ماذا يحدث في باكستان؟

بين انتهاك المقدسات والمؤامرة

مقتل وإصابة 206 أشخاص خلال عملية محاولة فض التظاهرات التي انطلقت صباح الأمس في باكستان. (ا.ف.ب)
مقتل وإصابة 206 أشخاص خلال عملية محاولة فض التظاهرات التي انطلقت صباح الأمس في باكستان. (ا.ف.ب)
TT

ماذا يحدث في باكستان؟

مقتل وإصابة 206 أشخاص خلال عملية محاولة فض التظاهرات التي انطلقت صباح الأمس في باكستان. (ا.ف.ب)
مقتل وإصابة 206 أشخاص خلال عملية محاولة فض التظاهرات التي انطلقت صباح الأمس في باكستان. (ا.ف.ب)

لقي ستة أشخاص حتفهم وأصيب نحو 200 آخرين، جراء اشتباكات بين الشرطة ونشطاء متشددين في العاصمة الباكستانية إسلام اباد، وفق ما أعلنته خدمات الطوارئ اليوم (الأحد).
واستدعت الحكومة الباكستانية الجيش للانتشار في العاصمة الباكستانية يوم أمس (السبت)، بعد سقوط قتلى وجرحى، جراء أعمال عنف اندلعت لدى محاولة قوات الأمن فض اعتصام لمتشددين شلّ العاصمة لأسابيع.
وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، في حين أغلق المحتجون الشوارع وأحرقوا مركبات الشرطة في محيط منطقة الاعتصام.
واتسعت رقعة التظاهرات لتشمل كذلك مدينتي لاهور وكراتشي الرئيسيتين إضافة إلى بلدات أخرى في انحاء البلاد.
وقالت المتحدثة باسم قسم الانقاذ في المنطقة ديبة شهناز لوكالة الصحافة الفرنسية، «وفقا للأرقام التي لدينا، قتل ستة أشخاص على الأقل جراء العنف اليوم»، في حصيلة أكدها مسؤول أمني.
وكانت الشرطة تحاول فض اعتصام تنفذه مجموعة متشددة تحمل اسم «حركة لبيك يا رسول الله»، بعدما أغلقت الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى إسلام أباد منذ السادس من نوفمبر (تشرين الثاني)، ما تسبب باختناقات مرورية أغضبت السكان.

بداية الأزمة:
انطلقت شرارة الأزمة التي تعيشها الحكومة الباكستانية في مواجهة إسلاميين ينتمون إلى حركات وأحزاب مختلفة، على رأسها حركة «لبيك يا رسول الله»، بعد تعديل مادة دستورية تنكر ختم النبوة، ما اعتبر مس بالعقيدة الإسلامية وانتهاك للمقدسات.
ورغم تراجع الحكومة عن تعديل المادة الدستورية، وتأكيدها أن ما وقع لايتعد خطأ مطبعي تم تعديله، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لإنهاء الغضب الذي عبرت عنه حركات ومجموعات إسلامية، إذ طالبت بإقالة وزير العدل الباكستاني زاهد حامد، الذي تتهمه بالوقوف خلف التعديلات المسيئة.
وأدى عدم استجابة الحكومة، إلى اعتصام الآلاف في مختلف مدن وشوارع البلاد، الأمر الذي اضطر الحكومة إلى حشد مئات من رجال الأمن لتأمين المنشآت والمناطق الحيوية، ومنحها صلاحية استخدام القوة إذا لزم الأمر.
ورغم تراجع الحكومة عن استخدام القوة، ودخولها في مفاوضات غير معلنة مع المعتصمين لإقناعهم بفض اعتصامهم، إلا أنها لم تنجح في إقناعهم بعد أن أصروا على مطلبهم الوحيد، وهو عزل وزير العدل.

تصاعد الأزمة:
بعد فشل الحكومة في إقناع المعتصمين بالعودة إلى منازلهم، ورفضها الاستجابة لمطلبهم بإقالة وزير العدل، قرر المعتصمون التصعيد من خلال السيطرة على شوارع مهمة، وإغلاق تقاطعات حيوية، ومنع الوصول إلى العاصمة، مع التهديد بإغلاق الطريق المؤدي إلى مطار إسلام آباد.
ومنع المحتجون عشرات الآلاف من الباكستانيين من التوجه الى إسلام أباد، حيث يعمل كثيرون منهم، مستخدمين العنف في بعض الأحيان. ومنذ بدء تحركهم أصبحت الرحلة إلى العاصمة تستغرق ساعات طويلة، كما توفي طفل في الثامنة من العمر بسبب تعذر ادخاله في الوقت المناسب الى المستشفى، بحسب ما وكالة الصحافة الفرنسية.
وأكدت حركة «حركة لبيك يا رسول الله» التي قادت الاعتصامات، أن قضية ختم النبوة خط أحمر، مهددة باستمرار التصعيد.
وأعرب المتظاهرون، عن استعدادهم للموت من أجل قضيتهم، ما أثار مخاوف السلطات وتسبب بترددها في التحرك.
ونجحت الحركة بدعم من أحزاب محظورة، في حشد المؤيدين عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم محاولات من السلطات لحجب تلك المنصات بينها "تويتر"، بحسب تقارير إعلامية.
وقال إعجاز أشرفي المتحدث باسم «حركة لبيك يا رسول الله» لـ«رويترز» عبر الهاتف من
الموقع، «نحن آلاف. لن نرحل. سنقاتل حتى النهاية».

