إقليم دارفور: المدنيون يعيشون أوضاعاً كارثية

قلق أميركي من «انتهاكات جسيمة» لحقوق الإنسان

سودانية من مدينة الجنينة غرب دارفور نزحت إلى تشاد تبكي بعد علمها بوفاة أقرباء لها الثلاثاء الماضي (رويترز)
سودانية من مدينة الجنينة غرب دارفور نزحت إلى تشاد تبكي بعد علمها بوفاة أقرباء لها الثلاثاء الماضي (رويترز)
TT

إقليم دارفور: المدنيون يعيشون أوضاعاً كارثية

سودانية من مدينة الجنينة غرب دارفور نزحت إلى تشاد تبكي بعد علمها بوفاة أقرباء لها الثلاثاء الماضي (رويترز)
سودانية من مدينة الجنينة غرب دارفور نزحت إلى تشاد تبكي بعد علمها بوفاة أقرباء لها الثلاثاء الماضي (رويترز)

يشهد إقليم دارفور السوداني وضعاً كارثياً، وسط القذائف التي تتساقط على أجساد المدنيين الذين أنهكتهم الحرب، والإبادة الجماعية التي شهدها الإقليم قبل عقدين من الزمان وازدياد المخاوف من تكرارها بالحرب المندلعة في البلاد منذ أبريل (نيسان) الماضي.

ويتوقع المراقبون ازدياد حالات العنف ضد المدنيين بسبب احتدام المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، واتساع نطاق النزاعات القبلية، واحتمالات تحولها لعمليات تطهير ضد عرقيات محددة.

وقال الناطق الرسمي باسم حكومة الإقليم مصطفى جميل، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأوضاع سيئة للغاية وإن ارتدادات الحرب ستكون خطيرة على سكان الإقليم وعلى البلاد بشكل عام.

دمار سببته الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في إقليم دارفور الملاصق لمنطقة كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

ووفقاً لجميل، فإن مدينة الفاشر لا تزال تشهد مناوشات بين المتحاربين، تنذر بمعارك وشيكة.

وكان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، حذر من مغبة هجوم متوقع لقوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، يعرض حياة النازحين للخطر، وحث الطرفين على وقف القتال.

وسيطرت «قوات الدعم» على مقر الجيش في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، بعد استيلائها على حاميات الجيش في كل من نيالا، عاصمة جنوب دارفور، وزالنجي، حاضرة وسط دارفور، ويخشى تحركها للسيطرة على الفاشر، عاصمة شمال دارفور، التي تؤوي أعداداً كبيرة من النازحين الجدد، إضافة إلى النازحين القدامى في المعسكرات.

وتقول تقارير غير رسمية إن المعارك في دارفور أدت لمقتل أكثر من 4 آلاف شخص، بينما لجأ الآلاف إلى دول الجوار، ونزح مئات الآلاف بحثاً عن الأمان في مدينة الفاشر.

سودانيون ينزحون إلى تشاد هرباً من المعارك الثلاثاء الماضي (رويترز)

ووصف الناطق باسم حكومة دارفور مصطفى جميل، الأوضاع في الإقليم بأنها «تشهد اضطراباً فوق العادة»، تسبب في شح للمواد الأساسية والطبية، بما في ذلك مياه الشرب، وأن الباحث عنها يتعرّض لمخاطر.

وقال شهود محليون إن الأيام الماضية شهدت نزوح مواطنين إلى معسكر «زمزم» في أطراف المدينة هرباً من القتال، وهو معسكر قديم منذ حرب دارفور، ويضم أعداداً كبيرة من النازحين. وأضافوا: «معسكر زمزم أكثر أمناً لأنه بعيد نسبياً عن مقار الجيش والمناطق الاستراتيجية».

وأدت الحرب إلى نزوح 60 في المائة من السكان وإلى تعطيل الخدمات، بعد استيلاء قوات «الدعم السريع» على الفرق الثلاث التابعة للجيش في نيالا وزالنجي والجنينة، بعد معارك سقط فيها مئات الضحايا.

وأوضح شهود محليون، لـ«الشرق الأوسط»، أنهم يتحركون في تلك المدن بحذر شديد، خوفاً من تجدد الاشتباكات بين الجيش و«الدعم السريع».

