«ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: المنطقة تدخل عصر «الأزمات التقنية المركبة»

طارق أجمل: سيادة البيانات وحدها لا تكفي لضمان المرونة التقنية واستمرار الخدمات

تحتاج المؤسسات إلى خطط تعافٍ عابرة للحدود وسحابة متعددة وهجينة لتقليل الاعتماد على موقع أو مزود واحد (الشرق الأوسط)
تحتاج المؤسسات إلى خطط تعافٍ عابرة للحدود وسحابة متعددة وهجينة لتقليل الاعتماد على موقع أو مزود واحد (الشرق الأوسط)
TT

«ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: المنطقة تدخل عصر «الأزمات التقنية المركبة»

تحتاج المؤسسات إلى خطط تعافٍ عابرة للحدود وسحابة متعددة وهجينة لتقليل الاعتماد على موقع أو مزود واحد (الشرق الأوسط)
تحتاج المؤسسات إلى خطط تعافٍ عابرة للحدود وسحابة متعددة وهجينة لتقليل الاعتماد على موقع أو مزود واحد (الشرق الأوسط)

لم تعد المرونة التقنية في الشرق الأوسط مسألة تتعلق بمكان حفظ البيانات فقط. فمع تسارع الرقمنة، وتشابك البنية التحتية المادية مع السحابة والاتصال والأمن السيبراني، أصبحت المؤسسات مطالبة ببناء نماذج قادرة على الاستمرار عند وقوع الأزمات، لا عند تعطل نظام واحد أو مركز بيانات منفصل.

هذا التحول يضع مفهوم سيادة البيانات والإقامة المحلية للمعلومات أمام اختبار جديد. فوجود البيانات داخل الحدود يظل مهماً للامتثال التنظيمي وثقة العملاء، لكنه لا يحمي الخدمات الحيوية إذا تعرضت البنية المحلية نفسها لكارثة طبيعية أو انقطاع واسع في كابلات الألياف الضوئية أو هجوم سيبراني منسق.

يقول طارق أجمل الشريك وقائد الأمن السيبراني في «ديلويت الشرق الأوسط»، إن «سيادة البيانات والإقامة المحلية تظلان مهمتين، لكنهما لم تعودا تضمنان المرونة وحدهما». ويوضح خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن إبقاء البيانات داخل الحدود قد يحميها من بعض المخاطر القانونية، لكنه لا يوفر استمرارية تشغيلية إذا تعطل الموقع أو البنية التي تعتمد عليها الخدمات الحرجة. فالمرونة، بحسب أجمل، أصبحت تتطلب «التفكير خارج الحدود المادية»، من خلال التكرار متعدد المناطق واستراتيجيات السحابة الهجينة التي تتيح انتقال الخدمات بسلاسة عند وقوع اضطراب واسع.

طارق أجمل الشريك وقائد الأمن السيبراني في «ديلويت الشرق الأوسط» (ديلويت)

سيادة البيانات واستمرارية الخدمات

ركزت مؤسسات كثيرة في الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية على بناء مراكز بيانات محلية، وتوطين المعلومات الحساسة، والامتثال لمتطلبات الجهات التنظيمية التي تشدد على مكان تخزين البيانات وكيفية التعامل معها. وكان هذا التوجه ضرورياً، خصوصاً في قطاعات مثل المصارف والرعاية الصحية والطاقة والخدمات الحكومية.

لكن التحدي الجديد لا يتعلق فقط بمكان وجود البيانات، بل بما يحدث إذا تعطلت البنية التي تستضيفها أو تصل إليها. فقد تكون البيانات محفوظة محلياً وبصورة قانونية، لكن الخدمة قد تتوقف إذا وقع خلل واسع في شبكة الكهرباء، أو انقطع الاتصال بين مراكز البيانات، أو تعرضت البنية السحابية أو مورّدو التقنية لهجوم متزامن.

ويرى طارق أجمل أن الموازنة بين متطلبات الإقامة المحلية والحاجة إلى التعافي العابر للقارات تتطلب «نهجاً هجيناً واستراتيجياً». فالمؤسسات تستطيع إبقاء البيانات الحساسة داخل الولاية القانونية، مع نسخ بيانات مشفرة إلى مواقع بعيدة مخصصة للتعافي من الكوارث، شرط أن تتم العملية ضمن حوكمة واضحة وشراكات تقنية موثوقة.

ولا يعني ذلك نقل كل البيانات إلى الخارج، بل بناء نموذج يفرق بين ما يجب أن يبقى محلياً لأسباب تنظيمية، وما يمكن نسخه إقليمياً، وما يحتاج إلى خيارات تعافٍ بعيدة لضمان استمرارية الخدمات الأكثر أهمية.

تدخل المؤسسات في الشرق الأوسط مرحلة الأزمات المركبة التي تجمع بين تعطل البنية المادية والسحابة والاتصال والأمن السيبراني (شاترستوك)

عصر الأزمات المركبة

لم تعد الأزمات التقنية تبدأ وتنتهي داخل قسم تقنية المعلومات. ففي نموذج التشغيل الجديد، قد يتحول حدث مادي إلى أزمة رقمية خلال دقائق. عاصفة تؤثر في الطاقة، أو خلل في مركز بيانات، أو توتر جيوسياسي، أو هجوم سيبراني على شركة اتصالات، يمكن أن ينتقل أثره بسرعة إلى تطبيقات مصرفية أو خدمات صحية أو منصات حكومية.

ويصف أجمل هذه المرحلة بأنها عصر «الأزمات المركبة»، حيث «يتحول الحدث المادي فوراً إلى حدث رقمي». وبناء على ذلك، لم يعد ممكناً التعامل مع البنية التحتية المادية والسحابة والاتصال والأمن السيبراني بوصفها تحديات منفصلة، بل باعتبارها طبقات مترابطة ضمن منظومة واحدة.

