كيف تعيد «الذاكرة الموحدة» صياغة الحوسبة والذكاء الاصطناعي؟

تعرّف على الحل الجذري الذي يرفع أداء أجهزة المستقبل

معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث
معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث
TT

كيف تعيد «الذاكرة الموحدة» صياغة الحوسبة والذكاء الاصطناعي؟

معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث
معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث

هل فكرت يوماً لماذا تشتري ذاكرة RAM لجهازك وذاكرة VRAM منفصلة لبطاقة الرسومات، في حين تظل سعة كل منهما حبيسة مهام معينة؟ أصبحت ذاكرة الكمبيوتر في الآونة الأخيرة ذات تكلفة مرتفعة جداً بسبب الطفرة الكبيرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وحاجته الماسة إلى كل غيغابايت منها. وهذا الارتفاع بالأسعار قد يجعل المستخدم مضطراً إلى دفع مبالغ طائلة لشراء ذاكرة وصول عشوائي RAM كافية للألعاب أو تحرير عروض الفيديو أو تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، ويجد نفسه أيضاً مجبراً على شراء بطاقات رسومات ذات ذاكرة فيديو ضخمة وكافية للقيام بالمهام ذاتها.

ويعني هذا الأمر أن المستخدم يشتري الذاكرة مرتين ولا يشعر بالاستفادة القصوى منها؛ لأن المعالج المركزي وبطاقة الرسومات يتصرفان بأنانية، حيث يحفظ كل منهما مخزونه الخاص من الذاكرة بشكل منفصل تماماً. ومن هنا، تبرز فكرة عملية: ماذا لو كان بإمكانهما مشاركة الذاكرة معاً؟ في الواقع، هذا الأمر ممكن تماماً ويُعرف باسم الذاكرة الموحدة Unified Memory ويتم استخدامها في بعض المعالجات. ما هي هذه الفئة من الذاكرة، وكيف تعمل وهل سيكون مستقبل الحوسبة الشخصية مبنياً عليها؟

معالج "إنفيديا آر تي إكس سبارك" المقبل

لماذا «تتنافر» الذاكرات التقليدية؟

تقليدياً، يعتمد المعالج المركزي وبطاقة الرسومات على أنواع مختلفة تماماً من الذاكرة بسبب اختلاف طبيعة عملهما:

- المعالج المركزي: يُنفّذ أوامر للأغراض العامة خطوة بخطوة، ولا يمكنه الانتقال إلى الخطوة التالية حتى يحصل على البيانات المطلوبة. ولذلك؛ يعتمد المعالج على ذاكرة من نوع DDR لخفض المدة بين طلب البيانات واستعادتها، وهو ما يُعرف بمدة التأخر Latency.

- بطاقة الرسومات: تُركّز بالكامل على المعالجة المتوازية، حيث تعالج كتلاً ضخمة من البيانات لأداء آلاف العمليات المتشابهة في الوقت نفسه. ولذلك؛ فإن الاهتمام الرئيسي لها ليس مدة التأخر، بل عرض النطاق الترددي Bandwidth، وهو مقياس لكمية البيانات التي يمكن نقلها دفعة واحدة.

ويجعل هذا الاختلاف الجوهري عمليات نقل البيانات بين الذاكرتين صعبة للغاية ومكلفة برمجياً ومادياً. وقد يصل عرض النطاق الترددي لذاكرة الفيديو إلى 1.8 تيرابايت في الثانية، مع تقديم عرض نطاق ترددي مرتفع لذاكرة المعالج أيضاً، ولكن حلقة الوصل بينهما (PCIe من الجيل الخامس) لا تتجاوز 64 غيغابايت في الثانية، أي أنه يصعب مشاركة البيانات بالسرعة المطلوبة لعمل بطاقة الرسومات. ويمكن تشبيه الأمر بمدينتين كبيرتين لكل منهما طرقها الداخلية فائقة السرعة، ولكن حركة المرور التي تربط بينهما تمر عبر جسر واحد ضيق ومزدحم؛ ما يتسبب ببطء عملية النقل بين المدينتين وحدوث ازدحام خانق.

معالج "إيه إم دي ستريكس هالو" المقبل

من الأجهزة المدمجة إلى أجهزة الألعاب

الذاكرة الموحدة ليست فكرة وليدة اليوم، حيث قدمت شركة «إنتل» وحدات رسومات مدمجة مع المعالج منذ عقود، ولكنها لم تكن تعمل بالسرعة المطلوبة؛ لأن المهندسين لم يجدوا حينها طريقة فعالة لمشاركة الذاكرة بين وحدتي معالجة تمتلكان أنماط وصول مختلفة تماماً للبيانات. وكان الازدحام دائماً يكمن في طريقة النقل؛ فحتى لو أُلغيت المسافة المادية لممر PCIe، تظل البيانات في حاجة إلى الانتقال وتعتمد الكمية المنقولة على عرض الوسط الناقل Bus Width أو عدد المسارات على الطريق السريع للبيانات.

وتم التعامل تاريخياً مع هذه المشكلة وفقاً لحالة الاستخدام:

- في الحوسبة العامة: استخدمت «إنتل» و«إيه إم دي» معالجات الرسومات المدمجة iGPUs على شريحة المعالج المركزي نفسها. وطورت شرائح الهواتف الجوالة هذا الأمر بوضع الذاكرة بجانب المعالج مباشرة، إلا أنها تبقى متصلة عبر ناقل ضيق بدقة 64 أو 128 بت. ويُعدّ هذا الناقل كافياً للمعالج المركزي ولبعض الألعاب الخفيفة، ولكنه يقدم بطئاً واضحاً لوحدة معالجة الرسومات المتقدمة التي تتطلب عرض نطاق ترددي فائق.