وأشار مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا)، الأسبوع الماضي، إلى مقتل 17 شخصاً وجرح 35 ونزوح أكثر من 17 ألف شخص في المعارك، التي دارت في نيالا وزالنجي، ولا تشمل الإحصائية الجنينة.

نازحون سودانيون من مناطق الصراع في دارفور ينتقلون عبر الحدود إلى تشاد في أغسطس الماضي (رويترز)

وقال المسؤول المحلي في معسكر «زمزم» آدم محمود لـ«الشرق الأوسط»، إن أكثر من 110 أسر وصلوا إلى المعسكر من مدينة نيالا، ولا يزال المعسكر يستقبل تدفقات النازحين الذين وصلوا إلى الفاشر ويجري حصرهم.

ووفقاً للمسؤول المحلي، فإن معسكر زمزم استضاف عشرات الأسر التي فرت من الخرطوم، وبات «سكان المعسكر بحاجة إلى دقيق الخبز والسلع الغذائية، ويعانون الأمراض مثل الملاريا والإسهالات وأمراض سوء التغذية، التي تنتشر بكثافة في المعسكر، وتهدد حياة الكثيرين لا سيما الأطفال وكبار السن، نتيجة الجوع وعدم توفر الدواء»، وقال: «أدعو الطرفين المتحاربين لوقف القتال رأفة بالمواطنين الذين يدفعون فاتورة حرب ليسوا طرفاً فيها».

وفي الخرطوم، عبّرت السفارة الأميركية، الخميس، عن قلقها الشديد إزاء تقارير من شهود عيان تفيد بارتكاب قوات الدعم السريع وفصائل مرتبطة بها «انتهاكات جسيمة» لحقوق الإنسان بالسودان.

وقالت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، الأربعاء، إن ما وصفتها بجماعات عربية مسلحة متحالفة مع قوات الدعم السريع ارتكبت «انتهاكات خطيرة» لحقوق الإنسان في ولاية غرب دارفور.

وذكرت البعثة، في بيان، أنها تلقت تقارير «مثيرة للقلق» تفيد بأن هذه الجماعات المتحالفة مع «الدعم السريع» ارتكبت الانتهاكات في الفترة بين الرابع والسادس من نوفمبر (تشرين الثاني)، لا سيما في حي أردمتا بالجنينة في غرب دارفور.

وقالت السفارة الأميركية إن تقارير تفيد باستهداف «لأفراد وشيوخ من قبيلة المساليت والاعتقال التعسفي للمدنيين بمن فيهم مدافعون عن حقوق الإنسان ونشطاء... هذه الأفعال المروعة تسلط الضوء مرة أخرى على نمط من الانتهاكات التي ترتكبها قوات الدعم السريع فيما يتصل بحملتها العسكرية».

وأضاف البيان أن الولايات المتحدة تذكّر طرفي الصراع بالسودان بالتزاماتهما «بموجب إعلان جدة الموقع في 11 مايو (أيار) لحماية المدنيين في السودان، بما في ذلك السماح بدخول المساعدات الإنسانية دون قيود وحماية المدنيين وحقوق الإنسان والالتزام بالقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان».


مقالات ذات صلة

إسبانيا تعتزم إرسال مساعدات إنسانية إلى كوبا عبر الأمم المتحدة

أوروبا رجل كوبي يمر بجوار لافتة تحمل اسم كوبا وعَلم وطني منكس في هافانا (أ.ف.ب)

إسبانيا تعتزم إرسال مساعدات إنسانية إلى كوبا عبر الأمم المتحدة

أعلنت إسبانيا، الاثنين، أنها تعتزم أن ترسل عبر الأمم المتحدة، مساعدات إنسانية إلى كوبا التي تواجه أزمة اقتصادية حادة تفاقمت جراء حصار تفرضه الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
المشرق العربي مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

غوتيريش يطالب إسرائيل بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها في الضفة الغربية

طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إسرائيل، بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها الجديدة المتعلقة بتسجيل أراض في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أفريقيا تسبّب ​الإعصار ⁠في نزوح ​16428 ⁠شخصاً وفقدان 15 وإصابة 804 أشخاص (أ.ب)

59 قتيلاً وأكثر من 16 ألف نازح جراء الإعصار «جيزاني» في مدغشقر

قال المكتب الوطني لإدارة المخاطر والكوارث في مدغشقر، اليوم الاثنين، إن ​59 شخصاً، على الأقل، لقوا حتفهم بعدما ضرب الإعصار «جيزاني» البلاد، الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (تناناريف)
العالم العربي جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم).

