تشي وماو في مكانة صينية واحدة

الحزب الشيوعي يؤكد زعامته و«فكره» في الدستور

الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)
الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)
TT

تشي وماو في مكانة صينية واحدة

الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)
الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)

في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني، الذي ينعقد مرة كل خمس سنوات، تتمكن النخبة السياسية الحاكمة من اختيار قيادات للبلاد. في هذه الدورة هيمنت شخصية الرئيس تشي على أعمال المؤتمر الذي استمرت فعالياته لمدة أسبوع، حيث كان من المتوقع ما حدث، وهو أن يرفع الرئيس من مكانته عن طريق تضمين فلسفته السياسية المعروفة باسم «فكر تشي جينبينغ» في دستور الحزب في ختام اجتماعات الحزب أمس الثلاثاء.
ولا تعد تفاصيل الفلسفة السياسية للرئيس تشي جديدة، غير أن الخبراء يقولون: إن محتوى «فكر الرئيس» لا يمثل أهمية كبرى مثل تلك التي تولى لها، وإنما الحقيقة هي أنه عندما قرر إطلاق اسم «عصر جديد» على هذه الفلسفة كان بذلك يظهر مدى قوته وسلطاته.

وعلى سبيل المثال، قال زهانغ مينغ، وهو أستاذ سابق بجامعة رنمين ببكين، في تصريحات أوردتها الوكالة الألمانية: «إن هذه الفترة من التاريخ هي عصر الرئيس تشي جينبينغ، والأهمية هنا تتمثل في أنه دشن عصرا جديدا، العصر الخاص به». وأضاف، أن حقيقة أن فلسفة الرئيس تشي قد أدمجت في دستور الحزب «فكراً» وليس «نظريةً»، تبين أنه قد يصبح على القدر نفسه من المكانة التي شغلها ماو تسي تونغ، مؤسس الصين الحديثة، بل يفوق دينغ الذي نفذ سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم. ويوضح المعلق السياسي دينغ يوين قائلا للوكالة الألمانية «في نظام الخطاب الصيني، يعد الفكر أكثر قوة من النظرية».
من ناحية أخرى، قال روري تروكس، الأستاذ المساعد المتخصص في الشؤون السياسية والدولية بجامعة برينستون الأميركية، في تصريحات أوردتها وكالة «رويترز» «في النهاية إنني أنظر إلى فكر الرئيس تشي باعتباره دعامة لاستمرار سيطرة الحزب على المجتمع، إلى جانب مزيد من التأكيد على تعزيز وضع بلاده على الساحة الدولية، وأيضا التأكيد على مكافحة الفساد، وكل هذه الاتجاهات تسهم في مساعدة تشي نفسه».
ويتضمن «فكر» الرئيس تشي رؤية ذات أبعاد شاملة حددها خلال خطاب مهم ألقاه في افتتاح المؤتمر، ويشمل الارتقاء بدور الصين على الساحة العالمية، ووضع جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت سيطرة الحزب.
وتم توجيه النقد إلى الرئيس تشي خلال الفترة الأولى من رئاسته التي استمرت خمسة أعوام، بأنه كان بطيئا في تنفيذ الإصلاحات الضرورية، وفي تدعيم المشروعات التي تمتلكها الدولة وتعاني قصورا في الأداء ووضع قيود على نشاط القطاع الخاص.
وبلا شك، سيصبح تشي البالغ من العمر 64 عاما ويقود الحزب منذ 2012، الأربعاء من جديد الأمين العام للحزب، أعلى منصب في البلاد، لولاية جديدة مدتها خمس سنوات.
واختار المؤتمر التاسع عشر لجنته المركزية، وهي الهيئة العليا للحكم، ولجنة انضباط مركزية جديدة. ووافق المندوبون، البالغ عددهم أكثر من 2300 شخص، على أن يدرج في ميثاق الحزب «فكر شي جينبينغ عن الاشتراكية بسمات صينية للعصر الجديد».
وبات هذا المفهوم يشكل «دليل عمل» لأكبر حزب في العالم، البالغ عدد أعضائه 89 مليونا. وأثبت تشي جينبينغ أنه أقوى القادة الذين حكموا الصين منذ أربعين عاما.
وقال الخبير السياسي في جامعة هونغ كونغ الصينية ويلي لام، في تصريحات أوردتها الصحافة الفرنسية إن «هذا الأمر سيمنح تشي سلطة استثنائية... سيكون له موقع مشابه لموقع القائد العظيم الذي كان يتمتع به ماو». وأضاف، أنه «قد يصبح مثله: قائدا مدى الحياة طالما أنه يتمتع بصحة جيدة».
ومنذ ماو (1893 - 1976) لم يلق أي مسؤول تقديرا لمساهمته النظرية في عقيدة الحزب عندما كان في منصبه. وكان فكر دينغ سياو بينغ مهندس الإصلاحات في نهاية سبعينات القرن الماضي التي جعلت الصين ثاني قوة اقتصادية في العالم، أدرجت في الميثاق في 1997، وكذلك الأمر بالنسبة لجيانغ زيمين، وهو جينتاو اللذين أدرجا في الميثاق بعد تقاعدهما.
ورسم تشي جينبينغ الخطوط العريضة لـ«فكره» في الخطاب الافتتاحي، في حديث طويل استغرق أكثر من ثلاث ساعات. وفي المرتبة الأولى، تحدث عن «النهضة الكبيرة للأمة»، أي إعادة تأكيد مكانة الصين كقوة مزدهرة ومحترمة بعد أكثر من قرن ونصف القرن من التقلبات والتراجعات. ولذلك؛ يعد تشي ببناء جيش «في المرتبة الأولى عالميا» بحلول 2050، وتحسين الضمان الاجتماعي والطبي، وبدولة قانون «اشتراكية» أو ضمان «تعايش منسجم بين الإنسان والطبيعة».
لكن، كل ذلك لا يمر عبر تحرير سياسي. فقد أكد أن «كل شيء يجب أن يكون بقيادة الحزب الشيوعي الصيني: منظمات الحزب الشيوعي الصيني والحكومة والجيش والمجتمع المدني أيا كان المكان الذي نتواجد فيه». ويتوقع أن يتم التأكيد على تعزيز سيطرة تشي على السلطة اليوم الأربعاء؛ إذ يفترض أن يعلن الحزب الشيوعي تجديد اللجنة الدائمة لمكتبه السياسي، الهيئة التي تضم سبعة أعضاء وتقود الصين. ويفترض أن يبقى تشي، الذي يشغل منصب رئيس الجمهورية أيضا، ورئيس الوزراء لي كع تشيانغ في هذه اللجنة. لكن الأعضاء الخمسة الآخرين سيغادرون السلطة لبلوغهم سن التقاعد غير الرسمي وهو 68 عاما. وما زال الغموض يلف أسماء الأعضاء الذين سينتخبون رسميا خلفا لهم، وكذلك أعمارهم وتوجهاتهم السياسية. وأشار ويلي لام إلى أن تعيين مقربين من تشي سيعني أنه «سيمتلك السيطرة الكاملة على اللجنة الدائمة للمكتب السياسي». ورأى بيل بيشوب، الذي يحرر النشرة الإعلامية، كما ورد في تقرير الوكالة الفرنسية: «سينوسيسم تشاينا»، أن تعديلات الأربعاء ستكون أمرا شكليا بالنسبة لتشي. وأضاف: «مع إدراج اسمه في ميثاق الحزب، لم تعد مسألة الخلافة مطروحة عمليا؛ لأنه طالما بقي على قيد الحياة فسيكون الرجل الذي يتخذ القرار الأخير». وتابع، أن «إدراجه (في ميثاق الحزب) هدفه إبلاغ كل الحزب الشيوعي بتفوق تشي جينبينغ».

