دولة «داعش»

اتخذ التنظيم من الرقة عاصمة مؤقتة.. وأقام قيادة عسكرية ومجلس شورى لإدارة البلاد.. ومحاكم وسجونا وولايات

دولة «داعش»
TT

دولة «داعش»

دولة «داعش»

يتجاوز الخلاف بين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف بـ«داعش»، وتنظيم القاعدة بفرعه السوري «جبهة النصرة»، البعد العسكري المباشر نحو ما هو استراتيجي.
فتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يضم الجيل الجهادي الثالث (بعد بن لادن والظواهري) يعيب على منظري «القاعدة» اهتمامهم بتنفيذ أهداف عالمية ضد مصالح الغرب دون تأسيس دولة تكون مظلة للقوى الجهادية وقاعدة لوجستية لتنفيذ هجمات محتملة. كان العراق البلد الأكثر ملاءمة بسبب اضطرابه الأمني، لتلبية طموحات التنظيم التوسعية، الذي أطلق على نفسه اسم «دولة العراق الإسلامية». ومع انطلاق الحراك الشعبي المعارض لنظام الرئيس بشار الأسد في سوريا ودخول البلاد في حقبة الفوضى العسكرية، وجد التنظيم الفرصة سانحة لمد نفوذه خارج العراق ونقل عملياته إلى «أرض الشام» متبعا استراتيجية واحدة للقتال في البلدين المتجاورين، هدفها الأساس تأسيس دولة مكتملة البنية ليصبح اسمها «دولة العراق والشام الإسلامية».
سيطرة التنظيم المتشدد على مدينة الرقة شرق سوريا شكلت الخطوة الأولى لتثبيت سلطته في البلاد، إذ سارع إلى فتح مراكز له محولا كنيسة الأرمن في المدينة إلى مكتب دعوي. سعى التنظيم في البداية إلى كسب ود السكان المحليين عبر تقديم خدمات إغاثية وتقديم نفسه مخلصا من «فساد الفصائل المقاتلة». لكن سرعان ما كشر التنظيم عن أنيابه ملزما الناس بأحكام متشددة غريبة عن بيئتهم وتقاليدهم تحت طائلة العقوبة أو الاعتقال. المعارضة السورية التي صمتت عن ممارسات التنظيم ظنا منها بإمكانية الاستفادة منه في المعارك ضد النظام، دفعت ثمن هذا الصمت لاحقا بعد أن طرد التنظيم معظم الفصائل المقاتلة من مناطق نفوذه تمهيدا لإعلان دولته. خسائر المعارضة بظهور «داعش» والتواطؤ معها تعدى ما هو ميداني نحو زيادة هواجس الغرب حيال تسليح الجيش الحر في ظل انتشار الكتائب المتطرفة والخوف من وصول السلاح إليها.
وعلى الرغم من أن كتائب المعارضة تحالفت مع الكتائب الإسلامية المعتدلة وشنت حملة عسكرية مشتركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، فإن ذلك لم يغير كثيرا من الوقائع على الأرض، إذ بقيت «الدولة» تحكم سيطرتها على عدد من المدن والبلدات شمال وشرق سوريا.
وقد يكون النظام السوري الطرف الأكثر استفادة من تمدد نفوذ التنظيم لتأكيد روايته بأن المعارضة السورية ليست سوى مجموعة من «الإرهابيين» الذين تجب محاربتهم. يضاف إلى ذلك ما يقوله المعارضون من أن «داعش» تنوب عن النظام في محاربة المعارضة شرقا وتستنزف قواها.
ولم يكن مفاجئا كثيرا شريط الفيديو الذي يظهر فيه أحد قادة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في منبج بريف حلب ويصف فيه «القوات النظامية بأنهم (أشرف) من مقاتلي المعارضة»، فالقصف النظامي المتواصل على المناطق الشرقية والشمالية حيث يوجد تنظيم «داعش» نادرا ما يستهدف مراكز التنظيم المنتشرة بشكل علني في الرقة ودير الزور وريف حلب، إضافة أن الجبهات العسكرية بين الطرفين غالبا ما تكون هادئة قياسا بتلك التي تشهد معارك ضارية بين المعارضة والنظام أو بين المعارضة والتنظيم نفسه.