ويتطلب هذا الواقع بناء أطر مرنة تتوقع تعطل أكثر من عنصر في الوقت نفسه. فالاستعداد لانقطاع مركز بيانات لا يكفي إذا كان البديل يعتمد على مزود الاتصال نفسه، أو على مورد سحابة واحد، أو على طرف خارجي يملك قدرة تعافٍ أبطأ من المؤسسة نفسها.

لذلك تصبح المرونة الفعلية مرتبطة بتوزيع المخاطر، وتنويع مزودي الخدمات، وتأمين الاتصال، وبناء دفاعات سيبرانية استباقية، واختبار القدرة على استعادة الخدمات في ظروف قريبة من الواقع، لا عبر خطط نظرية تحفظ في ملفات داخلية.

وهم النسخ الاحتياطي القريب

يشير أجمل إلى أن أحد الأخطاء الشائعة يتمثل في الاعتماد على موقع تعافٍ قريب جغرافياً من الموقع الأساسي. فقد يبدو ذلك عملياً وأقل تكلفة، لكنه لا يعالج المخاطر المرتبطة بالمكان نفسه.

ويصرح: «إذا كان موقعك الأساسي وموقع التعافي من الكوارث يقعان على الصفيحة التكتونية نفسها، أو شبكة الكهرباء نفسها، أو داخل نقطة التوتر الجيوسياسي نفسها، فأنت لا تملك نسخة احتياطية؛ بل تملك إحساساً زائفاً بالأمان».

تظهر هذه المقاربة أن القرب الجغرافي قد يكون مفيداً في بعض الأعطال المحدودة، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف عند حدوث اضطراب واسع النطاق. فالزلازل وانقطاعات الطاقة الكبرى والهجمات السيبرانية الواسعة والتوترات الإقليمية لا تتوقف عند حدود مركز بيانات واحد أو مدينة واحدة.

ومن هنا يدعو أجمل إلى تنويع جغرافي أوسع، قد يصل إلى التعافي عبر القارات لبعض الأنظمة الحرجة، مع الحفاظ على الامتثال للقيود التنظيمية المتعلقة بالبيانات الحساسة. ولا يقوم هذا النموذج على نقل كل الأعباء التقنية إلى الخارج، بل على تصنيفها وفق أهميتها، وحساسيتها، وتأثير توقفها في الأعمال.

تبقى خطط التعافي غير المختبرة نقطة ضعف أساسية لأنها قد تنهار عند أول أزمة حقيقية (شاترستوك)

تصنيف الأعباء وفق المخاطر

لا تحتاج كل الأنظمة إلى المستوى نفسه من الحماية أو التعافي. فبعض البيانات يجب أن تبقى داخل الدولة بسبب طبيعتها التنظيمية أو حساسيتها، وبعض التطبيقات يمكن نسخها إقليمياً بتكلفة أقل، بينما تحتاج أنظمة أخرى إلى خيارات تعافٍ عالمية لضمان أعلى درجات التوفر.

يقترح أجمل إطاراً قائماً على ثلاث طبقات. الأولى محلية، وتشمل الأعباء الحرجة ذات المتطلبات التنظيمية الصارمة التي يجب أن تبقى داخل الدولة. والثانية إقليمية، وتشمل تطبيقات أقل حساسية يمكن تكرارها داخل المنطقة لتحقيق توازن بين المرونة والتكلفة. أما الثالثة، فهي عالمية، وتشمل الأنظمة ذات الأهمية القصوى التي تتطلب استمرارية عالية وقدرة على التعافي عبر القارات.

هذا التصنيف يحوّل المرونة من قرار تقني عام إلى عملية قائمة على تحليل أثر الأعمال. فلا يكفي أن تسأل المؤسسة أين يجب أن تُخزن البيانات، بل يجب أن تحدد مقدار التوقف المقبول لكل خدمة، وكم من البيانات يمكن خسارتها من دون ضرر كبير، وما الجهات الخارجية التي تعتمد عليها الخدمة كي تعود إلى العمل.

السحابة المتعددة كشرط للمرونة

كانت السحابة المتعددة والهجينة تُطرح غالباً بوصفها أداة لتحديث تقنية المعلومات أو خفض التكلفة أو زيادة المرونة التشغيلية. لكن أجمل يعدّ أنها أصبحت شرطاً من شروط الصمود، لا خياراً تقنياً جانبياً.

ويقول إن «السحابة المتعددة والهجينة لم تعد مجرد استراتيجية لتحديث تقنية المعلومات، بل أصبحت ضرورة للمرونة». فالمؤسسات التي تعتمد على مزود واحد أو موقع مادي واحد تخلق نقطة فشل قد تؤثر في جميع خدماتها إذا وقع خلل كبير.

لا يعني توزيع الأعباء بين بيئات سحابية متعددة ومراكز بيانات داخلية تعقيد التشغيل بلا هدف، بل يتيح للمؤسسة نقل الخدمات أو إعادة تشغيلها عبر بيئة أخرى عند حدوث خلل. ومع ذلك، لا تنجح هذه المقاربة إلا إذا رافقها تصميم واضح للحوكمة وإدارة الهوية وحماية البيانات وتوحيد الرؤية التشغيلية بين البيئات المختلفة.

يجب أن يدعم الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان في رصد الأعطال والهجمات من دون أن يحل محل الإشراف البشري (غيتي)

الأمن المادي والسيبراني كمنظومة واحدة

تتغير كذلك طريقة النظر إلى الدفاعات الأمنية حيث أن حماية مراكز البيانات لم تعد مسؤولية منفصلة عن فرق الأمن السيبراني، لأن الاختراق المادي قد يتحول إلى هجوم رقمي، والعكس صحيح.

ويفسر أجمل معنى الدفاع المادي السيبراني المتكامل بأنه يشبه «كسر الجدار بين حارس الأمن عند البوابة ومهندس الأمن أمام لوحة المفاتيح». فإذا أُدخلت وحدة تخزين خارجية مشبوهة إلى خادم داخل مركز بيانات، أو جرى استنساخ بطاقة دخول مادية، يجب أن تلتقط أنظمة المراقبة الرقمية الإشارة فوراً وتطلق الاستجابة المناسبة.