تراجع الشرطة والاستعانة بالجيش
في عملية شارك فيها نحو 8500 شرطي ورجل أمن منذ صباح أمس (السبت)، خاضت الشرطة الباكستانية معارك كر وفر مع نشطاء حزب «حركة لبيك يا رسول الله - باكستان»، أطلقت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على المتظاهرين الذين أغلقوا طرقاً، وأضرموا النيران في سيارات للشرطة قرب موقع الاعتصام.
وتراجعت الشرطة والقوات المساندة لها عقب الاشتباكات التي أسفرت عن إصابة 137 شرطياً ومقتل شرطي واحد على الأقل، قبل أن تتقدم سلطات العاصمة بطلب لتدخل الجيش.
وأفاد الأمر الصادر عن وزارة الداخلية أن الحكومة الفدرالية أذنت بنشر ما يكفي من القوات لضبط القانون والنظام في المدينة حتى اشعار آخر.
ومع امتداد المواجهات، طلب الجنرال قمر جاويد باجوا قائد الجيش الباكستاني من رئيس الوزراء شهيد خاقان عباسي، معالجة الوضع «سلميا»، بحسب ما قال الناطق باسم الجيش العميد اصف غفور على حسابه الرسمي في «تويتر».
ودعا الجنرال باجوا الجانبين الى تجنب العنف، «لأنه لا يصب في المصلحة الوطنية».
وقال أحسن إقبال وزير الداخلية في رسالة لـ«رويترز» مساء أمس (السبت)، إن الحكومة طلبت مساعدة الجيش بهدف حفظ النظام والقانون طبقا للدستور.
وأظهرت لقطات تلفزيونية، اشتعال النيران في سيارة للشرطة وتصاعد الدخان واشتعال الحرائق في الشوارع مع تقدم شرطة مكافحة الشغب.
وأصاب المحتجون الحياة اليومية في العاصمة بالشلل، وتحدوا أوامر قضائية بفض الاحتجاج.

المؤامرة:
لم يقتصر وصف التصعيد الكبير الذي عرفته الاحتجاجات بالمؤامرة الخارجية، على بعض المحللين السياسيين و كتاب الرأي في الصحف الباكستانية، إذ وصف أحسن إقبال وزير الداخلية الباكستاني المحتجين، بكونهم جزء من «مؤامرة»، هدفها إضعاف الحكومة التي يهيمن عليها حزب رئيس الوزراء المخلوع نواز شريف، الذي أقالته المحكمة العليا في يوليو (تموز) بسبب عدم الإبلاغ عن دخله.
وأضاف إقبال في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي، «هناك محاولات لإثارة الفوضى في البلاد... أنا مضطر للقول بأسى، إن الحزب السياسي الذي يوصل رسالته للناس على أساس عقيدة شديدة القدسية، يستغل في مؤامرة تهدف إلى نشر الفوضى في البلاد».
من جهته دعا عمران خان زعيم المعارضة، لإجراء انتخابات مبكرة.
وشكلت التظاهرات تهديدا لحكومة حزب «الرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز«، قبيل الانتخابات العامة المنتظرة العام المقبل.

منع البث المباشر للمواجهات:
منعت سلطة تنظيم وسائل الإعلام في باكستان قنوات التلفزيون المحلية من بث مشاهد مباشرة للمواجهات، فيما أعلن موقع التواصل الاجتماعي «تويتر" أنه «يراقب« التقارير التي أشارت إلى قيام الحكومة بحجبه، مضيفا «نأمل بأن تعود الخدمة بشكل كامل قريبا«.
وذكر بيان صادر عن هيئة تنظيم الإعلام الإلكتروني، أن الهيئة أمرت بوقف بث القنوات
التلفزيونية الخاصة، بسبب انتهاك القوانين الإعلامية المتعلقة بالبث الحي لعملية أمنية. واستمر بث التلفزيون الباكستاني الرسمي، إلا أنه كان يذيع برنامجا حواريا يناقش شؤونا سياسية، كما تم حجب مواقع «فيسبوك ويوتيوب« في العديد من المناطق.