- في أجهزة الألعاب المتخصصة: تخلت أجهزة «بلايستيشن 5» و«إكس بوكس سيريز إكس وإس» عن ذاكرة النظام المنفصلة واعتمدت على تجمع واحد كبير من ذاكرة GDDR6 ذات نطاق ترددي عالٍ (بناقل تبلغ دقته 256 و320 بت على التوالي) لدفع مئات الغيغابايت في الثانية. هذا الحل ينجح لأن الوظيفة الأساسية لهذه الفئة من الأجهزة هي معالجة رسومات الألعاب.وننتقل إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصي؛ فرغم قدرتها على تشغيل الألعاب المتقدمة، فإنها مطالَبة أيضاً بالتعامل مع آلاف المهام الحساسة في الوقت نفسه (مثل وظائف نظام التشغيل وتحميل الملفات من الإنترنت وحماية النظام من الفيروسات، وغيرها)؛ ولذلك ظل الاعتقاد السائد بأن الذاكرة الموحدة ستبقى حلاً مقتصراً على فئات استخدام محدودة.

معالج "سنابدراغون إكس 2 إيليت إكستريم" الجديد للأجهزة المحمولة

كيف نجحت «أبل» في كسر القيود؟

من جهتها، قدمت «أبل» مزيجاً ناجحاً يجمع بين الميزتين؛ فبدلاً من استخدام ذاكرة GDDR6 كما في أجهزة الألعاب، اعتمدت على ذاكرة LPDDR منخفضة الطاقة وأكثر سرعة في مدة التأخر. ولتعويض انخفاض عرض النطاق الترددي الطبيعي لهذا النوع من الذاكرة، لجأت الشركة إلى توسيع الناقل بشكل هائل؛ حيث بدأ من 128 بت في شريحة M1 الأساسية، وصولاً إلى ناقل ضخم بعرض 1.024 بت في شريحة M1 Ultra. هذا التصميم يعادل وجود 16 قناة ذاكرة تغذي شريحة واحدة؛ ما يوفر نطاقاً ترددياً يصل إلى 800 غيغابايت في الثانية.

ولم يتوقف الابتكار عند الأجهزة فحسب، بل شمل كذلك آلية تخصيص سعة الذاكرة الديناميكي، حيث كانت الأنظمة القديمة تقسم الذاكرة المشتركة إلى سعات ثابتة ومحددة سلفاً لكل من المعالج والرسومات، بينما تتيح تقنية «أبل» لأي طرف تغيير السعة لتي يحتاج إليها من التجمع بأكمله عند الطلب؛ ما يضمن توجيه الذاكرة بالكامل إلى مكان الحاجة الفعلي دون ترك أي جزء محجوز وخامل.

ولم تعد هناك حاجة إلى نسخ البيانات باستمرار ذهاباً وإياباً عبر مسارات PCIe نتيجة لمشاركة هذا التجمع الموحد؛ ما يوفر طاقة ووقتاً كبيرين ويقضي على مشكلة الحفاظ على مزامنة مجموعات البيانات المكررة. هذه الكفاءة العالية هي السر خلف الأداء الفائق لأجهزة «ماك» الأساسية المزودة بـ16 غيغابايت فقط من الذاكرة الموحدة مقارنة بسعرها.

الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو: هل الذاكرة الموحدة هي الحل؟

وعلى الرغم من إطلاق شريحة M1 في عام 2020 قبيل الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم المحرك الأساسي خلف تدافع الجميع نحو الذاكرة الموحدة. وتتيح هذه التقنية تشغيل نماذج لغوية ضخمة محليا (مثل نموذج Llama بحجم 70 مليار مُعامل أو أكثر) بسهولة على أجهزة «ماك»؛ لأن الذاكرة المشتركة تستطيع استيعاب حجم النموذج بالكامل. وفي المقابل، لن تتمكن بطاقة رسومات منفصلة تحتوي على 32 غيغابايت من ذاكرة الفيديو بمفردها من احتواء نموذج بحجم 70 غيغابايت (لأن بقية البيانات ستكون مخزنة في الذاكرة العادية RAM التي تحتاج إلى عرض نطاق ترددي كبير لنقل ما تحتاج إليه من البيانات إلى ذاكرة بطاقة الرسومات)؛ الأمر الذي سيجبر المستخدم على شراء بطاقات عدة وإنفاق مبالغ طائلة.

ولا تقتصر فوائد الذاكرة الموحدة على الذكاء الاصطناعي فحسب؛ بل تمتد لتشمل العمل على الجداول الزمنية الضخمة لعروض الفيديو ومعالجة المشاهد ثلاثية الأبعاد العملاقة. خلاصة الأمر هي أن كل حالة استخدام تتطلب سعة كبيرة من ذاكرة الفيديو ستستفيد بشكل مباشر من هذا النظام، متحررة من قيود سعة 8 أو 12 غيغابايت الضئيلة الموجودة في بطاقات الرسومات المنفصلة التقليدية.

التوجه المقبل للقطاع التقني

وعلى الرغم من المكاسب الكبيرة التي تقدمها الذاكرة الموحدة، فإنه يوجد عيب رئيسي فيها هو عدم القدرة على ترقية سعة الذاكرة مستقبلاً؛ ففي الكمبيوتر التقليدي، يمكنك دائماً فتح العلبة وإضافة المزيد من الذاكرة، في حين لا تتيح الذاكرة الموحدة ذلك إلا إذا كان المستخدم يملك مهارات متقدمة في استخدام أدوات اللحام الإلكتروني Soldering؛ فسعة الذاكرة التي يشتريها المستخدم في الجهاز الأساسي هي السعة التي ستبقى معه؛ وهو ما يجعل أسعار ترقيات الذاكرة المرتفعة التي تقدمها «أبل» أمراً مزعجاً للغاية.

