كينيا: الحرب القديمة من الشوارع إلى المحاكم

صراعات القبائل السياسية هل تفسد النموذج الأفريقي؟

كينيا: الحرب القديمة من الشوارع إلى المحاكم
TT

كينيا: الحرب القديمة من الشوارع إلى المحاكم

كينيا: الحرب القديمة من الشوارع إلى المحاكم

أرجع الرئيس الكيني أوهورو كيناتا انتخابه لدورة رئاسية ثانية إلى ما سماه «نجاحه التنموي» والتزامه بوعوده الانتخابية، وقال إنه انتخب مجدداً «بإرادة الشعب الكيني»، وليس عن طريق «التلاعب» بكومبيوترات الاقتراع الآلي، أو بتسخير قدرات الدولة ضد منافسيه.
ونقلت تقارير كينية الخميس، أن الرئيس كيناتا - وهو نجل جومو كيناتا أول رئيس لكينيا بعد الاستقلال عن الاستعمار البريطاني وبطل نضالها الاستقلالي - قدّم، وهو على اليمين، شهادته رداً على طعن تقدمت به المعارضة ضد شرعيته للمحكمة العليا، وقال في تصريحات أعقبت اعتماده للدفوع التي أعدها فريق محاميه: «أنا ونائب الرئيس لسنا صناعة كومبيوترية، والنصر الذي حققناه صنعه الناخبون الكينيون».
وكانت أحزاب تحالف «ناسا» المعارض بقيادة رايلا أودينغا، نجل رئيس الوزراء الاستقلالي السابق أوغينغا أودينغا، قد شككت بنزاهة الانتخابات التي أجريت في الثامن من أغسطس (آب) الحالي، وكسبها تحالف (اليوبيل) بقيادة كيناتا، وأعلن من ثم رئيساً للبلاد لدورة رئاسية ثانية في الانتخابات «السادسة» منذ استقلال البلاد.

رفض رئيس وزراء كينيا السابق رايلا أودينغا خسارته الانتخابات الرئاسية التي حصل فيها على 44.74 في المائة من أصوات الناخبين، مقابل 55.27 في المائة لمنافسه الفائز الرئيس الحالي أوهورو كينيتا. ودعا أودينغا مؤيديه بادئ الأمر للاحتجاج السلمي والعصيان المدني، ما أدى أعمال عنف وفوضى راح ضحيتها أكثر من 17 قتيلاً، و177 جريحاً، ما أثار المخاوف من تجدد وتزايد وتائر العنف، أسوة بأحداث العنف الأشهر التي حدثت عقب انتخابات 2007 وأدت لمقتل أكثر من 1200 وتشريد مئات الآلاف، وأحداث انتخابات 2013 التي راح ضحيتها أكثر من 300 شخص. غير أن رئيس الوزراء الأسبق أودينغا تراجع عن دعوته للاحتجاج والعصيان المدني بدفع من تطور الأحداث وقرر اللجوء للقضاء، ونقل عنه قوله إنه مزود بالأدلة والبراهين على عكس تجربته السابقة في الطعن بنتائج الانتخابات، وإنه يسعى لتأكيد احترام مبادئ الشفافية والنزاهة.
المحلل السياسي السوداني فيصل محمد صالح، الخبير بشؤون أفريقيا الشرقية، حذّر من احتمالات تكرار أحداث عام 2007، وقال إن احتمالات تفجر العنف مجدداً «أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه وقتها بسبب انتشار الوعي والاستقرار الذي تحقق في رئاسة كيناتا السابقة، إضافة إلى الضغوط الدولية التي مورست على أودينغا ودفعته للجوء للقضاء على الرغم من تجربته السابقة خلال انتخابات 2013».
ولا يرى صالح وجود «انتهاكات انتخابية كبيرة» في الانتخابات الماضية، ويضيف: «وهذا ما يجعل كيناتا واثقاً من أن قرار المحكمة لن يأتي بتغييرات كبيرة»، وتابع: «دخل كيناتا الانتخابات الحالية برصيد أكبر من الرصيد الذي دخل به الانتخابات الأولى، ما مكنه من الحصول على ثقة شريحة الشباب ومجموعات واسعة من التيارات الحديثة ودعاة الإصلاح، كذلك مكنته نجاحاته الاقتصادية اللافتة من ذلك بكل يسر».

