قانون ضرائب ترمب يفيد الأثرياء

بعد أن تكشفت تفاصيله في الكونغرس

قانون ضرائب ترمب يفيد الأثرياء
TT

قانون ضرائب ترمب يفيد الأثرياء

قانون ضرائب ترمب يفيد الأثرياء

مع مشروع القانون الجديد الذي يهدف إلى خفض الضرائب على الأثرياء، ويعصف بعجز الموازنة الفيدرالية في البلاد، بات من الواضح تماماً لأية جهة تحديداً يعمل الرئيس دونالد ترمب وأعضاء مجلس النواب من الجمهوريين - أي نسبة 1 في المائة من الشعب الأميركي - ومن هي الفئة التي يعتبرونها يسهل الاستغناء عنها. حسناً، إنهم وإلى حد كبير جموع الشعب الأميركي الآخرين.
ويشتمل مشروع القانون، الذي كشف عنه زعماء مجلس النواب بالكونغرس يوم الخميس بعد أسابيع من مفاوضات الغرف المغلقة التي كان الأعضاء الجمهوريون وحدهم على اطلاع بشأنها، على منح بمليارات الدولارات للشركات، وعمالقة «وول ستريت»، والعائلات الأميركية الثرية.
وفي حين أن هناك بعض الفتات الملقى للأسر من الطبقات محدودة ومتوسطة الدخل، فإن كثيراً من الناس من أصحاب الإمكانات المتواضعة، الذين يستفيدون من الاستقطاعات والاعتمادات لتغطية المصاريف الأساسية مثل الإسكان، وضرائب الولايات والضرائب المحلية، ونفقات الرعاية الطبية، وتكاليف التعليم، قد انتهى بهم الأمر لأن يسددوا المزيد من الضرائب للحكومة.
وفي هذه الأثناء، من شأن مشروع القانون الجديد أن يضيف 1.51 تريليون دولار إلى الدين الفيدرالي العام عبر السنوات العشر المقبلة.
وعلى مدى الأعوام المقبلة، سوف يشير الأعضاء الجمهوريون بكل تأكيد إلى هذا الدين المتضخم للغاية ويتحججون بأنه من اللازم والضروري أن يخفض الكونغرس من الإنفاق العام على مشاريع البنية التحتية، والرعاية الصحية، والمساعدات الطبية، والضمان الاجتماعي.
فمن أين نبدأ حديثنا؟ إن الغرض الأساسي لمشروع القانون هو تخفيض الضرائب على أرباح الشركات إلى نحو 20 في المائة، من واقع نسبة 35 في المائة السابقة. ويتفوه أتباع السيد ترمب داخل البيت الأبيض والكونغرس بالترهات والحجج القديمة ذاتها؛ بأن الشركات سوف تأخذ الأموال المتوفرة من الضرائب وإنفاقها على توظيف المزيد من العمالة وتحويل تلك الأموال إلى الموظفين لديهم في صورة زيادات في الأجور ومكافآت وبدلات للعمل. إن كان ذلك سيحدث. ويعتقد خبراء الاقتصاد الموثوق فيهم أن فوائد التخفيضات الضريبية سوف تذهب وبشكل حصري إلى المساهمين والمديرين التنفيذيين في كبرى الشركات.
وفي حقيقة الأمر، فسوف تتدفق نحو 70 مليار دولار في العام، أو ما يساوي 35 في المائة من الأرباح، إلى المستثمرين الأجانب الذين يمتلكون أسهما كبيرة في الشركات الأميركية، وفقاً إلى ستيفن روزنتال بمركز السياسات الضريبية التابع لمعهد بروكينغز الحضري.
ومن شأن مشروع القانون الجديد أن يعود بالفائدة السخية على الشركات العقارية، وصناديق التحوط، وغير ذلك من الأعمال التجارية ذات التمويل العابر، التي تذهب الأرباح فيها مباشرة إلى أصحابها من دون سداد الضرائب. ويريد الأعضاء الجمهوريون يريدون من أصحاب الشركات أن يسددوا ما قيمته 25 في المائة من دخولهم، بدلاً من المعدلات المقررة، التي تصل إلى 39.6 في المائة.
ويقول الأعضاء الجمهوريون إن القانون الجديد سيعود بالفائدة على الشركات الصغيرة. وفي واقع الأمر، فإن الغالبية العظمى من أصحاب الشركات الصغيرة يسددون بالفعل معدلات ضريبية شخصية أدنى من 25 في المائة، وهو الأمر الذي سيساعد مجموعة مصغرة من المطورين، والمستثمرين، وغيرهم من أصحاب الأعمال الذين يعملون في مهن أو صناعات يسهل فيها نسبيّاً إنشاء الشركات ذات التمويل العابر. أجل، مثل السيد ترمب وعائلته، الذين يكسبون الأموال الطائلة من إحدى هذه الصناعات: العقارات. ولا ننسى أن السيد ترمب لم يفصح حتى الآن عن إقراراته الضريبية كما يقتضي القانون، وهو الأمر الذي فعله كل مرشح رئاسي آخر من الأحزاب الرئيسية العاملة في البلاد منذ ما يربو على 40 عاماً.