القضاء يستدعي وزير الداخلية:
أعلن القضاء أول من أمس (الجمعة)، أنه سيستجوب إحسان إقبال وزير الداخلية يوم غد (الاثنين) ليوضح سبب عدم تحرك الحكومة.
ويرى المحللون، أن رد الحكومة لم يكن صارماً، ما يمكن أن يشكل سابقة خطيرة في نظر الكثير من الجماعات المعارضة الأخرى.
وقال المحلل امتياز غول، إن المماطلة لأسباب سياسية لها كلفتها وهذا ما تدفع الحكومة ثمنه حالياً.
وأكد مسؤول كبير في شرطة إسلام أباد شارك في تنظيم العملية، لوكالة الصحافة الفرنسية، أنها خططت لتجنب سقوط ضحايا، إلا أن ذلك لم يكن مبرراً بالنسبة لكثيرين اتهموا الحكومة بالتساهل في ردها على الاحتجاج، والسماح لقضية صغيرة بالتحول إلى مشكلة كبيرة ووضع خطير.
وقال زيشان صلاح الدين من مركز الأبحاث والدراسات الأمنية في إسلام أباد، إن الحادثة تشكل سابقة تنذر بأنه «في أي وقت، أي شخص يشعر بالاستياء من الحكومة، يمكنه إغلاق العاصمة والحكومة ستمتثل لمطالبه«.

من يقف خلف «حركة لبيك يا رسول الله»
هي حزب متشدد حديث التأسيس، وتعد الحركة احدى حركتين سياسيتين متشددتين شهدت الأشهر الماضية صعودهما على الساحة الباكستانية، ويبدو أنهما تستعدان للعب دور كبير في الانتخابات التي قد تجرى بحلول صيف العام المقبل، رغم أنه من غير المرجح فوزهما بأغلبية.
وولدت الحركة من رحم احتجاج حركة مؤيدة لممتاز قدري، وهو حارس شخصي لحاكم إقليم البنجاب قام بقتل الحاكم في 2011 بسبب دعوته لإصلاح القوانين الصارمة ضد التجديف.
وحقق الحزب، الذي يتبنى تطبيقا صارما للشريعة الإسلامية، نتيجة قوية مفاجئة إذ حصل على 7.6 في المئة من الأصوات في الانتخابات الفرعية التي أجريت في بيشاور الشهر الماضي.
وقال المحلل السياسي حسن عسكري لوكالة الصحافة الفرنسية عن أعضاء الحركة، إن «هؤلاء الأشخاص كانوا حاقدين أصلا على الحكومة التي منحتهم فرصة للتعبير عن غضبهم».


مقالات ذات صلة

مسيرة تكريماً لناشط يميني فرنسي قُتل في ليون واستنفار لضبط الأمن

أوروبا ملصقات في ليون تندد بمقتل كانتان دورانك (رويترز)

مسيرة تكريماً لناشط يميني فرنسي قُتل في ليون واستنفار لضبط الأمن

تشهد مدينة ليون الفرنسية، اليوم السبت، مسيرة تواكبها تدابير أمنية مشددة، تكريماً لناشط في اليمين المتطرف قتله أنصار لأقصى اليسار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الآلاف يشاركون في مظاهرة حاشدة تضامناً مع القادة السابقين الذين يواجهون محاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال حرب الاستقلال عن صربيا التي دارت رحاها بين عامي 1998 و1999 وذلك في بريشتينا بكوسوفو يوم 17 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

احتجاج الآلاف على محاكمة قادة جيش تحرير كوسوفو السابقين في جرائم حرب

تجمّع الآلاف في بريشتينا حاملين لافتات جيش تحرير كوسوفو للاحتجاج على محاكمة قادة الجيش السابقين، ومنهم رئيس سابق، بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال حرب الاستقلال.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شمال افريقيا جانب من الاحتجاجات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين من المعارضة (إ.ب.أ)

تونس: نشطاء يتظاهرون للمطالبة بإطلاق سراح سياسيين معارضين

شارك نشطاء وسياسيون في مسيرة، اليوم (السبت)، في تونس العاصمة، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين من المعارضة، الذين أودعوا السجن منذ 3 سنوات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شؤون إقليمية محتجون إيرانيون في طهران (رويترز-أرشيفية)

إطلاق سراح شخصيتين من الإصلاحيين اعتُقلتا في احتجاجات إيران

أطلقت السلطات الإيرانية، مساء الخميس، سراح شخصيتين من الإصلاحيين اعتُقلتا في الأيام الماضية في إيران في أعقاب المظاهرات الحاشدة التي هزت البلاد في يناير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية عناصر من رجال الأمن الإيراني في شوارع طهران أمس (أ.ب)

نشطاء: تجاوز عدد قتلى قمع الاحتجاجات في إيران 7000 شخص

قال نشطاء، اليوم الخميس، إن حصيلة القتلى جراء حملة القمع التي تلت الاحتجاجات الشعبية في أنحاء إيران بلغت 7002 شخص على الأقل، وسط مخاوف من سقوط مزيد من الضحايا.

«الشرق الأوسط» (طهران)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.