باريس «غير مقتنعة» بأن سياسة واشنطن حيال المعارضة السورية ستتغير «جذريا»

مصادر فرنسية رسمية لـ («الشرق الأوسط») : رسائل أوباما موجهة للداخل الأميركي

باريس «غير مقتنعة» بأن سياسة واشنطن حيال المعارضة السورية ستتغير «جذريا»
TT

باريس «غير مقتنعة» بأن سياسة واشنطن حيال المعارضة السورية ستتغير «جذريا»

باريس «غير مقتنعة» بأن سياسة واشنطن حيال المعارضة السورية ستتغير «جذريا»

تنظر باريس بكثير من التشكيك لما ورد في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في موضوع عزمه على مساعدة المعارضة السورية لتكون بديلا عن النظام ولتمكينها من مواجهة المنظمات الجهادية.
وقالت مصادر فرنسية رسمية لـ«الشرق الأوسط» تعليقا على خطاب أوباما في المدرسة العسكرية ويست بوينت وعلى رد فعل الائتلاف الوطني السوري، إنها «لم تلمح» تغيرا في السياسة الأميركية تجاه المطلب الرئيس الذي حمله رئيس الائتلاف السوري أحمد الجربا إلى واشنطن قبل أسبوعين والداعي إلى توفير الأسلحة «النوعية» للمعارضة «المعتدلة» وتحديدا المضادات الجوية والصواريخ التي تطلق عن الكتف. وبرأي باريس، فإن تأكيدات أوباما حول عزمه على زيادة دعم المعارضة غرضها توجيه رسالة إلى الداخل الأميركي وقوامها أن الإدارة «لن تتخلى عن سوريا ولن توفر جهدا للوقوف بوجه المنظمات الجهادية عبر دعم المعارضة المعتدلة». لكن من الناحية العملية «لا نرى أن واشنطن ستغير سياستها جذريا أو أنها تخلت عن تحفظاتها لجهة رفع الحظر عن إيصال الأسلحة النوعية» للمعارضة.
وكان أحمد الجربا، رئيس الائتلاف، قد أبلغ «الشرق الأوسط» في حديث مطول الأسبوع الماضي أن الإدارة الأميركية عازمة «في الأسابيع المقبلة» على توفير المعدات والسلاح الذي يطلبه. لكن، بالمقابل، ترى باريس أن الإدارة الأميركية يمكن أن «تكثف» برامج التدريب العسكرية التي توفرها للمعارضة المسلحة وأن تزيد تقديم الأجهزة والمعدات العسكرية فضلا عن زيادة الدعم المالي المباشر وكلها مساهمات مفيدة وتحتاجها المعارضة ولكنها «ليست العنصر الفاصل» الذي تحتاج إليه لقلب مجريات الأمور ميدانيا. اللافت في المقاربة الفرنسية اليوم أنها تراهن على التحولات «على المدى البعيد» ليس فقط الميدانية منها، ولكن أيضا تطور الدعم والمساندة لكلا الطرفين من الأطراف الإقليمية والدولية. وتنهض هذه النظرة على اعتبار أن الانتخابات الرئاسية في سوريا «لن تغير من واقع الأمور شيئا»؛ إذ إن المعارضة «لن تعترف به أبدا رئيسا شرعيا» كما أن الخارج «لن يغير نظرته إليه» باستثناء البلدان التي تدعمه منذ البداية وأهمها روسيا وإيران والصين. ولذا فإن «الشرعية الجديدة» التي يبحث عنها «لن يجدها وسيبقى الرئيس الذي دمر بلده وأوقع عشرات آلاف القتلى واستجلب الإرهاب والمنظمات الجهادية». ولذا، فإن مصير النزاع في سوريا مرهون بمعرفة «من يصرخ أولا». ورغم التقدم الذي أحرزته قوات النظام ومن يدعمها وسط سوريا وفي محيط العاصمة، فإن باريس لا تعد من النوع الذي «يمكن أن يغير مصير الحرب». وبرأيها، فإن السؤال الذي يتعين طرحه اليوم هو: هل سيستمر النظام في الحصول على الدعم المطلق من موسكو ومن طهران وخصوصا، هل إيران مستعدة للاستمرار في دعم الأسد كما دعمته حتى الآن سياسيا وعسكريا وماديا؟
لا تلوح في القراءة الفرنسية لمآل الأزمة السورية نقاط ضوء كثيرة، لكنها تتوقف عند نقطتين ربما تنعكسان إيجابيا على «المناخ العام» في المنطقة، وهما التقدم على صعيد الملف النووي الإيراني، واحتمال التوصل إلى اتفاق نهائي مع نهاية شهر يوليو (تموز) المقبل والدعوة التي وجهها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل لنظيره محمد جواد ظريف لزيارة المملكة. وفي القراءة الفرنسية أن تطورات إيجابية من هذا النوع «ستساعد على إيجاد قنوات اتصال» يرجح أن تنعكس إيجابيا على بعض ملفات المنطقة وأوضاعها كالبحرين واليمن ولبنان. لكنها ترى أنها «لن تكون كافية» لتسوية الحرب في سوريا أو لتوفير الاستقرار في العراق لما لهذين البلدين من أهمية استراتيجية لطهران ولكونهما ورقتين «لن تفرط بهما إيران».
مجمل هذه العوامل يجعل الجانب الفرنسي شديد القلق من تبعات الحرب في سوريا، الأمر الذي يفسر تركيز باريس على معالجة الملف الإنساني ومساعدة المهجرين السوريين من جهة، وعلى استمرار السعي على تحريك الأسرة الدولية إن في مجلس الأمن الدولي أو النظم الدولية الأخرى لإبقاء الملف السوري مطروحا بقوة. والهدف الثاني يكمن في حرمان النظام من أن يقدم نفسه على أنه «نجح في تطبيع الوضع» وأن الانتخابات في سوريا «تجري كما في أي بلد آخر» زاعما أنها توفر للأسد «شرعية جديدة» تقطع الطريق نهائيا على ورقة جنيف التي تدعو إلى حكومة انتقالية تتمتع بكل الصلاحيات التنفيذية. وفي رأيها أن جل ما سيقبل به النظام بعد ذلك هو ضم شخص أو شخصين من «المعارضة المقبولة» منه، ما سيساعده على تقديمها على أنها «حكومة وحدة وطنية»، وما عداها إرهاب بإرهاب.



