مارتن لوثر والإصلاح الديني الكبير

الألمان وعلى رأسهم ميركل يحتفلون به على مدار العام

مارتن لوثر
مارتن لوثر
TT

مارتن لوثر والإصلاح الديني الكبير

مارتن لوثر
مارتن لوثر

بتاريخ 31 من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1517، أي قبل 500 سنة بالضبط، علق مارتن لوثر 95 أطروحة لاهوتية ثورية تحريرية على باب كنيسة ويتنبيرغ، فهز العالم المسيحي هزّاً وقسمه إلى نصفين: نصف مع الإصلاح الديني ونصف ضده، نصف كاثوليكي ونصف بروتستانتي. وهو الحدث التاريخي الأعظم الذي تحتفل به ألمانيا حالياً على مدار العام برئاسة أنجيلا ميركل. ويرى المؤرخون المختصون أن الإصلاح الديني الذي حصل في القرن السادس عشر، وتزامن مع عصر النهضة وإشراقة الشمس الرائعة، يشكل لحظة حاسمة ليس فقط بالنسبة للأمة الألمانية، وإنما للشعوب الأوروبية بمجملها. فهو الذي جدد فهم الدين وقوم اعوجاجه وانحرافاته. ومن الذي فعل ذلك وتجرأ عليه؟ إنه المصلح الكبير مارتن لوثر (1483 - 1546). ولهذا السبب يحتفل به الألمان حالياً وعلى رأسهم المستشارة العتيدة. ومعلوم أن والدها كان قساً لوثرياً بروتستانتياً. فهذا الرجل - أي مارتن لوثر - هو الذي أعلن العصيان على روما واتهم البابا ورجال الدين بالانحراف عن المبادئ الإنجيلية والمثالية العليا للدين. كما واتهمهم باستغلال العقيدة لأغراض شخصية انتهازية ما أنزل الله بها من سلطان. وهو الذي أيقظ الألمان من سباتهم الطويل أو غفوتهم العميقة وأشعرهم بهويتهم وشخصيتهم التاريخية. وهو الذي أسس اللغة الألمانية عندما ترجم الكتاب المقدس إليها. نعم ترجمة كتاب واحد دشنت تاريخ ألمانيا! فقبل ذلك كانت اللغة الألمانية تعتبر مجرد لهجة محلية أو لغة عامية سوقية لا ترتفع إلى مستوى اللغة الثقافية المحترمة. كانت لغة الثقافة آنذاك هي اللاتينية في كل أنحاء أوروبا. وكان لوثر كاتباً عظيماً وخطيباً مفوهاً يهز الألمان هزاً. ويقال بأن أسلوبه البركاني المتفجر لا مثيل له في تاريخ ألمانيا باستثناء نيتشه.
والواقع أن الفاتيكان كان يستغل الشعب الألماني مادياً، بل ويضحك عليه إذا جاز التعبير. كيف؟ عن طريق اللعب على وتر العاطفة الدينية المسيحية وإقناعه بالبقاء في حضن الكنيسة، من أجل ابتزازه و«حلبه» وسحب عشرات الملايين منه سنوياً، بغية بناء القصور في روما للكرادلة والمطارنة وبقية رجال الدين الأثرياء (بين قوسين: من يتجرأ على التحدث عن الثروات الفاحشة لبعض رجال الدين ونجوم الفضائيات عندنا؟ لقد أصبحوا مليونيريين بفضل المتاجرة بالدين! ما علاقة هؤلاء المكتظين المتخمين بالتقى والورع ومكارم الأخلاق؟ ما علاقتهم بجوهر الدين الحنيف؟ ومتى سيظهر لوثر إسلامي جديد لكي يفضحهم؟).
