الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا

أكبر أزمة تواجهها إسبانيا منذ نهاية حكم فرانكو عام 1975

الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا
TT

الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا

الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا

يثير استفتاء اليوم (الأحد) على استقلال كاتالونيا خلافات في الإقليم الغني الواقع في شمال شرقي إسبانيا، إذ يضع المسؤولين الكاتالونيين في مواجهة الحكومة المركزية، في واحدة من أكبر الأزمات التي تشهدها إسبانيا منذ تفعيل الديمقراطية، بعد وفاة الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو في 1975. كما يثير الانقسامات بين الكاتالونيين أنفسهم، وإن كانت غالبية كبيرة منهم ترغب في تسوية المسألة في تصويت قانوني.
وتشهد إسبانيا منذ بداية سبتمبر (أيلول) 2017 أسوأ أزمة سياسية منذ نحو 40 عاماً، بحسب مسؤوليها كافة. ففي السادس من سبتمبر، تبنى برلمان كاتالونيا قانوناً لتنظيم الاستفتاء، رغم حظره من المحكمة الدستورية. ومضت حكومة كاتالونيا في الأمر، ودعت لتنظيم الاستفتاء، رغم كثير من التحذيرات من السلطات المركزية في مدريد، التي هددت بالعقوبات ضد مؤسسات رسمية وأشخاص. ونشرت مدريد آلاف العناصر الإضافية من الشرطة من قوات أخرى في كاتالونيا التي تسهم في خمس الاقتصاد الإسباني، لمنع الاستفتاء.
أعلن ممثل الحكومة الإسبانية في كاتالونيا إنريك ميو السبت، أن الشرطة ختمت بالشمع الأحمر أكثر من نصف مراكز الاقتراع البالغ عددها 2300 في كاتالونيا. وقال ميو للصحافة الأجنبية في مقر الشرطة: «من أصل 2315 مركز تصويت (...) ختم 1300 بالشمع الأحمر». وأضاف أن 163 من هذه المراكز يحتلها ناشطون يحق لهم مغادرتها لكن لا أحد يستطيع دخولها.
أكد رئيس إقليم كاتالونيا كارلس بيغديمونت لوكالة الصحافة الفرنسية أنه وأنصاره لن يتنازلوا عن حقهم في تقرير مصيرهم، وأنهم سيشاركون الأحد في الاستفتاء على استقلال المنطقة رغم رفض الحكومة الإسبانية. وقال بيغديمونت قبل أقل من 24 ساعة من الاستفتاء الذي حظرته مدريد: «أن نعود إلى منازلنا ونتنازل عن حقوقنا هو أمر لن يحصل (....) لقد اتخذت الحكومة (الكاتالونية) كل التدابير ليتم كل شيء في شكل طبيعي»، داعياً الكاتالونيين إلى تجنب أي أعمال عنف. ودعا بيغديمونت إلى وساطة في الأزمة مع مدريد. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: يجب أن نعبر عن رغبة واضحة في حصول وساطة مهما كان السيناريو، سواء فازت الـ«نعم» أو الـ«لا» في الاستفتاء.
وطلب منظمو التصويت من الناخبين الوصول لمراكز الاقتراع الساعة الخامسة صباحا، والانتظار في صفوف لحين فتح المدارس أبوابها، وحثوهم على إظهار مقاومة سلمية لأي إجراء من الشرطة. وقال المصدر الحكومي إن أي متطوع يزود مركز اقتراع بما يتطلبه إجراء الاستفتاء سيتحمل مسؤولية قانونية عقوبتها غرامة تصل إلى 300 ألف يورو.
من حي إلى حي، تتجمع مجموعات من الأشخاص لتشكيل «لجان لحماية الاستفتاء»، باستخدام تطبيق تلغرام، لتنظيم الجهود ومطالبة الجميع بالحفاظ على الأجواء السلمية، بحسب مراسل الصحافة الفرنسية الذي اطلع على بعض هذه الرسائل. ويبدو أن التحرك تم تنسيقه جزئياً على منصة «مدارس مفتوحة للاستفتاء».
وفي التجمع المعارض للاستقلال، قالت دولوريس موليرو، سكرتيرة (53 عاماً) من تاراغونا (جنوب)، لـ«رويترز»، إن الوضع «في طريق مسدود». وقالت بعد التجمع الذي رفع فيه المشاركون أعلاماً إسبانية وأعلام الاتحاد الأوروبي، وكذلك العلم الرسمي لكاتالونيا: «يريدون تدمير الدولة، إسبانيا وكاتالونيا».
وفي مدريد، رفع المتظاهرون المعارضون للانفصال علم إسبانيا وهم يرددون: «كاتالونيا جزء من إسبانيا»، وشعارات يستخدمونها عادة لتشجيع فرق كرة القدم، بينها «أنا إسباني إسباني إسباني». كما هتفوا «بويجديمونت إلى السجن».