- الجذور القبلية والعرقية
ويقطع صالح ببقاء جذور العرقية السياسية كامنة في الحياة السياسية الكينية، ويضيف إليها تفشي «الفساد»، ويعتبرهما ثنائياً مناوئاً للاستقرار السياسي في أي البلاد، معتبراً الحرب على الفساد والابتعاد بالسياسة عن المجموعات السكانية مدخلاً رئيساً لتصحيح الممارسة السياسية بالنسبة لحكومة نيروبي.
جدير بالذكر أن «التحالف الوطني العظيم» بقيادة أودينغا المعروف اختصاراً بـ«ناسا» قد تقدم بطعن نهاية الأسبوع الماضي ضد نتائج الانتخابات لدى المحكمة العليا، قبيل وقت قصير من نهاية مهلة تقديم الطعون. ووصف في الطعن الذي تقدم به العملية الانتخابية بأنها تعرضت لتزوير في مراحلها كل ابتداء من مرحلة تسجيل أسماء الناخبين والتصويت والنقل والتحقق وتأكيد النتائج. ودعا تحالف «ناسا» لإلغاء الانتخابات لكونها عرضة لـ«مساومة قاتلة»، وقال إنها جرت بشكل سيئ وحدثت فيها مخالفات تجعل من الفوز أو عدمه ليس مهماً، وإن التزوير تم عن طريق «التلاعب بنظام التصويت الإلكتروني»، وشهدت عمليات ترهيب لعرقية «ماكونوي» للوقوف مع حملة الرئيس كيناتا الانتخابية.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يطعن فيها أودينغا، الذي ينتمي إلى قبيلة اللوو، في انتخابات الرئاسة، إذ يعد هذا الطعن الثاني الذي تقدم به، خلال ترشحه للرئاسة في لأربعة دورات انتخابية (1997 - 2007 - 2013 - 2017) خسرها جميعاً، إذ كان قد طعن في شرعية فوز كيناتا - المنتمي إلى قبيلة الكيكويو كبرى قبائل كينيا - في انتخابات 2013، لكن المحكمة رفضت الطعن واعتمدت كيناتا رئيساً للبلاد.
ووفقاً لتقارير نشرت أمس، تقدم الفريق القانوني لكيناتا برده على عريضة الطعن الانتخابي المقدم من المعارضة، وبدا واثقاً من كسبه للدعوى ورفض المحكمة للطعن ضدهم. وقال ممثل الفريق المحامي أحمد ناصر عبد الله في تصريحات نقلتها الصحافة المحلية أمس الجمعة: «نحن واثقون من الإجابات التي قدمناها للمحكمة، ومتفائلون بما قمنا به، ونحن جاهزون لبدء القضية».
وينتظر أن تصدر المحكمة التي بدأت أولى جلساتها أمس قرارها في غضون أسبوعين، ويتوقع وفقاً لمراقبين أن يستمر خلالهما البلاد الجو المشحون بالتوتر، لكنهم يجمعون على أن المخاوف من اندلاع أحداث عنف واسعة مثيلة لما حدث في الدورتين الانتخابيتين الماضيتين صارت أقل احتمالاً.