ثم جاء لوثر وقال للألمان: هذا البابا يضحك عليكم منذ مئات السنين، ويمص دمكم مصاً باسم الدين، وهو أبعد ما يكون عن الإيمان الحقيقي والتقى والورع. هل تعلمون بأنه يعيش حياة البذخ والثراء الفاحش الذي نهى عنه المسيح والإنجيل قطعياً؟ وبالتالي كفاكم غباءً واتباعاً للبابا والفاتيكان. فكبار رجال الدين خرجوا على الدين في أغلبيتهم وأفسدوه وأصبحوا أثرياء جداً، ولم تعد طاعتهم واجبة أبداً. ينبغي أن يعود الدين إلى نقائه الأولي وقيمه الأخلاقية والإنجيلية العليا. ثم شن لوثر هجوماً صاعقاً على صكوك الغفران التي كان الفاتيكان يبيعها للشعب الفقير الجاهل موهماً الناس بأنهم سيدخلون الجنة ما إن يشتروها. لكأن الجنة تُشترى بالفلوس! عندئذ جن جنون لوثر وانطلق بثورته العارمة التي غيرت وجه العالم. ومعلوم أن البابا كان يرسل رجالاته إلى كل أنحاء ألمانيا لبيع هذه الصكوك السخيفة التي لا علاقة لها بالإيمان ولا بالدين الصحيح، من أجل جبي الضرائب أو الزكاوات المقدسة والأموال الطائلة من الشعب الفقير الجاهل. وكان الإنسان المسيحي يعتقد فعلاً أنه سيدخل الجنة بمجرد شرائها. وعلى هذا النحو كانت ثروات الشعب الألماني وأمواله تنتقل بمعظمها إلى بلاد أجنبية أخرى، هي روما وإيطاليا والفاتيكان. نعم لقد أشعر لوثر الشعب الألماني بهويته وشخصيته القومية وكرامته الإنسانية. وبدءاً من تلك اللحظة لم تعد أموال الشعب تذهب إلى قصور الفاتيكان وإنما أصبحت تستخدم لبناء نهضة ألمانيا ذاتها. لقد كشف لوثر الغطاء عن فضائح رجال الدين وألاعيبهم. وقال للشعب: احذروا هؤلاء الناس الفاسدين الذين يستغلون الدين لغايات شخصية انتهازية مضادة لجوهر الدين ذاته. ألا ترون كيف يكنزون الذهب والفضة والثروات الطائلة؟ فهل هذا ما دعا إليه الإنجيل؟ ألم يقل العبارة الشهيرة: «مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله»؟
ثم قال: أنتم لستم بحاجة إلى رجال الدين، لكي تفهموا دينكم، أو لكي تفسروا الكتاب المقدس. فالمؤمن له علاقة مباشرة مع ربه وليس بحاجة إلى وسيط. لقد انتهى عهد الوسطاء والسماسرة الذين يتاجرون بالدين والدين الحق منهم براء. إنهم يزيدون الشعب جهلاً على جهل وفقراً على فقر. ثم قال لا نعترف إلا بالإنجيل وكل ما عداه كلام بشري عرضة للأخذ والرد والغربلة والتمحيص. فكلام البابوات بشري وليس معصوماً على الإطلاق كما يزعمون. (بين قوسين: لحسن الحظ فإن الفاتيكان تغير كثيراً وتجدد وقام بثورته اللاهوتية الرائعة عام 1962 - 1965. ولم يعد المذهب الكاثوليكي تكفيرياً ظلامياً كما كان في السابق. أبداً، أبداً. كل هذا أصبح في ذمة التاريخ الآن. وبالتالي فنحن نتحدث عن الماضي لا عن الحاضر).
لقد تجرأ لوثر على ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة عامية سوقية، وأسس بذلك اللغة الألمانية بالمعنى المتعارف عليه اليوم. وبالتالي فلوثر ليس فقط زعيم الإصلاح الديني، وإنما هو أيضاً مؤسس اللغة الألمانية والآداب الألمانية ذاتها. فبضربة معلم قل نظيرها في التاريخ استطاع أن يؤسس لغة جديدة ومذهباً جديداً. بل واستطاع أن ينفخ الروح في الأمة الألمانية! ولذلك يعتبرونه أعظم شخصية ظهرت في تاريخهم... لقد طهّر الدين من الشوائب التي لحقت