وأمرت محكمة، الأربعاء، الشرطة بمنع استخدام الأبنية أو الأماكن العامة «من أجل التحضير وتنظيم الاستفتاء». وأصدرت وزارة التربية الإسبانية بياناً، حملت فيه مديري المدارس في كاتالونيا المسؤولية، إذا ساعدوا في إجراء استفتاء الأحد، الذي تعتبره مدريد غير شرعي. والجمعة، قال وزير التعليم الإسباني، في بيان، إن مديري المدارس في كاتالونيا «ليسوا معفيين من المسؤولية»، إذا تعاونوا.
وقال جوردي سانشيز، رئيس «الجمعية الوطنية الكاتالونية»، وهي إحدى أبرز الحركات الاستقلالية المنبثقة من المجتمع المدني، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن قرار المحكمة «يقول ببساطة إن هذه الأماكن لا يمكن استخدامها الأحد في الاستفتاء»، وتابع: «نعتقد أنه من الجيد أن تبقى هذه الأماكن مفتوحة، وألا تقفل»، مضيفاً: «إنها مساهمة من أجل أن يكون الأحد يوماً طبيعياً قدر الإمكان، من يريدون التصويت... من المفيد أن يصلوا إلى مركز اقتراع أبوابه مفتوحة».
وقالت الشرطة إنها فتحت تحقيقاً في حادثة إطلاق أعيرة من بندقية، مساء الجمعة، على مجموعة من الأشخاص الذي كانوا يقفون أمام مدرسة ثانوية احتلها الناشطون في بلدة مانلو الكاتالونية، مما أدى إلى إصابة 3 أشخاص بجروح طفيفة.
وقال عمر سانشيز (طالب مسرح، 29 عاماً) وهو يقف خلف سياج مدرسة كولاسو اي غيل، في برشلونة، التي احتلها مع آخرين: «لا شيء يبرر انتهاك حق أساسي كحق التصويت هذا».
وتعهد مؤيدو الاستقلال، الذين احتلوا كثيراً من مراكز الاقتراع، بمواصلة المقاومة السلمية، بالتخييم في المدارس، مما يفتح الباب لمواجهة محتملة مع الشرطة التي تلقت أوامر بطردهم بحلول يوم الأحد، لضمان عدم إجراء الاستفتاء.
وكررت مدريد تحذيراتها لمن يساعد في تنظيم الاستفتاء بأنهم سيواجهون عواقب.
وأكدت الحكومة المركزية، الجمعة، أن التصويت غير قانوني، ولن يتم. وقد أرسلت آلافا من رجال الشرطة لتعزيز قواتها في المنطقة لمنع الناس من التصويت. وقال زعيم إقليم كاتالونيا كارلس بودجمون، لـ«رويترز»، في مقابلة يوم الجمعة: «كل شيء جاهز في كل مراكز الاقتراع التي يزيد عددها على ألفين. وهناك صناديق الاقتراع، وبطاقات التصويت، وفيها كل ما يحتاجه الناس للتعبير عن رأيهم».
وتصر مدريد على معارضة التصويت، وتقول إن الدستور ينص على أن البلاد غير قابلة للتقسيم، لكنها عبرت أيضاً عن أملها في أن يمر يوم الأحد بسلام.
واحتلت المراكز في وسط عاصمة الإقليم برشلونة، بحسب مراسلين أجانب، في حين نشرت «منصة المدارس المفتوحة من أجل الاستفتاء» صوراً على «تويتر» لعدد من مراكز الاقتراع التي تم احتلالها من قبل مؤيدين للانفصال. واختير عدد من المدارس مراكز اقتراع في الاستفتاء المثير للجدل، في محاولة لضمان إجراء التصويت، بحسب ما أفاد به مراسلو الصحافة الفرنسية.
ومع انتهاء الحصص الدراسية، الجمعة، قررت مجموعات صغيرة من النشطاء، وبينهم أهالي مع أبنائهم، أن يحتلوا سلمياً عدة مدارس في برشلونة تم اختيارها كمراكز اقتراع.
وقالت جيزيلا لوزا، وهي أم لثلاثة تلاميذ في مدرسة ريانا فيونانت الابتدائية، في حي غارسيا الراقي في برشلونة، حيث التأييد كبير للاستقلال: «سأنام هنا بجانب ابني الأكبر الذي هو تلميذ هنا». وأضافت لوزا للصحافة الفرنسية: «هناك على الأقل 4 أو 5 عائلات سيأتون مع أولادهم، وحتماً سيكون هناك المزيد، بالتأكيد غداً سيكون عددنا أكبر».
ومنذ أيام، تقوم الشرطة بمصادرة مواد خاصة بالاستفتاء، مثل صناديق أوراق الاقتراع، فيما أمر المدعون بإغلاق مواقع إنترنت مرتبطة بالاستفتاء، واعتقال أعضاء رئيسيين من الفريق المنظم للعملية. فقد صادر الحرس المدني الخميس 2.5 مليون بطاقة تصويت، و4 ملايين مغلف، في مستودع في إيغالادا بالقرب من برشلونة. كما عثر على نحو مائة صندوق اقتراع، لكن لم يعرف ما إذا كانت كلها مرتبطة بالاستفتاء. الحكومة الإسبانية، برئاسة المحافظ ماريانو راخوي، والقضاء قررا حظر الاستفتاء، حتى لو استدعى الأمر منع الوصول إلى مكاتب التصويت من قبل قوات الأمن المنتشرة بكثافة في كاتالونيا، التي قدر عددها بأكثر من 10 آلاف شرطي وحرس مدني.
وجالت جرافات في شوارع برشلونة، وبعضها رفع راية «استيلادا»، علم الانفصاليين المقلم بالأحمر والأصفر مع نجمة بيضاء على مثلث أزرق. وقد تعهد سائقو الجرافات والإطفائيون بحماية مراكز الاقتراع.

