«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (2 من 5): قصة «سيدي خريبيش»

آخر مربع سكني يتحصن فيه مسلحو بنغازي

عناصر من الجيش الليبي الوطني يتسلقون ركام بناء مهدم بفعل الاشتباكات مع المسلحين في خريبيش أحد أحياء بنغازي (رويترز)
عناصر من الجيش الليبي الوطني يتسلقون ركام بناء مهدم بفعل الاشتباكات مع المسلحين في خريبيش أحد أحياء بنغازي (رويترز)
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (2 من 5): قصة «سيدي خريبيش»

عناصر من الجيش الليبي الوطني يتسلقون ركام بناء مهدم بفعل الاشتباكات مع المسلحين في خريبيش أحد أحياء بنغازي (رويترز)
عناصر من الجيش الليبي الوطني يتسلقون ركام بناء مهدم بفعل الاشتباكات مع المسلحين في خريبيش أحد أحياء بنغازي (رويترز)

أعلن الجيش الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر عن تحرير مدينة بنغازي من المتطرفين والتنظيمات الإرهابية، في الصيف الماضي، لكن ما زال هناك مربع سكني يسمى «سيدي خريبيش»، قبالة البحر، يتحصن فيه مسلحون متشددون يقدّر عددهم بما بين 90 عنصراً، وفق مصادر قريبة من الجيش، و150 عنصراً بحسب مصادر على صلة بالمحاصرين.
الحلقة الثانية من سلسلة التحقيقات التي تقدمها «الشرق الأوسط» عن أوكار المتطرفين في ليبيا، تسلط الضوء على هذا المربع السكني الذي انقلب رأساً على عقب، بمعنى الكلمة. ولكي تصل إلى نقطة المواجهة بين الجيش و«سيدي خريبيش»، فلا بد أن تمر بشوارع حفرتها جنازير الدبابات، وبمئات المباني المهدمة، من بينها مبنى الميناء البحري، ومبنى المحكمة المدمر، الذي كان يتظاهر أمامه الليبيون ضمن موجة ما يعرف بـ«الربيع العربي» في عام 2011.
عند نقطة معينة، من كورنيش بنغازي، وبالتحديد من بعد مبنى «الزاوية الرفاعية» التاريخي، الذي هدمته الحرب بين الجيش والمسلحين، يعلو صوت الرصاص والقذائف الصاروخية. هنا لا بد أن تتوقف. هذه «سيدي خريبيش» من ناحية البحر. أما المنطقة من الناحية الجنوبية، فلا يمكن الاقتراب منها إلا بعد اجتياز شوارع حي الصابري المزروعة بالمتفجرات، والتي تغص بعمارات متداعية وخالية من السكان.
لقد تحولت هذه المنطقة المعروفة باسم بنغازي القديمة إلى أطلال، بعد أن كانت فيما مضى تحمل عبق التاريخ القديم، وتعج بالحياة والمناقشات الثقافية وبالمشاة والمتسوقين.
ويقول مرافق من الجيش كان مع «الشرق الأوسط» في أقرب نقطة من «سيدي خريبيش»: «مركز المسلحين الرئيسي في الداخل يقع في الفندق البلدي. يقع الفندق شمال حي الصابري. نحن نرصدهم؛ لكن دخول المنطقة في الوقت الحالي صعب. نستطيع، بلا شك، أن نصل إلى هناك، ونستعيد الموقع؛ لكن هذا سيؤدي إلى خسائر كبيرة في الجيش. فالمحاصرون في الداخل قاموا بتفخيخ محيط سيدي خريبيش. فخخوا كل شيء فيه».
ويصف الجيش الليبي المحاصرين بأنهم «دواعش»؛ لكن أحد الوسطاء الذين يثق فيهم مسلحو «سيدي خريبيش»، وما زال على تواصل معهم، يقول في المقابل إن الموجودين في هذه المنطقة ينتمون إلى ما يعرف باسم «درع ليبيا 1» الذي صدر قرار بتشكيله قبل ثلاث سنوات من المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق)، للدفاع عن بنغازي. ويضيف أن بعض أمراء الحرب، من جماعة «الإخوان» ومن «الجماعة المقاتلة»، يستفيدون من الضجة الدولية حول هؤلاء المحاصرين و«من مصلحتهم أن يظلوا تحت الحصار، رغم البكاء عليهم أمام شاشات التلفزيون».