هذا التكامل ضروري في القطاعات الحيوية، حيث قد يؤدي خلل بسيط في الوصول المادي أو الهوية الرقمية إلى تعطيل خدمة واسعة. ولا يمكن بناء المرونة هنا عبر كاميرات مراقبة منفصلة أو أدوات أمن سيبراني منفردة، بل عبر منظومة تربط سجلات الدخول وحركة الشبكة وسلوك المستخدمين ومراقبة الأجهزة وخطط الاستجابة للحوادث.

الاختبار الواقعي لا الخطط النظرية

يؤكد أجمل أن أكثر نقاط الضعف شيوعاً في خطط التعافي من الكوارث لا تكمن فقط في ضعف الوثائق، بل في غياب الاختبار الواقعي. فالكثير من المؤسسات تمتلك خططاً مكتوبة، لكنها لا تعرف كيف ستعمل هذه الخطط تحت ضغط أزمة حقيقية.

ويفيد بأن «العيب القاتل غالباً هو عدم كفاية الاختبارات الواقعية»، لأن الخطط غير المختبرة تبقى افتراضات. وقد تتعطل عند أول أزمة بسبب غموض المسؤوليات، أو عدم واقعية أهداف التعافي، أو تجاهل الاعتماد على مزودين خارجيين، أو المبالغة في قدرة موقع بديل على تحمل الضغط.

ويجب أن يفهم أعضاء مجالس الإدارة مؤشرات التعافي بلغة الأعمال لا بلغة التقنية فقط. فزمن التعافي لا يعني رقماً في وثيقة تقنية، بل يعني: كم من الوقت تستطيع المؤسسة أن تبقى خارج الخدمة؟ أما نقطة التعافي فتعني: كم ساعة من البيانات يمكن أن تخسرها المؤسسة إلى الأبد؟

ويحذر أجمل من أن الاعتماد على طرف ثالث قد يغير هذه الأرقام كلياً. فقد تظن المؤسسة أن تطبيقاً حرجاً يمكن استعادته خلال ساعة، لكن إذا كان يعتمد على مزود خارجي يحتاج إلى 24 ساعة للتعافي، فإن الزمن الحقيقي لعودة الخدمة يصبح 24 ساعة. وهذه، كما يقول، هي «النقطة العمياء التي يجب على مجالس الإدارة كشفها».

سيادة البيانات والإقامة المحلية لم تعودا كافيتين وحدهما لضمان المرونة التقنية واستمرار الخدمات (غيتي)

قطاعات تحت ضغط أكبر

تواجه قطاعات المال والرعاية الصحية والطاقة والاتصالات الضغط الأكبر لإعادة التفكير في المرونة التقنية. فهذه القطاعات تشكل جزءاً من البنية الحرجة، وتخضع لتنظيمات صارمة، وتعد أهدافاً رئيسية للهجمات السيبرانية.

كما أن تنفيذ الرؤى الاقتصادية الطموحة في الشرق الأوسط يزيد مستوى الرقمنة داخل هذه القطاعات، ما يوسع سطح الهجوم ويجعل التوقف أكثر تكلفة. وكلما أصبحت الخدمات أكثر اعتماداً على المنصات الرقمية، ازداد تأثير أي خلل في السحابة أو الاتصال أو الأمن السيبراني في الاقتصاد والمجتمع.

وتؤدي تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في دعم المرونة، من خلال اكتشاف الشذوذ بسرعة، والتنبؤ بأعطال البنية التحتية، وأتمتة بعض إجراءات الاستجابة. لكن أجمل يحذر من الثقة المفرطة بالخوارزميات، قائلاً إن الذكاء الاصطناعي «سلاح ذو حدين». فهو، من جهة، يساعد على رصد الشذوذ خلال أجزاء من الثانية والتنبؤ بالأعطال، لكنه، من جهة أخرى، قد يخلق نقاط ضعف جديدة إذا اعتمدت الفرق عليه من دون رقابة بشرية، خصوصاً في ظل مخاطر تحيز النماذج، أو تسميم البيانات، أو الهجمات المصممة لخداع الأنظمة الذكية. ويختصر موقفه بالقول إن الذكاء الاصطناعي يجب أن «يعزز الذكاء البشري، لا أن يستبدل الإشراف البشري».

من الامتثال إلى الميزة التنافسية

خلال السنوات الثلاث المقبلة، يعد باحثون أن الفجوة ستتسع بين المؤسسات التي تتعامل مع المرونة كمتطلب امتثال، وتلك التي تنظر إليها كأصل استراتيجي. فالأولى قد تفي بالحد الأدنى من المتطلبات التنظيمية، لكنها تظل معرضة للتوقف عند أول أزمة مركبة. أما الثانية، فتستثمر في الاختبار المستمر، والدفاعات المتكاملة، والسحابة متعددة البيئات، وفهم الاعتماد على الموردين. ويلفت أجمل أن المؤسسات الفائزة «لا تخطط فقط للنجاة من الاضطراب، بل تضع نفسها في موقع يمكنها من تحقيق ميزة تنافسية بينما يكون منافسوها خارج الخدمة».