فكرة استقلال كاتالونيا... متى بدأت وكيف ستنتهي؟
- 2012
11 سبتمبر (أيلول): أول مظاهرة رئيسية لدعم الاستقلال في كاتالونيا، حيث خرج أكثر من مليون شخص إلى شوارع برشلونة. ويتم تنظيم مسيرات واسعة من أجل الاستقلال سنوياً بمناسبة هذا التاريخ منذ ذلك الحين.
20 سبتمبر: رفض رئيس وزراء إسبانيا، ماريانو راخوي، طلب زعيم إقليم كاتالونيا، أرتور ماس، لمزيد من الاستقلال المالي.
> 2014:
9 نوفمبر (تشرين الثاني): نظم إقليم كاتالونيا تصويتاً غير رسمي وغير ملزم للانفصال، بعد أن رفضت المحكمة الدستورية الإسبانية اقتراحاً سابقاً للاستفتاء. وتوجه أكثر من مليوني ناخب للإدلاء بأصواتهم، وجاءت نتيجة التصويت بموافقة 80 في المائة على الاستقلال عن إسبانيا.
> 2015
27 سبتمبر: فازت أحزاب موالية للاستقلال في الانتخابات الإقليمية، الأمر الذي اعتبر مراقبون أنه يمثل استفتاء بشكل فعال بشأن استقلال إقليم كاتالونيا.
> 2016
9 يناير (كانون الثاني): اختير كارلس بويجديمونت رئيساً جديداً لإقليم كاتالونيا.
29 سبتمبر: بويجديمونت ينجو من اقتراع بسحب الثقة في البرلمان، وتمت إعادة محاولة أخرى لإجراء استفتاء حول السيادة في عام 2017.
> 2017
13 مارس (آذار): منعت محكمة إسبانية زعيم إقليم كاتالونيا السابق، أرتور ماس، من تولي المنصب العام لمدة عامين بسبب دوره في تنظيم استفتاء عام 2014.
9 يونيو (حزيران) : أعلن بويجديمونت عن تنظيم استفتاء جديد حول الاستقلال في الأول من أكتوبر (تشرين الأول).
8 سبتمبر: علقت المحكمة الدستورية الإسبانية الدعوة لإجراء استفتاء حول استقلال كاتالونيا، بعد أن وافقت على نظر استئناف من قبل حكومة راخوي.
11 سبتمبر: شهدت برشلونة نزول أعداد كبيرة إلى الشوارع دعماً للاستقلال.
12 سبتمبر: المدعي العام في إسبانيا يأمر الشرطة بمنع المنظمين من الاستفتاء، الذين تم تحذيرهم بإمكانية مواجهتهم للاعتقال.
13 سبتمبر: استدعي المدعي العام في إسبانيا 700 من رؤساء بلديات كاتالونيا أمام المحكمة لسؤالهم عن الاستفتاء المحظور بشأن الاستقلال.
15 سبتمبر: اتخذت حكومة إسبانيا إجراءات للسيطرة على الموارد المالية لكاتالونيا، ومنعت استخدام الأموال العامة في الاستفتاء، وأوقفت إسبانيا عمل حكومة كاتالونيا (من الناحية الواقعية)، وبدأ الحرس المدني الإسباني بالسيطرة على مواد التصويت.
20 سبتمبر: تولي الحرس المدني الإسباني عملية رئيسية في مختلف مباني وزارة حكومة كاتالونيا، وسيطر على المواد المتعلقة بتنظيم الاستفتاء، وقامت قوة أمنية باعتقال 12 شخصاً، من بينهم وزير الدولة للاقتصاد، وخرج متظاهرون إلى الشوارع رداً على ذلك.
23 سبتمبر: أعلنت حكومة إسبانيا السيطرة على قوة شرطة «موسوس ديسكوادرا» في كاتالونيا.