وبخلاف التفخيخ، حال دون دخول الجيش إلى سيدي خريبيش، أنها منطقة ذات أزقة ضيقة وشوارعها صغيرة. ويقول مسؤول عسكري: «الدواعش حفروا فيها أنفاقاً تحت الأرض. الأنفاق تُفتح على البيوت من أسفل، وفيها مراصد يتمركز فيها قناصون. ثم إن كل من فيها من القناصة المحترفين. هم محاصرون هنا منذ إعلان تحرير بنغازي في يوليو (تموز) الماضي. ويعتمدون في الأكل والشرب على المنتجات المنتهية صلاحيتها التي كانت مخزنة في مخازن سوق العرب في الصابري. من السهل أن ندكهم بالطيران؛ لكن نريد أن نحصل عليهم أحياء».
ويقول مسؤول في الجيش إنه في حال القبض على المحاصرين أحياء، فيمكن الحصول منهم على اعترافات مهمة بشأن علاقة بعض الأطراف المحلية والدولية بإثارة الفوضى والخراب في بنغازي؛ خاصة بعد أن تمكن الجيش من فك شفرات كثيرة عن هذه العلاقات، من المقار التي كان يدير منها المتطرفون العمليات في باقي ضواحي المدينة المحررة.
بينما يقول الوسيط الذي له علاقة بالمحاصرين، إن «من ورطهم في الاستمرار في الحرب في بنغازي، لا يريد خروجهم أحياء من سيدي خريبيش؛ لأنهم إذا خرجوا أحياء فسوف يفضحون دور من ورطوهم في الاقتتال الذي استمر منذ عام 2014 في عموم ليبيا، وليس في هذه المدينة فقط».
وعما إذا كان يوجد عسكريون بين المحاصرين، قال: «ربما اثنان أو ثلاثة. الباقون كلهم مدنيون من (درع ليبيا 1)»، مشيراً إلى تفاصيل تخص محاولات لوسطاء دوليين ومحليين لإخراج المحاصرين عبر البحر، جرى إفشالها عن «طريق قادة من جماعة (الإخوان) ومن (الجماعة المقاتلة)... رغم أن هاتين الجماعتين تبثان دعاية لا تتوقف ضد الجيش؛ بحجة أنه يحاصر سيدي خريبيش. أعتقد أن هناك من يستفيد من استمرار هذه المعضلة».
وتمكنت القوات البحرية، منذ فبراير (شباط) الماضي، من فتح ميناء بنغازي، والسيطرة على طريق البحر، وبالتالي «توقف المدد الذي كان يصل إلى سيدي خريبيش من طريق البحر، من جهة سرت ومصراتة»، بحسب ما يقول المسؤول العسكري. ويضيف: «المحاصرون في سيدي خريبيش بقايا للدواعش. وحاول قادة للمتطرفين في طرابلس ومصراتة إقناع المجتمع الدولي بأنهم عائلات من المدنيين يجب فك الحصار عنهم، وتأمين خروجهم عبر البحر. في الحقيقة لم يعد يرغب فيهم أحد. ونحن نريدهم أحياء. نريدهم أن يستسلموا لكي يقولوا لنا ما لديهم».
وأياً كان الأمر، فإن منطقة «سيدي خريبيش» تتوسط مواقع تمكن الجيش الليبي من أن يطرد منها المسلحين الذين كانوا يسيطرون عليها في الفترة الأخيرة، ومنها منطقة الصابري، وسوق الحوت التي يقع فيها ميناء بنغازي.
وفي أكثر من موقع توجد شرائط ملونة على طول الأرصفة، وحول مبان خالية جدرانها مجوفة بفعل انفجار القذائف، تحذّر من اجتيازها. وجود الشريط ذي اللونين الأحمر والأبيض يعني أن المناطق التي وراءه خطيرة. ومع ذلك تحاول عائلات عدة العودة، بعيداً عن أعين الجيش، للاطمئنان على ما تبقى من ممتلكاتها.
ومن سوء حظ واحدة من هذه العائلات أن شقتها السكنية كانت ضمن الطابق الثاني في عمارة في شارع الشويخات المجاور لـ«سيدي خريبيش». وحين تعجلت العودة إلى هناك، من وراء ظهر الجيش، فوجئت بأن المتطرفين كانوا قد استولوا على الطابق كله، وحولوه إلى واحد من مراكزهم الرئيسية؛ لكن حين انسحبوا فخخوا الموقع، وهكذا قُتل أفراد هذه العائلة، بينما تحطم ما تبقى من جدران.