به على مر العصور. ثم انتقلت أفكار لوثر إلى كل أنحاء أوروبا، وانتشرت انتشار النار في الهشيم. وعندئذ انقسمت كل البلدان إلى قسمين كما قلنا سابقاً: قسم مع لوثر وقسم مع عدوه اللدود بابا روما. وعموماً فإن بلدان الشمال الأوروبي قلبت كلها في جهة لوثر والإصلاح الديني، نذكر من بينها ألمانيا الشمالية بطبيعة الحال والبلدان الإسكندنافية مثل السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا... هذا بالإضافة إلى قسم كبير من هولندا وإنجلترا وسويسرا. وهي من أرقى بلدان أوروبا وأكثرها تطوراً وحضارة. فالعقلية البروتستانتية مشهورة بصرامتها الأخلاقية واستقامتها ونزاهتها. ولا ينبغي أن ننسى الولايات المتحدة الأميركية أكبر بلد بروتستانتي في العالم. وبهذا الصدد ينبغي العلم بأن كبار فلاسفة ألمانيا من أمثال كانط وهيغل وفيخته ونيتشه وسواهم كانوا لوثريين بروتستانتيين. هذا دون أن ننسى غوته بطبيعة الحال. وحده هيدغر كان كاثوليكياً.
أما بلدان الجنوب الأوروبي فقد بقيت كاثوليكية في معظمها ومخلصة لبابا روما. نذكر في طليعتها إيطاليا بطبيعة الحال ثم فرنسا وإسبانيا والبرتغال. وهي الدول التي تكره لوثر كرهاً شديداً، وتعتبره المسؤول عن تقسيم المسيحيين. وبعدئذ اندلعت الحروب المذهبية بين الطرفين طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر بل وحتى الثامن عشر والتاسع عشر إلى حد ما. وفيما يخص آيرلندا الشمالية حتى أواخر القرن العشرين. واجتاحت حرب الثلاثين عاماً معظم أنحاء أوروبا، ولم يبق فيها زرع ولا ضرع. وذهبت ضحيتها عشرات الملايين. نصف الشعب الألماني قتل فيها أو ثلثه على الأقل. وهذا يعني أن الحروب الطائفية من أخطر الحروب وأكثرها فتكاً وتدميراً. ولذلك فعندما يقول لك بعض المثقفين العرب بأننا لسنا بحاجة للمرور بالمرحلة التنويرية للخروج من المغطس الحالي، فهذا يعني أنهم يغالطون ويكابرون ويرفضون الاعتراف بحجم المشكلة أو حتى بطبيعتها وخطورتها. إنهم مصرون على التشبث بالفهم القديم الراسخ للدين، بحجة أن الشعب مرتبط به أو متشبع به. ولكن الشعوب الأوروبية كانت أيضاً مشبعة بهذا المفهوم الأصولي القديم. وهذا لم يمنع فلاسفة الأنوار من الثورة عليه وتفكيكه من أساساته. على العكس لقد دفعهم إلى ذلك دفعاً. وأصلاً لم تقلع أوروبا حضارياً إلا بعد أن تجاوزت هذا الفهم الطائفي والظلامي للدين.
وعندئذ ظهر تأويل جديد للدين المسيحي غير ذلك الذي كان موروثا عن العصور السابقة. وقد لعب جان جاك روسو دوراً كبيراً في بلورة المفهوم العقلاني التنويري للدين المسيحي. ولهذا السبب هاجمه الإخوان المسيحيون الأشداء بعنف ولاحقوه في كل مكان وأقضوا مضجعه. بل وحاولوا اغتياله أكثر من مرة. ولكنه لم يهن ولم يتراجع، واعتبر أن مفهومهم الظلامي للدين هو سبب الحروب الطائفية التي دمرت أوروبا ومزقت نسيجها الاجتماعي. فلم يعد أحد يثق بأحد وأصبح كل شخص يخشى جاره. بهذا المعنى فقد شكل روسو قفزة جديدة - وأي