ورغم هذا الأمر، يتحول قطاع التقنية الآن نحو استخدام هذه التقنية بشكل رئيسي؛ حيث تسعى رقاقات جديدة مثل «إيه إم دي ستريكس هالو» AMD Strix Halo و«إنفيديا آر تي إكس سبارك» Nvidia RTX Spark و«سنابدراغون إكس 2 إيليت إكستريم» Snapdragon X2 Elite Extreme إلى جلب الذاكرة الموحدة إلى الكمبيوترات التي تعمل بنظام التشغيل «ويندوز».


مقالات ذات صلة

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

تكنولوجيا «أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

تعتزم «أوبن إيه آي» دمج المحادثة وتنفيذ المهام في تجربة موحدة داخل «شات جي بي تي»، مع بدء اختبارها تدريجياً.

نسيم رمضان (لندن)
خاص ترى «غوغل» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يرتبط بتحويل الاستثمارات والمواهب إلى تطبيقات عملية وتقنيات قابلة للتصدير عالمياً (أدوبي)

خاص «غوغل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوكلاء إلى منظومة ابتكار متكاملة

تؤكد «غوغل» أن نجاح الشرق الأوسط في الذكاء الاصطناعي يتطلب تطوير تقنيات محلية وتصديرها وتجاوز تحديات البيانات والحوكمة والمهارات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد استراتيجية «احصد الآن وفكّ التشفير لاحقاً» على تخزين البيانات المشفّرة انتظاراً لقدرات حوسبة أقوى مستقبلاً (أدوبي)

خاص خطر مؤجّل: الحوسبة الكمومية قد تفكّ تشفير بيانات مسروقة بعد سنوات

يحذّر خبراء من سرقة بيانات حساسة اليوم والاحتفاظ بها انتظاراً لقدرات كمومية مستقبلية قد تتمكن من فك تشفيرها بعد سنوات.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
تكنولوجيا يمكن للجهاز التقاط الصور ورش الأدوية وأخذ عينات من الأنسجة وإزالة بعض السلائل الصغيرة أثناء الفحص (الجامعة)

مستوحاة من الأفاعي... روبوت مرن قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وعلاجها

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً مرناً مستوحى من الأفاعي قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وتشخيص اضطراباتها وتنفيذ بعض الإجراءات العلاجية

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يحتاج وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى الوصول للبيانات والتطبيقات والأنظمة الأمنية ما يجعل جاهزية البنية التحتية عاملاً أساسياً في نجاح ذلك (أدوبي)

«إنتل»: وكلاء الذكاء الاصطناعي يتقدمون أسرع من جاهزية البنية التحتية للمؤسسات

تكشف دراسة بتكليف من «إنتل» أن انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي يتسارع أسرع من تمويل البنية التحتية وتجهيز الأنظمة والبيانات اللازمة لتشغيلهم بكفاءة

نسيم رمضان (لندن)

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»
TT

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

تعتزم شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) دمج ميزتي المحادثة «Chat» والعمل «Work» في تجربة موحدة داخل «شات جي بي تي» (ChatGPT)، بما يسمح للمستخدمين بالانتقال من طرح الأسئلة وتبادل الأفكار إلى تنفيذ مهام أكثر تعقيداً دون الحاجة إلى التبديل بين واجهتين منفصلتين.

وتأتي الخطوة ضمن تغييرات تخطط الشركة لبدء اختبارها مع مجموعة محدودة من المستخدمين قبل توسيع إتاحتها، بالتزامن مع تعديل نظام احتساب الاستخدام لمشتركي الخطط المدفوعة اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2026.

تجربة واحدة

تعتمد تجربة «شات جي بي تي» الحالية على الفصل بين المحادثات العادية، المخصصة للأسئلة والكتابة والمساعدة اليومية، وميزة «Work» التي تتيح تنفيذ مشروعات تتطلب مراحل متعددة، تشمل البحث وتحليل المعلومات والتعامل مع الملفات والتطبيقات المتصلة وإنتاج محتوى مكتمل.

وبموجب التغيير المرتقب، تسعى «أوبن إيه آي» إلى جمع هذه القدرات ضمن تجربة واحدة، إذ يستطيع المستخدم بدء محادثة حول فكرة معينة ثم الانتقال إلى تكليف النظام بتنفيذها، مع الاحتفاظ بإمكانية مراجعة العمل وتوجيهه أثناء التنفيذ.

ومن بين الاستخدامات التي أشارت إليها الشركة إنشاء المواقع الإلكترونية والعروض التقديمية، والاستفادة من الملفات والتطبيقات المتصلة، إلى جانب تنفيذ إجراءات عبر الويب. ويتيح ذلك الانتقال بين المساعدة الحوارية والمهام متعددة الخطوات دون الحاجة إلى اختيار تجربة منفصلة لكل نوع من العمل.

وكانت «أوبن إيه آي» قد أطلقت «ChatGPT Work» في يوليو (تموز) 2026، بوصفها أداة مخصصة للمهام الطويلة التي تتطلب البحث والتخطيط وإنتاج مستندات وجداول بيانات وتقارير وعروض تقديمية. كما وفرت للمستخدمين إمكانية متابعة تقدم المهام وتعديل التعليمات والموافقة على الإجراءات المهمة. ولم تحدد الشركة بعد موعداً نهائياً لإتاحة التجربة الموحدة لجميع المستخدمين، إذ تعتزم اختبارها تدريجياً قبل التوسع في طرحها.

تعتزم «أوبن إيه آي» دمج المحادثة وتنفيذ المهام في تجربة موحدة داخل «شات جي بي تي»، مع بدء اختبارها تدريجياً (رويترز)

نظام موحد لاحتساب الاستخدام

إلى جانب دمج التجربتين، أعلنت «أوبن إيه آي» أنها ستبدأ في ديسمبر توحيد حدود الاستخدام بين «شات جي بي تي» وأداة البرمجة «كوديكس» (Codex) لمشتركي خطط «Plus» و«Pro» و«Business».

