يلين: النظام المالي أصبح أكثر قدرة على تحمل الصدمات

رئيسة «الفيدرالي» تعارض مطالب ترمب بتخفيف القواعد... وتكهنات بخلافة كوهن بداية العام المقبل

جانيت يلين رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المركزي الأميركي (إ.ب.أ)
جانيت يلين رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المركزي الأميركي (إ.ب.أ)
TT

يلين: النظام المالي أصبح أكثر قدرة على تحمل الصدمات

جانيت يلين رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المركزي الأميركي (إ.ب.أ)
جانيت يلين رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المركزي الأميركي (إ.ب.أ)

دافعت جانيت يلين، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)، أمس الجمعة، عن النظام المالي والقواعد الحاكمة له، وأكدت أنه أصبح أكثر قدرة على تحمل الصدمات بعد الأزمة المالية عام 2008، ورفضت يلين بشكل غير مباشر ما يطالب به الرئيس ترمب وإدارته من تخفيف بعض القواعد واللوائح التي يؤكد ترمب أنها «كارثية» وتكبح الاقتصاد.
وقالت رئيسة الاحتياطي، في المؤتمر البحثي السنوي للبنوك المركزية في مدينة جاكسون هيل بولاية وايومنيغ أمس الجمعة، إن المؤشرات والأبحاث تشير إلى أن الإصلاحات الأساسية التي تم إقرارها قد عززت المتانة المالية تعزيزا كبيرا دون الحد بشكل غير ملائم من توفير الائتمان أو التأثير على النمو الاقتصادي. ولم تتطرق إلى الإجراءات المستقبلية للسياسة النقدية.
وفي الاجتماع الذي ضم عددا كبيرا من كبار الاقتصاديين والمصرفيين من المصارف المركزية، أكدت يلين أن الإصلاحات جعلت النظام المالي أكثر أمانا، ورفضت الحجج بأن القواعد الموضوعة تسبب في قيود على تحقيق الانتعاش من الأزمة المالية، لكنها في الوقت نفسه أقرت أن بعض تلك القواعد يمكن تحسينها.
وقالت إنه قد تكون هناك حاجة إلى تغييرات في بعض اللوائح، مشيرة إلى احتمالات تخفيض قاعدة فولكر التي تحد من تداول المصارف للأسهم وتخفيف بعض القواعد المطبقة على المصارف الصغيرة والمتوسطة. وشددت على الحاجة إلى خطوات لتحسين السيولة في بعض أجزاء سوق السندات. وتابعت أن «أي تعديلات للإطار التنظيمي ينبغي أن تكون متواضعة، وأن تحافظ على زيادة قوة النظام المالي، والتأكد أنها لا تضر بالمجتمعات المحلية أو البنوك الإقليمية بشكل غير متناسب».
وأوضحت أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يقوم باستمرار بمراجعة الإجراءات لمعرفة ما الإجراءات التي تعمل وما الإجراءات التي يمكن أن تعيق النظام، وقالت: «على نطاق واسع، نواصل مراقبة الأوضاع الاقتصادية واستعراض نتائج البحوث من أجل فهم أفضل لتأثير الإصلاحات التنظيمية والآثار المحتملة لها».
وعلى الرغم من ترقب الأسواق المالية لخطاب رئيسة المجلس الاحتياطي حول مستقبل السياسية النقدية، فإنها لم تقدم أي تعليقات حولها، بل ركزت في خطابها على تأثيرات الأزمة المالية العالمية وما فعله المنظمون لمواجهتها، وحذرت من أن الأزمات المستقبلية «أمر لا مفر منه، لكن ما حدث من انهيار في المجال العقاري نتيجة الأزمة المالية قد أعطى دروسا قيمة للقائمين على السياسات المالية».
وأشارت يلين إلى احتمالات ظهور مخاطر متمثلة في التفاؤل المفرط، وقالت: «لقد تعلمنا الدروس من الأزمة المالية عام 2008. ولا يمكننا أن نسمح أن تتكرر، وإذا حافظنا على هذا الدرس حاضرا في ذاكرتنا إلى جانب التكلفة المؤلمة التي فرضتها الأزمة الأخيرة والعمل وفقا لذلك، فإننا يمكن أن يكون لدينا سبب للأمل أن النظام المالي والاقتصاد سيشهد أزمات أقل، ويستعيد العافية من أي أزمة مستقبلية بسرعة أكبر... وهذا سيجنب الأسر والشركات بعض الألم الذي عانوا منه خلال الأزمة المالية التي حدثت قبل عقد من الزمن».