الشق الروسي لقضية إبستين: مساعٍ للقاء بوتين وتبادل خدمات

جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)
جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)
TT

الشق الروسي لقضية إبستين: مساعٍ للقاء بوتين وتبادل خدمات

جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)
جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)

رحلات وتبادل خدمات والتواصل مع عارضات أزياء ورجال أعمال شباب، ومحاولات للقاء فلاديمير بوتين: تكشف أحدث الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية عن روابط متعددة وغامضة بين شخصيات روسية وجيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي.

في ما يأتي ما نعرفه عن العناصر الرئيسية للشق الروسي من هذه القضية المعقدة:

صلة بوتين

ورد في وثائق راجعتها «وكالة الصحافة الفرنسية» من بين مئات الآلاف من الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية في أواخر يناير (كانون الثاني)، اسم فلاديمير بوتين ألف مرة في رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة.

في السنوات التي أعقبت 2010، بذل جيفري إبستين محاولات عديدة للقاء الرئيس الروسي، لكن من المستحيل تحديد إن التقاه بالفعل، أو متى.

وكتب في رسالة بريد إلكتروني إلى رئيس الوزراء النرويجي السابق ثوربيورن ياغلاند في يناير 2014: «دعنا نحاول ترتيب لقاء مع بوتين»، وهو طلب كرّره في عامي 2015 و2018.

كما اقترح رجل الأعمال استخدام وسطاء مثل سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، عارضاً عليه تزويده «معلومات» في المقابل.

وتُظهر هذه الوثائق جهود المتمول المتكررة لتوثيق العلاقات مع الحكومة الروسية، إلا أنها لا تكشف ما إذا كان قد نجح في ذلك.

في 3 فبراير (شباط)، أكد الكرملين، على لسان المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف، أنه لم يتلق أي اقتراح لعقد لقاء بين بوتين وإبستين، نافياً وجود صلات له بأجهزة المخابرات الروسية، في حين أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بلاده ستُجري تحقيقاً في هذه الروابط المحتملة.