وبدلاً من التعامل مع حدود استخدام منفصلة، ستعتمد الخدمات المشمولة على حصة مشتركة تُحتسب باستخدام «التوكنات» (Tokens)، وهي وحدات تُستخدم لقياس حجم المعلومات التي تعالجها نماذج الذكاء الاصطناعي وتنتجها.

وستختلف كمية الاستخدام المستهلكة حسب النموذج المختار وطبيعة المهمة وتعقيدها، إذ تستهلك العمليات الأكثر تقدماً، مثل المهام الطويلة ومتعددة المراحل، حصة أكبر من الطلبات البسيطة.

وأوضحت الشركة أن المحادثات باستخدام الوضع السريع «Instant» لن تُخصم من الحصة المشتركة الجديدة، فيما سيتمكن المستخدمون من متابعة الرصيد المتبقي ومواعيد تجديده من قسم الاستخدام داخل الإعدادات.

وتتوقع «أوبن إيه آي» ألا يضطر معظم المستخدمين إلى انتظار تجديد حصصهم بمعدل أكبر مما هو عليه حالياً. أما عند بلوغ الحد المتاح، فتشمل الخيارات انتظار إعادة ضبط الحصة أو ترقية الاشتراك أو شراء أرصدة إضافية للخدمات المؤهلة. ولم تعلن الشركة بعد تفاصيل رقمية موحدة للحصص الجديدة لكل خطة.

سيعتمد النظام الجديد على حصة مشتركة تُحتسب وفق حجم المعالجة وتعقيد المهام مع استثناء المحادثات باستخدام الوضع السريع (رويترز)

«كوديكس» يحتفظ باستقلاليته

رغم توحيد نظام احتساب الاستخدام، ستبقى أداة «كوديكس» تجربة مستقلة مخصصة لتطوير البرمجيات، ولن تُدمج واجهتها ضمن المحادثات العادية.

وتتيح الأداة للمطورين كتابة الشيفرات البرمجية ومراجعتها، وتشغيل الاختبارات والأوامر، والتعامل مع مستودعات المشاريع البرمجية. ويعني ذلك أن التغيير سيشمل طريقة احتساب الاستهلاك، من دون إلغاء التخصص الوظيفي للأداة.

وكانت الشركة قد حدّثت تطبيقها المكتبي في يوليو الماضي ليجمع المحادثات و«Work» و«Codex» ضمن تطبيق واحد، مع الإبقاء على واجهات مختلفة لكل منها. كما أتاحت عرض المحادثات والمهام السابقة في سجل موحد ومواصلة بعض مهام العمل عبر الأجهزة.

خطوات تدريجية

تأتي التغييرات الجديدة بعد إعلان الشركة في 29 أكتوبر (تشرين الأول) زيادة حصص استخدام «Work» و«Codex» في عدد من خطط «Pro» المدفوعة، ضمن تحديثات تستهدف مستخدمي المهام الأكثر تعقيداً.

ومن المنتظر أن يبدأ اختبار دمج المحادثة والعمل على نطاق محدود، بينما يبدأ تطبيق نظام الحصة المشتركة في ديسمبر. ولا تزال التفاصيل المتعلقة بالشكل النهائي للواجهة الموحدة، وموعد إتاحتها على نطاق واسع، مرتبطة بنتائج الاختبارات والإعلانات اللاحقة للشركة.


«هواوي ووتش دي3»: حين تصبح الساعة الذكية جهازاً طبياً معتمداً لقياس ضغط الدم

تقدم الساعة وسادة هوائية منخفضة السماكة داخل السوار لقياس ضغط الدم
تقدم الساعة وسادة هوائية منخفضة السماكة داخل السوار لقياس ضغط الدم
TT

«هواوي ووتش دي3»: حين تصبح الساعة الذكية جهازاً طبياً معتمداً لقياس ضغط الدم

تقدم الساعة وسادة هوائية منخفضة السماكة داخل السوار لقياس ضغط الدم
تقدم الساعة وسادة هوائية منخفضة السماكة داخل السوار لقياس ضغط الدم

تساعد التقنيات الحديثة المستخدمين على التركيز على الصحة الاستباقية، وتشجعهم على الاهتمام بصحتهم بشكل مستمر. ومن هذا المنطق، تُقدم ساعة «هواوي ووتش دي3» Huawei Watch D3 الذكية الجديدة ملحقاً يجمع بين الأناقة والتقنيات الطبية المتقدمة، إذ تُعتبر جهازاً طبياً متكاملاً ومتطوراً يُرتدى على معصم اليد. وتُمثّل هذه الساعة نقلة نوعية في عالم الأجهزة الذكية الموجهة للعناية بالصحة، ومراقبة مؤشرات الجسم بدقة عالية، حيث تمنح المستخدم راحة البال، والثقة المطلقة. واختبرت «الشرق الأوسط» الساعة، ونذكر ملخص التجربة.

تصميم أنيق يخفي خلفه الابتكار الطبي

تقدم الساعة تصميماً أنيقاً يبتعد تماماً عن الشكل التقليدي للأجهزة الطبية النمطية، حيث تبدو كساعة ذكية فاخرة تعزز أنماط الحياة المختلفة، وتمنح المستخدم شعوراً بالراحة، ومظهراً أنيقاً. وتم خفض سماكة هيكل الساعة ليكون أكثر نحافة، ويصل إلى 11.3 مليمتر فقط، مع خفض وزن السوار بمقدار 9 غرامات، ما يجعل الساعة خفيفة للغاية على المعصم، ومناسبة لجميع الأوقات.

وتقدم الساعة تجربة عرض بصرية مبهرة بفضل شاشتها عالية الجودة، وهيكلها المتين المحسن. وتشتمل الشاشة على حواف أنيقة، وتصميم هندسي مدروس يُبرز جودة التصنيع، وفخامة المظهر.