الإفراج بكفالة عن زعيمي احتجاجات «المظلة» في هونغ كونغ
أطلقت السلطات في هونج كونج سراح زعيمي احتجاجات «المظلة» المناديين بالديمقراطية، جوشوا وونغ وناثان لو، بكفالة أمس (الثلاثاء) عقب جلسة استماع بمحكمة، حسبما أعلن حزبهما «ديموسيستو». وكان الاثنان قد اعتقلا في أغسطس (آب) الماضي لدورهما في الاحتجاجات المناهضة للصين في 2014 التي عرفت باسم احتجاجات «المظلة» والتي احتل خلالها المتظاهرون ثلاثا من أكثر مناطق هونغ كونغ ازدحاما، كما تم إغلاق وسط المدينة لأكثر من شهرين. وقد استأنف الرجلان عقوبتهما التي أثارت احتجاجات في هونج كونج ولقيت انتقادات دولية.

الصين تطلق سراح سويدياً نشر كتباً عن زعماء الحزب
قالت وزارة الخارجية السويدية أمس (الثلاثاء)، إن الصين أبلغت السويد أنها أطلقت سراح بائع كتب احتجز لنشره كتبا عن الحياة الشخصية للرئيس تشي جينبينغ وغيره من زعماء الحزب الشيوعي. وكان كوي مين هاي، وهو سويدي مولود في الصين، قد اختطف في تايلاند أثناء عطلة في عام 2015، وكان ضمن خمسة من بائعي الكتب من هونغ كونغ اختفوا في 2015 وظهروا فيما بعد قيد الاحتجاز في الصين. وعاد الأربعة الآخرون إلى هونغ كونغ. وقالت صوفيا كارلبرج، المتحدثة باسم وزارة الخارجية «أبلغتنا السلطات الصينية أنه جرى إطلاق سراح كوي مين هاي في الصين».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.