«فتيات روسيات»

تحتوي الوثائق على إشارات عديدة إلى «فتيات روسيات»، غالباً من دون ذكر أسماء. وتشير إلى أن إبستين قام بعدة رحلات إلى روسيا، لا سيما في العقد الثاني من الألفية الثانية: على سبيل المثال، توجد تأشيرة روسية صادرة عام 2018، وصورة غير مؤرخة لإبستين أمام فندق في وسط موسكو، وأخرى لشريكته غيلاين ماكسويل وهي تقف بين جنديين روسيين.

حُجزت تذاكر الطائرة لكل من إبستين وشابات بينهن روسيات، عرّفه عليهن وسطاء أكدوا مراراً أنهن شقراوات وشابات.

يبدو أن إبستين كان يعتمد أيضاً على الشابات الروسيات العائدات إلى روسيا ليجدن له «أصدقاء».

تشير الرسائل الإلكترونية أيضاً إلى أن إبستين ووسطاءه استغلوا رغبة بعض الشابات في مغادرة روسيا، فضلاً عن وضعهن القانوني غير المستقر في أثناء إقامتهن في الولايات المتحدة.

مستشارون ووسطاء

كان الملياردير، الذي عُثر عليه ميتاً في زنزانته عام 2019، يسعى إلى جلب شخصيات بارزة من عالمي التكنولوجيا والسياسة الأميركيين إلى روسيا، ليصبح شخصية لا غنى عنها في نظر النخب في موسكو والغرب على حد سواء.

كان سيرغي بيلياكوف، نائب وزير الاقتصاد السابق وخريج أكاديمية جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، من أبرز الشخصيات الروسية التي تواصل معها إبستين.

أُقيل هذا المسؤول عام 2014 لانتقاده الحكومة علناً، لكنه استمر يعمل في اللجنة المنظمة لمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي.

وفي عدة رسائل بالبريد الإلكتروني، طلب بيلياكوف من إبستين المساعدة في استضافة شخصيات بارزة في منتديات الأعمال في روسيا خلال عامي 2014 و2015، بعد سنوات من إدانة الأميركي بتهمة استغلال القاصرات في الدعارة.

كما طلب بيلياكوف منه المشورة بشأن كيفية الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم.

ثم اقترح إبستين، في مايو (أيار) 2014، «ابتكارات روسية المنشأ مثل العملات الرقمية، والعملات المدعومة بالنفط، والعقود الذكية».

وكشفت المراسلات أيضاً عن تواصل منتظم بين جيفري إبستين وفيتالي تشوركين، الممثل الروسي السابق لدى مجلس الأمن الدولي الذي توفي عام 2017 إثر نوبة قلبية.

في أغسطس (آب) 2016، دُعي تشوركين بشكلٍ لافتٍ إلى مأدبة غداء استضافها إبستين، جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، وتوم براك، سفير الولايات المتحدة الحالي لدى تركيا.

ولدى الاتصال بهما، لم يستجب لطلبات «وكالة الصحافة الفرنسية» للتعليق لا سيرغي بيلياكوف، الرئيس الحالي للجمعية الروسية لصناديق التقاعد غير الحكومية، ولا نجل فيتالي تشوركين - الذي يبدو أنه استفاد من مساعدة المدان بالاعتداء الجنسي في الحصول على تدريب عام 2016.


انهيار مبنى عسكري روسي قرب سانت بطرسبرغ

صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)
صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)
TT

انهيار مبنى عسكري روسي قرب سانت بطرسبرغ

صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)
صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)

انهار مبنى في قاعدة عسكرية روسية، الثلاثاء، قرب مدينة سانت بطرسبرغ (شمال غربي البلاد)، وفق ما أعلنت السلطات المحلية، مضيفة أن الأسباب لم تحدَّد بعد، وأن طواقم الإنقاذ موجودون في الموقع.

