دينس جونسون ـ ديفيز {عبد الودود} الذي أوصل محفوظ للعالم

أصبح مرجعية عالمية في الأدب العربي

دينس جونسون ديفيز
دينس جونسون ديفيز
TT

دينس جونسون ـ ديفيز {عبد الودود} الذي أوصل محفوظ للعالم

دينس جونسون ديفيز
دينس جونسون ديفيز

كما لو أنه سِيزيف يحملُ صخرة اللغة العربية على ظهره وحيداً 70 عاماً، ويصعد بها مرةً بعد مرة إلى مصاف العالمية، محكوماً أبدياً بعشقها، فتورق في حدائق لغة شكسبير، لكنه لم يخدع إله الموت كما في الأسطورة الإغريقية، فحنت عليه أرض مصر وضمته إلى قلبها عن 94 عاماً. إنه عبد الودود، أو دينس جونسون - ديفيز (1922 - 2017)، شهبندر المترجمين من العربية إلى الإنجليزية، وكبيرهم الذي فقده العرب والعالم، والذي وصفه إدوارد سعيد بأنه «أهم مترجمي العربية إلى الإنجليزية في هذا الزمان». اعتبره الكثيرون الجندي المجهول الذي كان وراء وصول نجيب محفوظ العالمية، وفوزه بيتيمة العرب - حتى اليوم - جائزة نوبل للآداب (1988). من دونه، لم يك لأحد في الغرب، ربما باستثناء دائرة ضيقة للغاية من المتخصصين، أن يسمع - ناهيك بأن يقرأ - بأدباء العرب في عصر الحداثة: يوسف إدريس، ومحمود تيمور، والطيب صالح، ويحيى طاهر، وتوفيق الحكيم، وصنع الله إبراهيم، ومحمود درويش.
قبل عقود قليلة، كان الأدب العربي في المخيال الغربي ليس أكثر من ترجمات القرآن الكريم، ومجلدات «ألف ليلة وليلة»، «فمن بين كل النتاجات العالمية، يبقى وحده الأدب العربي شبه مجهول للغرب، وغير مقروء عنده، في حين أنه يعيش مرحلة تحول نوعي مثيرة للاهتمام»، على حد تعبير إدوارد سعيد. وبالفعل، فإن الأدب العربي الحديث منذ أربعينات القرن الماضي كان يشهد ثورة غير مسبوقة، سواء في الأشكال المستحدثة، كالقصة القصيرة والرواية والمسرحية، أو في الشعر، ديوان العرب ودرة آدابهم. لكن الغرب كان وكأنه أصيب بالصمم، فصرف النظر وأدار ظهره إلى هذه الشعوب المتخلفة اجتماعياً واقتصادياً، المشغولة بالحروب والانقلابات، التي ليس بمقدورها إنتاج أدب يُقرأ عالمياً.
تغيّرت الأمور بشكل ملموس في وقتنا الرّاهن، فهناك الآن مجلات متخصصة بالأدب العربي في لغات العالم الحيّة، وما زالت أعمال محفوظ ودرويش وصالح مطبوعة متداولة في المكتبات الغربية، كما تُمنح جوائز عدة عالمية للرواية العربية، وهناك اهتمام ملحوظ بترجمة الأصوات الأدبية الجديدة، من جيل ما يسمى بالربيع العربي، خصوصاً المهجرين منهم إلى الغرب، وكذلك التجارب النسوية، دون تدقيق أحياناً بقيمتها الأدبية الفعلية.
تحول كهذا حصل دون شك نتيجة تضافر عوامل عدّة، لكن إذا كان ثمة رجل يمكن أن يُنسب إليه معظم الفضل في تقديم الأدب العربي الحديث إلى العالم من نافذته الإنجليزية، فلن يكون سوى جونسون - ديفيز، الذي كان وحيداً دون كلل ولا ملل طوال 7 عقود، وبعوائد رمزية لا تكاد تكفي لتسديد ثمن الحبر والورق الذي أنفق على الترجمة، نقل إلى لغة شكسبير أكثر من 50 عملاً روائياً عربياً، بالإضافة إلى عدة مجموعات من القصص المختارة ودواوين الشعر والمسرحيات، لأهم رواد الأدب العربي الحديث من مصر والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها.
كانت الترجمة من العربية بالنسبة لعبد الودود - كما كان يحب الرجل أن يُكنى - أشبه بحالة إدمان جميل لا شفاء منها. فالترجمة، ومن العربية بالذات، لم تكن نشاطاً اقتصادياً مربحاً يكفي ليقيم المرء أوده. وهكذا، تنقل الراحل بين العواصم في وظائف مختلفة على هامش بقايا نفوذ الإمبراطورية البريطانية المائل إلى الغروب، بداية من القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، ثم محامياً لدى المحاكم البريطانية، قبل أن يعود إلى الشرق مرة أخرى مديراً لإذاعة محلية أطلقها البريطانيون في الإمارات المتصالحة، وبعدها تولى منصب السكرتير الأول للبعثة البريطانية لدى إمارة دبي، قبل أن يكون جزءاً من عملية التفاوض مع الحكام المحليين، التي انتهت بداية السبعينات بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ولاحقاً مستشاراً لشركات الإنشاءات الغربية التي كانت تطمع بمدّ نشاطاتها إلى دول الخليج، قبل استقراره أخيراً في القاهرة مستشاراً لدائرة الأدب المقارن بالجامعة الأميركية، لكنه استمر في الترجمة عبر تلك الأيام كلها، فأصدر ما معدله كتاباً واحداً على الأقل كل عام، فكأن تلك الوظائف المختلفة التي تنقل بينها مجرد عمل للكسب المادي يسمح له بقضاء بقية الوقت مع حبيبته الأثيرة: اللغة العربية.