محمد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ جيريمي كارل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ يوم 12 فبراير (نيويورك تايمز)

اعتراض جمهوري على مرشح ترمب للمنظمات الدولية

اعترض مشرع جمهوري على مرشح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمنصب مساعد وزير الخارجية لشؤون المنظمات الدولية جيريمي كارل بسبب تصريحات حول اليهود والبيض.

علي بردى (واشنطن)

وزير داخلية فرنسا يؤكد من الجزائر الاتفاق على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى»

وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)
TT

وزير داخلية فرنسا يؤكد من الجزائر الاتفاق على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى»

وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)

أكّد وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، الثلاثاء، أنه اتفق مع نظيره الجزائري، سعيد سعيود، على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى»، كما قال عقب لقائه الرئيس عبد المجيد تبون في ثاني أيام زيارته إلى الجزائر. وأضاف نونييز، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، أنه عمل مع نظيره والمسؤولين الجزائريين على «إعادة تفعيل آلية تعاون أمني رفيع المستوى»، بهدف استئناف علاقات أمنية طبيعية... وتعزيزها على صعيد التعاون القضائي والشرطي والاستخباراتي. وبطبيعة الحال، وكوزير للداخلية، أعبّر عن ارتياحي لذلك». وبدأ نونييز الاثنين زيارة بالغة الحساسية إلى الجزائر، أتت في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توترات دبلوماسية مستمرة منذ عام 2024. وعقد نونييز الاثنين جلسة عمل موسعة مع وزير الداخلية الجزائري ومسؤولين في الأمن والاستخبارات، قبل أن يلتقي الرئيس عبد المجيد تبون، الثلاثاء. وبعدما شكر الرئيس تبون على استقباله، ذكر نونييز أن الرئيس الجزائري «طلب من أجهزته العمل مع الأجهزة الفرنسية لتحسين تعاوننا بشكل ملموس» في المجالين الشرطي والقضائي، «وكذلك في مجال إعادة القبول»، أي قبول الجزائريين المرحلين من فرنسا. وأكّد أن «كل هذا سيبدأ تنفيذه في أقرب الآجال»، مبدياً ارتياحه لـ«عودة التعاون الأمني وفي مجال الهجرة». وحضر لقاء الرئيس الجزائري مع وزير الداخلية الفرنسي، عن الجانب الجزائري، بوعلام بوعلام مدير ديوان رئاسة الجمهورية، وسعيد سعيود وزير الداخلية، وعمار عبة، المستشار لدى رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون الدبلوماسية، واللواء عبد القادر آيت وعرابي، المدير العام للأمن الداخلي (المخابرات الداخلية). أما عن الجانب الفرنسي، فحضر مدير الشرطة لويس لوجييه، ومديرة المخابرات الداخلية، سيلين بيرثون. وعلى الأرجح، فإن وزير الداخلية الفرنسي قد بحث بمعية الوفد المرافق له، الملفات الشائكة، كالهجرة وأوامر الترحيل الصادرة عن العدالة الفرنسية بحق رعايا جزائريين، والتأشيرات. يشار إلى أن التوتر الشديد يسيطر على العلاقات الجزائرية - الفرنسية، منذ قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يوليو (تموز) 2024، دعم خطة الحكم الذاتي المغربية لتسوية نزاع الصحراء.


بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011... وجوه من «جماهيرية» القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة

وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)
وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011... وجوه من «جماهيرية» القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة

وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)
وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)

بعد مرور 15 عاماً على «ثورة» 17 فبراير (شباط) التي أطاحت بنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لا يزال حضور شخصيات ارتبطت بعهد «الجماهيرية» ملموساً في مفاصل السلطة الليبية، سواء داخل المؤسسات التنفيذية والسيادية، أو في الأجهزة الأمنية والعسكرية. وهذا الوجود لم يعد مفاجئاً لدى دوائر سياسية وبحثية، بل يُقرأ بوصفه ترجمة لتعقيدات مرحلة انتقالية طويلة، وتداخل شبكات الدولة القديمة مع بنية نظام سياسي جديد لم يستقر بعد.