بهذا المعنى، لم تعد المرونة التقنية مشروعاً داخلياً لقسم تقنية المعلومات، بل قضية استراتيجية على مستوى الإدارة العليا. فالأسئلة الحاسمة لم تعد أين توجد البيانات فقط، بل كيف تستمر الخدمات عند تعطل البنية، ومن يملك القرار وقت الأزمة، وما مدى واقعية اختبارات التعافي، وهل تستطيع المؤسسة مواصلة العمل عندما تتداخل أزمة مادية مع خلل رقمي وهجوم سيبراني في الوقت نفسه.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

علوم الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

غالبية الدول توظفه لكنها لا تمتلك استراتيجية وطنية مخصصة للذكاء الاصطناعي الصحي

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)

خاص ثغرة أمنية في ماسحات «الباركود» تفتح مسار هجوم يهدد تشغيل المستودعات

تكشف «كاسبرسكي» كيف قد تتحول ماسحات «الباركود» إلى بوابة نحو أنظمة المستودعات الحساسة ما يهدد استمرارية التشغيل وحركة البضائع.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
تكنولوجيا الصفحة الرئيسية لموقع الهيئة الوطنية البريطانية للأمن السيبراني تظهر على شاشة هاتف ذكي في لندن اليوم (رويترز)

مواقع إلكترونية عالمية تتوقف مؤقتاً بعد اكتشاف الذكاء الاصطناعي ثغرتين خطيرتين

شهدت شبكة الإنترنت حالة من الاستنفار الأمني عقب اكتشاف الذكاء الاصطناعي لثغرتين خطيرتين في لغة البرمجة «بي إتش بي PHP».

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تنظر خوارزمية التنبؤ بمخاطر الوفيات وخوارزمية تقدير العمر إلى أجزاء مختلفة من الوجه لإجراء تقييماتها (مؤسسة «ماس جنرال بريغهام» في بوسطن)

عبر الذكاء الاصطناعي... صورة للوجه تتنبأ بفرص نجاة مرضى السرطان

قد تحمل صورة سيلفي بسيطة مؤشرات مفاجئة على الصحة العامة ومتوسط العمر المتوقع، خصوصاً لدى المصابين بالسرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)

خاص «ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

تواجه «ميتا» احتيالاً رقمياً عابراً للمنصات عبر الرصد التقني والتحقق من المعلنين والتوعية بالتعاون مع جهات سعودية وشركاء عالميين.

نسيم رمضان (لندن)

ثغرتان خطيرتان تهددان مواقع الإنترنت والتطبيقات في إحدى لغات البرمجة

ثغرتان في «PHP» قد تسمحان باختراق الخوادم والوصول إلى بيانات حساسة (php)
ثغرتان في «PHP» قد تسمحان باختراق الخوادم والوصول إلى بيانات حساسة (php)
TT

ثغرتان خطيرتان تهددان مواقع الإنترنت والتطبيقات في إحدى لغات البرمجة

ثغرتان في «PHP» قد تسمحان باختراق الخوادم والوصول إلى بيانات حساسة (php)
ثغرتان في «PHP» قد تسمحان باختراق الخوادم والوصول إلى بيانات حساسة (php)

أطلقت وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) تحذيراً أمنياً عاجلاً بشأن ثغرتين خطيرتين في لغة البرمجة «PHP»، قد تسمحان للمهاجمين بتنفيذ أوامر عن بُعد والسيطرة على خوادم مواقع الإنترنت دون الحاجة إلى تسجيل الدخول أو امتلاك حساب في الخادم.

وجاء التحذير في تاريخ 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، مع توصية واضحة للمؤسسات وأصحاب المواقع بتثبيت التحديثات الأمنية فوراً، بل وفصل الأنظمة المتأثرة عن الإنترنت مؤقتاً إذا تعذر تحديثها حتى يتم تأمينها بالكامل.

وتحمل الثغرتان الرمزين «CVE-2026-109618» و«CVE-2026-109619» وحصلتا على درجة خطورة تصل إلى 9.2 من 10، وتكمن خطورتهما في وجودهما داخل «PHP» نفسها، وليس في تطبيق أو إضافة معينة تعمل فوقها.

الذكاء الاصطناعي يُسهِم في اكتشاف الثغرتين

اكتشف الثغرتين عدةُ فرق أمنية بشكل مستقل، من بينها شركة «كاليف» وفريق «ويز ريسيرش»، ثم جرى التنسيق مع فريق تطوير «PHP» وشركة «أوبن إيه آي» لمعالجتهما.

وبدأت «كاليف» فحص «PHP» في نهاية يوليو (تموز) 2026، قبل أن تكشف في أغسطس (آب) عن ثغرة تسمح بتنفيذ أوامر عن بُعد. وفي الفترة نفسها، توصلت «أوبن إيه آي» و«ويز» إلى نتائج مرتبطة بالمشكلة وطرق إضافية لاستغلالها.

وكان للذكاء الاصطناعي دور بارز في الاكتشاف، إذ استخدم الباحثون نماذج وأدوات من «أوبن إيه آي» و«غوغل» للمساعدة في تحليل الثغرات واختبار طرق استغلالها والإصلاحات المقترحة.

واللافت أن بعض الأخطاء المسببة لهذه الثغرات كانت موجودة داخل «PHP» منذ أكثر من عشر سنوات، لكن صعوبة استغلالها أخفت خطورتها لفترة طويلة، قبل أن تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة الباحثين على كشفها بشكل أعمق.

ماذا يستطيع المهاجم فعله؟

الخطر لا يقتصر على تعطيل الموقع، إذ قد تسمح الثغرات بتنفيذ أوامر على الخادم من دون تسجيل الدخول، ما قد يمنح المهاجم القدرة على الوصول إلى أجزاء حساسة من النظام والسيطرة عليها بحسب إعدادات الخادم والصلاحيات المتاحة.

وفي الاختبارات العملية، نجح الباحثون في تنفيذ هجمات على بيئات تستخدم «WordPress» و«Drupal» و«Joomla» مع التأكيد أن المشكلة ليست موجودة في هذه الأنظمة نفسها، وإنما في «PHP» التي تعمل تحتها. وحتى تطبيق «PHP» بسيط قد يكون معرضاً إذا كان يعمل على إصدار متأثر.

كما أظهر الباحثون إمكانية قراءة بيانات حساسة مباشرة من ذاكرة «PHP»، ومن بينها كلمات المرور والرموز الأمنية ومفاتيح «API» حتى في بعض الحالات التي لا يصل فيها المهاجم إلى مرحلة السيطرة الكاملة على الخادم.