* الشاشة المبهرة: يبلغ قطر الشاشة 1.92 بوصة، وهي تعرض الصورة بتقنية «أموليد» AMOLED، وبدقة 480×408 بكسل، مع زيادة نسبة الشاشة إلى الهيكل، وتوفير شدة سطوع أقصى تصل إلى 3000 شمعة، لتوفير رؤية واضحة تحت أشعة الشمس المباشرة.

* الوزن والسماكة المنخفضان: تبلغ سماكة هيكل الساعة 11.3 مليمتر، وتزن نحو 40 غراماً من دون السوار، ما يخفض من الإجهاد على المعصم أثناء الارتداء اليومي المستمر.

* متانة المواد: صُنع هيكل الساعة من سبائك الألمنيوم، مع غطاء خلفي من مركب الألياف البوليمرية، وزجاج محمي.

«دقة المستشفيات» على معصمك

وتُعد هذه الساعة بمثابة جهاز طبي متكامل لمعصم اليد حاصل على اعتماد شهادة الأجهزة الطبية الأوروبية، وحصل أيضاً على التراخيص الطبية الرسمية من الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى مطابقته لمعايير «آيزو» العالمية. وتعتمد الساعة على وسادة هوائية مصغرة موجودة في السوار، وآلية ضخ دقيقة جداً تحاكي أجهزة قياس ضغط الدم الشرياني الطبية دون الحاجة إلى الأجهزة التقليدية الضخمة.

وتقدم الساعة خاصية مراقبة ضغط الدم على مدار 24 ساعة، ما يساهم في كشف حالات ارتفاع ضغط الدم الخفي، وارتفاع ضغط الدم المرتبط بالفحص السريري، وارتفاع ضغط الدم الليلي. كما تعمل المراقبة الليلية التلقائية بهدوء دون إزعاج المستخدم، لتوفير قراءات دقيقة طوال اليوم.

تقدم الساعة وسادة هوائية منخفضة السماكة داخل السوار لقياس ضغط الدم

وتقدم الساعة ميزة دراسة صحة المستخدم من خلال جمع بيانات النبض بواسطة المستشعرات الضوئية مع خفض عدد مرات انتفاخ الوسادة الهوائية الذكية إلى 4 مرات نهاراً و3 مرات ليلاً. وتساهم هذه الآلية الذكية في تتبع اتجاهات ضغط الدم على المدى الطويل، مع خفض الإزعاج أثناء النوم، وممارسة الأنشطة المختلفة.

وتعتبر الساعة الأولى من نوعها التي تتيح قياس ضغط الدم قبل وبعد ممارسة التمارين الرياضية، حيث تساعد هذه الميزة المستخدمين في تقييم مدى استجابة الجهاز الدوري والأوعية الدموية للمجهود البدني، وتجنب التمارين الشاقة في حال وجود ارتفاع في قراءات الضغط قبل البدء.

وإلى جانب ضغط الدم، تقدم الساعة ميزة فحص الصحة السريع الذي يجمع تقارير متعددة خلال 60 ثانية تشمل 13 مؤشراً صحياً مختلفاً. وتتضمن هذه المؤشرات تخطيط كهربية القلب، ومخاطر أمراض القلب التاجية، ومخاطر السكري، ونسبة تشبع الدم بالأكسجين، ومستوى التوتر، ومراقبة النوم، ودرجة حرارة الجلد.

* الدقة والاعتماد الطبي: الساعة حاصلة على شهادات طبية رسمية، مثل شهادة الأجهزة الطبية الأوروبية، وترخيص الهيئة العامة للغذاء والدواء في السعودية، ومطابقة معايير «آيزو»، وتعتمد طريقة قياس الذبذبات الطبية عبر وسادة هوائية مزدوجة الطبقات فائقة الضيق.

* المراقبة المتنقلة 24 ساعة: توفر متابعة مستمرة لضغط الدم على مدار اليوم والليل، وتكشف النماذج المختلفة لارتفاع الضغط، كارتفاع الضغط الصباحي، والليلي.

* التقييم منخفض الإزعاج: يعتمد على مستشعر ضوئي لالتقاط موجات النبض، مع إجراء قياسات مجدولة دقيقة لتخفيف الانزعاج، وضمان الاستمرارية.

ينتفخ السوار لدى الحاجة لاستخدامه دون أن يزعج المستخدم أثناء ممارسة النشاطات اليومية أو النوم

* قياس الضغط مع الرياضة: تقيس ضغط الدم قبل الرياضة وبعدها، لتوفير إرشادات ذكية حول كثافة التمرين، وتجنب المخاطر القلبية.

* الفحص الصحي الشامل: يقدم التقرير السريع خلال دقيقة واحدة تقييماً لشامل المؤشرات الحيوية، كالتخطيط الكهربائي للقلب، ومخاطر أمراض القلب، والسكري، والتوتر، وأكسجين الدم.

مساعدك المتكامل للياقة والتواصل

وتضم الساعة مجموعة واسعة ومتنوعة من الأنماط الرياضية التي تلبي احتياجات محبي اللياقة البدنية، والأنشطة الخارجية، وتوفر تتبعاً دقيقاً للأداء مع تحليلات متقدمة لمساعدة المستخدمين على تحسين مستوياتهم الرياضية باستمرار.

وتتضمن الأنماط الرياضية الجديدة التزلج الداخلي والخارجي، والجري الجبلي، مع تسجيل بيانات الانحدار، والسرعة القصوى، وزاوية الميلان، ومعدل دوران الجسم. كما توفر الساعة تتبعاً متقدماً لمسارات الجري الجبلي، مع إمكانية التكبير والتصغير، وتنبيهات الخروج عن المسار.

ولدعم عشاق رياضة الـ«غولف»، تتيح الساعة خرائط تفصيلية لأكثر من 17 ألف ملعب حول العالم. وتُمكّن هذه الميزة المستخدم من قياس المسافات بدقة، واستعراض المساحات الخضراء، وتحديد أماكن الرايات لوضع استراتيجيات ضربات دقيقة.