«احذر منطقة ألغام»
يقول ماجد، أحد أصحاب الشقق في هذه العمارة المكونة من أربعة طوابق، والتي فيها 18 شقة، إن هذه العائلة لم تلتزم بتحذيرات عدم الدخول، وتجاهلت الأشرطة الملونة التي وضعها الجيش. ويوجد على واجهة العمارة كتابات باللون الأسود تقول: «احذر منطقة ألغام»، مثل مئات العمارات الأخرى.
ويضيف ماجد: «هذه العمارة تقع على الحد الذي كان يفصل بين قوات المتطرفين وقوات الجيش في المدينة. ويوجد في مقابل العمارة مركز (زهرة بنغازي التجاري). وهو مدمر حالياً. ومنه أطلقت قوات (داعش) قذيفة هاون أدت لمقتل شقيقي، واسمه درويش».
وتطوع ماجد مع قوات الجيش، ثم تدرب وانضم كجندي نظامي، وأصبح له رقم عسكري. ويتذكر تلك الأيام قائلاً: «كنت أعيش مع الجيش. التموين من الجيش، والذخيرة من الجيش. كنا متطوعين مع الجيش؛ أي مع جماعة القوات البحرية هنا. احتل الدواعش بيتي بعد أن دخلوه، وحين رجعت وجدته مدمراً بشكل كامل. من الخارج تعتقد أنه لا يوجد فيه أي أضرار تذكر؛ لكن من الداخل دمار تام. كان في العمارة ألغام، وما زال فيها ألغام. واستشهد فيها اثنان من جيراني حين جاءا لمعاينة بيتهما بعد خروج الدواعش منه. رب أسرة وشاب».
وبينما هو يقول ذلك، كانت طلقات الرصاص تصفر في الهواء قادمة من ناحية «سيدي خريبيش». وفي شارع آخر تمكن الجيش من تطهير مبانيه من الألغام والمفخخات، دخل عمال مرفق الكهرباء لتوصيل التيار إلى البيوت، وإصلاح المحطات المعطوبة. ويقول عامل كهرباء بجوار محطة المعرض الصناعي: «بدأنا العمل قبل أن تنتهي الاشتباكات في الجوار. أي نقطة يحررها الجيش، ندخل وراءه من أجل إعادة تشغيل الكهرباء فيها».
ويضيف أن «العمل يستمر أحياناً حتى والخطر ماثل للعيان، من أجل إرسال رسالة إلى المخربين بأنهم مهما دمروا من محطات كهرباء ومحطات مياه، فإن يد الإصلاح وراءهم. وفي يوم 15 يوليو من هذا العام، استشهد زميلنا ورفيقنا في المرفق، خالد حسن، في داخل محطة الكهرباء المجاورة لسيدي خريبيش. انفجر فيه لغم في محطة الشويخات، بعد خروج الدواعش من المنطقة. لقد قاموا بتلغيم أكثر من محطة كهرباء».
وتبدو محطة المعرض الصناعي للكهرباء متضررة من القذائف، وهي أصلاً متهالكة لأنها قديمة؛ لكنها كانت تعمل. ويقول مسؤول بالمرفق: «سيتم تجديدها بالكامل ضمن خطة لتجديد مرافق بنغازي». وفي الجانب الآخر من الشارع كانت مجموعة من عمال الكهرباء في ملابسهم الزرقاء يواصلون العمل، وهم يحفرون في الأرض لإصلاح الكابلات التي جرى تفجيرها على أيدي المتطرفين.
ورغم ضراوة المعارك التي جرت هنا، فإن معظم السكان والعمال يستمدون روح التفاؤل من سيّدة مسنة تدعى «الحاجة خديجة»؛ لأنها لم تترك بيتها رغم ضربات الصواريخ والتفجيرات التي كانت تهز الأرض وتحيل العمارات لأنقاض.
ويقول أحد العمال وقد بدت على وجهه ابتسامة من التحدي والإصرار: «نحن سعداء بمن يعودون إلى بيوتهم في المناطق التي تم تطهيرها من المفخخات. ومن يعود نهرع لتوصيل الكهرباء له. نحن لا ننسى الحاجَّة خديجة التي ظلت تقيم في بيتها هنا رغم الحرب والموت. وبعد أن هدأت حدة الاقتتال في هذه المنطقة، وبعد أن جئنا لترميم كوابل الكهرباء، أصبحت الحاجَّة تتردد علينا لتشجيعنا. تأتي لنا بالفطور والغداء، ولم تكن قد تخلت عن بيتها منذ وصول الدواعش، حتى هروبهم».
ويحيط بهذه المنطقة المدمرة مبان متداعية أيضاً بفعل المواجهات الشرسة بين الجيش والتنظيمات المتطرفة. ومنها مبنى «الإدارة العامة للخطوط الليبية»، و«دار الكتب الوطنية» و«عمارة الضمان»، حيث كانت هذه العمارة ذات الشرفات المثقوبة، مرصداً للإرهابيين والدواعش. وبجوارها عمارات سكنية قد تهاوت أعمدتها الخرسانية والتوت شرفاتها، ولم تعد تصلح إلا للتصوير.
ويقع منزل «الحاجة خديجة» بجوار مبنى «مشروع جوهرة بنغازي»، على أحد خطوط المواجهة بين الجيش و«الدواعش». وكان المبنى يكتسي بالزجاج الأزرق، إلا أن كل هذا تهدم وتبعثر وتحوّل إلى لون بني مختلط بلون الحرائق الأسود. ويبدو أن الحاجَّة قررت اليوم أخذ استراحة بعد أن ساد الهدوء المنطقة إلى حد ما. فحين توجهت «الشرق الأوسط» للمنزل لم تكن موجودة فيه؛ حيث كانت في زيارة لأقارب لها في الضاحية الخلفية، كما يقول أحد جيرانها العائد حديثاً إلى بيته، وهو حميد الفيتوري، ميكانيكي السيارات، الذي كان يتردد على المنطقة أثناء الاقتتال بين حين وآخر، ويعد شاهداً على الصمود الأسطوري للحاجَّة خديجة.
ويقول الفيتوري: «كان الضرب حولنا وفي كل مكان؛ لكن ربنا كريم ورحمته واسعة. قاومنا من أجل البقاء. لم نكن نريد أن نترك مكاننا. وبارك الله في الشباب والقوة المساندة والجيش. وقفوا وقفة لا تقدر بثمن. الكهرباء كانت تقطع كثيراً نظراً للمشكلات. وتعطلت الكابينة، وكان خلفنا محلات للمواد الغذائية ندبر منها احتياجاتنا».
وعن الدمار الكبير المنتشر حول منزله ومنزل جارته، قال: «نحن نرى أن الرجال الذين ضحّوا بحياتهم لن نستطيع أن نعوضهم؛ لكن المباني والعمارات يمكن أن نعيدها بأفضل مما كانت عليه. جماعة الكهرباء ما شاء الله عليهم. الأخ الطيب (موظف في مرفق الكهرباء) لم يتركنا أبداً، ووصَّل لنا تيار النور».