وقد يؤدي الاستغلال الناجح، بحسب طبيعة الموقع وإعدادات الخادم، إلى سرقة البيانات، والعبث بالموقع أو تغيير محتواه، والوصول إلى معلومات المستخدمين، وسرقة مفاتيح الخدمات والرموز الأمنية، أو تنفيذ أوامر داخل الخادم.

وتؤثر المشكلة في عدد من بيئات تشغيل «PHP» الشائعة، من بينها «PHP-FPM» و«php-cgi» و«FrankenPHP» و«LiteSpeed» و«Apache mod_php»، بينما يعتبر فريق «PHP» أن الخطورة أعلى في بيئة «mod_php».

تحديثات أمنية عاجلة

أصدر فريق «PHP» تحديثات أمنية لمعالجة الثغرتين، وتشمل «PHP 8.5.12» و«PHP 8.4.2» و«PHP 8.3.36» و«PHP 8.2.35»، داعياً جميع المستخدمين إلى التحديث فوراً.

وأكد الفريق أن الحل الكامل هو تثبيت التحديث الأمني الجديد، وأن الإجراءات المؤقتة يمكنها تقليل بعض مسارات الهجوم لكنها لا توفر حماية كاملة.

أما الأنظمة التي لا تزال تعمل بإصدار «PHP 8.1» أو أقدم، فلم تعد تحصل على تحديثات أمنية اعتيادية مباشرة من مشروع «PHP»، رغم توفير بعض الإصلاحات المحدودة للإصدارات القديمة ومواصلة بعض مزودي أنظمة التشغيل والدعم طويل الأجل تقديم تحديثاتهم الخاصة.

ولا تعني حماية الموقع في هذه الحالة مجرد تحديث «ووردبريس» أو القوالب والإضافات؛ لأن أصل المشكلة موجود داخل «PHP» نفسها. لذلك يحتاج أصحاب المواقع إلى التأكد من إصدار «PHP» المستخدم على الخادم، سواء من خلال لوحة الاستضافة أو عبر شركة الاستضافة ومسؤول النظام.


تطبيق يختصر تحويل وتعديل الملفات إلى خطوات بسيطة

تحويل وتعديل الملفات مباشرة أثناء سحبها على «ماك»
تحويل وتعديل الملفات مباشرة أثناء سحبها على «ماك»
TT

تطبيق يختصر تحويل وتعديل الملفات إلى خطوات بسيطة

تحويل وتعديل الملفات مباشرة أثناء سحبها على «ماك»
تحويل وتعديل الملفات مباشرة أثناء سحبها على «ماك»

يقدم تطبيق «Tangerine» على أجهزة «ماك» العاملة بنظام «macOS» مفهوماً مختلفاً للتعامل مع الملفات، إذ ينقل أدوات التحويل والتعديل إلى مؤشر المستخدم مباشرة، بما يسمح بتحويل الصور والفيديو والمستندات أو إجراء تعديلات عليها أثناء سحب الملف، من دون الحاجة إلى فتح برنامج منفصل أو رفعه إلى أحد مواقع التحويل عبر الإنترنت.

وتقوم فكرة التطبيق على اختصار سلسلة من الخطوات المعتادة. فبدلاً من فتح برنامج، ثم استيراد الملف، واختيار الصيغة المطلوبة وتصديره من جديد، يكفي سحب الملف والضغط على أحد أزرار لوحة المفاتيح لإظهار الأدوات المناسبة حول المؤشر، ثم اختيار الأداة المطلوبة مباشرة.

ثلاثة أزرار تفتح أدوات التطبيق

عند سحب الملف والضغط على زر «Shift» في لوحة المفاتيح، تظهر قائمة بالصيغ التي يمكن التحويل إليها، بينما يفتح زر «Command» أدوات التعديل المتوافقة مع نوع الملف.

أما زر «Control» فيوفر إجراءات مرتبطة بإدارة الملفات، من بينها الإرسال عبر خاصية «AirDrop»، ونسخ الملف أو نقله، ونسخ مساره، وفتح موقعه عبر «Terminal»، إضافة إلى ميزة «Float» التي تتيح الاحتفاظ بالملف في مساحة عائمة مؤقتة على الشاشة.

أدوات سريعة لتحويل الصور والفيديو والصوت والمستندات

تحويل بين 275 صيغة ومساراً

يوفر التطبيق 275 خياراً للتحويل بين أنواع مختلفة من الملفات، تشمل الصور والفيديو والصوت وملفات PDF والمستندات والعروض التقديمية وجداول البيانات والترجمات والملفات المضغوطة.

ويدعم في الصور صيغاً مثل JPG وPNG وWebP وHEIC وTIFF وAVIF، بينما تشمل صيغ الفيديو MP4 وMOV وMKV وWebM وAVI، إلى جانب عدد من صيغ الصوت والمستندات.

كما يمكن تحويل ملفات PDF إلى صيغ من بينها Word وPowerPoint وExcel وJPG وPNG وEPUB والنصوص.

أكثر من 26 أداة إضافية

ولا تقتصر وظيفة التطبيق على تغيير الصيغ، إذ يضم 26 أداة متقدمة لمعالجة الملفات، تشمل ضغط الصور والملفات، وتعديل البيانات الوصفية، وقص الصور وتحسينها وإضافة الشروحات إليها، وإنشاء الصور المجمعة وحجب الوجوه أو النصوص الحساسة.

وبالنسبة إلى الفيديو، يتيح التطبيق القص وتغيير الأبعاد والسرعة ودمج المقاطع وتقسيمها واستخراج إطارات ثابتة منها، إضافة إلى حجب أجزاء حساسة داخل الفيديو.

ويضم كذلك أدوات لمعالجة الصوت، من بينها ضبط مستوى الصوت وقص التسجيلات وتحويل القنوات الصوتية وحجب أجزاء منها، إلى جانب أدوات لدمج ملفات PDF وإعادة ترتيب صفحاتها.