- ضغوط على المعارضة
من ناحية ثانية، يشير الصحافي المقيم في كينيا عارف الصاوي، إلى أن أودينغا تعرّض بالفعل لضغوط دولية وإقليمية قوية تصل إلى حد المقاطعة في حال إصراره على مواصلة التعبئة الشعبية والدعوة للعصيان والاحتجاج، وهو ما أجبره على اللجوء للقضاء كخيار. وأوضح الصاوي أن الانتخابات التي شهدها، لم يحدث فيها ما يمكن أن يطلق عليه «عمليات تزوير» تؤثر على النتائج، وأن كل حجم تحالف أودينغا لا يتجاوز «أخطاء فنية صغيرة» لا تؤثر على النتيجة النهائية للانتخابات، مثل بعض اللجان الانتخابية التي أعلنت النتائج قبل وصول «استمارات انتخابية» محددة، أو أعطال ببعض أجهزة الكومبيوتر، أو إغلاق مركز انتخابي طرفي. ووصف الانتخابات التي أجريت في وقت سابق من هذا الشهر، بأنها «الأكثر تنظيماً وضبطاً مما سبقها من انتخابات»، وتابع: «مركز كارتر في الولايات المتحدة وممثل الاتحاد الأفريقي ثابو مبيكي، وكذلك منظمات مجتمع مدني دولية وإقليمية ومحلية كثيرة، مؤسسات شاركت في مراقبة الانتخابات الأخيرة وقطعت باستيفائها للشروط الدستورية، ولم تر فيها ما يمكن أن يطلق عليه تزوير يستدعي إعادتها أو إلغاء نتائجها».
وأفاد الصاوي بأن متابعته للانتخابات تؤكد أنها تجاوزت الكثير من الأخطاء التي حدثت في انتخابات 2013، واستبعد إصدار المحكمة العليا قرارات تؤثر على نتيجتها، وتابع: «في طعن أودينغا السابق راجت معلومات عن فساد أحد قضاة المحكمة العليا، وهو ما أدى لاستقالة هيئتها كاملة... ولكن اليوم هناك هيئة محكمة جديدة كلياً استجابة لمطلب الرجل».
واستبعد الصاوي تكرار السيناريوهات التي شابت الانتخابات السابقة وما ترتب عليها من أحداث عنف، بقوله: «إن كيناتا خلال دورته السابقة أفلح في تحقيق نجاحات لافتة، خصوصاً في المجال الاقتصادي، أتاحت له كسب دورة رئاسية جديدة». وحذر، من جانب آخر، مما يحيط بالتجربة الانتخابية الكينية من توجُّس آتٍ من محيطها الأفريقي، باعتبارها «قدوة ديمقراطية» مخيفة للأنظمة الديكتاتورية الحاكمة، قائلاً إن هذه الأنظمة ربما تحاول التأثير عليها لوأدها. بيد أنه عاد ليقول إن المجتمع الكيني «توصَّل لقناعة بأن الانتخابات والديمقراطية هما السبيل الوحيد له لمحاربة الفقر والتقسيم العادل للثروة، وأنها مصدر للقوة».

- نهاية مشوار أودينغا
على صعيد ثانٍ، توقع الصاوي ألا يكون أودينغا قادراً على الترشح في الانتخابات المقبلة، بحكم تقدمة في السن، وهو أمر حسب تقديره سيسهم كثيراً في إزالة حدة التنافس والاحتقان السياسي في البلاد، ووفقاً للمصدر نفسه فإن كينيا موعودة بأن تكون «واحة ديمقراطية»، وسط محيط من الديكتاتوريات، ما يعطيها ميزة نسبية.
هذا، وعلى الرغم من أن الرئيس أوهورو كيناتا كان أصغر رؤساء البلاد حين انتخابه 2013، وأنه يستند إلى إرث سياسي عائلي كبير، باعتباره نجل الرئيس جومو كيناتا أحد رموز حركة التحرر الوطني الأفريقي وأول رئيس لكينيا بعد استقلالها، فإن البلاد في عهده حققت معدل نمو فاق 6 في المائة، وأعلن وقوف بلاده مع معسكر الحرب على الإرهاب، وعلى وجه الخصوص ضد جماعة «الشباب الصومالية» شمالَ كينيا التي تنفذ عمليات انتحارية، آخرها قتلهم لضباط شرطة في منطقة باندانغو الكينية.
ولكن رغم كل هذا لم تتردد «المحكمة الجنائية الدولية» في توجيه الاتهامات له ولنائبه ويليام روتو والصحافي جوشوا أراب سانغ بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في أعمال عنف ضد أنصار المعارضة خلال الفترة التي تلت انتخابات 2007، والتي لاقى خلالها نحو 1200 حتفهم بأسلحة أجهزة الأمن وأدت لتشريد أكثر من نصف مليون. ولاحقاً، أقدمت المحكمة الجنائية على سحب التهم عام 2014. وقالت على لسان المدعية فاتو بن سودا وقتها، إن الادعاء لم يثبت التهم الموجهة للرجل، ولم تثبت المسؤولية الجنائية ضد كيناتا وروتو، في وقت راجت فيه أحاديث عن عمليات ترهيب وإخفاء قسري للشهود أدت لانسحابهم.