تقرير: إيران تسلّم واشنطن رداً جديداً على مسودة اتفاق لإنهاء الحرب

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إيران تسلّم واشنطن رداً جديداً على مسودة اتفاق لإنهاء الحرب

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، الجمعة، بأن إيران سلّمت ردّها على أحدث التعديلات الأميركية على مسودة خطة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

وأرسل مبعوث ترمب ستيف ويتكوف، الاثنين الماضي، قائمة تعديلات ركّزت على إعادة إدراج الملف النووي ضمن مسودة النص، وفقاً لمصدر مطّلع.

وقال المصدر للموقع إن أحد التعديلات تضمّن مطالبة إيران بالتعهد بعدم محاولة نقل أي يورانيوم مخصّب خارج منشآتها النووية التي تعرّضت للقصف، أو استئناف أي نشاط في تلك المواقع، ما دامت المفاوضات مستمرة.

وبحسب الموقع، فإن الرد الإيراني يشير إلى أن المسار الدبلوماسي لم يتجمّد بالكامل، في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض حصار بحري أميركي ويدرس خيارات عسكرية جديدة ضد إيران.

كما أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن الرد سُلّم إلى الولايات المتحدة، الخميس، عبر وسطاء باكستانيين.

وكانت إيران قدّمت للولايات المتحدة، نهاية الأسبوع الماضي، مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، على أن تؤجَّل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.

وقال ترمب للصحافيين، الخميس: «لا أحد يعرف ما هي هذه المحادثات سوى أنا وعدد قليل من الأشخاص. هم يريدون بشدة التوصل إلى اتفاق. لدينا مشكلة لأن لا أحد يعرف على وجه اليقين من هم القادة. هذه مشكلة إلى حدّ ما».

في المقابل، يقول الإيرانيون إن ترمب هو الطرف الساعي بشدة إلى التوصل لاتفاق.

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران؛ إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.