ويعتقد سكان أن «سيدي خريبيش» من الصالحين، وقد وفدَ من المغرب العربي، قبل مئات السنين، واستقر على شاطئ البحر، قرب منارة بنغازي، حيث دفن هناك.
وتأسست المدينة القديمة في هذه المنطقة التي نمت وازدهرت عبر العصور التركية واليونانية والإيطالية. وعزز مقر قصر الملك فيها، في خمسينات القرن الماضي، من مكانتها، كما حاول العقيد معمر القذافي استرضاء الخليط الحضري الذي كان يعيش فيها، من كُتّاب وفنانين وشعراء ورسامين؛ إلى أن انطلقت منها شرارة الانتفاضة ضد حكمه، من أمام مبنى المحكمة القديمة، في عام 2011؛ حيث تعرضت المنطقة برمتها لدمار كبير استمر حتى الآن.
وفي يوم من الأيام، وبينما كانت الحرب مستعرة بين الجيش والدواعش، جاء الفيتوري إلى بيته، ووجد خطوط الكهرباء مقطوعة، فحاول أن يصلحها بنفسه؛ لكنه كاد أن يفقد حياته حين استهدفه قناصة من المتطرفين. يقول: «في أحد الأيام استهدفني القناصة وقفزت من أعلى البيت، حين كنت أحاول أن أشد سلك الكهرباء. وقام الجيش بالتغطية عليَّ إلى أن قفزت. كان الدواعش يعتقدون أنني عسكري. الحاجَّة خديجة، زوجها الحاج عبد الله، قعد فترة في مصر، ولديه ابنته تحضِّر الدكتوراه، وهو مرافق لها هناك، أما هي فقد رفضت الخروج، ومكثت هنا هي وأولادها، منذ بداية الأحداث إلى آخرها».
وكان المركز الرئيسي لـ«داعش»، في العمارة ذات الـ18 شقة، على بعد عدة أمتار من بيت الحاجة خديجة. ويقول أحد المحققين إن المركز يحتوي على أدلة تثبت تورط قادة للميليشيات وزعماء سياسيين من طرابلس ومصراتة، ومن دول خارجية، في إمداد المتطرفين في بنغازي بكميات ضخمة من الأسلحة والأموال، طوال العامين الماضيين، وذلك بعد أن أصبح يطلق على تحالف المحاربين في المدينة اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي».
ومن بين هذه الأدلة نص محضر «اجتماع تكميلي» عقد في قاعة فندق «ريكسوس» في طرابلس، وشارك فيه قادة معروفون بأسمائهم. ويقول المحقق: «عثرنا على هذا المحضر وأدلة أخرى في حاسوب أحد الدواعش في بنغازي».
واطلعت «الشرق الأوسط» على نص المحضر. وجاء فيه قرار من قيادات في العاصمة بتعضيد قوات المتطرفين في بنغازي، وتخفيف الضغط عنهم بفتح جبهة ضد الجيش الذي يقوده حفتر، في منطقة الموانئ النفطية، وتأسيس محفظة استثمارية في إحدى الدول الداعمة لـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» للإنفاق منها على عمليات الجماعات المتطرفة في بنغازي.
وفي تلك الأثناء كان تنظيم «شورى بنغازي» يعمل على تأمين آخر حصونه في محيط «سيدي خريبيش» انتظاراً للمدد من غرب البلاد. وكان هذا الحصن في شارع الشويخات في مواجهة محور الجيش، حيث يسعى التنظيم لعرقلة تقدم الجنود، بينما كان منزل الحاجة خديجة يقع في المنتصف. وقام التنظيم المتطرف بتعطيل مضخة المجاري، ما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه في الشوارع الواقعة ناحية تمركز الجيش، إلى مستوى لا يمكن معه فتح باب السيارة «إذا فتحته دخلت عليك مياه المجاري»، كما يقول الفيتوري.
وفي واحدة من العمليات «البطولية» التي أصبح يتفاخر بها أبناء المنطقة، أنه، وبعد أن أصبحت أيدي الشبان مشغولة بحمل السلاح، تقدمت مجموعة من المتطوعين من كبار السن، ودخلوا إلى مضخة الصرف الصحي التي أعطبها الدواعش، وأمضوا نهاراً بأكمله وسط الروائح الكريهة للمياه التي كانت تصل إلى صدورهم، وهم يحاولون إصلاح المضخة، بينما القذائف تنفجر حول رؤوسهم.
ويقول الفيتوري، وهو يقف أمام بيته المثقوب في عدة مواقع بفعل الضربات الصاروخية: «تمكنت مجموعة من كبار السن، كمتطوعين، من إعادة تشغيل المضخة بالفعل. وصفقنا لهم دون أن نهاب الموت. منهم الحاج نجيب عبد الجواد، وفرج الفرجاني، وخالد الشلماني، وآخرون».
وفر غالبية المقاتلين أمام تقدم الجيش إلى خارج بنغازي، عبر طرق برية تقع في غرب المدينة، ومنها توجهوا إلى غرب البلاد، وانضموا إلى ما أصبح يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي»، بقيادة العميد مصطفى الشركسي، الذي ما زال يعد نفسه آمراً لمنطقة بنغازي العسكرية، وفقاً لقرار من المؤتمر الوطني أو البرلمان السابق، بحسب ما قاله الشركسي نفسه. بينما تقهقرت عناصر أخرى إلى الخلف، إلى أن علقت في داخل «سيدي خريبيش».
وحين تحاول الوصول إلى «سيدي خريبيش» فلا بد أن تسلك طريق الكورنيش من ناحية الغرب. ومن هناك تمر على المباني العتيقة التي ترتبط بأحداث سياسية كبرى في تاريخ ليبيا، إلا أن كل هذه المباني أصبحت أكواماً من التراب والحجارة. ومنها مقر متحف بنغازي، ومقر «قصر المنار» الذي ألقى الملك إدريس السنوسي، من شرفته، خطاب الاستقلال في مطلع خمسينات القرن الماضي. وإذاعة بنغازي القديمة التي أعلن منها القذافي «بيان ثورة 1969». وطالت الأضرار أيضاً مبنى الاتحاد الاشتراكي الذي كان كنيسة فيما مضى، ومبنى شركة الموانئ، ومقر الجوازات، وإدارة الجمارك، وغيرها.