ميزة «Float» تضع الملفات في رف عائم بجوار أدوات التعديل

معالجة محلية تحافظ على الخصوصية

وتبرز الخصوصية بوصفها إحدى النقاط الرئيسية في «Tangerine»، إذ تتم عمليات التحويل والتعديل محلياً على الجهاز من دون رفع الملفات إلى خوادم خارجية، مع إنشاء نسخة جديدة بعد المعالجة والإبقاء على الملف الأصلي دون تغيير.

ويعمل التطبيق على أجهزة «ماك» بسعر 29.99 دولار أميركي بعملية شراء لمرة واحدة، مع تجربة مجانية محدودة تتيح تنفيذ ما يصل إلى 20 عملية تحويل قبل الشراء.

وبذلك يقدم «Tangerine» فكرة بسيطة وعملية لاختصار خطوات التعامل مع الملفات وتحويلها وتعديلها مباشرة من مكانها، مع الحفاظ على الخصوصية وتقليل الاعتماد على البرامج والخدمات الخارجية.


ثغرة أمنية في ماسحات «الباركود» تفتح مسار هجوم يهدد تشغيل المستودعات

كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)
كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)
TT

ثغرة أمنية في ماسحات «الباركود» تفتح مسار هجوم يهدد تشغيل المستودعات

كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)
كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)

قد لا يحتاج المهاجم، في سيناريو كشفه باحثون في شركة «كاسبرسكي»، إلى استهداف الخادم الرئيسي أو اختراق منصة سحابية معقدة لبدء هجوم على مستودع متصل. فقد تكون نقطة البداية ماسح «باركود» لاسلكياً يمر يومياً بين أيدي العاملين لمسح الرموز على الصناديق والبضائع.

المفارقة أن الماسح ليس الهدف الحقيقي. ففي السيناريو الذي عرضه باحثو الشركة خلال مؤتمر «Security Analyst Summit 2026» في بالي، والذي حضرته «الشرق الأوسط»، تكمن أهميته في كونه جسراً أولياً إلى حاسوب داخل بيئة المستودع، ومنه إلى أنظمة أكثر حساسية، أبرزها (نظام إدارة المستودع) «WMS» الذي يحدد مواقع البضائع ومسار حركتها داخل المنشأة.

وأظهرت مراجعة أمنية أجرتها «Kaspersky Security Services» لنظام رقمي خاص بالمستودعات وجود مسار هجوم في نموذج واسع الاستخدام من ماسحات «الباركود»، يرتبط بعدم وجود آلية مصادقة بين الماسح المحمول ومحطته الأساسية. ووفق الشركة، يمكن لمهاجم داخل نطاق الاتصال اللاسلكي، وفي ظروف محددة، إرسال إدخالات تحاكي ضغطات لوحة المفاتيح إلى الحاسوب المتصل بالمحطة، بما قد يسمح بتنفيذ أوامر غير مصرح بها. وتقول «كاسبرسكي» إنها لاحظت النمط نفسه في أجهزة من أكثر من مورّد.

حيدر كبيبو اختصاصي أمن التطبيقات في «Kaspersky Security Services» (الشرق الأوسط)

من جهاز بسيط إلى نقطة دخول

يوضح حيدر كبيبو، اختصاصي أمن التطبيقات في «Kaspersky Security Services»، خلال مقابلة مع «الشرق الأوسط» في بالي، أن الأجهزة المستخدمة في البيئات الصناعية والتشغيلية تُصمم أحياناً مع أولوية واضحة لأداء وظيفتها اليومية، بينما لا يحظى الأمن بالمستوى نفسه من الاهتمام منذ مرحلة التصميم.

ويقول إن فريقه لم يتفاجأ تماماً بالعثور على ضعف من هذا النوع، لأنه يجري تقييمات أمنية على عدد كبير من الأجهزة المستخدمة في بيئات أنظمة التحكم الصناعي. لكن غياب المصادقة دفع الباحثين إلى اختبار كيفية استغلال هذا الضعف ضمن مسار هجوم يمكن أن يمنح المهاجم موطئ قدم أولياً داخل المستودع.

عشرون متراً... لكن بشروط

يشدد الباحث على أن تحويل السيناريو التجريبي إلى هجوم حقيقي خارج المختبر ليس عملية تلقائية أو سهلة بالضرورة. ويشرح أن المهاجم، في السيناريو الذي اختبره الفريق، يحتاج إلى الاقتراب إلى نحو 20 متراً من ماسح «الباركود»، إضافة إلى الحصول على عنوان «بلوتوث» الخاص بالجهاز أو المحطة، وهو ما يقول إنه يمكن الحصول عليه بطرق مختلفة.

لكن وجود المهاجم على هذه المسافة لا يعني بالضرورة تسلل شخص غريب إلى المنشأة. فبحسب نموذج الهجوم الذي اختبره الفريق، يمكن أن يكون الشخص موجوداً أصلاً في محيط المستودع ويتمتع بوصول محدود إليه، مثل سائق يدخل إلى جزء من الموقع، أو موظف داخلي في حال إساءة استخدام صلاحياته.

وبذلك تتحول المسألة من مجرد حماية حدود المستودع إلى سؤال أوسع يتعلق بما يستطيع شخص موجود بالفعل في محيط العمل الوصول إليه من خلال جهاز يُنظر إليه عادة باعتباره منخفض المخاطر.

لا تقتصر المخاطر على ماسحات «الباركود» بل قد تشمل أجهزة البيانات المحمولة والطابعات الحرارية أيضاً (أدوبي)

كيف يحدث الهجوم؟

في السيناريو الذي عرضته «كاسبرسكي»، يتصل ماسح «الباركود» المحمول بمحطة أساسية، بينما تتصل هذه المحطة بحاسوب أو نظام أعمال يستخدمه الموظفون. وتذكر الشركة أن غياب المصادقة بين الماسح والمحطة الأساسية يمكن أن يسمح لمهاجم قريب بإنشاء اتصال عبر «بلوتوث»، ثم إرسال حمولة تحاكي ضغطات لوحة المفاتيح. وتقوم المحطة بعد ذلك بتمرير هذه الإدخالات إلى الحاسوب المتصل بها كما لو كانت أوامر شرعية صادرة من المستخدم، ما قد يسمح، وفق ظروف البيئة وإعداداتها، بتنفيذ أوامر على الجهاز من دون تفاعل مباشر من الموظف. ومن هنا تبدأ أهمية المسار الذي يلي عملية الاختراق الأولى، وليس الماسح نفسه.

