شوقي ضيف وعبد الناصر... تسييس النص النقدي

أعاد النظر في كتاب له بعد 5 سنوات من الثورة المصرية

شوقي ضيف  -  حافظ إبراهيم  -  خليل مطران
شوقي ضيف - حافظ إبراهيم - خليل مطران
TT

شوقي ضيف وعبد الناصر... تسييس النص النقدي

شوقي ضيف  -  حافظ إبراهيم  -  خليل مطران
شوقي ضيف - حافظ إبراهيم - خليل مطران

أود فيما يلي أن أتوقف عند أنموذج عربي بارز لما أسميته في مقالة سابقة «سياسيات النقد الأدبي» إيضاحاً للفكرة وتأملاً للنص النقدي وهو يواجه ضغوط السياسة، ويتفنن في مقاومتها (وهي ملاحظات مستمدة مما تضمنه كتاب لي يصدر قريباً عن المركز الثقافي العربي بعنوان «مواجهات السلطة: قلق الهيمنة عبر الثقافات»). النص أو العمل النقدي المشار إليه مشهور ومهم، كنت أحد الذين تعلموا منه في بداية قراءتي للنقد الأدبي مثلما تعلمت أجيال من دارسي الأدب في الوطن العربي. هو كتاب لشوقي ضيف وكفى باسم المؤلف دالاً على أهمية صاحبه وما أثرى به الساحة العربية على مدى يقارب سبعة عقود تكللت بدراسات كثيرة وبالغة الأهمية جعلته في طليعة النقاد العرب، ومن الجيل الذي يمكن وصفه بالمتخصص في هذا المجال بعد أن كانت ممارسة النقد جزءاً من اهتمامات المثقفين والكتاب لا يكاد يستحوذ على مجمل نشاطهم واهتمامهم. فقد كرّس ضيف نفسه لهذا الحقل وأنتج فيه أعمالاً متخصصة هي جل نتاجه الذي لا تزال أجيال الدارسين تنهل منه.
ملاحظاتي تتجه إلى كتاب ضيف «دراسات في الشعر العربي المعاصر» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1953 والثانية 1959. والطبعة هنا ليست مجرد إعادة طباعة وإنما إعادة إصدار، أي بتعديلات مهمة هي مدار ملاحظاتي التي أرى من خلالها عقلاً ناقداً يواجه من الضغوط ما اضطره إلى تعديلات مختلفة تحمل كل الدلالة على مواجهة سياسية قلما ترتبط في الأذهان بنشاط يعد فنياً وجمالياً في المقام الأول.
صدور الكتاب عام 1953 يعني توافقه مع مجيء العهد الناصري في مصر، وما صاحب ذلك من ردود فعل تراوحت بين الابتهاج والتهليل من ناحية والترقب والقلق، من ناحية أخرى، تبعاً لاختلاف الناظر إلى ذلك الحدث الجسيم في التاريخ المصري والعربي الحديث. ما يسترعي الانتباه هو حجم التغيير الذي طرأ على الكتاب بعد خمس أو ست سنوات من تولي عبد الناصر السلطة، وهي فترة تخللتها حرب السويس (1956) والوحدة مع سوريا (1958 - 1959). لقد عاد شوقي ضيف إلى كتابه وأحدث فيه تعديلات كثيرة شملت إضافة فصول وتعديل الكثير من العبارات التي اتصلت بتناول الناقد لبعض الشعراء المعاصرين، ولا سيما حافظ إبراهيم وخليل مطران.
صدرت الطبعة الثانية «مزيدة ومنقحة»، أي بإضافات أشار إليها المؤلف في مقدمته لتلك الطبعة، لافتاً الانتباه إلى أن السياق التاريخي والظروف السياسية بالغة الأهمية في قراءة النصوص النقدية التي تعرضت للزيادة أو التنقيح، وهو ما سيتضح في التناول «المنقح» الذي قام به ضيف لشعر حافظ، التناول الذي سأكتفي به أنموذجاً لما أشير إليه.