قفزة! - قياساً إلى مارتن لوثر وكالفن وكل زعماء الإصلاح الديني. وذلك لأنه علْمَن المسيحية تماماً وأخرجها من انغلاقها اللاهوتي وتقوقعها المذهبي الضيق. لقد حرر الإيمان من النزعات الطائفية والمذهبية المتعصبة. وقل الأمر ذاته عن فولتير وكانط وبقية فلاسفة التنوير الكبار. كلهم قدموا تفسيراً تنويرياً وروحانياً جديداً عن الدين. كلهم اشتبكوا مع التفسير الطائفي القديم الراسخ، أي التفسير التكفيري الظلامي، وفككوه من جذوره وأطاحوا به تدريجياً. وبالتالي فهناك الإصلاح الديني، وهناك التنوير الفلسفي الذي تلاه وتجاوزه وبينهما قرن ونصف القرن أو قرنان. والآن العرب مطالبون بتحقيق الشيئين معاً. إلا أنه هول دونه الهول! وعلى هذا النحو استطاعت أوروبا أن تخرج من ظلماتها اللاهوتية وفتاواها التكفيرية ومذابحها الطائفية. على هذا النحو راحت تدخل رويداً رويداً في مناخ العصور الحديثة. على هذا النحو راحت تحقق انطلاقتها الصاروخية بعد أن تخلصت من الحشو وحشو الحشو والتراكمات التراثية. على هذا النحو راحت تشكل الدولة المدنية الحديثة والمواطنة الحقة الجامعة التي تساوي بين الجميع أقلية كانوا أم أكثرية، بروتستانتيين أم كاثوليكيين. ولم يعد هناك مواطن درجة أولى ولا مواطن درجة ثانية. كلهم متساوون أمام القانون. هذه هي القفزة الفكرية والسياسية الهائلة التي حققها فلاسفة الأنوار الكبار. وهذا هو سبب نجاح الربيع الأوروبي في القرن التاسع عشر على عكس الربيع العربي الذي لم يحظ بأي تنوير فكري أو ديني قبل اندلاعه فكانت الكارثة والفشل الذريع. كان أن سيطرت عليه التيارات الإخوانجية الداعشية وقضت عليه قضاء مبرماً وأدخلتنا في حروب أهلية دموية لا تبقي ولا تذر. وبالتالي فإذا ما عرف السبب بطل العجب. وها نحن نعود إلى نقطة الصفر مجدداً. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني ما يلي: إذا لم ينجح التنوير العربي الإسلامي يوماً ما فلا حل ولا خلاص. ما دام اللاهوت الديني التكفيري القديم مسيطراً على عقول الجماهير بل وحتى نصف المثقفين إن لم يكن ثلاثة أرباعهم! فلا يمكن أن يتحقق السلم الاجتماعي ولا الوحدة الوطنية في أي بلد عربي. ولا يمكن للنهضة العربية أن تنطلق ولا أن تقوم للعرب قائمة في المدى المنظور. ولا يمكن للعصر الذهبي أن يعود مرة أخرى. وبالتالي فإما أن نتخلص من أفكار التطرف الأعمى التي جعلتنا في مواجهة مكشوفة مع العالم كله وإما أن نخضع لها صاغرين إلى أبد الآبدين. باختصار شديد: إما الفارابي وابن سينا وإما الغزالي وابن تيمية، إما طه حسين وإما حسن البنا، إما عباس محمود العقاد وإما الإخوان المسلمون الذين حاولوا اغتياله. أما محمد أركون وإما يوسف القرضاوي. إما العفيف الأخضر وعبد الوهاب المؤدب وإما راشد الغنوشي، إما عبد النور بيدار وإما طارق رمضان. أما إسلام الأنوار وإما إسلام الظلام. ولكم الخيار! المعركة فكرية إذن قبل أن تكون سياسية. ولن تُحسم سياسياً قبل أن تُحسم فكرياً.



باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
TT

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

يحظى الممثل باسم مغنية بتفاعل ملحوظ من الجمهور من خلال تجسيده شخصية «فريد» في مسلسل «بالحرام»، إذ عبّر عدد من المشاهدين عن رغبتهم في استمرار العمل.

يجسّد مغنية شخصية «فريد»، رجل أعمال غامض ومضطرب نفسياً، يترأس شبكة مافيوية تستدرج الشبان لتوريطهم في أعمال فساد. وهو، في الوقت نفسه، حنون، مستعد لفعل أي شيء لإرضاء شقيقته طلباً لصفحها. ومن خلال شبكة تتاجر بالفتيات والمراهقين، يبني إمبراطوريته الدموية، مقدّماً شخصية مركَّبة.

يقول مغنية لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت من دون شك بتفاعل الناس، إلا أن الحرب التي يشهدها لبنان أفقدتني طعم الفرح». ويضيف: «لبنان يسكنني، ولا أستطيع وصف حبّي له. قلبي يعتصر حزناً وألماً عندما أشاهده يحترق وأهله يعانون».

وكان مغنية قد لفت الأنظار بأدائه في أعمال درامية عدّة، منها «أسود»، و«للموت»، و«بالدم».

لفت مغنية في «بالحرام» المشاهد بأدائه المتّقن (إنستغرام مغنية)

دور «فريد» دقيق في خطوطه وقالبِه المرضي، وقد جسَّده مغنية شخصية صادمة تُشعر المشاهد بالغضب. وعن مدى جرأة تقديمه، يقول: «أعدُّ هذا الدور رسالة توعوية بامتياز، أوجِّه من خلالها نداءً إلى الأهل بضرورة الإحاطة بأبنائهم وحمايتهم من الانزلاق إلى المجهول. وبما أنه يحمل هذه الرسالة الإنسانية، كان لا بد من التحلي بالجرأة في تقديمه».

وتمكَّن مغنية من إقناع المشاهد بأداء عفوي، دقَّ من خلاله جرس الإنذار محذّراً من الوقوع في فخ أشخاص يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم، لا سيما من يعانون اضطرابات نفسية عميقة.

ويعلّق: «كان لا بد من لفت انتباه المشاهد إلى المخاطر التي قد يتعرَّض لها أولاده. (فريد) يمكن أن يكون موجوداً في أي عائلة. وقد سمعنا مؤخراً عن أحداث كثيرة كان ضحاياها أطفالاً خُدشت براءتهم من أقرب المقرّبين».

ويتابع: «في موضوع بهذه الأهمية، يحدِّد مصائر الأطفال، كنت أتمنى لو حملت الشخصية حدَّة أكبر. تأثَّر المشاهدون بخطوط العمل، وتلقَّفوا رسالته بوضوح. كمية الكراهية التي ولَّدتها لديهم دفعتهم إلى مزيد من الحذر».

ويشير مغنية إلى أن هذه الكراهية لم تؤثر على علاقته بالناس عند لقائهم به، بل إنهم يبادرونه بتعليقات إيجابية، كتلك التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف أن أداءه استند إلى مخزون من الخبرات المتراكمة: «لدي تقنيات تعلَّمتها من شخصيات تعرَّفت إليها. فكلما اتَّسعت ثقافة الممثل، استفاد منها. بعضهم يمتلك خلفية غنية، لكنه لا يوظّفها في المكان المناسب». ويتابع: «غالباً ما ينبع أدائي من اللحظة، وتتبلور التفاصيل أكثر خلال التصوير، حيث أكون في حالة تركيز تام على المشهد كي لا يتشتت ذهني».

وعن مشاركاته الرمضانية، يقول: «أحب المشاركة في الأعمال الرمضانية لما تحمله من منافسة جميلة، حيث يعمل الممثل إلى جانب زملاء يتمتعون بالمستوى نفسه. لكن إذا لم أجد العمل الذي يقنعني، أغيب ببساطة. لست من الممثلين الذين يستهلكون حضورهم. قد أشارك في مسلسلات قصيرة بين وقت وآخر، لكن للدراما الرمضانية نكهتها الخاصة».

مع ماغي بو غصن التي تجسد دور شقيقته (إنستغرام مغنية)

وعن كيفية بناء شخصياته، يوضح: «على الممثل أن يجدِّد أداءه باستمرار. فتركيب الشخصية ليس سهلاً، وإذا لم يُحسن الإمساك بخيوطها، بدت مصطنعة أو مبالغاً فيها، لذلك تبقى العفوية ضرورية. هناك أدوار قدَّمتُها كما كُتبت، وأخرى أضفت إليها من عندي أو بتوجيه من المخرج، لكنني عموماً أعتمد على العفوية لحظة التصوير».

ويؤكد مغنية أنه، مثل غيره من الممثلين، يسعد بالإشادة، لكنه لا يحب المبالغة، أو ما يسميه «التبخير»، قائلاً: «بعض الأقلام توزِّع الإطراء عشوائياً، وهذا يضرُّ بالممثل، لذلك أفضل التريث في إطلاق الأحكام».

وعن متابعته للأعمال الرمضانية، يقول: «اطلعت على بعض المسلسلات، منها (المحافظة 15)، لكنني لم أكمل مشاهدتها. وبحكم متابعة زوجتي لمسلسل (لوبي الغرام)، كنت أشاهده أكثر من سواه. وبشكل عام، أحب الأعمال الرمضانية، خصوصاً أن معظم نجومها أصدقائي وزملاء مقرّبون».


صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
TT

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

مع انتهاء موسم الدراما الرمضانية، تبرز الحاجة إلى قراءة نتائجه من داخل صناعة الإنتاج. في هذا السياق، يقدّم المنتج صادق الصبّاح رؤيته للمشهد، مستنداً إلى خبرة تمتدّ منذ عام 1981.