ولم تتطرق يلين إلى التكهنات حول بقائها أو خروجها من منصبها، ومن المقرر أن تنتهي ولايتها كرئيس لمجلس الاحتياطي مع مطلع عام 2018. وقد أوضحت يلين في شهادتها أمام الكونغرس في يوليو (تموز) الماضي أن محادثتها مع الرئيس ترمب لم تتطرق إلى موضوع استمرارها في المنصب. وتأتي تصريحاتها خلال اجتماعات جاكسون هيل، لتؤكد أنها لا ترى فرصة في أن يقوم ترمب بإصدار قرار باستمرار بقائها في منصبها.
وتتوقع الأوساط الاقتصادية أن يقوم الرئيس ترمب بترشيح غاري كوهن، الرئيس السابق لمؤسسة «غولدمان ساكس» ورئيس المجلس الاقتصادي الوطني الحالي بالبيت الأبيض ليشغل المنصب. وقد أشار كوهن في بعض التصريحات في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى أن اللوائح الحاكمة تضر بالاقتراض المصرفي وتضر بالاقتصاد. وقال كوهن إن «أكبر شيء علينا إصلاحه هو أن نجعل النظام المصرفي في الولايات المتحدة يعمل مرة أخرى، فنحن بحاجة إلى رؤوس أموال الشركات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب المشاريع... واليوم البنوك لا تقرض المال لهذه الشركات، ويتم إجبار البنوك على حبس الأموال وعدم تحمل أي مخاطر. ونحن بحاجة إلى إعادة البنوك إلى مجال الإقراض؛ وهذا هو هدفنا رقم واحد».
بينما تشير تصريحات يلين المليئة بعبارات دبلوماسية منتقاة إلى أن كلا من الرئيس ترمب وغاري كوهن مخطئون، وأن الأبحاث تؤكد الفوائد الصافية الكبيرة للنمو الاقتصادي مع ارتفاع معايير رأس المال. ورفضت الحجج أن القواعد المنظمة قد خنقت النشاط المصرفي، وأصرت على أن زيادة رأس المالي المصرفي قد عززت بالفعل من نمو القروض.
وأوضحت يلين أن الخطوات التي تستهدف تحسين المركز المالي للبنوك بدءا من برنامج تقييم رأس المال في عام 2009، قد أدت إلى عودة نمو الاقتراض والربحية بين البنوك الأميركية بسرعة أكبر من نظيراتها العالمية، ولهذا السبب أكدت يلين أن أي تعديلات على الإطار التنظيمي يجب أن تكون متواضعة وتحافظ على زيادة مستويات المرونة بين كبار المتعاملين مع البنوك والإصلاحات التي وضعت في السنوات الأخيرة.
ويري المحللون الاقتصاديون أن يلين التي عينها الرئيس السابق باراك أوباما من الاقتصاديين الأقل تحفظا نسبة إلى بقية الخبراء بالاحتياطي الفيدرالي، وأنها تعمل في سياساتها على التركيز على تحفيز النمو الاقتصادي بشكل أكبر من معالجة معدلات التضخم.
وقال مارك هاميرك، المحلل الاقتصادي بالفيدرالي، إن تصريحات يلين سيكون لها تأثير ضعيف على النقاشات في واشنطن، حيث يدعم الجمهوريون القواعد المصرفية المعروفة باسم «دود فرنك»، وعلى الرغم من قولها فإن أي تعديلات وإصلاحات مالية مستقبلية يجب أن تكون محدودة، إلا أن ذلك لن يغير من توجهات الإدارة الأميركية، ولن يغير من أفكار الجمهوريين داخل الكونغرس.



العراق يعلن استئناف صادرات النفط من جميع الحقول خلال أيام

يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
TT

العراق يعلن استئناف صادرات النفط من جميع الحقول خلال أيام

يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)

نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع) اليوم (السبت)، عن وزارة النفط القول إن صادرات الخام من جميع حقول العراق ستستأنف خلال الأيام القليلة المقبلة.