يقول المشرعون الجمهوريون في الكونغرس إنهم سوف يدرجون مواد لحماية ومنع الناس من تحويل رواتبهم إلى دخول التمويل العابر. بيد أن وعودهم ليست سوى كلام أجوف عندما نعلم أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء إغلاق ثغرة الفائدة المحملة التي يستخدمها أصحاب الأسهم الخاصة ومديرو صناديق التحوط للتعامل مع بعض من دخولهم كأرباح رأسمالية تخضع للضرائب عند معدلات أدنى من الأجور.
وفيما يتعلق بضرائب الدخل الشخصي، يقول النواب الجمهوريون إنهم يبسطون ويخفضون الضرائب بالنسبة لأغلب شرائح المجتمع الأميركي. غير أن هذا ليس صحيحاً بالمرة. إنهم يقترحون تخفيض عدد الشرائح الضريبية من 7 إلى 4 فقط، في حين أنهم يرفعون الشريحة الدنيا من 10 إلى 12 في المائة. كما أنهم يرغبون في مضاعفة الخصومات المعيارية من خلال إلغاء الإعفاءات الشخصية. ومن الفوائد الجديدة التي من شأنها مساعدة كثير من العائلات هي الائتمان الضريبي بواقع 300 دولار لمقدمي الإقرارات الضريبية ومَن يعولون ممن يتجاوزون 17 عاماً من العمر، كما هو الحال لدى أحد الوالدين المسنين. ومن المستغرب، أن هذه المادة سوف ينقضي العمل بها في غضون خمس سنوات.
وعلى النقيض من ذلك، فإن التخفيضات التي يشرعنها القانون للشركات وغيرها من الضرائب الأعمال التجارية سوف تكون مستديمة.
والتغييرات الأصعب التي يمكن أن تؤثر على أسر الطبقة المتوسطة تتضمن القضاء على خصومات ضرائب الولايات وضرائب الدخل المحلية. وسوف يبلغ الحد الأقصى للخصومات على ضرائب الممتلكات 10 آلاف دولار. وبعض الناس في الولايات عالية الضرائب، مثل ولاية كاليفورنيا ونيوجيرسي ونيويورك، سوف يتعرضون لصعوبات خاصة جراء ذلك. ومن شأن هذه العائلات أن تتعرض لضغوط شديدة من مقترح القانون الذي سيفرض سقفاً على خصم فوائد الرهن العقاري لشراء المنازل بدءاً من يوم الخميس، اليوم الذي تم فيه تقديم مشروع القانون، عند مبلغ نصف مليون دولار. وتخفيض هذا الخصم يستحق النظر والاعتبار، ولكن يجب أن يكون جزءاً من الإصلاح الشامل لإعانات المساكن، التي لن تضع مشتريي المنازل في المناطق عالية التكلفة في وضع غير مناسب.
وأحد التغييرات القاسية للغاية من شأنها إلغاء الخصم على النفقات الطبية، الذي يستخدم في المقام الأول بواسطة الأشخاص الذين يعانون من الأمراض الخطيرة والمزمنة. ومن البنود الملغاة أيضاً سوف تكون الإعفاءات الضريبية والخصومات المهمة للرسوم الدراسية والفوائد على القروض الطلابية.
ومما لا يثير الاستغراب، أن مشروع قانون الضرائب يحتوي على حُكمَين صُمما لصالح زمرة السيد ترمب وغيرهم من أمثالهم. وسوف يتخلص مشروع القانون من الضريبة البديلة الدنيا، التي تُسدِّدها في الأساس عائلات ذات دخول مرتفعة مع كثير من الخصومات. وكانت هذه الضريبة تشكل الغالبية العظمى من ضريبة الدخل التي سددها السيد ترمب في عام 2005، وفقاً لنسخة مسربة من عائداته. ومن شأن زمرة السيد ترمب أن يستفيدوا أيضاً من التغييرات التي يقترحها القانون الجديد على ضريبة الدخل. وتنطبق هذه الضريبة في الوقت الراهن على الثروات الموروثة التي تتجاوز مبلغ 5.5 مليون دولار. وسوف يعفي النواب الجمهوريون الثروة التي تصل إلى 11 مليون دولار ابتداء من العام المقبل، مع القضاء على تلك الضريبة تماماً في غضون ست سنوات. ومن شأن ذلك أن يُفيد الورثة بنسبة لا تتجاوز 0.2 في المائة من المواطنين الذين يتوفون كل عام، ولكنها سوف تكلف الحكومة 269 مليون دولار على مدى عقد من الزمان.
وسوف يستغرق الخبراء أسابيع في تحليل مشروع قانون الضرائب المقترح من مجلس النواب، ولكن ما نعلمه عنه بالفعل يبعث على الفزع بدرجة كافية. وليس هناك عضو جمهوري يهتم بالعدل والإنصاف، والحس الاقتصادي السليم، والسلامة المالية للحكومة يمكن أن يؤيد، وبضمير واعٍ، تحويل الثروات المخزي.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد Saudi Minister of Finance speaks at a dialogue session at the Miami Summit (Asharq Al-Awsat)

الاقتصاد السعودي أثبت كفاءته في إدارة الأزمات

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن الاقتصاد السعودي أثبت كفاءة استثنائية في إدارة الأزمات وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات بمرونة عالية، وحذر في الوقت.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.