ومن موقعه على رأس «سيدرز برودكشن» (الصبّاح إخوان)، يشارك في إنتاج أعمال درامية تُقدَّم سنوياً في بلدان عربية عدَّة؛ من سوريا إلى مصر فالمغرب، ضِمن إطار عابر للحدود.

في الموسم الرمضاني الماضي، قدَّم مجموعة من الأعمال التي لقيت حضوراً لدى المشاهد العربي، متولّياً الإشراف على مختلف مراحل إنتاجها. ويعتمد في اختياراته على خبرة تراكمية لصياغة أعمال متكاملة.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الصبّاح عن المشهد الدرامي، ويستعرض ملامح الخريطة الرمضانية لعام 2027، كما يقيِّم تجاربه مع مواهب شابة، ويعلِّق على تعاوناته مع نجوم أعماله.

تقييم الموسم والمرحلة المقبلة

يحمل موسم رمضان 2027 عملاً سعودياً (شركة الصبّاح)

عقب انقضاء كل موسم رمضاني، تُجري شركة «الصبّاح إخوان» مراجعة لأعمالها وللمشهد الدرامي عموماً. ويوضح صادق الصبّاح، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»: «نعقد سلسلة اجتماعات تمتدّ لأيام، نراجع فيها ما قُدِّم ونبحث في الخطوات المقبلة للموسم الجديد. وفي رمضان 2027 نعمل على مجموعة من الأعمال الدرامية، بينها تعاون متجدِّد مع تيم حسن ضِمن مشروع مختلف، بعد تجربته في (مولانا). كما نتَّجه إلى إنتاجات خليجية، ولا سيما سعودية، إلى جانب استمرار حضور الدراما المصرية، مع اهتمام بدعم مواهب تمثيلية جديدة. وقد قدَّمنا، خلال العام الحالي، عمرو سعد في مسلسل (إفراج) ضِمن إطار مختلف عن أعماله السابقة. كذلك نعمل على مشروع لمسلسل مغربي، مع انتقال الأفكار إلى مراحل التنفيذ».

ياسمينة زيتون في تجربتها الأولى

في كل موسم رمضاني، يقدّم الصبّاح وجوهاً تمثيلية شابة، يختبر من خلالها حضورها وإمكاناتها. وقد تكرَّر ذلك، العام الحالي، مع تقديم وجهين جديدين: ملكة جمال لبنان السابقة ياسمينة زيتون، والإعلامية جينيفر عازار، فهل تتجهان إلى أدوار أكبر في أعماله المقبلة؟

يجيب: «قد يحدث ذلك في حالة ياسمينة زيتون، إذا أثبتت جدارتها، ولا سيما أننا حرصنا على تقديمها بعيداً عن صورتها المرتبطة بلقبها الجمالي. خاضت تجربتها الأولى في (بخمس أرواح)، وأرى أنها نجحت في الاختبار، كما خضعت لتدريبات في التمثيل مع فادي أبي سمرا على مدى 8 أشهر، إضافة إلى تدريب مع أساتذة سوريين، ما أسهم في تطوير أدائها. وقد نُظّمت هذه الورش بإشرافنا».

ويضيف: «أما جينيفر عازار فكان التوجّه في البداية لإسناد دور ياسمينة إليها، قبل أن نرى أن حضورها أنسب لشخصية زلفا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التدريب لتعزيز أدواتها. كلتاهما تمتلكان قدرات وإمكانات قابلة للتطوير، وقد خاضتا التجربة برضا، رغم ما تطلَّبته من جهد. فالمواهب الجديدة يمكن أن تُغني الدراما العربية ككل».

الشارة الغنائية خارج إطار النجوم

إنتاجات «الصبّاح إخوان» الرمضانية كانت شاملة عربياً (شركة الصبّاح)

اللافت، هذا العام، في شارات مسلسليْ «مولانا» و«بخمس أرواح» غياب أصوات النجوم، فقد قُدِّمت شارتا البداية والنهاية في العمل الأول بصوتيْ منى واصف وسارة درويش، في حين اكتفى العمل الثاني بالموسيقى. فما أسباب هذا التوجّه؟

يوضح صادق الصبّاح: «في السابق تعاقدنا مع نجوم غناء لتنفيذ الشارات، لكننا، هذا العام، فضَّلنا إعادة توجيه الكلفة نحو عناصر إنتاجية أخرى، في ظل الظروف الراهنة. لذلك استعنّا بصوتيْ منى واصف وسارة درويش على موسيقى من تأليف أريجان، الذي سبق أن تعاونّا معه، في حين اختار مُخرج (بخمس أرواح) الاعتماد على الموسيقى فقط في الشارة، وهو خيار لقي قبولاً لدى الجمهور».