في هذا السياق، تقول الباحثة كلوديا غازيني، كبيرة المحللين في مجموعة «الأزمات الدولية» لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض الشخصيات المرتبطة بالعهد السابق «نأت بنفسها عام 2011، ثم غابت قبل أن تعود تدريجياً، خصوصاً بعد 2017»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين سلطات متنافسة شرقاً وغرباً.

عبد الحميد الدبيبة شغل سابقاً رئاسة جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية خلال عهد القذافي (مكتب الدبيبة)

في غرب ليبيا، يرسخ عبد الحميد الدبيبة حضوره كرئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة منذ 2021، وهو الذي شغل سابقاً رئاسة جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية خلال عهد القذافي. كما يُشار إلى محمد الحويج، وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة المكلفة من البرلمان، الذي تقلد مناصب اقتصادية بارزة في مرحلة النظام السابق، أبرزها وزير لحقيبتي الاقتصاد والتخطيط. أما ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي الحالي، فقد شغل منصب نائب للمحافظ قبل 2011، ثم عمل مستشاراً لمؤسسات مالية دولية، قبل أن يعود لعمله بالمصرف مديراً لإحدى إداراته، بحسب سيرة ذاتية نشرتها صحيفة «ليبيا أوبزرفر»، الناطقة بالإنجليزية.

وفي شرق البلاد، يبرز اسم وزير الخارجية في الحكومة المكلفة من مجلس النواب، عبد الهادي الحويج، الذي شغل مناصب قيادية في عهد القذافي، أبرزها أمين الهيئة العامة للشباب والرياضة (بمثابة وزير الشباب والرياضة).

وبالنسبة لمحمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام الحالي، فقد تقلد مهام إعلامية وسياسية خلال عهد القذافي، منها عمله ناطقاً حكومياً. بينما عمل عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، قاضياً في العهد السابق، ولم يكن له دور سياسي أو تنفيذي، لكن نشطاء تداولوا تسجيلاً مصوراً له يتضمن مبايعة للقذافي في لقاء جماهيري.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الحالي عمل قاضياً في العهد السابق (رويترز)

وعلى مستوى قمة الهرم السيادي، فإن موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي الحالي، كان دبلوماسياً بارزاً في عصر القذافي، وعمل قنصلاً عاماً في مالي قبل أن ينشق عنه ويلتحق بـ«الثورة»، فيما يُعد محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، من الشخصيات التي برزت في سياق نشاط طلابي سابق له في الخارج، موالٍ للنظام في باريس.

محمد المنفي كان من الشخصيات التي برزت في سياق نشاط طلابي سابق له في الخارج موالٍ للنظام السابق في باريس (إ.ب.أ)

وترى غازيني أن معظم العائدين إلى واجهة السلطة «ينتمون إلى فئة التكنوقراط، أكثر من الشخصيات الآيديولوجية». وتستشهد بالسياسي الراحل محمود جبريل، الذي شغل منصباً اقتصادياً رفيعاً في عهد القذافي، قبل أن يصبح أول رئيس للمكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي، كنموذج لشخصية تكنوقراطية «حملت تصوراً مختلفاً للدولة». وتضيف موضحة أن شريحة التكنوقراط «لم تكن بالضرورة جزءاً من البنية الآيديولوجية للنظام السابق، بل من جهازه الإداري»، معتبرة أن «انهيار الدولة وقع فعلياً مع سقوط النظام»، وأن الانقسامات السياسية وصعود التيارات المتنافسة «فاقما حالة التجزؤ وانعدام الاستقرار».

بعد عام ونيف من «ثورة 17 فبراير»، راهن كثيرون على «المؤتمر الوطني العام»، بوصفه أول هيئة تشريعية منتخبة بعد الثورة، ليقود المرحلة الانتقالية ويشرف على صياغة الدستور، واضعاً البلاد على طريق الاستقرار.