وقد صدرت أولى ترجماته عام 1947، وكانت مجموعة قصص قصيرة لمحمود تيمور. وحاول أن يثير حماسة الناشرين البريطانيين الكبار لترجمات الأدب العربي، فنشرت له مطبعة جامعة أكسفورد عام 1968 أنطولوجيا لقصص عربية قصيرة، ضمت أعمالاً ليوسف إدريس وزكريا تامر والطيب صالح ونجيب محفوظ، ثم أصدر أعمال الأديب السوداني الطيب صالح ضمن سلسلة الأدب الأفريقي، عن دار هاينمان، قبل أن يقنع الأخيرة بإطلاق سلسلة من ترجمات الأعمال العربية، معظم عناوينها من نتاجه، إضافة إلى مجموعات متلاحقة لنماذج أدب القصة القصيرة والرواية في العالم العربي. لكن أهم مجموعة أدبية متكاملة ضمن هذا المشروع الفكري الضخم كانت أعمال صديقه الحميم الأديب المصري نجيب محفوظ. عبد الودود آمن مبكراً بالموهبة الأدبية لذلك الموظف المصري التقليدي، في وقت كانت قلة فقط من المصريين قد سمعت به أصلاً. وفعلاً، قادت تلك الترجمات إلى تعريف العالم بأدب محفوظ، ومن ثم حصوله على نوبل للآداب، قبل أن يترجِم جل أعماله بداية التسعينات، بعد أن أصبح اسم محفوظ متداولاً بين القراء في أرجاء المسكونة.
ولد عبد الودود في كولومبيا البريطانية بكندا، ثم تنقل مع والديه البريطانيين عبر شرق أفريقيا، بين القاهرة ووادي حلفا (شمال السودان) وأوغندا وكينيا، قبل إصابته بالديسنطاريا وهو في الثانية عشرة من عمره، ليُرسل لتلقى العلاج والنقاهة والتعليم في إنجلترا. وقد كتب في مذكراته، التي نشرتها مطبعة الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2006، بعنوان «حياة بين سطور الأدب العربي الحديث» (قدّم لها نجيب محفوظ)، أنه التقط أولى كلماته العربية بينما كان يلعب مع رفاقه السودانيين في شوارع وادي حلفا المغبّرة، فبقيت موسيقاها مطبوعة في ذهنه، على الرغم من أنه نسي معظمها عند عودته إلى المملكة المتحدة. في المدرسة، قضى أوقاتاً بائسة قبل أن يؤهله امتحان دخولٍ لدراسة اللغة العربية بجامعة كامبردج المرموقة، حيث كانت تُدرّس ذلك الحين كما لو كانت لغة كلاسيكية ميتة، مثل اللاتينيّة أو العبرية. عمله في هيئة الإذاعة البريطانيّة (القسم العربي) قدّم له صورة مغايرة عن لغة الضاد: كانت لغة حيّة نابضة تؤثر على الملايين، وتوحد بينهم في منطقة أكبر من أوروبا كلها، وهنالك تنشّق أولى جرعات إدمانه المؤبد من أفيون الترجمة.
أصبح عبد الودود مرجعية عالمية في الأدب العربي بحكم الواقع، ومُنح 2007 جائزة الشيخ زايد للكتاب، كشخصية العالم الثقافيّة لذلك العام، وعينته بيوتات نشر مستشاراً لها لشؤون الآداب العربية.
وطوال معظم عمره المديد كان جونسون - ديفيز أقرب ما يكون للبوذية بأفكاره الدينية، لكنه انتهى إلى اعتناق الإسلام عندما عاش في القاهرة، وترجم حينها 3 مجلدات من الأحاديث النبوية الشريفة.
ترك شهبندر المترجمين بصمته على حرفة الترجمة عالمياً، مُحكماً قبضته على نصوصه الأجنبية التي لم تُفلِت منه يوماً، كما يحدث مع الكثيرين. لم يُماثله أحد في عشقه لتلك الحرفة المشكوك دوماً بخيانة القائمين عليها؛ خرج من سياجات اللغة الأكاديمية ليشتغل بجد على لغة الإعلام، وسكن إلى عواصم العرب في المشرق وحوض النيل والخليج والمغرب، وشهد تحولات أزمنتهم. وكان قبل أن يترجم لأحدهم يعايش أجواءه، ومصادر عوالم نصوصه، ويقترب من «حرافيشه»، ويستقي شيئاً من روحه، قبل أن يسكبَ النص في كأس لغته الإنجليزية الأم. كانت تلك المهمة الإبداعية تستهلكه مادياً وعاطفياً، فالترجمة عنده نقل مناخ ثقافي كامل للنصوص، لا مجرد ترجمة للكلمات المطبوعة. وقد كتب في مذكراته أنه كان يقرر هجران حبيبته اللغة بعد كل عمل لشدة إرهاقه، ولكنه كما عاشق لا يتوب، ما يلبث أن يعود سريعاً ويغرق في حضن عمل آخر.
ما أجملكم يا صبيان وادي حلفا الأشقياء الذين أوقعوا هذا الرجل في عشق العربية، فأفنى عمره مرتحلاً في أروقتها، مُشرعاً لها نافذة بين آداب العالم، قبل أن تضُمَّه رمال صحراء القاهرة، وتعتز به العربيّة: أمة ولغة وحضارة.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».