ولم يقتصر هذا التوجّه على ذلك، بل شمل أيضاً كاريس بشار، التي جمعت في «بخمس أرواح» بين التمثيل وأداء مقاطع غنائية ضِمن العمل. ويعلِّق الصبّاح: «أُلقّبها بـ(وَحْشة تمثيل)، حضورها متكامل وأداؤها رائع، إنها مُبدعة، ولا تزال حتى اليوم تصقل موهبتها، حتى إنها خضعت لدروس مسرحية في أمستردام».

البطولات المطلقة تتراجع

يشير الصبّاح إلى تراجع حضور البطولات المطلقة، في ظل بروز مواهب شابة يجري إشراكها في الأعمال الدرامية. ويقول: «عندما يتوافر هذا العدد من الطاقات الجديدة، يصبح من الضروري توظيفها. أعتمد هذا النهج في مصر أيضاً، حيث اتفقتُ مع نقابة الفنانين على إشراك خرِّيجي معهد الفنون في تجارب الأداء، بدءاً من أدوار صغيرة تتدرَّج مع الوقت. كما أُطبِّق المقاربة نفسها في لبنان، حيث يعمل المخرجون على الاستفادة من هذه الطاقات».

تأجيل «ممكن» خارج السباق الرمضاني

مسلسل «ممكن» مستوحى من فيلم «بريتي وومن» (شركة الصبّاح)

أثار خروج مسلسل «ممكن»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين، من السباق الرمضاني تساؤلات حول أسبابه. يوضح الصبّاح: «بعد نقاشات مع مجموعة (إم بي سي)، تقرّر تأجيل العرض. طبيعة العمل، المستوحَى من الفيلم الأميركي (Pretty Woman)، لم تكن ملائمة للشهر الفضيل. وقد أنهينا التصوير أخيراً، مع اعتماد عدد حلقات أقل، على أن يُسلَّم العمل قريباً إلى (إم بي سي)؛ لعرضه في توقيت لاحق». ويشير إلى استمرار تعاونه مع نادين نسيب نجيم، واصفاً إياها بأنها من الأسماء الأساسية في أعمال الشركة.

تحديات الكتّاب في الدراما العربية

وعن تعاونه المرتقب مع الكاتبة نادين جابر، بعد انتقالها سابقاً إلى «إيغل فيلمز»، يقول: «نادين كاتبة لها أسلوبها، ولها كامل الحرية في خياراتها. تعود، اليوم، للتعاون معنا في عمل رمضاني لموسم 2028، وتعمل على مشروعات أخرى؛ بينها عمل مصري، وآخر لبناني. نواصل البحث عن كتَّاب دراما، في ظل نقص بهذا المجال على مستوى المنطقة. نتلقى عدداً كبيراً من النصوص، تُراجعها لجنة متخصصة، لكننا لا نزال نبحث عن نصوص تلبي متطلباتنا».

وعن الأعمال التي تابعها خلال الشهر الكريم، يختم المنتج صادق الصبّاح: «تابعت مسلسل (أب ولكن) بطولة محمد فراج، إلى جانب أعمالنا. كما لفتتني مخرجة العمل ياسمين أحمد كامل، وطلبت من ابني أنور مواكبة جيل المخرجين الشباب للاستفادة من طاقاتهم، وتطوير العمل الدرامي».


حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

أعلن فريق بحثي مصري، الخميس، اكتشاف حفرية لقرد قديم في منطقة وادي مغرة بشمال مصر، قد يغير خريطة البحث عن أصول القردة العليا والأسلاف الأوائل للبشر.

وأوضح الباحثون من فريق «سلام لاب» بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (دلتا مصر)، أن هذا الكشف يشير إلى أن أقرب الأسلاف للقردة العليا قد تكون نشأت في شمال أفريقيا، خارج المناطق التقليدية التي دُرست طويلاً في شرق أفريقيا. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Science».