غير أن عضو المؤتمر سابقاً، عبد المنعم اليسير، يرى أن المشهد الحالي «لا تمكن قراءته، باعتباره مجرد عودة لخبرات الدولة»، بل هو «إعادة تموضع لشبكات مصالح قديمة كانت جزءاً من أسباب الانهيار قبل (17 فبراير)».

ويفرق اليسير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بين «خبرة تبني مؤسسات» و«خبرة الالتفاف على الدولة»، معتبراً أن البيئة الانتقالية «منحت الأفضلية لمن يمتلك شبكات علاقات وتمويل، وقدرة على المناورة والمرونة في تبديل الاصطفافات»، ما أفرز «عودة منطق الحكم القديم القائم على الولاء بدل الكفاءة».

في محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي، صدر «قانون العزل السياسي» عام 2013 عن «المؤتمر الوطني العام»، بهدف إقصاء المرتبطين بالنظام السابق من المناصب العامة، لكنه أثار جدلاً واسعاً، قبل أن يعلن مجلس النواب عام 2015 إلغاءه وسط بيئة منقسمة. وفي هذا السياق، ترى غازيني أن القانون «استهدف أساساً كبار المسؤولين، ذوي الولاء الآيديولوجي الصريح، ولم يشمل بصورة كاملة شريحة التكنوقراط».

اللواء عبد السلام الحاسي معاون رئيس أركان القوات البرية في «الجيش الوطني» (إعلام القيادة العامة)

المشهد العسكري المنقسم منذ انهيار قوات الجيش السابق عام 2011 كان جزءاً أساسياً من هذه التفاعلات. ففي غرب ليبيا يبرز صلاح النمروش، الذي بدأ مسيرته المهنية ضابطاً مهندساً في المؤسسة العسكرية عام 2000. وفي الشرق، اللواء عبد السلام الحاسي، معاون رئيس أركان القوات البرية في «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، من بين القادة الذين تقلدوا مناصب خلال عهد القذافي قبل انشقاقهم عام 2011، وكان من بينهم حفتر.

كما تظهر مفارقة توزيع قيادات وكوادر «اللواء 32 المعزز»، الذي كان يقوده خميس نجل القذافي، بين التشكيلات المتنافسة شرقاً وغرباً، ففي الشرق كان صفوان بوطيغان القبائلي، رئيس أركان الوحدات الأمنية في «الجيش الوطني»، من المنتسبين سابقاً للواء، بينما توجد عناصر سابقة له ضمن التشكيل «444» في الغرب، وفقاً لما رصده رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية شريف بوفردة لـ«الشرق الأوسط».

حسين العايب رئيس الاستخبارات في غرب ليبيا (وكالة الأنباء الليبية)

وعلى المستوى الاستخبارات الأمنية، يُذكر حسين العايب، رئيس جهاز المخابرات في غرب ليبيا، الذي عمل سابقاً في جهاز الأمن الخارجي في عهد القذافي، وأدار مكتب رئيس الاستخبارات عبد الله السنوسي، ما أثار جدلاً بين منتقدين اعتبروا تعيينه إشكالياً، وآخرين رأوه توظيفاً للخبرة.

كما عاد عناصر من أنصار النظام السابق إلى أعمالهم في الأجهزة الأمنية، بشرط عدم وجود ملاحقة قضائية، وفق وزير الداخلية المكلف من البرلمان عصام أبو زريبة.

وتخلص غازيني إلى أن استمرار حضور شخصيات من العهد السابق «يعكس عجز القيادات الأولى بعد 2011 عن إحداث تغيير بنيوي في مسار الدولة».

غير أن اليسير يرى أن التعقيدات الراهنة ساهمت في بقاء، أو إعادة إنتاج أنماط النفوذ القديمة، التي من بينها «غياب قواعد صارمة ونهائية لإغلاق المرحلة الانتقالية»، و«عدم توحيد المؤسسات السيادية»، و«ضعف منظومات الرقابة واستقلال القضاء». وحذّر من أن هذا النمط «يخدم مصالح منظومة السلاح والريع، ويعرقل بناء دولة قوية ذات قضاء مستقل ورقابة فعالة»، مؤكداً أن الحل يتمثل في «توحيد المؤسسات السيادية، وإصلاح أمني حقيقي، ورقابة مالية مستقلة، وقضاء نافذ، وقاعدة شرعية واحدة، تنتهي بصندوق الاقتراع ضمن إطار دستوري».