مقالات ذات صلة

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

العالم جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد المجلس العسكري.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
يوميات الشرق المغنية تايلور سويفت (د.ب.أ)

نمساوي يقر بالذنب في التخطيط لمهاجمة حفل لتايلور سويفت عام 2024

ذكرت وسائل إعلام نمساوية أن متهماً بمبايعة تنظيم «داعش»، والتخطيط لشن هجوم على إحدى حفلات المغنية العالمية تايلور سويفت في فيينا قبل نحو عامين، أقر بالذنب مع…

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أفريقيا تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب) p-circle

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
المشرق العربي 
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
TT

مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

في زاوية من فناء إحدى المدارس الحكومية في صنعاء، تقف امرأة بملابس سوداء، اعتادت يوماً أن ترى ابنها في الطابور الصباحي.

اليوم تعود إلى المكان ذاته لا بوصفها أُمّاً، بل عاملة نظافة تحاول أن تُبقي ما تبقى من حياتها قائماً. تمسح الأرض بصمت ثقيل، وكأنها تهمس لحصى الساحة: كان لي ابن هنا ذهب طفلاً، وعاد جثة.

ترى الأم وجه ابنها في الطوابير، وهي تسمع أناشيد وهتافات لم تكن مألوفة. تدرك، بصمت، أن كثيراً من هؤلاء قد يسلكون الطريق ذاته، لكنها لا تقول شيئاً.

قبل عامين، فقدت أم عامر ابنها الوحيد، وكان في السابعة عشرة من عمره.

عاد إليها جثة هامدة، وصورته مرفوعة على صندوق. قالوا لها: «زغردي فقد نال الشهادة».

تتذكر السيدة وهي تتحدث إلينا كيف بدأ ابنها يتغير تدريجياً منذ انضمامه إلى ذلك المعسكر الصيفي. صار أكثر صمتاً، وأحياناً أكثر حدّة، يطلق الصرخة ويردد عبارات لم تألفها عن «الجهاد» و«النصر» كأنهما طريقه الوحيد. لم تفهم ما الذي يحدث، لكنها رأت في عينيه نظرة تأخذه بعيداً منها.

اليوم، لا تفعل سوى أن تمسح دموعها خفية، وتواصل التنظيف في عمل حصلت عليه بصفتها «أم شهيد»، لتعيل بناتها الثلاث، بعدما فقدت الابن المعيل.

تلامذة في صف مدرسي يؤدون التحية العسكرية ويهتفون بـ «الصرخة» الحوثية (الشرق الأوسط)

من نشاط صيفي إلى جهاز تعبئة

لم تولد المراكز الصيفية التابعة لجماعة الحوثي مع السيطرة على صنعاء عام 2014، بل تمثل امتداداً لمسار تاريخي مرتبط بنشأة الجماعة نفسها. تعود بدايات هذه المراكز إلى أوائل التسعينات، وتحديداً عام 1991، حين بدأت الجماعة، ضمن إطار ما عُرف بـ«الشباب المؤمن»، بتنظيم أنشطة شبابية ودورات موسمية في محافظة صعدة، بهدف تمرير خطابها الفكري عبر حلقات تعليمية ومخيمات صيفية، وقد مثلت هذه الأنشطة إحدى أبرز الأدوات المبكرة لبناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية، عبر خلق بيئة تفاعلية تجمع بين التعليم والتنشئة الفكرية.

ومع اندلاع حروب صعدة ابتداءً من عام 2004، شهدت هذه الأنشطة تحولاً نوعياً؛ إذ لم تعد مقتصرة على الجانب الديني أو التعليمي، بل تحولت إلى أدوات تعبئة واستقطاب، مستفيدة من حالة التعاطف الشعبي التي رافقت الحرب، ما أسهم في توسيع دائرة التأثير واستقطاب شرائح أوسع من الشباب.

بحلول عام 2008، بدأت الجماعة نقل هذا النشاط إلى خارج صعدة عبر وسائل غير تقليدية، من بينها توزيع مواد رقمية على وسائط تخزين صغيرة (SD وUSB)، احتوت على محاضرات ودروس مرتبطة بالمراكز الصيفية، إضافة إلى ما يُعرف بـ«الملازم» - وهي محاضرات كان يلقيها مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي - يجري تفريغها وطباعتها في كراريس.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، يقول أحد المشرفين على المراكز الصيفية في صنعاء، مفضلاً عدم كشف اسمه، إنه حصل عام 2008 على «ذواكر صغيرة» كانت توزع بين طلاب محددين في المدارس، وعند الاطلاع على محتواها وجد تسجيلات ومحاضرات لحسين بدر الدين الحوثي مشيراً إلى أن تلك المواد شكّلت نقطة تحوّل في تبنيه أفكار الجماعة ومناصرتها.

وأوضح أنه كان يحضر اجتماعات مغلقة للاستماع إلى هذه المحاضرات، في دواوين خاصة ضمت مهتمين ومقربين من الجماعة في صنعاء ومناطق محيطة مثل بني حشيش وخولان وسنحان وغيرها.

التحية الصباحية لأطفال بلباس موحّد في معسكرات الحوثيين الصيفية (الشرق الأوسط)

ومع تطورات عام 2011، وتحديداً أحداث فبراير (شباط) وما حملته من خروج واعتصامات في الساحات ولحظة انفتاح سياسي، انتقلت هذه الأنشطة إلى عدد من المحافظات، فظهرت مراكز ودورات أكثر تنظيماً خارج معقل الجماعة الرئيسي، مع بروز ملامح إشراف إداري أكثر وضوحاً تحت شعار جذاب هو «تغيير النظام». فتجاوزت الحلقات الضيقة إلى ملء المكتبات والأكشاك بالملازم، بل وإنشاء أكشاك في أكثر من مكان لتوزيع الملازم والملصقات والشعارات مجاناً، ووضع مكبرات صوت لبث وإذاعة «الزوامل» بشكل مستمر.

أما التحول الأبرز فجاء عقب السيطرة على صنعاء عام 2014، حيث تحولت المراكز الصيفية من أنشطة محدودة إلى برنامج واسع يُدار بشكل رسمي عبر مؤسسات الدولة، ضمن هيكل تنظيمي يضم لجاناً مركزية وفنية وإشرافية، مع إشراك عدد من الوزارات في إدارة برامجه.

ويؤكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة اعتمدت، في مراحل مبكرة، على ما كانت تسميه «الدورات الثقافية» و«الحوزات» لاستقطاب الشباب وكسب تعاطفهم وإدماجهم في مشروعها، وذلك قبل ظهور المراكز الصيفية بصيغتها الحالية. ويضيف المصدر أن هذه المراكز «لم تعد محدودة، بل تحولت إلى برنامج مؤسسي يُدار ضمن بنية تنظيمية متكاملة»، مشيراً إلى أنها تُستخدم كإحدى أدوات التأثير على توجهات الشباب، وصولاً إلى الدفع ببعضهم نحو جبهات القتال.

أطفال في أحد النشاطات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

أنواع المخيمات الصيفية

وفقاً للمعلومات والإفادات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، تقسم الجماعة هذه المراكز أو المخيمات الصيفية إلى ثلاثة أنواع، هي: المغلقة، والنموذجية، والمفتوحة. وتعد الأولى بمثابة دورات عسكرية آيديولوجية، والثانية مراكز لإعداد قيادات شابة، أما الثالثة فهي مراكز ترويجية.

وتقام المخيمات المغلقة في ثكنات عسكرية، وتركز بشكل أساسي على تأهيل المشاركين ليصبحوا مقاتلين في صفوف الجماعة، وتعدهم عسكرياً وآيديولوجياً لهذا الغرض، ويعتبرون بمثابة قوات احتياط. وبمجرد دخولهم في الدورات تُصادر هواتفهم، وتنقطع أخبارهم عن أسرهم، ويُنقلون ليلاً إلى مخيمات التدريب التي تتغير بين الفينة والأخرى.

وجميع هؤلاء من طلاب الثانوية العامة الذين أنهوا دورات التدريب على تفكيك السلاح في المدارس، ورصد لهم مدربوهم دورات عسكرية كمكافآت تفوق وامتياز، إضافة إلى بعض منتسبي فرق الكشافة في الثانويات التي حولت الجماعة نشاطها من كشفي إلى عسكري.

وفي هذه المخيمات، يتم تدريب المشاركين على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، و«الآر بي جي»، والهاون، والقنابل، وعمليات التمويه والتخفي.

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

أما المخيمات النموذجية، وهي غالباً لمن تجاوزوا العاشرة من عمرهم، فتعد بمثابة «مخيمات نوعية»، ويُستقطب إليها أوائل الطلاب والمتفوقين في الأنشطة المدرسية المختلفة، وهي مخيمات مغلقة يظل فيها الطالب طوال الأسبوع في المخيم، ويُسمح له فيها بالتواصل مع أسرته ولا يصادر هاتفه، ويعود أحياناً إلى المنزل كل أسبوع أو أسبوعين.

وعادة ما تقام هذه المخيمات في عواصم المحافظات، وفيها يتلقى الطالب محاضرات آيديولوجية مركزة من قبل كبار قياديي الجماعة، ويشاهدون أفلاماً في «الجهاد»، وسير لقادة الجماعة و«حزب الله» و«الحرس الثوري» الإيراني، ويجري تدريبهم بشكل محدود على تفكيك أنواع معينة من الأسلحة واستخدامها.

وتبقى المخيمات المفتوحة لمن هم بين 5 و10 سنوات، وتبدأ صباحاً وتنتهي مع وقت الظهيرة، وتبدو للعامة كمراكز تحفيظ قرآن ونشاطات صيفية، ولذلك تنشرها الجماعة في مختلف المدارس والمساجد حتى تكون في متناول الجميع، لكن الأطفال فيها يتعلمون «قسم الولاية» وترديد «الصرخة» وطاعة قائد الجماعة.

ولا تُستثنى الفتيات من هذه الأنشطة، بل إن هناك مراكز مخصصة للنساء، تتولى إدارتها «الهيئة النسائية الثقافية العامة» وتعمل على تصميم البرامج وتنفيذها، واستقطاب الطالبات عبر شبكات ميدانية، والإشراف على الكادر النسائي وتدريبه، وإعداد مواد إرشادية موحّدة.

وتُقدَّم هذه المراكز كمساحات تعليمية وترفيهية، لكنها تضم بدورها برامج دينية مكثفة ومحاضرات ذات طابع تعبوي وأنشطة جماعية تعزز الانضباط والانتماء.

تلامذة وأساتذة في باحة مدرسة تابعة للحوثيين في صعدة (الشرق الأوسط)

تكريس «نظرية المؤامرة»

تُكرّس الجماعة في خطابها فكرة أن المراكز الصيفية تمثل حصناً في مواجهة «المؤامرات» التي تستهدف الدين والوطن، وتقدم بوصفها وسيلة لغرس ما تسميه «الثقافة القرآنية» في نفوس النشء، وبناء جيل مسلح بالعلم والوعي.

كذلك تشدد في خطابها على أن «المعركة مع العدو» لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى «استهداف الوعي»، حيث تُقدَّم هذه المراكز كمحصّن ضد ما يُوصف بـ«الحرب الناعمة» و«الغزو الثقافي»، وتُصوَّر كجزء من صراع فكري طويل يُراد من خلاله إعداد جيل قادر على المواجهة.

وإلى جانب هذا الخطاب، تشير مصادر تربوية إلى اعتماد القائمين على هذه المراكز على مجموعة من الحوافز المادية والمعنوية، مثل توفير وجبات الطعام وبعض الاحتياجات وتنظيم الرحلات الاستكشافية والأنشطة، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاب كل عام.