وعلى صعيد التواصل، تتيح الساعة إجراء المكالمات الصوتية عبر الاتصال بالهاتف لا سلكياً، حيث يمكن الرد على المكالمات أو رفضها، واستعراض سجل المكالمات مباشرة من المعصم. كما تضمن استقبال التنبيهات والرسائل، والتحكم في الخصائص الذكية اليومية بكل سهولة.

وبالإضافة إلى ذلك، تتيح ميزة «مجتمع الصحة العائلي» متابعة المؤشرات الصحية لأفراد العائلة عن بعد، وتلقي تنبيهات فورية عند وجود قراءات غير طبيعية لضغط الدم أو ضربات القلب لدى كبار السن، أو الأقارب، مع إمكانية إرسال رسائل الاهتمام والدعم مباشرة عبر التطبيق. وتقدم الساعة أيضاً تنبيهات مخصصة لطلب قياس ضغط الدم عند تغير الارتفاعات في المناطق الجبلية، أو لدى انخفاض درجات الحرارة بشكل مفاجئ.

منظومة تقنية متكاملة لضمان الاعتمادية اليومية

وتقدم الساعة مواصفات تقنية متطورة، ومكونات داخلية عالية الجودة تضمن أداء سلساً وموثوقاً في مختلف الظروف التشغيلية. ويدمج التصميم الداخلي مضخة الهواء المصغرة فائقة الدقة، ومستشعرات ضغط متقدمة تعمل بكفاءة عالية داخل سوار الساعة النحيف.

وتوفر البطارية أداء قريباً من الاحتياجات اليومية الشاملة، حيث تصمد لفترات مناسبة تلبي متطلبات الاستخدام المكثف، والمراقبة الصحية المستمرة. ويضمن نظام إدارة الطاقة كفاءة التشغيل، مع تفعيل الخصائص المتقدمة لمراقبة الضغط، والمؤشرات الحيوية.

كما تتميز الساعة بتوافق واسع مع نظم تشغيل الهواتف الذكية المتعددة، ما يتيح سهولة مزامنة البيانات والاتصال بالتطبيقات الصحية بسلاسة تامة.

* عمر البطارية: تدوم البطارية حتى 6 أيام في حالات الاستخدام العادي اليومي، وتكفي لمدة يوم كامل عند تفعيل ميزة المراقبة المستمرة المتنقلة لضغط الدم على مدار 24 ساعة.

* التوافقية: توافق تام مع الهواتف الذكية التي تعمل بنظامي التشغيل «آندرويد» و«آي أو إس»، لضمان مزامنة البيانات عبر التطبيقات الصحية بكل سهولة.

* المكونات الداخلية والمستشعرات: تضم مضخة هواء دقيقة، ومستشعر ضغط عالي الدقة، ومستشعرات ضوئية لقياس النبض، وحساسات لنسبة الأكسجين، وتخطيط القلب، ودرجة حرارة الجلد.

* الألوان والتوفر: الساعة متوفرة في المنطقة العربية بدءاً من 12 نوفمبر (تشرين الثاني) بألوان الأسود، أو الأبيض، أو الذهبي، وبسعر 1599 ريالاً سعودياً (نحو 426 دولاراً أميركياً).


«غوغل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوكلاء إلى منظومة ابتكار متكاملة

ترى «غوغل» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يرتبط بتحويل الاستثمارات والمواهب إلى تطبيقات عملية وتقنيات قابلة للتصدير عالمياً (أدوبي)
ترى «غوغل» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يرتبط بتحويل الاستثمارات والمواهب إلى تطبيقات عملية وتقنيات قابلة للتصدير عالمياً (أدوبي)
TT

«غوغل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوكلاء إلى منظومة ابتكار متكاملة

ترى «غوغل» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يرتبط بتحويل الاستثمارات والمواهب إلى تطبيقات عملية وتقنيات قابلة للتصدير عالمياً (أدوبي)
ترى «غوغل» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يرتبط بتحويل الاستثمارات والمواهب إلى تطبيقات عملية وتقنيات قابلة للتصدير عالمياً (أدوبي)

تعدّ «غوغل» منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين المناطق الأعلى عالمياً في استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرةً إلى تجاوز عدد مستخدمي تطبيق «جيميناي» مليار مستخدم شهرياً حول العالم، فيما تأتي العربية ضمن أكثر أربع لغات استخداماً على المنصة. لكن الصورة داخل الشركات تبدو أكثر تعقيداً. فمعظم المؤسسات لديها اليوم تجارب أو مشروعات أولية للذكاء الاصطناعي، في حين لا يزال الانتقال من الاختبارات المحدودة إلى التشغيل على نطاق واسع يواجه تحديات، أبرزها البيانات والحوكمة.

تضع هذه المفارقة بين سرعة التبني الفردي وتحديات التطبيق المؤسسي المنطقة أمام اختبار مختلف مع اقتراب عام 2030. هذا ما يشرحه أنطوني نقاش، المدير العام التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «غوغل»، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، قائلاً إن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد المستخدمين أو حجم الإنفاق على البنية التحتية وحدهما، بل بقدرة المنطقة على تطوير تقنيات محلية وتصديرها إلى الأسواق العالمية، بدلاً من الاكتفاء بتكييف حلول طُوّرت خارجها.

أنطوني نقاش المدير العام التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «غوغل» (الشركة)

اختبار الإنتاج

يرى نقاش، الذي أمضى 18 عاماً في «غوغل» ونحو أربع سنوات ونصف السنة في المنطقة، أن الشرق الأوسط أصبح لاعباً رئيسياً على خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية. ويعزو ذلك إلى اجتماع عوامل عدة، تشمل الطموح الحكومي والاستراتيجيات الوطنية والاستثمارات في البنية التحتية، إلى جانب تطوير المهارات والسياسات ودعم البحث العلمي والشركات الناشئة.