الهدف الأكثر حساسية

بحسب سيرغي سيدوروف، رئيس خدمات الأمن الصناعي في الشركة، تكمن الحساسية الأكبر في احتمال الانتقال من نقطة الدخول الأولى إلى نظام إدارة المستودع «WMS»، وهو النظام الذي تعتمد عليه العمليات اليومية لمعرفة مواقع البضائع، وأماكن تخزينها، والمسارات التي يجب أن تسلكها داخل المنشأة.

ويوضح خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن استهداف ذراع روبوتية أو آلة فرز قد يبطئ جزءاً من العمل، لكن تعطيل نظام إدارة المستودع يمكن أن يؤدي إلى نتيجة أوسع بكثير، لأنه قد يوقف العملية برمتها.

فإذا توقف «WMS»، قد لا يعرف الموظفون أين ينبغي نقل البضائع، أو أين يجب وضعها، أو ما الخطوة التالية في حركة المخزون، لأن هذه المعلومات تدار من خلال النظام.

وتزداد حساسية هذه النقطة لأن ماسحات «الباركود» وأجهزة البيانات المحمولة تحتاج في الأساس إلى الاتصال بنظام إدارة المستودع كي تؤدي وظائفها. ولذلك لا يمكن ببساطة فصلها عنه بصورة كاملة.

ويشير سيدوروف إلى أن حصول المهاجم على الوصول إلى الجهاز المضيف المرتبط بالماسح أو إلى محطة بيانات محمولة قد يمنحه وصولاً شبكياً إلى «WMS» في البيئات التي تعتمد هذا النوع من الاتصال.

وبذلك لا تصبح المشكلة مجرد اختراق ماسح «باركود»، بل احتمال أن يقود جهاز بسيط إلى النظام المركزي الذي تعتمد عليه حركة المستودع من بدايتها إلى نهايتها.

سيرغي سيدوروف رئيس خدمات الأمن الصناعي في «كاسبرسكي» (الشرق الأوسط)

المشكلة قد تتجاوز مورّداً واحداً

تقول «كاسبرسكي» إن الباحثين لاحظوا نمطاً مشابهاً في أجهزة من أكثر من مورّد، ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت المشكلة تتجاوز منتجاً واحداً. ويميز سيدوروف بين مستويين؛ الأول يتعلق بكيفية تطبيق الاتصال، خصوصاً «بلوتوث»، في بعض ماسحات «الباركود» وغياب ضوابط المصادقة المناسبة، بينما يرتبط المستوى الثاني بتصميم شبكة المستودع نفسها. فكلما كانت الأجهزة الطرفية والأنظمة الحساسة قادرة على التواصل فيما بينها بصورة أوسع مما تتطلبه العمليات، ازدادت الخيارات المتاحة أمام مهاجم تمكن من الحصول على نقطة الدخول الأولى. ومن هنا تبرز أهمية تقسيم الشبكة بحيث تُسمح فقط بالاتصالات الضرورية للعمل، بدلاً من عزل شامل قد يمنع الأجهزة من أداء وظائفها الأساسية.

أجهزة أخرى تحت الخطر

لا تقتصر المسألة على ماسحات «الباركود». يلفت سيدوروف إلى أجهزة البيانات المحمولة التي يستخدمها العاملون داخل المستودعات لمسح البضائع وتسجيل مواقعها وإرسال هذه المعلومات إلى نظام الإدارة. وهذه الأجهزة تعمل عملياً كحواسيب صغيرة، مما يجعل السيطرة عليها قادرة على توفير نقطة انطلاق أخرى إلى البيئة الداخلية. ويقول إن مهاجماً يسيطر على أحد هذه الأجهزة، أو شخصاً ينتحل دور عامل في المستودع ويتمكن من استخدامه، قد يحصل على مستوى من الوصول يتيح له محاولة الانتقال إلى أنظمة أخرى.

كما بحث الفريق سيناريوهات مرتبطة بالطابعات الحرارية، حيث يمكن أن تتيح مشكلات في الإعداد أو الاتصال عبر «بلوتوث» نقطة دخول إضافية، يمكن بعدها محاولة توسيع الهجوم داخل بيئة المستودع.

وهذا يوسع نطاق القضية من ثغرة مرتبطة بجهاز واحد إلى سؤال أوسع حول مستوى الحماية في الأجهزة التشغيلية التي تبدو محدودة الوظيفة، لكنها تتمتع باتصالات داخلية تسمح لها بالتفاعل مع أنظمة أكثر أهمية.

توصي «كاسبرسكي» بمحاكاة مسار المهاجم داخل المنشأة لتحديد نقاط الضعف وترتيبها بحسب الأولوية (أدوبي)

ضوابط حماية الأجهزة

عندما سُئل سيدوروف عما إذا كانت المستودعات تضيف الأجهزة المتصلة بوتيرة أسرع من تطبيق وسائل الحماية، قال إن ذلك يحدث بالفعل في بعض الحالات. ويرى أن جزءاً من المشكلة يبدأ لدى بعض الشركات المصنعة التي لا تتبع بصورة كافية ممارسات دورة حياة تطوير آمنة، بينما يظهر جزء آخر لدى الجهات المشغلة عندما لا تكون هناك ضوابط واضحة لتأمين المعدات التشغيلية وإدارة التحديثات وضبط إعدادات الأجهزة.