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وأطلق الباحثون على الحفرية المكتشفة اسم «مصريبيتيكوس مغرانسيس» (Masripithecus moghraensis)، أو «القرد المصري من مغرة».

ويعود تاريخ الحفرية، وهي عبارة عن فك سفلي، إلى عصر الميوسين المبكر؛ أي قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة. ويُعد هذا النوع أقرب صلة معروفة بسلالة القردة التي أدت في نهاية المطاف إلى جميع القردة الحية اليوم.

أصل القردة العُليا

ومن المعروف أن أقدم القردة، أو القردة الأولى (stem hominoids)، نشأت في أفريقيا، خلال عصر الأوليغوسين قبل أكثر من 25 مليون سنة، وتنوعت هناك قبل أن تنتشر إلى أوراسيا منذ نحو 14 إلى 16 مليون سنة، خلال عصر الميوسين.

ومع ذلك، ظل أصل القردة العُليا، التي تضم جميع الأنواع الحية وآخر سلف مشترك لها، أمراً غير مؤكد؛ نظراً لندرة الأحافير من تلك الفترة وصعوبة تفسيرها. وتزيد هذه الصعوبة عدم تكافؤ سجل الأحافير في أفريقيا، حيث اقتصرت معظم الاكتشافات على مناطق قليلة، ما يترك مساحات واسعة محتملة لم تُستكشف بعد.

رسم تخيلي لـ«مصريبيتيكوس مغرانسيس» (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وجاء في مقالة مرتبطة بنتائج الدراسة نُشرت بدورية «Science» أن «النتائج تشير إلى أن علماء الحفريات ربما كانوا يبحثون عن أسلاف القردة العُليا في المكان الخطأ».

وحسب الدراسة، يعكس هذا الاكتشاف أهمية توسيع نطاق البحث الجغرافي؛ إذ إن التركيز السابق على مناطق محددة في أفريقيا قد ترك أجزاء واسعة من موطن قردة الميوسين دون استكشاف.

وقالت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية للدراسة بمركز الحفريات الفقارية بكلية العلوم في جامعة المنصورة، إن الاكتشاف يفتح نافذة جديدة وواسعة لفهم تطور القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الاكتشاف يلقي الضوء على منطقة غير مكتشفة تماماً فيما يتعلق بحفريات القردة العُليا، وهي شمال أفريقيا، وتحديداً مصر؛ إذ كانت معظم الحفريات السابقة مكتشفة في شرق أفريقيا، خصوصاً كينيا وأوغندا.

وأوضحت الأشقر أن نتائج الدراسة تدعم الفرضية القائلة إن أصل القردة العُليا قد يكون في شمال أفريقيا، وتحديداً في مصر.

«تأريخ الأطراف»

ولتحديد مكان النوع المكتشف في شجرة التطور، استخدم الفريق نهجاً حديثاً يُعرف بـ«تأريخ الأطراف» (Bayesian tip-dating)، وهو أسلوب يجمع بين السمات التشريحية وأعمار الحفريات لتقدير العلاقات التطورية وأوقات التفرع. وتشير نتائج التحليلات إلى أن «مصريبيتيكوس» يمثل القرد الأولي الأكثر ارتباطاً بالسلالة التي أدت إلى ظهور جميع القردة الحية.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبيتيكوس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وعما يميز هذا الاكتشاف عن الأحافير المكتشفة سابقاً في شرق أفريقيا، أشارت الأشقر إلى أن مقارنة الحفرية المكتشفة مع مثيلاتها السابقة أظهرت أن ما يميز «مصريبيتيكوس» هو حجم الأنياب الكبيرة في الفك السفلي مقارنة بحجم الأسنان الخلفية، وطبوغرافيا السن شديدة التجعيد، وعظمة الفك قوية للغاية، وعادةً ما تميز الأنياب الكبيرة ذكور القردة العُليا عن الإناث، لكن الناب المكتشف كان أكبر من أي ناب ذكري معروف سابقاً.

وأشارت الأشقر إلى أن منطقة وادي مغرة في شمال مصر تكتسب أهمية خاصة، كونها المنطقة الوحيدة الباقية في مصر التي تحتوي على صخور تعود إلى عصر الميوسين، ما يتيح فرصة البحث عن حفريات مماثلة تعود إلى هذه الحقبة.