ويشير إلى أن نتائج هذه الجهود أصبحت واضحة على مستوى الاستخدام، خصوصاً بين المستهلكين؛ إذ تُعد المنطقة من بين الأسواق الأعلى عالمياً في استخدام «جيميناي»، مع ارتفاع مستويات التفاؤل بإمكانات الذكاء الاصطناعي. لكن الانتقال إلى المرحلة التالية يتطلب، حسب نقاش، توسعاً أكبر في الاستخدام التجاري داخل المؤسسات، وصولاً إلى تبني أنظمة أكثر تقدماً، من بينها «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» القادر على تنفيذ مهام متعددة والتعامل مع مشكلات أكثر تعقيداً. ويضع «الثقة» في صميم هذا التحول، خصوصاً مع انتقال الأنظمة من تقديم الإجابات إلى تنفيذ الإجراءات، مشيراً إلى أهمية تطوير حلول تراعي السياق المحلي إلى جانب التقنيات العالمية.

أثر يتجاوز التقنية

يستشهد نقاش بالأثر الاقتصادي لمنتجات «غوغل» في السعودية والإمارات لتوضيح الطريقة التي تقيس بها الشركة قيمة التكنولوجيا خارج نطاق خدماتها المباشرة.

فحسب دراسة أعدتها شركة استشارية مستقلة بتكليف من «غوغل»، قُدّر الأثر الاقتصادي لمجموعة منتجات الشركة في البلدين بنحو 14.2 مليار دولار خلال عام 2024. وتشمل هذه المنتجات «يوتيوب» و«الخرائط» و«البحث» والإعلانات والحوسبة السحابية و«أندرويد»، وهي خدمات تعتمد بدرجات متفاوتة على الذكاء الاصطناعي.

ويربط نقاش هذه القيمة باستخدام الأفراد والشركات لتلك الأدوات في البحث واتخاذ القرارات واكتساب المهارات والوصول إلى العملاء وتحسين الكفاءة والأمن. كما يشير إلى فرص العمل التي تولدها منظومات «أندرويد» والحوسبة السحابية وصناعة المحتوى على «يوتيوب»، عادَّاً أن القيادة التقنية لا تقتصر على تطوير النماذج والبنية التحتية، بل تشمل الأثر الاقتصادي والمجتمعي القابل للقياس.

تشكّل البيانات والحوكمة أبرز العقبات أمام انتقال الشركات من التجارب المحدودة إلى التشغيل الواسع لحلول الذكاء الاصطناعي (أدوبي)

لماذا تتعثر بعض الشركات؟

على مستوى المؤسسات، لا يعدّ نقاش أن نقص البنية التحتية أو الأدوات يمثل العائق الوحيد أمام توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، وإن كان يتوقع الحاجة إلى مزيد من القدرات مستقبلاً لتلبية الطلب.

فالمشكلة الأكثر إلحاحاً، وفق حديثه، تكمن في الانتقال من المشروعات التجريبية إلى التنفيذ الكامل. ويقول إنه نادراً ما يلتقي مؤسسة لا تختبر الذكاء الاصطناعي بصورة أو بأخرى، لكن ذلك لا يعني أن التقنية أصبحت جزءاً أساسياً من عملياتها اليومية، محدداً عقبتين رئيسيتين. الأولى تتعلق بالبيانات؛ إذ تحتاج المؤسسات إلى معرفة طبيعتها ومدى دقتها وحداثتها، وكيفية اعتماد الأنظمة عليها عند اتخاذ القرارات، حتى مع تحسن قدرة النماذج الحديثة على التعامل مع بيانات أقل تنظيماً. أما العقبة الثانية فهي الحوكمة، ولا سيما تحديد المسؤولية عن القرارات التي تتخذها الأنظمة الوكيلة. ويشير إلى أن عدداً محدوداً من الشركات التي يتعامل معها نجح في وضع إطار واضح لهذه المسألة، ما يجعل الانتقال من بيئة تجريبية محدودة إلى تطبيقات أوسع تخدم العملاء أكثر تعقيداً.

تحديات الاستخدام الفعلي

وإذا كانت البيانات والحوكمة تمثلان تحديين رئيسيين للمؤسسات، فإن المستهلكين يواجهون صعوبة مختلفة تتعلق بتعلّم استخدام الأدوات بفاعلية. ويوضح نقاش أن كثيراً من المستخدمين لا يزالون يجدون صعوبة في الحصول على النتائج المطلوبة، بسبب «التعليمات» (Prompts) المحدودة أو غير الواضحة التي يقدمونها للأنظمة. ويزداد هذا التحدي مع ظهور المنصات الوكيلة القادرة على أتمتة الأعمال، حيث يصبح المستخدم في حاجة إلى فهم كيفية تصميم سير العمل، وليس مجرد صياغة الأسئلة.

ولهذا تسعى «غوغل»، وفق نقاش، إلى دمج الذكاء الاصطناعي في المنتجات التي يستخدمها الأفراد والشركات بالفعل، بدلاً من تقديمه دائماً بوصفه أداة منفصلة. ويستشهد بأداة «Performance Max» الإعلانية، التي تتيح للمعلن تقديم المواد الإبداعية وأهداف العمل، ي حين يتولى النظام توزيع الحملات عبر منتجات «غوغل». وحسب نقاش، رصدت الشركة في المنطقة زيادات في المبيعات تراوحت بين 14 و20 في المائة لدى مستخدمي الأداة عالميا.