وأفادت 4 مصادر في قطاع الطاقة بأن العراق استأنف صادرات النفط من الجنوب أمس (الجمعة)، بعد توقف دام أكثر من شهر بسبب اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، وأنه بدأ تحميل النفط على متن ناقلة واحدة.

وأشارت الوزارة إلى أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة النفط، صاحب بزون، وفقاً للوكالة: «تواصلنا مع الناقلات والشركات الكبيرة من أجل التعاقد لتصدير النفط، والباب مفتوح أمام جميع الشركات»، مبيناً أنه «خلال الأيام القليلة، سنعاود تصدير النفط وجميع الحقول جاهزة للتصدير».

وتابع: «سيبقى الاهتمام بالمنافذ الأخرى مستمراً لتعدد صادرات النفط والنفط الأسود، خلال أيام قليلة، لأن الإسراع بعملية التصدير يجذب الاستقرار وأيضاً لحصد واردات للدولة، بالإضافة إلى تدعيم الإنتاج المحلي من المنتجات النفطية وسد حاجة السوق المحلية من الغاز السائل والجاف لإدامة عمل المحطات الكهربائية».

وفي وقت سابق، أعلنت وزارة النقل عن استقبال موانئ البصرة ناقلة عملاقة لتحميل مليوني برميل من النفط العراقي لأول مرة منذ الإعلان عن افتتاح مضيق هرمز.


حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
TT

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)

حذّر مسؤول رفيع في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من أن الحرب الإيرانية تسببت في وضع الاقتصاد الأميركي تحت مجهر الخطر، منذراً بصدمة تضخمية مماثلة لتلك التي أحدثتها جائحة «كوفيد - 19».

وجاء هذا التحذير على لسان محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، الذي يُعرف تقليدياً بأنه أحد أكثر أعضاء اللجنة ميلاً نحو التيسير النقدي، إلا أن الظروف الراهنة دفعت به نحو تبني نبرة أكثر حذراً. فبعد أن كان العضو الوحيد المطالب بخفض الفائدة في اجتماع يناير (كانون الثاني)، يحذر والر الآن من ركود تضخم قد يُبقي الفائدة مرتفعة لنهاية العام.

تحالف النفط والرسوم

أوضح والر في خطاب ألقاه بولاية ألاباما، أن ما يثير القلق هو تلاقي تأثيرين متزامنين؛ ارتفاع أسعار النفط الناجم عن التوترات الجيوسياسية، مضافاً إليه الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ورأى أن هذا «التحالف» يزيد من احتمالية حدوث موجة طويلة الأمد من ضغوط الأسعار القوية في أكبر اقتصاد بالعالم، قائلاً: «أعتقد أن هناك احتمالاً بأن تؤدي هذه السلسلة من صدمات الأسعار إلى زيادة أكثر استدامة في التضخم، تماماً كما رأينا مع سلسلة الصدمات خلال فترة الوباء».

وتسلط هذه التصريحات الضوء على مخاوف عميقة لدى مسؤولي البنوك المركزية من أن الحرب قد تزعزع ثقة الجمهور في قدرة «الفيدرالي» على السيطرة على الأسعار.

ويستحضر هذا المشهد ذكريات عام 2022، حين قفز معدل التضخم الرئيسي لنفقات الاستهلاك الشخصي إلى أكثر من 7 في المائة نتيجة اضطرابات سلاسل التوريد والحوافز الحكومية، وهو لا يزال حتى اليوم فوق مستهدف اثنين في المائة.

أزمة هرمز وسيناريو الركود التضخمي

على صعيد الأرقام المباشرة، لفت والر إلى أن أثر الحرب ظهر جلياً في مؤشر أسعار المستهلك لشهر مارس (آذار)، الذي ارتفع إلى 3.3 في المائة بعد أن كان 2.4 في المائة، مدفوعاً بأسعار الوقود. وحذر من أن استمرار الصراع وتقييد الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى سيناريو «ركود تضخمي معقد»، حيث يجتمع التضخم المرتفع مع ضعف سوق العمل، مما قد يحرم «الفيدرالي» من القدرة على خفض الفائدة من نطاقها الحالي (3.5 - 3.75 في المائة).