محاولات «داعش» التمدد في المناطق المحررة لتأسيس دولته الإسلامية جعل من كتائب المعارضة بكل تلاوينها عدوا أول له يسبق النظام. وقد ساهم تبريد «الدولة الإسلامية» جبهات معاركها مع النظام والتفرغ لمحاربة فصائل المعارضة في نقل القوات النظامية عملياتها من الشرق إلى الجنوب وتحديدا درعا حيث أحرزت تقدما في بلدة نوى ومحيطها.
هذا الواقع يشير إلى علاقة مصلحية غير مُعلنة بين النظام وتنظيم «الدولة الإسلامية»، ففيما يستفيد النظام من استنزاف المعارضة من خلال معاركها مع «داعش» والتفرغ لمحاربتها في مناطق أخرى، يستفيد «داعش» أيضا من عدم استهدافه من قبل النظام للتفرغ لبناء دولته وتوسيع نفوذه في المناطق «المحررة».
ويؤكد عضو الائتلاف الوطني المعارض والخبير في الجماعات الجهادية، عبد الرحمن الحاج لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام السوري اخترق تنظيم (الدولة) عبر الضباط البعثيين العراقيين الذين كانوا يخدمون في جيش صدام حسين قبل الاحتلال الأميركي للعراق ليتحولوا بعدها إلى المقاومة العراقية»، ويضيف: «حظي هؤلاء برعاية من النظام السوري الذي استخدمهم لزعزعة استقرار العراق».
ويوضح الحاج أن «الضباط البعثيين انخرط معظمهم في (داعش) مما سهل للنظام السوري اختراق التنظيم وتمرير أجندته من خلاله»، لافتا إلى أن «الانفصال الذي حصل بين (النصرة) و(داعش) والذي تحول إلى صراع مفتوح انعكس تناقصا على عدد المقاتلين داخل (الدولة) وهو ما استغله النظام لاختراق التنظيم بعدد كبير من المتطوعين التابعين له»، مستدلا على ذلك من «ممارسات عناصر التنظيم الوحشية التي تتقاطع مع عناصر النظام».
وسبق لـ«الشرق الأوسط» أن كشفت ضمن وثائق جديدة مسربة عن النظام السوري تحت عنوان «وثائق دمشق السرية» طبيعة العلاقة بين تنظيم «داعش» والنظام السوري؛ إذ تبين الوثائق كيف استفاد نظام الأسد من عدد كبير من العملاء السوريين والعراقيين المزروعين في التنظيم، وكيف منع «داعش» عنه هجمات المعارضة في بعض مناطق الشمال بسبب «سطوته» بين فصائل المعارضة.
كما تبين الوثائق أن «الجانب العراقي تعاون إلى حد كبير مع النظام في تأمين وثائق مزورة لعملاء للنظام لتسهيل اختراقهم (داعش)، كما سهل عبور المقاتلين المؤيدين للنظام في الاتجاهين عبر الحدود».
ولم يتردد «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» في وصف العلاقة بين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ونظام الأسد بـ«العضوية»، موضحا في أحد بياناته أن «التنظيم يحقق مآرب عصابة الأسد بشكل مباشر أو غير مباشر»، وأضاف أن «سيل دماء السوريين على يد هذا التنظيم رفع الشك بشكل نهائي عن طبيعته وأسباب نشوئه والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها والأجندات التي يخدمها، ما يؤكد طبيعة أعماله الإرهابية والمعادية للثورة السورية».

