسية للمواطنين العرب. ففي حالة كنّا «شرعيين» في العمل السياسي، سيكون على اليمين الإسرائيلي إقناع ثلثي المواطنين اليهود ليحصل على أكثرية برلمانية. وفي حالة كنا «غير شرعيين» يستطيع الاكتفاء بنصف المواطنين اليهود. ومنذ أن اعتلى اليمين الحكم في عام 1977، لم يخسر إلا مرتين لصالح حكومتي إسحق رابين وإيهود باراك، وكلتا الحكومتين لم تملكا أغلبية يهودية، بل نجحتا بفضل أصوات المواطنين العرب (كان لرابين 56 مقعداً فقط. وبفضل وجود اتفاق تعاون مع الكتلتين العربيتين في حينه، الممثلتين بخمسة مقاعد، ضمن لنفسه جسماً مانعاً لسيطرة اليمين يمتلك الأكثرية البرلمانية. وحصل باراك بالتصويت المباشر على 56%‏ من أصوات الناخبين، ونجح بفضل أصوات المواطنين العرب!).
شرعية المواطنين العرب ومواطنتهم تُستمد من كونهم أهل البلاد الأصليين، وهذا خطاب المحقّين الأصيل، ولكن لوحده غير كافٍ. فعلى «القائمة المشتركة» تعميق الخطاب الديمقراطي، وبناء جسور مع قوى يهودية قلقة من تغول حكومة اليمين وسعيها الحثيث لتضييق الهامش الديمقراطي، لأن أهم الأسئلة المطروحة في مواجهة هذا المد اليميني بإبعاد فاشية، هو السؤال: مَن يعزل مَن؟! هل سينجح اليمين بعزل المواطنين الفلسطينيين، أم ينجح المواطنون الفلسطينيون ببناء جسور تعاون مع قوى ديمقراطية يهودية للمساهمة الحقيقية في تغيير الحكم بالطريق لعزل اليمين الفاشي؟!
لقد حققت «القائمة المشتركة» إنجازات بالغة الأهمية. أولا في تثبيت الحضور العربي في الحياة السياسية والبرلمانية. وثانيا في جلب مكاسب للمواطنين العرب عموما ومجالسهم البلدية والقروية، إذ بفضل كفاحنا الدؤوب حققنا ميزانيات هامّة لصالح مواطنينا، ونعكف على متابعة تنفيذها بنجاح لافت ومحسوس على أرض الواقع.
طبعاً، كانت هناك عثّرات كثيرة على الطريق، ولكن التزامنا لشعبنا، والمهام الجسام التي تنتظرنا، وقرارنا أن نأخذ دورنا في إدارة شؤوننا، والمشاركة في إدارة شؤون البلاد برمتها، تقتضي المحافظة عليها وتعزيز قوتها أكثر وأكثر.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.