وبحسب ما يرد في إحدى ملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، بعنوان «دروس في معرفة الله»، وهي محاضرة ألقاها في منتدى «الشباب المؤمن» بصعدة، فإن الهدف العام من هذه الدروس يتمثل في «تنمية معرفة الطلاب بالله، وترسيخ العقيدة في نفوسهم وضمائرهم، بما يدفعهم للانطلاق من خلالها إلى القتال ومواجهة الأعداء».

مناهج وكتب «تعليمية» للحوثيين بطباعة ملوّنة وجودة عالية مقارنة بالمناهج المدرسية الرسمية (الشرق الأوسط)

دروس خارج المنهج الرسمي

في موسم هذا العام، الذي انطلق في 28 مارس (آذار) الماضي، وزّعت جماعة الحوثي مناهجها الخاصة بالمراكز الصيفية بطباعة فاخرة وهوية بصرية واضحة، في دلالة على حجم الموارد المخصصة لهذه البرامج مقارنة بالتعليم النظامي الذي يعاني من تراجع مستمر في الإمكانات والدعم، بحيث يضطر الطالب إلى شراء منهجه الدراسي من السوق السوداء، فيما المعلم يكابد للحصول على راتبه، علماً بأنه في كل عام، ومع بدء التحضيرات للمراكز الصيفية، يطل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في خطاب سنوي مخصص للدعوة إلى الالتحاق بهذه الدورات، وهي دعوة شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً.

وبالعودة إلى تلك الكتب، فأول ما يلفت النظر هو أنها لا تحمل أي إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بل تصدر تحت عنوان «المسيرة القرآنية - الإدارة العامة للدورات الصيفية».

ينسحب ذلك أيضاً على تسمية المراكز، حيث لا تُنسب إلى المدارس التي تُقام فيها الأنشطة بل تُطلق عليها أسماء ذات دلالات رمزية مثل «الهادي»، و«الحسين»، و«فاطمة»، و«الشهيد طه المداني»، و«الشهيد صالح الصماد».

نشاطات لا صفية بعنوان «مهنتي مستقبلي» في أحد المعسكرات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

هيكلية إدارية بطابع وزاري

تُظهر الهيكلية الإدارية للدورات والأنشطة الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين منظومة إدارية متعددة المستويات، وفي مقدمتها وزارتا التربية والشباب والرياضة، إلى جانب هيئة التعبئة العامة التي تضطلع بدور مركزي في إدارة جانب التعبئة والتوجيه، ووزارة الأوقاف والإرشاد المسؤولة عن المحتوى الديني والخطاب الوعظي.

وعلى المستوى التنفيذي والفني، تتولى السلطات المحلية في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين الإشراف الميداني وتنسيق العمل داخل المديريات والمراكز، وذلك عبر مكاتب التربية واللجان الإشرافية، حيث تُدار الأنشطة اليومية وتُوزع الكوادر وتُتابع عملية تنفيذ البرامج، بما يعكس امتداد المنظومة من المستوى المركزي إلى الأحياء.

مدرّسة تختار كتباً للحصص الصيفية من مناهج الحوثيين (الشرق الأوسط)

في المقابل، تشارك وزارات أخرى بوصفها شركاء فنيين في تنفيذ البرامج القطاعية؛ إذ تتولى وزارة الداخلية برنامج «شباب واعٍ... مجتمع آمن»، وتشرف وزارة الزراعة على «الجيش الأخضر»، فيما تدير وزارة الصحة برنامج «سفراء الصحة»، ويشرف قطاع الاتصالات على «الوعي في عصر الاتصالات»، ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني تشرف على نشاط «مهنتي مستقبلي»، ضمن توزيع وظيفي يغطي مجالات الأمن والصحة والزراعة والإعلام الرقمي والمهن التطبيقية.

كما تلعب وزارة الإعلام دوراً داعماً ومستمراً، من خلال تنسيقات سنوية تسبق إطلاق الدورات، يُقرّ خلالها إطار التغطية الإعلامية، بما يشمل الترويج للمراكز ومواكبة أنشطتها ميدانياً، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز حضورها داخل المجتمع.

وتدار هذه المراكز عبر «اللجنة العليا للدورات والأنشطة الصيفية»، التي يرأسها رئيس الوزراء في حكومة الحوثي، وتضم في عضويتها كلاً من وزير التربية ووزير الشباب والرياضة، وممثل عن هيئة الأوقاف والإرشاد، وممثلين عن الجانب التعبوي والثقافي في الجماعة.

أما رئاسة اللجان الفرعية فيتولاها محافظو المحافظات، وينوبهم مسؤولو التعبئة العامة، وتضم في عضويتها مديري مكاتب التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والأوقاف والإرشاد.

التحية الصباحية في باحة إحدى المدارس الحوثية وبدا علم فلسطين وشعارات مناهضة لأميركا وإسرائيل (الشرق الأوسط)

انعطافة عام 2026

إذا كان التوسع في المراكز الصيفية قد تم تدريجياً خلال السنوات الماضية، فإن عام 2026 يمثل لحظة فاصلة، وتحولاً نوعياً في كون المدارس الصيفية لم تعد اختيارية بل انتقلت الجماعة إلى خطوة جديدة تجعل من الالتحاق بها فرضاً وإجباراً.

وبحسب شهادات طلاب وأولياء أمور ومعلمين، فإن شبكة من الضغوط المباشرة وغير المباشرة تمارس عليهم بشكل صارخ يصل أحياناً إلى التهديد، لتجد بعض الأسر نفسها أمام معادلة صعبة: إما الامتثال، وإما المخاطرة بمستقبل الأبناء.