وقال حاكم مقاطعة لينينغراد، ألكسندر دروزدينكو، على تطبيق «تلغرام»: «وجَّهت قوات إنفاذ القانون بمساعدة الجيش في إزالة الأنقاض وإنقاذ ضحايا انهيار مبنى الشرطة العسكرية الواقع في قاعدة سيرتولوفو العسكرية».

وأضاف: «يجري، الآن، تحديد أسباب الحادث»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

تقع سيرتولوفو على بُعد بضعة كيلومترات شمال سانت بطرسبرغ، ثاني أكبر مدينة في روسيا.

ونشرت وسائل الإعلام المحلية صوراً لم تتحقق منها «وكالة الصحافة الفرنسية»، تُظهر مبنى منهاراً جزئياً، لافتة إلى أن شخصين، على الأقل، لقيا حتفهما، وهي حصيلة لم تؤكدها السلطات حتى الآن.

تتكرر في روسيا حوادث انهيار المباني، وكثيراً ما تكون مرتبطة بتسرب الغاز.

ومنذ بدء الهجوم الروسي الواسع النطاق على أوكرانيا عام 2022، شنّت القوات المسلحة الأوكرانية أيضاً هجمات متكررة على منشآت عسكرية روسية.

ولم تذكر السلطات الروسية حتى الآن أي سبب محتمل للانهيار.


أوروبا - روسيا... متى الصدام العسكري؟

جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
TT

أوروبا - روسيا... متى الصدام العسكري؟

جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)

شكّلت حرب الخليج الأولى (1991) نموذجاً حربيّاً يُحتذى به في الحروب الحديثة، وفي كيفيّة القتال المشترك للقوى والأسلحة المختلفة. فقد كانت حرب مناورة سريعة استعملت فيها القنابل الذكيّة، وشكّلت فيها الهيمنة الجويّة، كما حرب المعلومات، الجزء الأهمّ. تم تحرير الكويت عبر حملة جويّة استمرت 38 يوماً، تلتها حملة بريّة حاسمة استغرقت فقط أربعة أيّام.

يشترط نجاح هذه المنظومة المُقاتلة، توفّر عمل مؤسساتي مُحترف على المستوى العسكريّ، وذلك بالطبع بدعم وتخطيط من المستوى السياسيّ. وإذا توافرت المؤسسات، فمن الحيويّ أن تتوفّر التكنولوجيا الحديثة. لكن المعادلة السريّة للنجاح، ترتكز على مزاوجة العمل المؤسّساتي مع التكنولوجيا الحديثة، وذلك بهدف إنتاج منظومة عسكريّة قادرة على خوض حروب المستقبل.

أجرى الرئيس بوتين إصلاحاً عسكريّاً في كل الأبعاد. فزاد موازنة الدفاع... كما معاشات العسكر... وقرر تخفيض عديد الجيش (أ.ب)

التجربة الروسيّة

تتحدّث كثير من الدراسات العسكريّة عن الفشل الروسيّ في كيفيّة القتال المشترك (Combined). وإذا توفّرت التكنولوجيا، كما العمق الصناعي العسكريّ، فإن الفشل كان مرافقاً، كما كانت الأثمان كبيرة جداً، خاصة في الأرواح البشريّة، في الكثير من الحروب التي خاضتها روسيا، أو قبلها الاتحاد السوفياتيّ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي الحرب على الشيشان، اعتمدت القوات الروسيّة على القدرة الناريّة المُفرطة، وعلى الدمار الشامل، من دون الأخذ في الاعتبار عنصر المناورة، وكيفيّة القتال في المدن (Urban)؛ في الحرب على جورجيا عام 2008، انتصرت روسيا على جيش جورجيّ ليس جاهزاً، وفي ظلّ تفاوت كبير في موازين القوى العسكريّة لصالح روسيا بالطبع.

بعد الحرب على جورجيا، بدأ الرئيس بوتين إصلاحاً عسكريّاً (Reform) وفي كل الأبعاد. فزاد موازنة الدفاع، كما معاشات العسكر، وقرر تخفيض عديد الجيش. كما أجرى تحسينات كبيرة في نوعيّة التدريب. وأعاد إحياء وتحديث الصناعات العسكريّة الروسيّة، وقرّر في عام 2015 الانخراط في الحرب السوريّة لتحقيق أهداف كثيرة، أهمّها اختبار المنظومة العسكريّة الروسيّة الجديدة. اختبار القيادة والسيطرة. كما اختبار الأسلحة الجديدة، وذلك بالإضافة إلى اختبار القدرة الروسيّة على نشر القوات العسكريّة خارج المحيط المباشر لروسيا.

