سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

تحية عبد الناصر تردها إلى أصولها في التراث العربي واختلاطها بأجناس أخرى

طه حسين
طه حسين
TT

سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

طه حسين
طه حسين

طه حسين، لطيفة الزيات، إدوارد سعيد، آسيا جبار، صنع الله إبراهيم، محمود درويش، عالية ممدوح، مريد البرغوثي، نجلاء سعيد، رضوى عاشور، منى برنس... أدباء وأديبات من مصر والجزائر وفلسطين والعراق كتبوا جميعاً سيَرهم الذاتية على نحو يراوح بين التسجيل الوثائقي والثوب القصصي. وهم في ذلك امتداد لأعمال من الماضي القريب ومن التراث العربي سجلت، عبر القرون، خبرات مؤلفيها والتحامهم بعصرهم وعلاقاتهم برجاله ونسائه.

الأدباء المذكورون أعلاه موضوع كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه «السيرة الذاتية الأدبية والنضال القومي العربي» من تأليف الدكتورة تحية عبد الناصر، حفيدة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأستاذ مساعد الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة، ومؤلفة كتاب «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية» الذي استعرضناه في هذه الصفحة في 6 فبراير(شباط) 2023.

مريد البرغوثي

ترد المؤلفة فن السيرة الذاتية إلى أصوله في التراث العربي واختلاطه بأجناس أدبية أخرى كالسير وكتب الرحلات وكتب الدين والأخبار والسجلات ومعاجم الأدباء (ترد هنا على الذاكرة أسماء الغزالي، وأسامة بن منقذ، وابن جبير، والمقدسي، وغيرهم). ويغطي كتابها الفترة ما بين النصف الثاني من القرن العشرين والألفية الجديدة في 3 لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية. ومسارح السير التي تعالجها متعددة: قرى الريف، وصحن الأزهر، والسجن، والجبال التي كان يعتصم بها ثوار الجزائر، وشقة في فلسطين، وشقة محاصرة في بيروت، والقاهرة في عهد الاحتلال البريطاني، ونيويورك، وغرفة مستشفى، وميدان.

أشهر هذه السير الذاتية بلا جدال كتاب «الأيام» بأجزائه الثلاثة للدكتور طه حسين (1889 - 1973) وهو، كما يقول بيير كاكيا، أول كتاب في الأدب العربي الحديث يكتسب اعترافاً دولياً، ويترجم إلى لغات عدة. ونشر الكتاب أولاً مسلسلاً على صفحات مجلة «الهلال»، وفيه يتحدث المؤلف عن نفسه بضمير الغائب. في الجزء الأول نشهد طرفاً من طفولة الصبي الكفيف في صعيد مصر واختلافه إلى كُتّاب القرية وإرساله إلى القاهرة كي يتلقى تعليمه في الأزهر. وفي الجزء الثاني نرى سنوات دراسته في الأزهر وشعوره الحاد بالعزلة وهو يعيش في القاهرة. أما الجزء الثالث (وقد نُشر قبل رحيل المؤلف في أكتوبر 1973 بستة أشهر) فيسجل ارتباطه بالجامعة المصرية وانفتاحه على ثقافة الغرب حين سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا ليعد رسالته للدكتوراه في جامعة السوربون ثم يعود إلى مصر أستاذاً للتاريخ القديم، ويثير عواصف في الحياة العقلية بأفكاره ومحاضراته وكتبه مثل «في الشعر الجاهلي» و«مستقبل الثقافة في مصر» وغيرهما.

لطيفة الزيات

ويتكامل ما تقوله تحية عبد الناصر هنا مع كتابات سابقة عن طه حسين، منها الكتاب الرائد (1956) لبيير كاكيا عن الأستاذ العميد وموقعه من النهضة الأدبية المصرية، وكتاب سوزان طه حسين «معك»، وكتاب «العمى والسيرة الذاتية» (1988) للباحثة فدوى ملطى – دوجلاس. وتجتمع هذه الكتابات على رسم صورة متكاملة للفتى النابغ الضرير الذي كان، على حد تعبير لويس عوض، «إمام الثائرين والراشدين معاً».