- الجغرافيا السياسية القبلية
ورغم أن الصراع الدائر في الدولة الأفريقية التي كان ينتظر أن تكون «نموذجاً ديمقراطياً» في القارة المغرمة بالديكتاتوريات، يأخذ شكلاً سياسياً ظاهرياً، لكن باطنه يحمل إرثاً «قبلياً وعرقياً» ضارباً في الجغرافية السياسية الكينية.
وترجع جذور صراع «القبائل السياسية» في كينيا إلى السياسة الاستعمارية التي سمحت بتكوين «أحزاب في المجتمعات المحلية»، ورفضت السماح لها لتكون «أحزاباً قومية»، ما جعل الأحزاب الكينية تتسم بأنها ذات طابع محلي قبلي، واستمرت على هذا الوضع في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وكانت الانتفاضة الشعبية ضد الاستعمار البريطاني 1952 قد أجبرت الحكومة على إتاحة حرية تكوين التجمعات والتنظيمات، مشترطةً أن تظل في أطرها المحلية، لذلك فإن معظم التنظيمات السياسية الكينية لم تقم على أساس وطني بل استندت على طابع «عرقي وقبلي»، وذلك وفقاً لدراسة أعدتها الباحثة كوثر مبارك من المركز الديمقراطي العربي.
ثم نشأت 1959 منظمة «أيمو» التي لم تنفكَّ أن انقسمت إلى حزب الاتحاد الوطني الأفريقي «كانو» الذي تدعمه قبيلة الكيكويو، كبرى قبائل كينيا بنسبة 22 في المائة، من إجمالي عدد السكان، وحزب «كادو» المدعوم من قبل القبائل والجماعات الأقل تعداداً أبرزها اللوو واللوهيا. وفي أول انتخابات 1963 قبل عام واحد من استقلال البلاد فاز حزب «كانو»، وظل حاكماً للبلاد إلى أن أُلغِيَت التعددية الحزبية في البلاد 1980 وجرى حظر الأحزاب وتقرر الإبقاء عليه حزباً واحداً حاكماً.
ظل الكيكويو يسيطرون على الحكم في كينيا من خلال حزب «كانو» حتى عام 1991 وإعلان العودة إلى التعددية الحزبية التي أُجبِروا عليها بسبب ضغوط واحتجاجات شعبية عارمة اجتاحت أنحاء البلاد. وتكونت تبعاً لذلك سبعة أحزاب شاركت في الانتخابات البرلمانية دون تحقيق نتائج مهمة، في حين تواصلت سيطرة الاتحاد الوطني الأفريقي حتى 2002، حين فاز مرشح المعارضة الرئيس مواي كيباكي عن تحالف المعارضة الذي يعرف بـ«ائتلاف قوس قزح».
وأطل «العنف الانتخابي الإثني» على البلاد منذ بداية تسعينات القرن الماضي، ومع أنه لم يؤثر كثيراً على الأوضاع، فإنه ظل كامناً في الإشكالات السياسية إلى أن جاءت انتخابات 2007 التي شارك فيها 87 حزباً سياسياً.
وانحصر التنافس السياسي فيها بشكل أساس بين ائتلاف «الوحدة الوطنية»، ويتزعمه الرئيس السابق مواي كيباكي المدعومة من قبيلة الكيكويو التي ينحدر منها، وتحالف «الحركة الديمقراطية البرتقالية» المعارضة بزعامة رايلا أودينغا الذي تدعمه قبيلة اللوو التي يتحدر منها - وكذلك يتحدر منها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما - ومجموعات أخرى.
ولقد أفلح أودينغا في بناء تحالف واسع مع الزعماء المحليين لقبيلة اللوهيا الكبيرة في غرب البلاد وقبيلة الكالينجين في محيط الوادي المتصدع (الصدع الانهدامي الكبير) The Great Rift Valley، وزعماء المسلمين في الساحل. ومن ثم، استطاع تقديم نفسه زعيماً يدعو إلى إعادة توزيع ثروات البلاد ومحاربة الفساد، ما مكنه من تحقيق التفاف شعبي لافت. لكن نتائج الانتخابات عكست التوقعات، فانتشرت إشاعات عن تزوير.
لقد انقسم المجتمع ومؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية في كينيا إلى فريقين: أحدهما يؤيد الحكومة والآخر يدعم المعارضة، وشهدت أجواء إعلامية أججت حالة الانقسام. ورفض أودينغا فوز كيباكي استناداً إلى أن التوقعات كلها كانت ترشحه للفوز، فاندلعت أعمال عنف وشغب على أساس إثني وقبلي ضد أبناء قبيلة الكيكويو واتهامها بتزوير الانتخابات. ثم تصدت قوات الأمن للاحتجاجات ومارست أعمال قتل وقمع واسعة بلغ ضحاياها أكثر من ألف قتيل وتشرد بسببها أكثر من 600 ألف.
واستمرَّ تصاعُد أعمال العنف لقرابة العام، متخذاً من ائتلاف حزب «الوحدة الوطنية»، و«الحركة الديمقراطية البرتقالية» واجهتين سياسيتين، لكنه في حقيقته كان صراعا إثنياً بين قبيلتين كبيرتين، هما الكيكويو الحاكمة التي تنتمي لغوياً إلى جماعات البانتو، وقبيلة اللوو المعارضة التي تنتمي لغوياً إلى مجموعة القبائل والشعوب النيلية. وبالتالي، شهدت البلاد أعمال عنف تضمنت تخريب المنشآت العامة وإحراق المحلات والسيارات والممتلكات الخاصة.