قوات فنلندية وسويدية تشارك في مناورات لحلف «الناتو» قرب هيتا بفنلندا في 5 مارس 2024 (رويترز)

بوتين بين المُتخيّل والواقع الميداني

بعد تجربة الإصلاحات في سوريا واختبارها، قرّر الرئيس بوتين الحرب على أوكرانيا تحت اسم «العمليّة العسكريّة الخاصة»، لم يقل قط إنها حرب فعلاً، بالرغم من استمرارها لمدة أربع سنوات. في هذه الحرب، ذهبت الإصلاحات العسكريّة الروسيّة في مهبّ الريح. وإذا كانت فكرة الحرب على أوكرانيا ترتكز على المناورة، والقتال المشترك بين كلّ الأسلحة، وعلى الحرب السيبرانيّة، كما على الهيمنة الجويّة، بناء على الإصلاحات العسكريّة، وإذا كانت الأهداف السياسيّة للحرب هي السيطرة على كلّ أوكرانيا، فإن النتيجة بعد أربع سنوات لا توحي بالخير. لكن لماذا؟

بعد أربع سنوات لم يسيطر الجيش الروسي إلا على 20 في المائة تقريباً من الأراضي الأوكرانيّة. لم تكن الحرب خاطفة وسريعة، والتكلفة البشريّة وحسب الكثير من المراجع وصلت إلى ما يُقارب المليون بين قتيل وجريح. وإذا كان هدف الحرب على أوكرانيا استرداد مناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي السابقة. فإن أغلب هذه المناطق أصبحت بعيدة عن روسيا، وذلك بدءاً من أرمينيا وأذربيجان، وكازاخستان وغيرها. وإذا كان هدف الحرب استرداد مكانة روسيا كقوّة عظمى، فإن روسيا اليوم تعاني من عزلة دوليّة، بحيث اضطرّت إلى إنتاج ما يُسمّى «بالأسطول الشبح» لتصدير نفطها سرّاً.

جنود ألمان يشاركون في مناورات عسكرية بليتوانيا عام 2024 (رويترز)

بعض كوارث الحرب الأوكرانيّة

تدخل معركة السيطرة على العاصمة كييف في التصنيف الكارثيّ العسكريّ. لم يُطبّق في هذه المعركة أيّ دروس عسكريّة مفيدة، خاصة بعد الإصلاح الذي أُجري على الآلة العسكريّة الروسيّة، إن كان في القتال المشترك أو التكتيك وحتى القدرة على التأقلم مع تطوّرات ومُستجدّات الواقع الميدانيّ، وقد يُضاف إلى أسباب الفشل أيضاً غياب الليونة الاستراتيجيّة (Strategic Flexibility)، بالإضافة إلى الأهداف الكبرى التي وُضعت (Maximalist)، والتي تبغي الحدّ الأقصى. بكلام آخر، وُضعت الأهداف العسكرية-السياسيّة، في حدّها الأقصى. وعندما عكس الواقع الميداني الحسابات الروسيّة الخاطئة، لم تتأقلم القوى العسكريّة كما السياسيّة مع واقع الحال. فماذا حصل في هذه المعركة؟

حسب بعض الدراسات، أو بالأحرى أغلبها. كانت معركة السيطرة على كييف فاشلة وبكلّ المقاييس. عكس الفشل الخلل المؤسساتيّ العسكريّ: استهلكت القوى لوجستيّتها بسرعة، من دون القدرة على التموين، وفشل المشاة في حماية تقدّم أرتال الدبابات المهاجمة، بحيث استطاعت بعض الصواريخ (Javelin) إيقاف رتل منها بطول 65 كيلومتراً حسب بعض الصور من الأقمار الاصطناعيّة. لم تقاتل القوى بطريقة مشتركة، إذ لم يؤمن سلاح الجوّ الروسيّ الهيمنة الجويّة بالرغم من التفوّق العددي والنوعي، قبل بدء العملية العسكريّة. عكس هذا الفشل سوء القيادة والسيطرة، وعدم القدرة على الابتكار التكتيكي (Tactical Innovation)، في ظل زاقع أن «الثقافة الاستراتيجيّة» تعتمد على القيادة من فوق (Top-Down) من دون السماح للمستوى الأدنى بحريّة اتخاذ القرار ميدانيّاً، وعلى كلّ المستويات.