هيكلية التنظيم
«الدولة الإسلامية في العراق والشام» سُميت في السابق «دولة العراق الإسلامية»، مما يعني أن مجلس الشورى فيها وقياداتها ليسوا حديثي العهد، بحسب ما يؤكد الناشط القريب من التنظيم محمد الحلبي لـ«الشرق الأوسط»، موضحا أن «الشيخ أبو بكر البغدادي، وهو أمير (الدولة) الحالي، خليفة الشيخ أبو عمر البغدادي، وكلا الشيخين يُعتبران خليفتين للشيخ أبو مصعب الزرقاوي الذي يعود له الفضل في بناء (الدولة الإسلامية)».
ويشير الحلبي إلى أنه بعد موت «الشيخ أبو عمر البغدادي، تولي الشيخ أبو بكر البغدادي بناءً على اجتماع مجلس الشورى، الذي يضم أهل الحل والعقد المتمثلين بأهل العلم وكبار الشخصيات في العشائر المبايعة لـ(الدولة الإسلامية)».
والاسم الحقيقي لأبو بكر البغدادي هو إبراهيم عواد إبراهيم البدري، وقد عمل محاضرا في الدراسات الإسلامية وإماما لجامع أحمد بن حنبل في سامراء، ومن ثم إمام جامع في العاصمة العراقية بغداد، ثم في الفلوجة. اعتقلته القوات الأميركية في 4 يناير (كانون الثاني) 2004 لنحو ثلاثة أعوام، ليخرج لاحقا من السجن ويؤسس تنظيما تحت اسم «جيش أهل السنة»، والتحق بعدها بتنظيم القاعدة، وأصبح الرجل الثالث في التنظيم، وتولى القيادة خلفا لأبو عمر البغدادي.
وعلى الرغم من زعامة البغدادي للتنظيم، فإن الحاج بكر كان يعد القائد الفعلي للتنظيم في سوريا قبل أن يُقتل في فبراير (شباط) 2014 خلال معارك بريف حلب ضد «الجبهة الإسلامية». والاسم الحقيقي للحاج بكر هو سمير عبد محمد الخليفاوي. وهو ضابط سابق في الجيش العراقي.
ويقود المجلس العسكري، وهو ما يقابل قيادة أركان عمليات التنظيم، أبو أحمد العلواني مع إدارة ثلاثة ضباط آخرين، مهمتهم التخطيط وإدارة القادة العسكريين ومتابعة «الغزوات». في حين يرأس الهيئات الشرعية أبو محمد العاني، إضافة إلى مهامه في الإرشاد والدعوة ومتابعة الإعلام. مجلس الشورى الذي يضم من 11 إلى 19 عضوا يجري اختيارهم من قبل البغدادي، ويديره أبو أركان العامري ومهمته تزكية الولاة لرئاسة الولايات بعد موافقة البغدادي على أسمائهم. أما مجلس الأمن والاستخبارات الذي يهتم بأمن البغدادي وأمن التنظيم من الاختراق فيتزعمه أبو علي الأنباري، وهو ضابط سابق في الاستخبارات العراقية.
ومؤسسات الإعلام بزعامة أبو أثير الشامي، من أصل سوري، حيث يتابع الإعلام الإلكتروني والمواقع الجهادية. وهي قريبة إلى هيكلية القاعدة المركزية وتتضمن مؤسستي «الفرقان» و«الأندلس».
ويشير عضو الائتلاف الوطني المعارض والخبير في الجماعات الجهادية عبد الرحمن الحاج، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود «تقسيم واقعي وليس ممنهجا داخل الهيكل القيادي في تنظيم (داعش)»، موضحا أن «قيادة التنظيم عراقية متحكمة بقراره على الرغم من وجود مجلس شورى يضم عددا من الجنسيات، لكن القرار الفعلي يبقى للعراقيين»، ويعود ذلك بحسب الحاج إلى كون «التنظيم جرى تأسيسه في العراق بحكم الواقع على الأرض. مؤسسوه بمعظمهم من الضباط المنشقين الذين كانوا ضمن الجيش العراقي الموالي لصدام حسين»، مشددا على أن «المنطق القبلي والجهوي والمناطقي غالبا ما يربط بين قيادات التنظيم، حين يستعين كل قيادي بأبناء قبيلته أو عشيرته في موقع القيادة لضمان ولائهم».
أما الذراع العسكرية الضاربة للتنظيم، فهي، بحسب الحاج، أتباع الجنسيتين التونسية والليبية؛ إذ يتصدر هؤلاء الصفوف الأولى في القتال، وأحيانا يجري الاستعانة ببعض المهاجرين الأجانب. كما يعد القوقازيون خزان الانتحاريين في تنظيم «الدولة» لأنهم يبنون علاقتهم مع الدين بشكل عاطفي، مما يسهل تجييش مشاعرهم الدينية وتجنيدهم في تنفيذ عمليات انتحارية، وفقا للحاج الذي يؤكد أن «السوريين ليس لديهم قرار في (التنظيم) ولا يحتلون أي مواقع قيادية»، مُرجعا ذلك إلى «قلة الثقة بهم إثر الانشقاقات التي حصلت مع (النصرة)».
وتسمي «الدولة الإسلامية» مناطقها بـ«الولايات»، فهناك «ولاية حلب» و«ولاية الرقة» و«ولاية نينوى» و«ولاية صلاح الدين» و«ولاية البادية (حمص)»، و«ولاية الخير (دير الزور)»، وهكذا.. والمدن الكبيرة داخل هذه الولايات يطلق عليها اسم «قاطع»، مثل «قاطع منبج»، و«قاطع جرابلس»، و«قاطع البركة (الطبقة)».
كل ولاية من هذه الولايات لها أميرها الخاص، ولها محكمة إسلامية خاصة بها، ولها مجلس للخدمات الإسلامية يقوم بها، ولكن هذا الأمير وهذه المحكمة وهذه «الهيئة الإسلامية للخدمات» تعود بالنهاية لأمرائها على مستوى المنطقة. فمثلا «قاطع البركة» له مركز خدمات إسلامية هو بمثابة البلدية، ولكن مصدر تمويله وإدارته يعود بالأصل لولاية الرقة، حيث إن «قاطع البركة (الطبقة)» موجود ضمن ولاية الرقة.
ولكل ولاية أمير حاكم، وأمير عسكري (بمثابة القائد العسكري) ولا يمكن بحال من الأحوال أن توجد معلومات عسكرية في حلب يعلمها القائد العسكري أو الأمير في الرقة. كل ولاية ترجع في قراراتها العسكرية والأمنية والمعلوماتية والخدمية إلى قادتها مباشرة دون مشاركة المعلومات مع ولاية أخرى.
كما أن هناك مراكز أمنية كاملة لدى «الدولة الإسلامية»، فيها استخبارات مضادة ضد خصومها، ولديها أجهزة مدنية وأجهزة عسكرية لجمع معلومات متكاملة. ولكل مقر مسؤول لحمايته ودراسة لوازمه، ومجموع المقرات في المدينة الواحدة ترجع إدارتها لشخص وظيفته أنه «مسؤول أمن المقرات»، وهذا ما جعلها تنجح في ضبط أمورها بسرعة قياسية عند دخول أي مدينة سواء في العراق أو سوريا.