وقال والر، الذي كان المرشح المفضل لدى كثير من الاقتصاديين لخلافة جيروم باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي: «كلما طالت فترة ارتفاع أسعار الطاقة، زادت احتمالات انتشار التضخم في مجموعة واسعة من السلع والخدمات، وبدء ظهور تأثيرات على سلاسل التوريد، وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتوظيف. وإذا استمرت الصدمات الواحدة تلو الأخرى، فلن يكون بمقدورنا غض الطرف عن ارتفاع التوقعات التضخمية لدى الأسر والشركات».

هامش المناورة وسوق العمل

وفي تحليل لافت لمرونة السياسة النقدية، أشار والر إلى أن التغيرات الهيكلية في سوق العمل جعلت مستوى خلق الوظائف المطلوب لاستقرار البطالة يقترب من «الصفر». وهذا يعني، حسب رؤيته، أن فقدان بعض الوظائف شهرياً لا يشير بالضرورة إلى ركود اقتصادي، مما يمنح «الفيدرالي» هامشاً للمناورة للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول إذا استدعى التضخم ذلك، دون الخوف من انهيار مفاجئ في سوق العمل.

وأوضح أنه سيتعين عليه الموازنة بين جانبي «التفويض المزدوج» بين استقرار الأسعار والتوظيف الكامل، مشدداً على أنه قد يختار الإبقاء على سعر الفائدة الحالي إذا فاقت مخاطر التضخم التهديدات التي تواجه سوق العمل.

ترقب الأسواق لنتائج المفاوضات

على الرغم من هذه النبرة التحذيرية، شهدت الأسواق انفراجة مؤقتة يوم الجمعة مع انخفاض أسعار النفط، بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران عن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً خلال محادثات وقف إطلاق النار التي تنتهي الثلاثاء. ورغم أن والر كان قد صوّت لصالح خفض الفائدة في يناير (كانون الثاني) الماضي، لدعم المقترضين، فإن الأغلبية وقتها فضلت التثبيت، وهو المسار الذي يبدو أن الأسواق قد سلمت به لما تبقى من هذا العام في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.


الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)
إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)
TT

الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)
إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)

في وقت وضعت فيه أزمة إغلاق مضيق هرمز أمن الطاقة والغذاء العالمي على «حافة الهاوية»، برزت السعودية قوة استقرار استثنائية، محوّلةً سواحلها الغربية إلى شريان حياة لم يكتفِ بتحصين السوق المحلية فحسب؛ بل امتد ليعوّض النقص السلعي في دول الجوار.

وبفضل استراتيجية استباقية رفعت نسب الاكتفاء الذاتي لمنتجات غذائية حيوية إلى ما فوق الـ100 في المائة، نجحت المملكة في تطويق تداعيات الأزمة الجيوسياسية بـ«أذرع لوجيستية» كفؤة ومحتوى محلي صلب؛ ليعيد المشهد الحالي تعريف الأمن الغذائي السعودي؛ لا بوصفه منجزاً إحصائياً فحسب، بل بوصفه ركيزة سيادية صلبة أثبتت قدرتها على امتصاص الصدمات العالمية وإدارة تدفقات السلع بسلاسة وسط أمواج الأزمات المتلاطمة.

وهو ما تجسد واقعياً في البيانات الرسمية، حيث أظهرت نتائج إحصاءات الأمن الغذائي، التي أصدرتها الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024، ارتفاعاً قياسياً في نسب الاكتفاء الذاتي لعددٍ من المنتجات الغذائية النباتية والحيوانية مقارنة بعام 2023، بل إنّ البعض منها حقق نسباً أعلى من 100 في المائة.

هذا المنجز الرقمي جاء مدفوعاً باستثمارات مستمرة في القطاع الزراعي، وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، وتنويع مصادر الاستيراد، التي أسهمت في تحصين السوق الداخلية من التقلبات الحادة، ما مكّنها من امتصاص صدمات الأزمة والحفاظ على توازن الأسعار وتوفر السلع، في مشهد يعكس تحول الأمن الغذائي من خيار تنموي إلى ركيزة سيادية في مواجهة الأزمات العالمية.

حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)

استغلال الموانئ

وفي هذا السياق اللوجيستي، تبرز أهمية كفاءة الموانئ السعودية بوصفها ذراعاً تنفيذية لهذه السيادة؛ حيث أوضح عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة تتميز بالموقع الاستراتيجي وسواحلها الممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي، وبالتالي فإن موانئها متعددة وذات كفاءة عالية، مدعومة بخدمات لوجيستية متكاملة تعزز تدفقات السلع والبضائع.