- التدخل الدولي للمصالحة
على الأثر، ونتيجة لضغوط دولية، وقع الكينيون ما أطلقوا عليه «الحوار الوطني والمصالحة»، لتحقيق السلام المستدام وحفظ الأمن وسيادة حكم القانون وإقامة العدالة. واشترط «الحوار» اتخاذ إجراءات، من بينها إقرار دستور جديد، ومنح صلاحيات جديدة للأحزاب السياسية، وكفالة نزاهة واستقرار العملية الانتخابية.
ولتحقيق ذلك استحدثت لجان ومؤسسات الحوار الجامع للحيلولة دون الانجراف خلف العنف، وتشمل «اللجنة الدائمة لشكاوى الجمهور، وتختص بنظر شكاوى الظلم والفساد والحريات والحقوق وقلة كفاءة المسؤولين، ولجنة للتحقيق في أعمال العنف الذي أعقب الانتخابات، ولجنة المراجعة الانتخابية المستقلة، ولجنة متابعة الحدود المستقلة لتحديد الدوائر الانتخابية» وأخيراً لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة لإعادة بناء المجتمع الذي تعرض للظلم بسبب الخلافات الإثنية وتهدئة الأوضاع وإرضاء الأطراف كافة.
وأُجرِيَت في الرابع من مارس (آذار) 2013م الانتخابات الخامسة، وسط إقبال كبير وتنافس بين ثمانية مرشحين، يستند كل منهم إلى ائتلاف حزبي مسنود من قبائل وقوى اقتصادية، وأشهرها «ائتلاف اليوبيل الانتخابي» المسنود من الكيكويو والكالينجين ومرشحه أوهورو كيناتا ونائبه وليم روتو، وائتلاف «من أجل الإصلاح والديمقراطية»، ويتزعمه رايلا أودينغا وتسانده قبائل اللوو واللوهيا والكامبا. وأعلن فوز كيناتا بالرئاسة وتم قبوله دون أحداث عنف كبيرة فخرجت انتخابات بلا عنف، وإن ظلت جذور السخط والاعتراض «كامنة» في الطبيعة القبلية والإثنية للتكوينات الحزبية.
جدير بالذكر أن المتنافسين الكبيرين البارزين كيناتا وأودينغا – كما سبقت الإشارة - ينتميان إلى عائلتين ثريتين عريقتين في قبيلتيهما الكبيرتين، لكن يلاحظ وجود اختلافات بين توجهات الرجلين. ذلك أن كيناتا حرص على تقديم نفسه بثوب حداثي غربي التوجه يستند إلى الشباب والتقنية و«الرقمنة»، وعلى إبراز صورة «الوطني» الكامنة في كونه نجل الزعيم الاستقلالي جومو ووريث تراث التحرر الأفريقي. أما منافسه أودينغا، الذي تولى أبوه أوغينغا أودينغا منصب نائب الرئيس في الفترة الأولى من حكم جومو كيناتا، وشغل شخصياً منصب رئيس الوزراء في التسوية التي تمت على عهد الرئيس مواي كيباكي، فيتهمه المراقبون الليبراليون واليمينيون بأنه مشحون بـ«إخفاقاته» الانتخابية الأربعة، ويرون أن فارق العمر بينهما (كيناتا 55 سنة)، و(أودينغا 74 سنة) زاد من حدة المنافسة والعداء بينها، وحال دون طموح أودينغا بالوصول لرئاسة البلاد، ولقد كانت الانتخابات الأخيرة آخر فرصة... ضاعت منه.



جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
TT

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)

نفت حكومة نيجيريا استهداف المدنيين خلال قصف جوي لإحدى الأسواق شمال شرقي البلاد، مشيرة إلى أن السوق تحولت «قاعدة لوجيستية» للجماعات الإرهابية في المنطقة، وخاصة تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» وجماعة «بوكو حرام».

ويحتدم الجدل في نيجيريا منذ استهداف السوق المحلية في مدينة جيلي، الواقعة بولاية بورنو، السبت الماضي، بضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ، بينهم مدنيون، حسب تقارير غير رسمية، في حين ارتفعت مطالب بفتح تحقيق في سقوط ضحايا أبرياء خلال العملية العسكرية.

مصابون يتلقون العلاج بعد تعرض السوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو لضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ (أ.ب)

وفي أول بيان رسمي، قالت الحكومة، الأربعاء، إن الضربة الجوية على سوق جيلي كانت «متعمدة وليست عشوائية»، وأضافت أن الضربة «استهدفت مواقع إرهابية مؤكدة، بناءً على معلومات استخباراتية، وليست هجوماً عشوائياً»، مشيرة إلى أن السوق كانت «أحد أشهر الممرات الإرهابية في البلاد».

وجاء في البيان الموقّع من طرف وزير الإعلام محمد إدريس: «تم تصنيف جيلي منطقةً عالية الخطورة، مع وجود توجيهات أمنية واضحة تقيد وجود المدنيين»، ولكنه أضاف أن «كل حياة نيجيرية مقدسة، وأي خسارة في أرواح المدنيين مؤسفة للغاية».

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

وأوضحت الحكومة أن السوق المستهدفة كانت تعرف محلياً باسم «سوق الإرهابيين»، وظلت لفترة طويلة تحت سيطرة المجموعات الإرهابية، وكانت تخضع منذ فترة لمراقبة استخباراتية دقيقة وعمليات استطلاع مكثفة.

وأكدت الحكومة أن «عناصر من (داعش) و(بوكو حرام) كانوا يستخدمون المنطقة لفرض الإتاوات، وشراء الإمدادات، وتنسيق الهجمات»، وأضافت: «تعزز هذا التقييم في 12 أبريل (نيسان) 2026، عندما ألقت القوات القبض على شخص يبلغ من العمر 15 عاماً تابع لتنظيم (داعش) يُدعى تيجاني في نغامدو، حيث اعترف بنقل الأموال والإمدادات بين جيلي ومواقع أخرى؛ ما يبرز عمق النشاط الإرهابي في المنطقة واستغلال المدنيين، بمن فيهم القُصّر».

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

وأعلنت الحكومة فتح «تحقيق مستقل» في العملية العسكرية، مشيرة إلى أنه «سيشمل مراجعة المعلومات الاستخباراتية، وآليات تحديد الأهداف، وتنفيذ العملية، وسنعالج أي ثغرات ونضمن المساءلة عند الحاجة». وخلصت الحكومة النيجيرية إلى التأكيد على أن «حماية أرواح المدنيين تظل التزاماً أساسياً للقوات المسلحة».