* سجون «الدولة».. رعب وإعدامات وجلد أطفال
* يجمع المعتقلون الذين نجوا من الموت في معتقلات وسجون «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على أن الظروف في هذه السجون غير إنسانية، وأشد رعبا من تلك التي يخصصها نظام الرئيس بشار الأسد لقمع معارضيه. وتتوزع هذه السجون بين مبنى المحافظة وإدارة المركبات والمرأب، في مدينة الرقة، بالإضافة إلى سد البعث ومنشأة نفطية في العكيرشي في مناطق أخرى من محافظة الرقة، ومشفى الأطفال، ومقر أحمد قدور في حلب.
وأشارت منظمة العفو الدولية في أحد تقاريرها إلى وجود «أطفال بين المحتجزين في سجون (داعش) ممن تعرضوا لعقوبات جلد كبيرة» وفقا للإفادات التي حصلت عليها المنظمة. وتكشف هذه الإفادات أن «أحد الآباء اضطر للتحامل على نفسه، مغلوبا على أمره، وهو يسمع صرخات ابنه من الألم الناجم عن تعذيبه على أيدي آسريه من عناصر تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق والشام) في إحدى الغرف المجاورة»، فيما روى اثنان من المحتجزين كيف شهدا جلد فتى في الـ14 من العمر أكثر من 90 جلدة أثناء استجوابه في سد البعث، أحد السجون التابعة للتنظيم بمحافظة الرقة، وتعرض فتى آخر من العمر نفسه تقريبا للجلد المتكرر على مدى أيام لاتهامه بسرقة دراجة نارية.
ونقلت العفو الدولية عن محتجزين سابقين أن «مسلحين مقنعين اعتقلوهم واقتادوهم إلى أماكن مجهولة، حيث ظلوا قيد الاحتجاز هناك مدة وصلت إلى 55 يوما بالنسبة لبعضهم، ومنهم من لم يعرف أبدا أين كان محتجزا».
ويؤكد أحد الناجين من سجون «الدولة» رؤيته عناصر «داعش» يعدمون سجناء «بينهم فتى كردي في الـ15 من العمر، اتهموه بالاغتصاب والانتماء إلى حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض فرعه السوري (حزب الاتحاد الديمقراطي) معارك ضد (داعش)، وقد نفى الفتى الاتهامات الموجهة إليه، إلا أنهم ضربوه طوال خمسة أيام، إلى أن اعترف، حينها أطلقوا النار عليه مباشرة».
بدوره، اكتشف المصور الصحافي عمر الخاني رعب السجون «الداعشية» خلال اعتقاله مرتين لدى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»؛ إذ كان من ضمن المعتقلين داخل مستشفى الأطفال بحلب في أغسطس (آب) الماضي بعد أن حوله التنظيم إلى فرع أمني.
ويشير الخاني إلى أن «قبو المستشفى هو المعتقل والغرف، شديدة الاكتظاظ لدرجة أن المعتقلين كانوا ينامون على أجنابهم ولا مكان للاستلقاء على الظهر»، وأضاف أنه «قضى الأيام الأربعة الأولى واقفا في الممر وهو معصوب العينين، دون أن يُسمح له بالجلوس أو حتى الصلاة».
ولكل سجان في معتقلات «داعش» أسلوبه في التعذيب، وفقا للخاني الذي قال إن محاولات الخنق كانت شائعة.. «كانوا يضعون كيسا بلاستيكيا على رأسي ويحكمون إغلاقه، في البداية كنت أمزقه بأسناني ثم زادوا عدد الأكياس، ويبقونها هكذا حتى أشارف الاختناق.. أما الصعق بالكهرباء فأسلوب آخر يعتمدونه في التعذيب، حيث كانت الصعقات تؤدي إلى فتح قروح كبيرة في الجلد، وبعض السجانين كانوا يستخدمون السلاسل الحديدية في الضرب، وآخرون يعتمدون على العصي. وكان هناك سجان لديه طريقة خاصة في التعذيب، حيث يستعمل قماشة تحوي مادة ما ويضعها على فم وأنف السجين فيقع أرضا ويصاب بنوع من الشلل وألم في الكليتين، ثم يبدأ في ضربه، وكثيرا ما كرر هذا الأمر مع العديد من المعتقلين»، بحسب الخاني.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.