وصحيح أن هذا التحول لم يُعلن رسمياً، لكنه أصبح واقعاً يمارَس يومياً؛ إذ تؤكد مصادر متقاطعة أنه مع بدء التحضيرات لتدشين المراكز الصيفية لهذا العام، عمدت الجماعة إلى ممارسات متصاعدة تربط الإجراءات المدرسية بالمراكز الصيفية. فعلى سبيل المثال، تربط نتائج الطلاب وقبولهم للعام الدراسي الجديد، بمشاركتهم في تلك الأنشطة، إلى جانب ضغوط تُمارس على إدارات المدارس لدفع تلامذتها إلى الالتحاق بـالمخيمات تحت طائلة العقوبات.

وإذا أراد طالب أن يخلو سجله الدراسي من النقاط السود التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ولاحقاً قبوله الجامعي، فعليه أن يبادر إلى التسجيل في تلك المراكز.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

في بعض المدارس، ارتبط تسليم النتائج أو قبول الطلاب في العام التالي بشهادة حضور من المركز الصيفي. وفي رسائل متداولة عبر مجموعات التواصل، ظهرت تحذيرات مبطنة تؤكد أن الغياب قد ينعكس سلباً على المسار الدراسي.

وتظهر رسالة موجهة من وكيلة مدرسة إلى أمهات الطالبات في مجموعة تواصلية في «واتساب» عن تهديد مبطن لكل طالبة لا تلتحق بالمراكز الصيفية بحرمانها من التسجيل في العام المقبل. وتقول الرسالة: «الأمهات القديرات نحيطكن علماً بأنه لن يتم قبول التسجيل إلا بشهادة من المركز الصيفي، فنرجو تسجيل الطالبات اللاتي لم يسجلن بعد وإلحاقهن بالمركز للاستفادة».

وفي مجموعة أخرى على «واتساب»، تهيب إحدى المعلمات بالطلاب قائلة: «تعالوا بكرة بدري، اللي مسجلين واللي ما سجلوا يسلجوا. الإدارة ما تقبلهم ببداية العام الدراسي إلا بشهادة المركز الصيفي».

كذلك كشفت رسالة منسوبة لمدير مدرسة شمالي مدينة إب، عن اشتراط حضور الطلاب والطالبات المراكز الصيفية مقابل تسليمهم نتائج الاختبارات السنوية، في حين يتم إغراء الطلاب الراسبين بعلامات إضافية حال انخراطهم في الدورات الصيفية.

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

عزوف وتجريم

بحسب المصادر، فإن هذه الإجراءات التي لجأت إليها الجماعة تأتي خشية أن تشهد المراكز الصيفية عزوفاً من قبل الطلاب وذويهم لمعرفتهم المسبقة بنتائجها.

ويؤكد المعلم ع. عبد الكريم، أحد المدرسين في هذه المراكز، أنه على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الجماعة في سبيل حشد أكبر عدد ممكن من الطلاب للالتحاق بالمراكز الصيفية، فإن الإقبال بدأ يتراجع أخيراً.

ويقول عبد الكريم لـ«الشرق الأوسط» إن المشاركة أصبحت ضعيفة جداً، لافتاً إلى أن جهود استقطاب الطلاب تتطلب وقتاً طويلاً وإقناعاً مستمراً ومالاً.

نقابة المعلمين اليمنيين بدورها حذرت من خطورة المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة في مناطق سيطرتها، مؤكدة أنها تحولت إلى أدوات منظمة للتعبئة الفكرية ذات الطابع الطائفي واستقطاب الأطفال والشباب، في سياق استهداف ممنهج للهوية الوطنية والعملية التعليمية في اليمن. وقالت النقابة، في بيان لها بتاريخ الأحد 12 أبريل (نيسان) 2026، إن الجماعة وسّعت منذ سيطرتها على صنعاء من إنشاء هذه المراكز بهدف استقطاب أكبر عدد من الطلاب، وتوظيفها في غرس أفكار عقائدية تقوم على مفاهيم الاصطفاء السلالي، بما يتعارض مع القيم الوطنية والدينية، ويخدم مشروعاً سياسياً يهدد أمن اليمن واستقراره.

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

مدارس مهملة ومراكز مزدهرة

في خطابها، تصف جماعة الحوثي المراكز الصيفية بأنها «رافد تربوي» لتعويض النقص التعليمي الناتج عن الحرب، لكن بحسب آراء كثير من المعلمين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، فذلك ليس «سوى عذر أقبح من ذنب»؛ فالمدارس نفسها يمكن أن تكون فضاءً للتعويض لو أرادت الجماعة فعلاً إصلاح التعليم، مشيرين إلى أن إصرار الجماعة على المراكز الصيفية يكشف عن أن الهدف ليس التعليم، بل صناعة جيل مهيأ للتجنيد المبكر والتعبئة العقائدية.

ويطرح المعلمون سؤالاً مفاده: «ما دامت جماعة الحوثيين تمتلك سلطة كاملة على التعليم الرسمي، وقد نجحت في إدخال أفكارها وآيديولوجيتها إلى المناهج الدراسية، فلماذا تتعمد إهمال المدارس وتتركها في حالة موت سريري، بلا معلمين ولا رواتب ولا مقومات تعليمية؟».

هذا التناقض بين ركود المدارس خلال العام الدراسي وازدهارها المفاجئ في الصيف يثير تساؤلات حقيقية.

فبينما تُظهر اهتماماً بالغاً بالمراكز الصيفية التي تتحول فجأة إلى ساحات صاخبة، تُغدق عليها الأموال والجهود، تجعل من التعليم الرسمي في حالة ركود تام ونقص شديد في الموارد والمعلمين، حيث تفتقر آلاف المدارس إلى أبسط مقومات العملية التعليمية.


العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.