دورية روسية قرب الحسكة شمال شرقي سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

الخوف الأوروبيّ من القوة الروسيّة

حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» وبعد تجربة لعبة الحرب (War Game) لهجوم روسيّ محتمل على «الناتو»، يعتقد القادة الأوروبيّون أن أي عملية عسكرية روسية ضد «الناتو» لن تحصل قبل عام 2029، وهي ستكون على نقاط ضعف «الناتو»، خاصة في دول البلطيق. والمهم ذكره هنا، هو غياب العم سام بالكامل عن لعبة الحرب هذه. كما يعتقد بعض القادة أن الحل السياسي للحرب الأوكرانيّة قد يُحرّر ما يُقارب من 200 ألف جندي روسي من الذين اكتسبوا خبرات ميدانيّة مهمّة، الأمر الذي سينقل التهديد مباشرة إلى داخل دول «الناتو». فهل هذا الخوف في محلّه؟

في الصراعات الجيوسياسيّة وخاصة العسكريّة، يتم التحضير دائماً للسيناريو الأسوأ، على أمل أن يحصل السيناريو الممتاز. لكن الأكيد، أن الجيش الروسي ليس جاهزاً في هذا الوقت للقيام بمغامرة عسكريّة جديدة ولعدّة أسباب منها:

حسب مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة (CSIS)، قتل حتى الآن ما يُقارب الـ 325 ألف جندي روسي، وهو رقم أكبر من مجموع ما قتل من الجنود الروس، إن كان في الحقبة السوفياتيّة، أو الروسيّة ومنذ الحرب العالمية الثانية.

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من كثير من دول «الناتو» على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا... 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

منذ عام 2024، حدّد نفس مركز الدراسات أن التقدّم الروسيّ العسكريّ البرّي داخل الأرض الأوكرانيّة، يُقاس بالأمتار، بين 15-70 متراً يومياً. وهي أبطأ حرب قياساً بالحروب التي خيضت في آخر مائة عام.

كانت التكلفة البشريّة لهذا التقدّم البطيء عالية جدّاً، بمعدّل 35 ألف جندي روسي شهريّاً. وهي، أي روسيا، قادرة على التعويض عن هذا الرقم، باعتماد الإغراءات الماليّة، كما السعي إلى التجنيد من المناطق الفقيرة في روسيا خاصة الأقليات.

إذن، وفي ظل هذه المعطيات، إن كان في الخسائر البشريّة، أو المادية والمتعلّقة بالعتاد. فهل يمكن لروسيا خوض حرب جديدة في وقت قريب ضد قارة بدأت تستعد عسكريّاً؟

في الختام، من المؤكد أن الحرب بشكل عام تستلزم خطاباً يرافقها (Narrative). فالخطاب هو استراتيجيّة بحد ذاته لكن على شكل مختلف كونه يرتكز على الكلمة والصورة. لكن للخطاب تتمّة، تتجسّد على أرض المعركة عبر الوسائل المتوفّرة والقدرة على الإنتاج العسكري بسرعة. فكيف سيتصرّف «الناتو» حيال تأمين الوسائل اللازمة للحرب؟ خاصة أن القدرة الروسيّة على التصنيع العسكريّ خاصة الذخيرة، تفوق قدرة كل دول «الناتو» مجتمعة وبنسبة أربعة أضعاف؟ كيف سيؤمن «الناتو» الوسائل العسكرية التي ستخدم الهدف السياسيّ العام، وذلك في ظلّ غياب قيادة أوروبيّة موحّدة، الأمر الذي يُذكّرنا بما نُسب إلى هنري كيسنجر يوماً حين قال: «بمن أتّصل إذا أردت الحديث مع أوروبا»؟