تستهدف «غوغل» تدريب نصف مليون شخص عبر مبادرة بقيمة 15 مليون دولار مع التركيز على المهارات العملية وتطوير القدرات المحلية (شاترستوك)

فجوة المهارات

يرى نقاش أن فجوة المهارات الرقمية ليست جديدة، لكنها اكتسبت أهمية أكبر مع الذكاء الاصطناعي؛ نظراً إلى قدراته المتقدمة والمخاطر المرتبطة باستخدامه، فضلاً عن الحاجة إلى مهارات تتجاوز المعرفة الرقمية التقليدية.

وتقول «غوغل» إنها درّبت أكثر من ثلاثة ملايين شخص في المنطقة على المهارات الرقمية منذ إطلاق برنامج «مهارات من غوغل» عام 2018. كما خصصت 15 مليون دولار ضمن مبادرة «MENA AI Opportunity Initiative» لتدريب نصف مليون شخص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالتعاون مع شركاء محليين، من بينهم جهات حكومية وجامعات وحاضنات أعمال.

لكن نقاش يشدد على ضرورة ألا يقتصر تقييم النجاح على أعداد المتدربين أو الشهادات، بل أن يشمل قدرة المشاركين على تطبيق ما تعلموه عملياً. ولهذا تستهدف المبادرة فئات متنوعة، تشمل الطلاب والموظفين الحكوميين ورواد الأعمال. ورغم ارتفاع معدلات استخدام الذكاء الاصطناعي في المنطقة، يرى أن الفجوة الأكبر لا تزال في القدرات اللازمة لبناء التقنيات ودمجها داخل المؤسسات، وإن نجحت بعض الدول في استقطاب مواهب عالمية.

تحوّل سلوك البحث

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى محرك البحث، أحد أقدم منتجات «غوغل» وأكبرها. ويقول نقاش إن 15 في المائة من عمليات البحث اليومية تتضمن استفسارات لم ترها الشركة من قبل، وهو ما يعكس استمرار تغير سلوك المستخدمين.

ومع دمج الذكاء الاصطناعي في تجربة البحث، بلغ عدد المستخدمين النشطين شهرياً لميزة «AI Overviews» نحو 2.5 مليار، مقابل مليار مستخدم لخدمة «AI Mode»، وفق أرقام الشركة.

ويتغير كذلك شكل الاستفسارات؛ إذ أصبحت الأسئلة المطروحة عبر «AI Mode» أطول في المتوسط بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالبحث التقليدي، في حين يتجاوز واحد من كل ستة استفسارات النصوص إلى الصور أو غيرها من أشكال التفاعل.

تُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين الأعلى عالمياً في استخدام «جيميناي» (رويترز)

مواجهة الاحتيال الرقمي

يقرّ نقاش بأن الذكاء الاصطناعي غيّر مشهد التهديدات الرقمية، رغم أن الاحتيال الإلكتروني سبق ظهور هذه التقنية، لكنه يؤكد أن الشركة تستخدم الذكاء الاصطناعي أيضاً بوصفه إحدى وسائل الدفاع الرئيسية ضد الأنشطة الخبيثة.

وحسب الأرقام التي قدمها، ساعدت تقنيات الشركة في منع أو إزالة نحو ثمانية مليارات إعلان ضار خلال العام الماضي، إلى جانب قرابة 25 مليون حساب مرتبط بجهات خبيثة.

وللتعامل مع المحتوى المصطنع؛ طورت «غوغل» تقنية «SynthID»، التي اختارتها مجلة «تايم» ضمن أفضل ابتكارات عام 2026. وتتيح التقنية تضمين علامات مائية رقمية غير مرئية في النصوص والصور ومقاطع الفيديو والمحتوى الصوتي المولد بالذكاء الاصطناعي، دون التأثير في جودته.

ووفق بيانات الشركة، استُخدمت التقنية لتمييز أكثر من 180 مليار صورة ومقطع فيديو، إلى جانب محتوى صوتي يعادل 240 ألف سنة. كما تتعامل أدوات التحقق من المحتوى مع نحو مليون طلب يومياً، مع توسيع استخدام التقنية لتشمل شركات من بينها «أوبن إيه آي» و«إنفيديا» و«كاكاو» و«أبل».

وتساعد هذه الأدوات على التحقق من وجود العلامات الرقمية في المحتوى الذي يدعم التقنية، لكنها لا تعني القدرة على اكتشاف جميع المواد المنتجة بالذكاء الاصطناعي. ويؤكد نقاش أن مواجهة الاحتيال والمحتوى المصطنع لا يمكن أن تتولاها شركة واحدة، بل تتطلب تعاون الحكومات والجهات التنظيمية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص.

يرى أنطوني نقاش أن نجاح المنطقة بحلول 2030 سيُقاس بقدرتها على تطوير تقنيات محلية وتصديرها عالمياً لا بمجرد استخدامها (أدوبي)

اختبار عام 2030

مع اقتراب عام 2030، يرى نقاش أن نجاح المنطقة في الذكاء الاصطناعي لن يُقاس بمعدلات الاستخدام والاستثمارات وحدها، وإنما بقدرتها على تطوير تقنيات خاصة بها والوصول إلى الأسواق العالمية.

ويعدّ استقطاب المواهب أحد أهم عوامل الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، مشيراً إلى أن السعودية والإمارات وقطر تعمل بالفعل على تطوير نماذج لغوية عربية، لكنها تمثل بداية لما يمكن تحقيقه.

ويقول إن انتشار الناطقين بالعربية خارج حدود المنطقة يوفر سوقاً أوسع للحلول المطورة محلياً، في حين يمكن للجمع بين البنية التحتية والسياسات والاستثمارات والمهارات أن يدعم تطوير تقنيات ذات نطاق عالمي.

وبالنسبة إليه، يكمن الاختبار الحقيقي بحلول 2030 في ألا تكتفي المنطقة باستخدام الحلول التي يطورها الآخرون أو تكييفها لاحتياجاتها، بل أن تنتج تقنيات تنطلق من أسواقها وتصل إلى مستخدمين حول العالم.