وتتحدث تحية عبد الناصر عن كتاب «حملة تفتيش: أوراق شخصية» (1992) للروائية وأستاذة الأدب الإنجليزي الدكتورة لطيفة الزيات (1923 - 1996). يسجل القسم الأول من الكتاب ذكريات الزيات مناضلة ضد الاحتلال البريطاني في أربعينات القرن الماضي (وقد سُجنت آنذاك في الإسكندرية عام 1949) ومشاركتها في الحركة الطلابية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) عام 1942. أما القسم الثاني فيسجل تجربة سجنها في سجن القناطر عام 1981. ومن الأحداث الأخرى التي يسجلها الكتاب زواجها ثم طلاقها من الدكتور رشاد رشدي الناقد الأدبي والكاتب المسرحي وأستاذ الأدب الإنجليزي، وحرب 1973 مع إسرائيل، ووفاة طه حسين.

ولا نكران لأهمية الدور الذي لعبته لطيفة الزيات في الحياة العامة والجامعية والأدبية، فقد كانت روايتها «الباب المفتوح» (1960) من أهم نماذج أدب المرأة الجديدة الطامحة إلى المشاركة في الحياة العامة والنضال القومي، والخروج من نطاق الاهتمامات النسائية التقليدية. وكانت كتاباتها النقدية بالإنجليزية والعربية (ومنها كتاب جيد عن نجيب محفوظ) ومحاضراتها في الجامعة مؤثراً قوياً في عدد من الكتاب والكاتبات مثل الدكتورة رضوى عاشور الروائية والأستاذة الجامعية أبرز السائرات على دربها. ولكن من المبالغة الغليظة والإسراف أن نقول، كما يقول الدكتور صبري حافظ في الجزء الثاني من كتابه «سرادقات من ورق»، إن كتاب «أوراق شخصية»: «إضافة جديدة لا لعالم لطيفة الزيات وحده وإنما لجنس السيرة الذاتية في الأدب العربي كله لأنه كتاب يغير مفهوم هذا الجنس الأدبي ويبدل بنيته حتى تتواءم مع تاريخ المرأة وتجربتها في عالمنا العربي، وهي تجربة تعاني من التمزق والتفتت وغياب الاستمرارية السببية أو المنطقية».

رواية «حبات النفتالين» (1986) للروائية العراقية عالية ممدوح من الأعمال التي تفردها تحية عبد الناصر بالذكر، وقد ترجمت إلى لغات غربية عدة. وكانت الروائية قد غادرت العراق في 1982 وعاشت متنقلة بين المغرب ولبنان وإنجلترا قبل أن يستقر بها المقام في باريس، و«حبات النفتالين» رواية عن بغداد، بطلتها شابة تدعى هدى، أبوها مأمور سجن في كربلاء، وأمها سورية تعاني من ذات الصدر. وزمن الأحداث هو أربعينات القرن الماضي وخمسيناته في حي الأدهمية ببغداد. إنها رواية أوتوبيوغرافية من نوع روايات تكوين الشخصية وتتبع نموها، فهدى تسجل انطباعاتها عن أسرتها وعن الحياة في مدينتها في منتصف القرن العشرين. والرواية في الوقت ذاته، كما تقول الدكتورة فريال غزول، رواية عن حالة العراق عشية ثورة 1958 التي كانت ثورة على النظام الملكي وعلى سيطرة بريطانيا على مقدرات الوطن. والرواية من هذه الناحية تشبه رواية لطيفة الزيات «الباب المفتوح»، ورواية آسيا جبار «أبناء العالم الجديد»، إذ تشترك الروايات الثلاث في تصوير عالم المرأة في غمرة نضال قومي.