مواقف متباينة

أثارت الضربة جدلاً في نيجيريا، حيث تباينت منها المواقف، خاصة حين تحدثت تقارير إعلامية عن استهداف سوق مزدحمة بالمدنيين عن طريق الخطأ، وسط مطالب بحماية المدنيين من الإرهاب ولكن أيضاً خلال العمليات العسكرية.

القائد السابق للجيش، الفريق أول المتقاعد توكور بوراتاي، وصف الغارة الجوية على سوق جيلي بأنها ضربة ضرورية لمعقل إرهابي، ورفض أي اتهام للجيش باستهداف المدنيين، وأضاف: «أشيد هُنا بالقوات الجوية والاستخبارات على الشجاعة والاحترافية في هذه العملية».

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري بموقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

من جانبه، دعا الرئيس السابق لمجلس الشيوخ أحمد لاوان إلى فتح تحقيق فوري ومستقل في الغارة الجوية، وأضاف: «رغم تقديري للتضحيات الكبيرة التي تقدمها قواتنا المسلحة وتعقيدات التمييز بين المقاتلين والمدنيين في مناطق النزاع، فإن حجم هذه المأساة يفرض علينا طرح أسئلة صعبة، لكنها ضرورية». وحذّر من أن «الحرب على الإرهاب لا ينبغي أن تكون على حساب أرواح المدنيين»، داعياً إلى اعتماد استراتيجيات أكثر دقة واعتماداً على الاستخبارات. وقال: «يجب ألا نسمح أبداً للحرب على الإرهاب بأن تُفقدنا الإحساس بحرمة حياة الإنسان البريء».

الرئاسة تدافع

أمام تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية عقد الرئيس بولا أحمد تينوبو، اجتماعاً طارئاً مع وزير الدفاع وقادة الجيش والأمن والاستخبارات، الاثنين الماضي، في حين دافع تينوبو عن العملية، مشيراً إلى أن السوق كانت قد «تم اختراقها» من قِبل الإرهابيين.

ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال المستشار الخاص لشؤون الإعلام في الرئاسة، توبي أجايي، إن السوق أصبحت «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن حولها مقاتلو «بوكو حرام» و«داعش» مركزاً لوجيستياَ وتجارياً.

ولكن الاجتماع الطارئ ناقش أيضاً، تطورات أمنية عدة، من أهمها تحذير سفر أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، أجازت فيه المغادرة الطوعية للموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من سفارتها في أبوجا.

وتحدث التحذير عن «تدهور الوضع الأمني»، حيث وضع 23 ولاية من أصل 36 في نيجيريا ضمن التصنيف «المستوى الرابع: لا تسافر»، وهو أعلى مستوى للمخاطر، وبررت السلطات الأميركية تحذيرها بالتمرد في الشمال الشرقي وقطع الطرق في الشمال الغربي والوسط، إضافة إلى استمرار العنف في أجزاء من الجنوب والجنوب الشرقي، بما في ذلك المناطق النفطية.

وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

وفي ردها على التحذير الأميركي، وصفته الحكومة النيجيرية بأنه إجراء احترازي روتيني يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، مؤكدة أنه لا يعكس الواقع الأمني العام في البلاد.

وقال وزير الإعلام والتوجيه الوطني محمد إدريس إنه رغم استمرار حوادث متفرقة، «لا يوجد انهيار عام في القانون والنظام، ومعظم أنحاء البلاد لا تزال مستقرة».


توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
TT

توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة

قال وزير خارجية توغو إن بلاده ستطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اعتماد خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة، والتخلي عن «إسقاط مركاتور» الذي يعود إلى القرن السادس عشر.

ويقول المنتقدون إن «إسقاط مركاتور»، الذي يجعل غرينلاند تبدو في حجم أفريقيا في حين أن القارة في الواقع أكبر منها بنحو 14 مرة، يعزز التصورات السائدة حول هامشية أفريقيا رغم مساحتها الشاسعة وعدد سكانها الكبير، بما يؤثر في السرديات السائدة في الإعلام والتعليم والسياسات.

