المركزي الأوروبي «الواثق» يبقي على الفائدة الصفرية

مؤشرات منطقة اليورو تختتم العام بأقوى أداء في 7 سنوات

رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي يتحدث للصحافيين في فرانكفورت أمس (أ.ف.ب)
رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي يتحدث للصحافيين في فرانكفورت أمس (أ.ف.ب)
TT

المركزي الأوروبي «الواثق» يبقي على الفائدة الصفرية

رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي يتحدث للصحافيين في فرانكفورت أمس (أ.ف.ب)
رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي يتحدث للصحافيين في فرانكفورت أمس (أ.ف.ب)

قرر البنك المركزي الأوروبي، إبقاء معدلات الفائدة في منطقة اليورو عند مستوى صفري، وقال مجلس تحديد معدلات الفائدة بالبنك إنه يعتزم الاستمرار في برنامج شراء السندات بواقع 30 مليار يورو (35.5 مليار دولار) من يناير (كانون الثاني) المقبل وحتى نهاية سبتمبر (أيلول) 2018... ما يُعدّ إشارة من البنك على ثقته الكبيرة في سياساته الحالية وجدواها الاقتصادية، خصوصاً في ظل النتائج القوية التي حققتها أوروبا ومنطقة اليورو في مجمل العام الحالي، مقابل نتائج مخيبة في مناطق اقتصادية كبرى على مستوى العالم.
وأوضح المركزي الأوروبي، أمس، أنه يتوقع أن «تبقى معدلات الفائدة الرئيسية عند المستويات الحالية لفترة طويلة»، كما أشار إلى أنه على استعداد «لزيادة البرنامج من حيث الحجم أو المدة الزمنية أو كليهما معاً».
وأكد ماريو دراغي، رئيس المركزي الأوروبي، في مؤتمر صحافي أعقب اجتماع المركزي أمس (الخميس)، على البقاء في الموقف الحالي بخصوص سياسات التيسير الكمي، وهو برنامج شراء السندات الذي من المقرر أن يبلغ 30 مليار يورو شهرياً حتى سبتمبر المقبل، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من أعضاء مجلس المركزي تريد الاحتفاظ بالطبيعة المفتوحة لشراء الأصول.
وعن الآثار السلبية على اقتصاد منطقة اليورو من ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، الأمر الذي يزيد من اتساع الفجوة بين تكاليف الاقتراض الأميركية والأوروبية، رد دراغي قائلاً: «إن القرارات المتخَذَة هنا وعلى الجانب الآخر تعكس المراحل المختلفة التي وصلت إليها اقتصاداتنا، وفي الواقع تنمو أوروبا بشكل أسرع من الولايات المتحدة في الوقت الراهن، ولكن على صعيد بعض القضايا مثل نمو الأجور فإنها تبدو مختلفة». ولا يرى «المركزي الأوروبي» أي علامات سلبية حتى الآن.
وقال دراغي إنه أصبح أكثر ثقة لارتفاع التضخم، مقارنة برؤيته قبل بضعة أشهر، وذلك بفضل التحسن المستمر في سوق العمل. وعن توقعاته بخصوص رفع أسعار الفائدة قبل انتهاء ولايته في خريف 2019، أكد دراغي أنه لا يستطيع التنبؤ، مشيراً إلى أن ارتفاع الفائدة سيكون خبراً جيداً، لأنه يعني أن اقتصاد منطقة اليورو قد تعزز.
وفي ظل التعديلات الضريبية الأميركية التي حُرِمَت منها بعض الشركات الأوروبية، قال دراغي إن المركزي الأوروبي لم ينظر إلى هذه المسألة بعد، ولكنه سيضعها في الاعتبار. وأوضح بحزم أن «المركزي» دائماً ما يناقش قضايا الاستقرار المالي لتجنب فقاعات الأسواق المالية، مؤكداً أن البنك يرى بعض الأسباب المحلية للقلق ولكن لا توجد تهديدات مهمة من الناحية النظامية.
وقال دراغي إن البنك عدل توقعاته للنمو الاقتصادي لمنطقة اليورو بالارتفاع بشكل حاد، وإن اقتصاد تكتل العملة الموحدة سينمو بمعدل 2.4 في المائة هذا العام، مرتفعاً من 2.1 في المائة في توقعات سابقة للبنك في سبتمبر. وتوقع البنك أن ينمو اقتصاد المنطقة بمعدل 2.3 في المائة خلال عام 2018، وهو أعلى من معدل 1.8 في المائة المتوقع سابقاً، مع توقع «وتيرة قوية للنمو الاقتصادي وتحسن كبير في توقعات النمو». لكنه أضاف أنه من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي ليصل إلى 1.9 في المائة في عام 2019، وإلى 1.7 في المائة في عام 2020.
على صعيد آخر، تنهي شركات منطقة اليورو عام 2017 عند أعلى مستوى في نحو سبعة أعوام، بدعم زيادة الطلب وتسارع التضخم ومؤشرات تنبئ ببداية نشطة للعام المقبل.
وجاءت نتائج مسح مهم للقطاع الخاص أفضل من توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم، حيث حققت المصانع أفضل أداء شهري في تاريخ المسح الذي بدأ إجراؤه قبل عقدين، بينما تسارع نشاط قطاع الخدمات.
وقفز مؤشر «آي إتش إس - ماركت» المجمع لمديري المشتريات في منطقة اليورو، إلى 58.0 في الشهر الحالي، وهو أعلى مستوى منذ فبراير (شباط) 2011، ويخالف توقعات أولية في استطلاع أجرته «رويترز» لانخفاضه إلى 57.2، وذلك صعوداً من قراءة نهائية في نوفمبر (تشرين الثاني) عند 57.5، ويفصل مستوى الخمسين نقطة بين النمو والانكماش.
ولامَسَ نمو الأعمال الجديدة مستوى لم يشهده خلال أكثر من عشر سنوات، حيث زاد المؤشر الفرعي للطلبيات الجديدة إلى 57.9 من 57.3 نقطة. كما زاد عدد الموظفين في الشركات بأحد أسرع المعدلات في نحو 20 عاماً منذ بدء إجراء المسح.
وخالف مؤشر مديري المشتريات في قطاع الخدمات، المهيمن على اقتصاد منطقة اليورو، توقعات المحللين بأن ينخفض إلى 56.0، وارتفع بدلاً من ذلك إلى 56.5 من 56.2 في نوفمبر، وهو أعلى مستوى منذ أبريل (نيسان) عام 2011.
وتجاوز مؤشر مديري المشتريات في قطاع الصناعات التحويلية التوقعات، وقفز إلى مستوى قياسي عند 60.6، من 60.1، ليخالف توقعات المحللين التي كانت تشير لانخفاضه إلى 59.8.
وزاد مؤشر يقيس الإنتاج ويصب في مؤشر مديري المشتريات المجمع إلى 62.0، من 61.0، وهو أعلى مستوى منذ أبريل عام 2000. ولم يتجاوز المؤشر هذا المستوى سوى مرة واحدة من قبل.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.