وأوضح أن المملكة لم تجد مشكلة في توفير احتياجاتها أو تصدير منتجاتها بعد إغلاق مضيق هرمز، حيث نجحت في استغلال موانئها على البحر الأحمر بوصف ذلك بديلاً فاعلاً، ما أسهم في استدامة تدفق البضائع والسلع بسلاسة ودون انقطاع، ما انعكس إيجاباً على الأسواق التي لم تشهد نقصاً في المعروض ولا تضخماً في الأسعار، ورسّخ ثقة المستفيدين في فاعلية التدابير الحكومية المتخذة لتطويق آثار الصراعات الجيوسياسية وحماية الاقتصاد الوطني.

جهود الحكومة إقليمياً

ولفت البوعينين إلى أبعاد إقليمية أعمق، موضحاً أن جهود المملكة تجاوزت حماية أسواقها المحلية وضمان توافر السلع فيها، بل أسهمت في تعويض النقص السلعي في دول الخليج التي توقفت وارداتها بسبب إغلاق المضيق. وكان ذلك من خلال موانئها على البحر الأحمر، وتوفيرها مساحات تخزينية وتفعيل اتفاقيات المرور السريع واستخدام موانئ المملكة على الخليج العربي بوصفها رابطة بين دول الخليج لإيصال السلع والبضائع، إلى جانب النقل البري عن طريق الشاحنات.

«هي جهود عظيمة، تجاوزت حدود المملكة لتصل إلى جميع دول الخليج، في بادرة تعاون وتكامل معززة للعلاقات الخليجية، وتؤكد في الوقت عينه أهمية مجلس التعاون الخليجي وتعزيز دوره في تحقيق التكامل بين الدول الأعضاء»، وفق البوعينين.

المحتوى المحلي

شرح عضو مجلس الشورى أنه «من خلال تعزيز المحتوى المحلي، حققت المملكة جانباً مهماً من الاكتفاء الذاتي، خصوصاً في المنتجات الزراعية، التي تشكل جزءاً مهماً من الأمن الغذائي، إضافةً إلى بعض السلع الأخرى، ومنها القطع الصناعية المرتبطة بقطاع النفط، حيث أسهم توفرها محلياً في سرعة تعافي المنشآت النفطية التي تعرضت للهجمات الإيرانية السافرة».

مزرعة لإنتاج الدواجن في السعودية (واس)

وشدد البوعينين على أن استدامة المعروض المحلي كانت حجر الزاوية في كبح جماح التضخم وضمان استقرار الأسعار، مبيناً أن بناء المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية لم يكن مجرد إجراء وقائي؛ بل أداة تحوط فعالة مكنت الدولة من امتصاص الصدمات الطارئة وتأمين احتياجات الأسواق دون اهتزازات.

واستطرد قائلاً: «من المهم الإشارة إلى أن توفر السلع المستوردة لا يعني بالضرورة ثبات أسعارها، مع تغير التكاليف، خصوصاً تكاليف الشحن التي ارتفعت بشكل كبير، تحديداً في القطاع الجوي، ما انعكس على أسعار السلع في الأسواق بسبب هذه التكاليف وليس الندرة».

الموقع الاستراتيجي

وأشار إلى أهمية المخزون الاستراتيجي الذي يسهم في ضبط الأسعار بسبب شرائه وتخزينه في أوضاع مستقرة وأسعار متدنية، و«هنا أيضاً يبرز دور وزارة التجارة وآلية تسعير المخزون بالأسعار المعقولة بعيداً عن استغلال التجار للأزمة لتحقيق مكاسب أكبر».

وتطرق إلى كفاءة منظومة النقل والخدمات اللوجيستية في السعودية التي تعمل على استثمار موقعها الاستراتيجي لتحقيق المنفعة الكلية، وتحويله إلى فرص استثمارية تحقق العوائد وتسهم في تحقيق الأمن الوطني بمفهومه الشامل، بما فيه الأمن الغذائي والدوائي والسلعي؛ إن كان من مصادره المحلية، أو عن طريق الاستيراد من الخارج الذي لم يتوقف من خلال موانئ غرب المملكة.