وكلف الاتحاد الأفريقي توغو بتعزيز حملة «صححوا الخريطة» لإنهاء استخدام خريطة مركاتور من قبل الحكومات والمنظمات الدولية. وتدعو الحملة، التي تقودها مجموعتا (أفريقيا بلا فلتر) و(تكلموا من أجل أفريقيا)، إلى اعتماد إسقاط «إيكوال إيرث» لعام 2018، الذي يهدف إلى إظهار الأحجام الحقيقية للبلدان.

ولا يظهر «إسقاط مركاتور»، الذي صممه رسام الخرائط جيراردوس مركاتور لأغراض الملاحة، الحجم الحقيقي للقارات، حيث يضخم المناطق القريبة من القطبين مثل أميركا الشمالية وغرينلاند بينما يقلص حجم أفريقيا وأميركا الجنوبية.

وقال وزير خارجية توغو روبرت دوسي في مقابلة مع رويترز أمس الاثنين «الحجم الذي نراه للقارة الأفريقية على الكرة الأرضية... غير دقيق جغرافيا»، ودعا إلى اعتماد «الحقيقة العلمية». ولا يزال «إسقاط مركاتور» مستخدما على نطاق واسع، بما في ذلك في المدارس وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم.

وقالت موكي ماكورا، المديرة التنفيذية لمنظمة (أفريقيا بلا فلتر) إن «التمثيل الدقيق لا يقتصر على الخرائط فحسب، بل يتعلق أيضا بالقدرة على الفعل، والتقدم، وضمان أن يرى العالم أفريقيا على حقيقتها».

إعداد مشروع قرار للأمم المتحدة

وفي وقت سابق من هذا العام، اعتمد الاتحاد الأفريقي مشروع قرار يحث على اعتماد إسقاط (إيكوال إيرث) ويشجع دوله الأعضاء البالغ عددها 55 دولة على التخلي عن إسقاط مركاتور.

وقال دوسي «يتمثل التحدي المؤسسي في استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد هذه الخريطة... ومن البديهي أن البلدان الأفريقية متجاوبة فعليا مع هذه المبادرة». وقال دوسي إن مشروع قرار يجري إعداده، ومن المرجح أن يُطرح للتصويت في الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول. وأضاف أن طريقة تصويت الدول ستكشف عن «حقيقتها».

واعتمدت الأمم المتحدة الشهر الماضي قرارا قادته دول أفريقية يوصف الرق على أنه «أفظع جريمة ضد الإنسانية» ويدعو إلى دفع تعويضات. وامتنعت جميع دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن التصويت، بينما صوتت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين ضد القرار.


الصومال: مقتل 27 من «الشباب» في عملية جرت بدعم دولي

عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)
عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)
TT

الصومال: مقتل 27 من «الشباب» في عملية جرت بدعم دولي

عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)
عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)

قالت وزارة الدفاع الصومالية، اليوم (الثلاثاء)، إن قواتها المسلحة وقوات الأمن الإقليمية قتلت 27 عنصراً من حركة «الشباب» في ولاية جوبالاند شبه المستقلة، خلال عملية نُفِّذت بدعم دولي، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

ولم تُسمِّ الوزارة الشركاء الدوليين الذين قدَّموا الدعم، ولكنها أوضحت أن العملية كانت مدعومة بضربات جوية.

وكان الجيش الأميركي قد نفَّذ ضربات جوية في إطار دعم الجهود ضد «الشباب» التي تخوض تمرداً منذ عقدين لإسقاط الحكومة المركزية في البلاد وفرض حكمها.

وأضافت الوزارة أن المسلحين قُتلوا في «عملية واسعة النطاق في مناطق جوبا السفلى وجوبا الوسطى»؛ مشيرة إلى مصادرة أسلحة وألغام أرضية، وأن بين القتلى عناصر بارزين في الحركة.

كما تواصل بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي دعم الحكومة الصومالية في مواجهة «الشباب»، رغم أن الجماعة لا تزال تسيطر على مساحات واسعة من الريف، وتحتفظ بقدرتها على تنفيذ هجمات متكررة على مراكز سكانية رئيسية.