وتزداد المهمة صعوبة عندما يضم المستودع آلاف الأجهزة المتصلة، إذ يصبح من الصعب التعامل أمنياً مع كل جهاز بصورة منفردة. ويضرب سيدوروف مثالاً بالحاجة إلى منع الاتصال المباشر بين ماسحات «الباركود» والأذرع الروبوتية إذا لم تكن هناك ضرورة تشغيلية لذلك، وكذلك الحد من الاتصالات بين فئات مختلفة من الأنظمة الآلية. الفكرة ليست في قطع الاتصال الذي تحتاجه المنشأة كي تعمل، بل في تقليص مساحة الحركة التي يمكن أن يستفيد منها المهاجم بعد الحصول على موطئ قدم أولي.

تأثيرات الهجوم

لا يرى سيدوروف أن النتيجة الأخطر لهجوم على مستودع تقتصر على إصابة جهاز أو فقدان بعض البيانات. فإذا وصل الهجوم إلى الأنظمة التي تعتمد عليها العمليات، يمكن أن يؤدي إلى توقف التشغيل، وبالتالي خسائر مالية وتأخير وصول الطلبات إلى العملاء.

ويميز هنا بين المستودعات وقطاعات صناعية أخرى مثل النفط والغاز، حيث قد تتجاوز آثار هجوم على الأنظمة التشغيلية الخسائر الاقتصادية لتصل إلى جوانب تتعلق بالسلامة البشرية أو البيئة.

أما في المستودعات، فإن الأثر الأكثر مباشرة يتمثل في تعطل العمليات وانقطاع حركة البضائع. ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع الحجم المتزايد للتجارة الإلكترونية. وتقول «كاسبرسكي» إن مبيعات التجارة الإلكترونية عالمياً قاربت الضعف منذ 2019 لتتجاوز 6 تريليونات دولار، وهو رقم تستخدمه الشركة للإشارة إلى حجم النشاط الاقتصادي الذي أصبحت البنى اللوجستية الرقمية مسؤولة عن دعمه.

يمكن أن يبدأ الهجوم من جهاز بسيط ثم يمتد إلى أنظمة أكثر حساسية داخل البيئة التشغيلية (أدوبي)

ماذا يجب أن يُفحص أولاً؟

بالنسبة إلى شركة لوجستية تريد معرفة ما إذا كانت أجهزتها تخلق مساراً مماثلاً للهجوم، لا يرى سيدوروف أن البداية تكون بفحص ماسح بعينه أو بشراء منتج أمني محدد.

ويقول إن الخطوة الأولى هي إجراء تمرين عملي يرسم المسار الذي يمكن لمهاجم حقيقي اتباعه داخل المنشأة: من أين يستطيع الدخول؟ وإلى أي جهاز يمكنه الوصول؟ وما الأنظمة التي يمكن لذلك الجهاز التواصل معها؟ وهل يستطيع الانتقال منها إلى أنظمة أكثر حساسية؟

بعد ذلك، يمكن إنشاء خريطة لترتيب نقاط الضعف بحسب الأولوية، ثم تطبيق الإجراءات المناسبة، من تحديث الأنظمة وتقسيم الشبكات إلى ضبط إعدادات الشبكة والتطبيق وإضافة آليات للرصد والمنع.

ويشدد الباحثون كذلك على أهمية وجود آلية واضحة لإدارة التحديثات وتطبيق التصحيحات الأمنية عندما يصدرها المصنعون، بدلاً من ترك أعداد كبيرة من الأجهزة تعمل بإصدارات قديمة. كما ينبغي، وفق الباحثين، ألا تفترض اختبارات مسارات الهجوم دائماً وجود مهاجم مجهول من الخارج، بل أن تشمل أيضاً شخصاً يمتلك بالفعل مستوى من الوصول المشروع إلى الموقع أو الأنظمة.

من مؤتمر «Security Analyst Summit 2026» الذي تعقده «كاسبرسكي» في بالي في دورته الثامنة عشرة (الشرق الأوسط)

من مؤتمر «SAS» في بالي

قُدمت نتائج البحث خلال مؤتمر «Security Analyst Summit 2026» المنعقد في بالي بين 20 و23 أكتوبر (تشرين الأول)، في دورته الثامنة عشرة.

ويجمع المؤتمر مئات الباحثين في الأمن السيبراني وممثلين عن جهات إنفاذ القانون وفرق الاستجابة للطوارئ الحاسوبية «CERTs» ومسؤولين من قطاعات متعددة، بينما يناقش برنامجه هذا العام موضوعات تشمل الذكاء الاصطناعي، والهجمات المتقدمة، والبرمجيات الخبيثة، والثغرات واستخبارات التهديدات.

ومن بين الجلسات التي حضرتها «الشرق الأوسط» في المؤتمر، عرض لفريق البحث والتحليل العالمي «GReAT» في «كاسبرسكي» حول «Operation FlashHole»، وهي حملة تجسس إلكتروني نسبتها الشركة إلى مجموعة «Lazarus».

وقالت «كاسبرسكي» إن الحملة نشطة منذ يوليو (تموز) 2025 على الأقل، وأثرت في ثلاث مؤسسات على الأقل في كوريا الجنوبية تعمل في قطاعات البناء والبرمجيات وتصنيع معدات الاتصالات السلكية.

واستخدم المهاجمون، وفق البحث، رسائل تصيد موجهة وبرمجيات مشروعة ضمن سلسلة الهجوم، إلى جانب أدوات خبيثة محدثة وأخرى لم تكن موثقة سابقاً. كما عثر الباحثون على صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لشخصية وظيفية وهمية ضمن مواقع استُخدمت كطُعم للضحايا.

ومن أبرز تفاصيل العرض استخدام نسخة محدثة من إحدى أدوات المجموعة تشفيراً ما بعد كمي لحماية اتصالات البرمجيات الخبيثة، بينما قالت «كاسبرسكي» إن الأدلة التي جمعتها ترجع استخدام المجموعة لهذا النوع من التشفير إلى سبتمبر (أيلول) 2024 على الأقل.