مزرعة موز في منطقة جازان (واس)

استقرار الأسعار

من جانبه، أوضح المستشار وأستاذ القانون التجاري، الدكتور أسامة بن غانم العبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة حققت مستويات مرتفعة في نسب الاكتفاء الذاتي لعدد من المنتجات الغذائية في إطار جهودها لتعزيز الاستدامة الغذائية وتنمية القطاع الزراعي والحيواني، علماً بأن تلك النسب من الاكتفاء الذاتي تجاوزت 100 في المائة في عدد من المنتجات، مما يعكس كفاءة الإنتاج المحلي وقدرته على تلبية الطلب الداخلي والخارجي.

وأشار العبيدي إلى أن هذه الجهود أسهمت في استدامة توافر السلع والمنتجات الغذائية واستقرار أسعارها خلال أزمة مضيق هرمز وإغلاقه، والتي أدت إلى تعطل شحنات المواد والمنتجات الغذائية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما تسبّب في زيادة كبيرة في أسعار الغذاء العالمية؛ وبشكل خاص القمح والأرز.

مجموعة أبقار في إحدى المزارع بمنطقة جازان (واس)

سلاسل الإمداد

يرى العبيدي أن حدة الأزمة ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد العالمية، مسببةً اختناقات حادة في تدفق السلع والأسمدة الحيوية نتيجة تراجع حركة الملاحة عبر المضيق. إلا أنه أكد أن موانئ المملكة الغربية، وفي مقدمتها ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع، تحولت إلى منصات لوجيستية محورية لمواجهة هذا الانقطاع؛ حيث لم تكتفِ بتأمين احتياجات السوق المحلية فحسب، بل تحولت إلى شريان إمداد حيوي للدول المجاورة، ما ضمن استمرارية تدفق الشحنات الأساسية لعموم المنطقة

المنتجات الغذائية والحيوانية

كانت الهيئة العامة للإحصاء كشفت عن بلوغ نسبة الاكتفاء الذاتي من الروبيان 149 في المائة، ومن منتجات الألبان 131 في المائة، وبيض المائدة 103 في المائة.

كما بيّنت نتائج الهيئة لعام 2024، أن نسب الاكتفاء الذاتي من الخضراوات بلغت مستويات مرتفعة؛ إذ حقق الباذنجان 105 في المائة، والبامية 102 في المائة، والخيار 101 في المائة، والكوسا 100 في المائة. فيما سجلت التمور أعلى نسبة اكتفاء ذاتي بين الفواكه بواقع 121 في المائة، يليها التين 99 في المائة من الاكتفاء الذاتي.

الثروة الحيوانية

على صعيد الثروة الحيوانية، تظهر البيانات الرسمية لوزارة البيئة والمياه والزراعة طفرة ملموسة في مستويات الاكتفاء الذاتي، وفق بياناتها العام الماضي، حيث نجحت المملكة في تأمين 61 في المائة من احتياجاتها من اللحوم الحمراء محلياً، بإنتاج تجاوز 270 ألف طن. هذا الاستقرار الإنتاجي خلق تنوعاً إنتاجياً عزز من مرونة السوق المحلية وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد، خصوصاً في المواسم الذروية.

وفي قطاع الدواجن، الذي يمثل ركيزة أساسية في سلة الغذاء الرمضانية، كشفت بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة عن تحقيق قفزة في الاكتفاء الذاتي بنسبة وصلت إلى 72 في المائة، بإنتاج محلي تجاوز المليون طن. ولم تقتصر هذه الوفرة على تلبية الطلب المحلي المتزايد فحسب؛ بل مكنت المملكة من تحقيق فائض يدعم قدرات التصدير، مع تعزيز الرقابة الميدانية لضمان استقرار الأسواق وحماية سلاسل الإمداد من أي تقلبات خارجية؛ وهو ما يرسخ مكانة المملكة بوصفها لاعباً دولياً يسهم بفاعلية في تحقيق الأمن الغذائي المستدام، مدعومة باستراتيجية توسع خارجي كبرى تشمل الاستثمار في كبريات شركات الإنتاج العالمية؛ مثل «بي آر إف» البرازيلية و«إم إتش بي» الأوكرانية، لضمان استمرارية الإمدادات من قلب المنشأ.