وتتحدث تحية عبد الناصر عن الروائي المصري صنع الله إبراهيم (1937- ) في روايتيه « تلك الرائحة» (1966) و«التلصص» (2007). و«تلك الرائحة» رواية قصيرة (نوفيلا) شبه أوتوبيوغرافية تستخدم تيار الشعور الذي أشاعه الروائي الآيرلندي جيمس جويس. أما «التلصص» فهي رواية عن طفولة المؤلف، تروي قصة صبي وأبيه المسمى خليل بك، وهو ضابط جيش متقاعد. وتستمد الرواية عنوانها من كون الصبي يتلصص على الكبار من حوله مسترقاً السمع أو مختلساً النظر إليهم. إنه يصحب أباه في زيارات للأقارب وإلى المقهى وإلى دكان البقالة. على أن عقل الصغير لا يستطيع أن يفهم كثيراً من الأمور: كيف كانت العلاقة بين أبويه، لماذا أصيبت الأم بانهيار عصبي... إلخ.

هذه إطلالة على عالم الكبار تذكرني (وهذا اجتهاد من جانبي) برواية الروائي أميركي المولد، بريطاني الجنسية هنري جيمس «ما كانت تعرفه ميزي». وبطلتها فتاة صغيرة تكتشف، مثل بطل «التلصص»، تعقيدات العلاقات بين الراشدين من رجال ونساء (لرواية جيمس ترجمة عربية للدكتور نظمي لوقا).

وتحت عنوان «أغنية فلسطين» تكتب تحية عبد الناصر عن الشاعر محمود درويش (1942 - 2008) والشاعر مريد البرغوثي (1944-2021) الأول في كتابه «ذاكرة للنسيان» (1986)، والثاني في كتابيه «رأيت رام الله» (1996) و«ولدت هناك، ولدت هنا» (2009). (أول وثاني هذه الأعمال مترجم إلى الإنجليزية).

أغلق درويش بابه على نفسه في شقته بمدينة باريس لمدة 3 أشهر كي يؤلف كتابه عن بيروت في أغسطس (آب) 1982 وهو تاريخ غزو إسرائيل للعاصمة اللبنانية. كتاب درويش يفتتح درباً جديداً للسيرة الذاتية العربية، إذ هو إطلالة على المشهد التاريخي والسياسي والثقافي، ومزج بين الشعر والسيرة الذاتية. وقد ظهر باللغة العربية تحت عنوان «الزمان: بيروت/ المكان: أغسطس». ويعالج آليات الذاكرة ومفارقات الحلم ولواعج الرغبة.

وفي إلماعة تعكس مقولة ت. س. إليوت «أبريل أقسى الشهور» يكتب درويش: «أغسطس أطول الشهور» كما يردد - إذ يواجه الموت - سؤال هملت «نكون أو لا نكون» وقد حول السؤال من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع.

وفي كتاب «رأيت رام الله» (نقلته الروائية الدكتورة أهداف سويف إلى الإنجليزية) يسجل مريد البرغوثي زيارته لقريته في فلسطين لمدة اثني عشر يوماً بعد غياب ثلاثين عاماً في المنفى. لقد بدأت غربته بعد حرب 1967 وها هو ذا الآن يعود إلى رام الله في 1996. وكتابه مزيج من المذكرات والشذرات الشعرية والحكايات وأدب الرحلات.

لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات. وساهم في هذا الفن (إذا اقتصرنا على مصر وحدها) ساسة ورجال دولة، منهم الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري في عهد جمال عبد الناصر، وعلماء منهم الدكتور رشدي سعيد أستاذ الجيولوجيا، وأساتذة جامعيون من مختلف التخصصات: «أوراق العمر» لأستاذ الأدب الإنجليزي لويس عوض، و«سيرة حياتي» لأستاذ الفلسفة عبد الرحمن بدوي، و«معي» لأستاذ الأدب العربي شوقي ضيف، و«الليالي» لطه وادي (أستاذ آخر للأدب العربي أصغر سناً من ضيف)، و«مشيناها خطى» لأستاذ التاريخ رءوف عباس، و«واحات العمر» (وما تلاها) لمحمد عناني (أستاذ آخر للأدب الإنجليزي أصغر سناً من عوض) والقائمة تطول. فلعل واحداً من شباب الباحثين الذين يعملون تحت إشراف المؤلفة في الحقل الجامعي يصرف همه إلى دراسة هؤلاء الكتاب سائراً على الدرب الذي شقته، بكفاءة واقتدار، تحية عبد الناصر في هذا الكتاب. شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».