يقول ضيف إنه أعاد النظر فيما كتبه عن وطنية الشاعر المصري الذي عاش في عصر الاستعمار الإنجليزي وواجه المستعمر: «فقد كنت تجاوزت – في بعض الوجوه – الاعتدال في الحكم عليه مغفلاً المقياس التاريخي النسبي لظروف عصره، وما كان يحوط أبناء جيله من بلبلة سياسية». يتوصل ضيف إلى أن حافظ «لم يقعد عن نصرة وطنه بلسانه، بل كان في أكثر أيامه الهاتف بخواطره الوطنية ومشاعره السياسية». وحين نعود إلى الفصل المشار إليه وعنوانه «الوطنية في شعر حافظ إبراهيم» سنجد أن الصورة الكلية هي لشاعر أحب وطنه ودافع عنه، لكن بحذر من يجابه بطش المستعمر ويدرك عواقب الإيغال في الحب والدفاع، فهو حين يبرز حب المصريين لوطنهم واستبسالهم في الدفاع عنه لا يثنيه ذلك عن استعطاف اللورد كرومر، الحاكم الإنجليزي لمصر آنذاك. ويبرز شوقي ضيف ذلك ويجد له المبرر في أنه موقف وإن لم يعبر عن حقيقة مشاعره فإنه «كان موقف الطبقة الممتازة من المصريين حينئذ، فهي تداري الإنجليز، تنقدهم ولكن في دقة وخوف واحتياط. وكذلك كان حافظ فهو يثور على الإنجليز، ولكنه لا يبالغ في ثورته، بل لا يزال يداور محتاطاً لنفسه، خوفاً من سجونهم وكيدهم وما يمكرون».
ويستمر ضيف في الدفاع عن حافظ أو بالأحرى الاعتذار له حين يجد أنه «لا تتفجر نفسه بنبع ثائر ثورة عنيفة»، ذلك أن حافظ كان الوحيد الثائر في بيئة أدبية كان شعراؤها «في الغالب جاثمين في أصداف الذل، وقلما صوروا أنين هذا الشعب وآلامه»: «أي أن عنفه نسبي».
إن هذا التغيير في تقييم وطنية حافظ عام 1959 لإبراز أنه كان أكثر وطنية مما أبرزته الطبعة الأولى من الدراسة – على ما اعترى ذلك من حذر – هو مما يسترعي التساؤل: هل كان تغييراً ناتجاً من اكتشاف خطأ، أم أن الجانب الوطني المقاوم في شعر حافظ فرض نفسه في مرحلة لاحقة، أي استدعته ظروف لم تكن ملحة من قبل؟ مما يقوي الاحتمال الأخير أن شوقي ضيف أضاف فصلاً عنوانه: «التغني بالحرية في شعر خليل مطران» لن تتسع المساحة هنا لتناوله، لكن الإشارة إليه مهمة لتبيّن حجم التسييس الذي لحق النص النقدي أثناء المراجعة ونتيجة للظروف المتغيرة.
في عامي 1958 و1959 كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر قد أمسك بمقاليد الحكم وتحول إلى زعيم شعبي وقومي في أعقاب المواجهات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أعقبت تأميم قناة السويس عام 1956، وما تطور عن ذلك من توليه رئاسة الجمهورية العربية المتحدة الوليدة. غير أن الابتهاج وإن استمر على المستوى الشعبي لم يلبث أن خبا بين الطبقة المثقفة من المصريين والسوريين على حد سواء. فالسياسة الاشتراكية التي تبنتها مصر في عهد عبد الناصر أدت إلى تأميم الصناعات الوطنية في القطرين إلى جانب مركزية الحكم ورفض عبد الناصر استمرار التعددية الحزبية التي كانت موجودة في مصر وأزمعت سوريا تبنيها. كل ذلك أدى إلى صدمة لكثير من سياسيي سوريا ومصر ونخبهما الثقافية.
وكان مما عمّق الاستياء حجب الحريات الصحافية وملاحقة الكثير من المعارضين سواء من الكتاب الليبراليين أو الإخوان المسلمين وسجنهم، بل وموت بعضهم تحت التعذيب. كل ذلك وغيره من التطورات جرى في الأعوام التي أعقبت اعتلاء عبد الناصر سدة الحكم، فلما كان العام 1958 كانت الأمور قد ساءت إلى الحد الذي يمكن أن نفهم منه مدى استياء النخب المثقفة بشكل خاص ونكتشف مبرراً يمكن أن يدفع بناقد وباحث جامعي بارز في ذلك الوقت مثل شوقي ضيف إلى توظيف دراسته للشعر على النحو الذي يعبر عن موقفه وموقف أمثاله من المثقفين المصريين.



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.