اقرأ أيضاً


الحكومة المصرية تستنفر لرمضان بـ«مخزون سلع استراتيجية»

الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)
TT

الحكومة المصرية تستنفر لرمضان بـ«مخزون سلع استراتيجية»

الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)

في وقت تستنفر الحكومة المصرية لشهر رمضان عبر «توفير مخزون سلع استراتيجية آمن»، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة استخدام كل آليات ضبط السوق والأسعار لتفادي غلاء الأسعار أو المضاربات، بما يحقق استقرار الأسواق، ويخفف الأعباء عن المواطنين».

وتحدث مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء، عن «استعدادات الحكومة لاستقبال شهر رمضان عبر حزمة من المبادرات والإجراءات الهادفة إلى إتاحة السلع الأساسية بأسعار مخفضة، والتوسع في المنافذ والمعارض لتلبية احتياجات مختلف الفئات».

وتحدث المجلس عن «خطة متكاملة تستهدف تعزيز استقرار الأسواق، وضبط الأسعار، وزيادة المعروض من السلع الغذائية».

ووجه السيسي خلال اجتماع، الثلاثاء، مع رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، وعدد من المسؤولين، بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع في مختلف المنافذ والمعارض على مستوى الجمهورية، مع ضمان الالتزام بالأسعار المعلنة، ونسب التخفيضات، وجودة المنتجات المطروحة؛ ومحاسبة من سوف يغالي في الأسعار.

منظومة الأمن الغذائي

ووفق متحدث الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، فإن الاجتماع تناول تطورات منظومة الأمن الغذائي، حيث اطّلع السيسي على موقف المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية، وذلك في إطار التخطيط المسبق للحفاظ على أرصدة الدولة منها، وسبل مواجهة التحديات التي تواجه الأمن الغذائي على إثر الأحداث الإقليمية.

وشدد السيسي على ضرورة المحافظة على استمرارية المخزون الاستراتيجي وتعزيزه، ومواصلة العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الزراعية والثروة الحيوانية والداجنة، وتحديث السلالات الزراعية بالتعاون والتنسيق بين الوزارات المعنية وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.

البورصة السلعية

وذكر المتحدث الرئاسي أن الاجتماع تناول كذلك تطور آليات تفعيل البورصة السلعية ودورها في تعزيز الأمن الغذائي، وضمان استدامة توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، مع تحقيق أسعار عادلة للسلع الاستراتيجية بما يحمي المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

وزيرا التموين والتنمية المحلية خلال جولة داخل معرض للسلع الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

خبير الإدارة المحلية، نائب رئيس حزب «المؤتمر»، اللواء رضا فرحات، يشير إلى أن «اجتماع الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء يهدف إلى ضبط الأسواق، ونقل الإحساس للمواطن بأن الدولة عازمة على مواجهة أي ارتفاع في الأسعار».

إحكام الرقابة

ويضيف فرحات لـ«الشرق الأوسط» أن «تشديد الحملات اليومية على الأسواق، بهدف إحكام الرقابة، خصوصاً مع الإقبال المتزايد من الأسر على عمليات الشراء مع دخول شهر رمضان»، داعياً وسائل الإعلام إلى «ضرورة إبراز المخزون من السلع الاستراتيجية»، مناشداً الأسر بـ«تقليل عمليات شراء السلع لأنها متوفرة طول الوقت».

ويرى فرحات أن «مخزون السلع آمن، والدولة تدخلت في أزمة أسعار الدواجن الأخيرة؛ ما أدى إلى استقرار السوق».

كميات كافية

ونقلت وكالة أنباء «الشرق الأوسط» الرسمية، الثلاثاء، عن مسؤولين بـ«اتحاد الصناعات» تأكيدهم «توافر السلع الأساسية بكميات كافية في الأسواق خلال رمضان». وقال رئيس شعبة الأرز، رجب شحاتة، إن «المخزون الاستراتيجي من الأرز يكفي 9 أشهر»، بينما أشار نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب، حسين بودي إلى أن «مخزون القمح يكفي 4 أشهر». وأكد رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، محمود العناني أن «أسعار الدجاج وبيض المائدة مستقر، ولا توجد أي زيادات متوقعة خلال شهر رمضان».

وتشكو قطاعات من المصريين من ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية. وشهدت مصر خلال السنوات الماضية، خصوصاً منذ عام 2016، حزمة إجراءات اقتصادية قاسية كجزء من برنامج إصلاح مدعوم من «صندوق النقد الدولي»، أبرزها تحرير سعر صرف الجنيه عدة مرات، وخفض الدعم عن الوقود والكهرباء والسلع الأساسية.

وسجّل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن ‌المصرية تراجعاً إلى ‍11.9 في المائة في يناير (كانون الثاني) من 12.3 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وفق إحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، الثلاثاء الماضي.

اجتماع مصطفى مدبولي مع نائب رئيس الوزراء ووزراء المجموعة الاقتصادية الاثنين (مجلس الوزراء)

الخبير الاقتصادي، وليد جاب الله، يرى أنه «لا توجد أزمة حالياً في السوق المصرية متعلقة بتوافر أي سلعة أساسية».

قضية التسعير

ويضيف جاب الله لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة تستعد لشهر رمضان منذ عدة أشهر، وجميع متطلبات الشهر للمواطن المصري متوافرة»، لكنه يوضح أن الأزمة في «قضية التسعير». ويفسر أن هناك آليات تقوم بها الحكومة في هذا الشأن، والرئيس السيسي يشدد دائماً على تفعيل هذه الآليات، والتي من ضمنها معارض «أهلاً رمضان» التي يتم خلالها ليس فقط توفير السلع والمنتجات بأسعار عادلة؛ لكن تضع سقفاً للأسعار، يجب على التجار الالتزام بها بصورة تلقائية.

وتحدث جاب الله عن الآليات التي تتبعها الحكومة من أجل شهر رمضان، بقوله: «هي آليات طبيعية تقوم بها كل عام خلال هذا الشهر، والتوجيهات الرئاسية تعمل على إضفاء مزيد من الجدية على تنفيذ آليات الرقابة وضبط الأسواق».

حول قدرة الحكومة على ضبط الأسواق. يوضح الخبير الاقتصادي أن «حالة السوق بصفة عامة في شهر رمضان الحالي أفضل من سنوات مضت، لكن هذا لا يمنع من وجود مخالفات، والمخالفات يتم التعامل معها بتحرير المحاضر وإحالتها للجهات المختصة لمعاقبة المخالف».

«جهاز حماية المستهلك» كثّف وجوده الميداني الاثنين لضمان توافر السلع بالأسواق (الجهاز)

ويتابع مصطفى مدبولي بصفة يومية ومستمرة توافر السلع الغذائية الأساسية في مختلف المنافذ والمعارض على مستوى ربوع البلاد، مع تشديده على الالتزام بالأسعار المعلنة ونسب التخفيضات المقررة، فضلاً عن ضمان جودة السلع المطروحة للمواطنين، وفق ما أوردت «وكالة أنباء الشرق الأوسط»، الثلاثاء.

أسواق اليوم الواحد

وتكثف وزارة التنمية المحلية المصرية على المتابعة اليومية لتوافر السلع الغذائية، وتضع وزارة التموين خطة شاملة لضمان استقرار الأسواق، كما تشدد وزارة الداخلية الرقابة على الأسواق للحيلولة دون التلاعب بالأسعار.

ووفق «مجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، فإنه تم افتتاح 360 معرضاً لـ«أهلاً رمضان» لتوفير مختلف السلع الغذائية بأسعار مخفضة تتراوح بين 15 و25 في المائة، وكذا التوسع في إقامة المعارض والشوادر، فضلاً عن مبادرة «أسواق اليوم الواحد» التي يصل عددها إلى 600 سوق.

وقال رئيس جهاز حماية المستهلك، إبراهيم السجيني، الاثنين، إن «الرقابة الميدانية تمثل ركيزة أساسية لحماية حقوق المواطنين وإحكام السيطرة على الأسواق».