قبل أيام من انطلاق الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، حذرت المديرة العامة لصندوق النقد كريستالينا غورغييفا من تزايد المخاطر التي تهدد النمو العالمي، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وتراكم مستويات قياسية من الدين العام، وتصاعد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، داعية الحكومات إلى اتخاذ إجراءات مالية ونقدية للحد من تداعيات هذه الضغوط.
وقالت غورغييفا، الأربعاء، في كلمة استباقية للاجتماعات التي تستضيفها بانكوك الأسبوع المقبل، إن الاقتصاد العالمي «ينجذب في اتجاهين»؛ أحدهما صدمة سلبية لإمدادات الطاقة ناجمة عن الصراعات في الشرق الأوسط، والآخر صدمة إيجابية للطلب يقودها الذكاء الاصطناعي، لكنها تُسهم في الوقت نفسه في زيادة الضغوط التضخمية.
وتأتي الاجتماعات هذا العام وسط ظروف جوية صعبة، إذ تتوقع هيئة الأرصاد التايلاندية هطول أمطار رعدية وأمطار غزيرة متفرقة في العاصمة ومحيطها بين 10 و12 أكتوبر (تشرين الأول)، مع استمرار مخاطر الفيضانات في عدد من المناطق. وكانت بانكوك قد تعرضت لفيضانات واسعة الشهر الماضي، فيما ارتفع عدد المتضررين من الفيضانات في أنحاء البلاد إلى نحو 1.15 مليون أسرة، وفق السلطات التايلاندية.
Whether the world's underwhelming growth rates this decade can be bettered, will depend on our success in navigating three major crosscurrents: the rapid arrival of AI, persistently high energy prices, and record levels of public debt. Watch my speech: https://t.co/YVPLgYHI1U pic.twitter.com/sdouvLYUbo
— Kristalina Georgieva (@KGeorgieva) October 7, 2026
وأضافت غورغييفا أن التأثير المشترك لهذَين العاملَين «غير متكافئ بدرجة كبيرة» بين اقتصادات العالم، إذ تستفيد مجموعة محدودة من الدول من طفرة الذكاء الاصطناعي، في حين تتجاوز آثارها الاقتصادية والتجارية معظم الدول الأخرى.
وقالت إن أحدث توقعات الصندوق للنمو، التي ستصدر خلال اجتماعات بانكوك، ستظهر أن أكبر التخفيضات ستطول الاقتصادات التي أنهكتها الحروب، ومن بينها أوكرانيا التي تعرضت إلى أضرار كبيرة في البنية التحتية المدنية والاقتصادية، إلى جانب دول خليجية تضررت من الهجمات الإيرانية وتراجعت صادراتها من الطاقة.
ولم تحدد غورغييفا ما إذا كان الصندوق سيعدّل توقعاته الحالية لنمو الاقتصاد العالمي في 2026، والبالغة 3 في المائة، وفق توقعات يوليو (تموز)، مع ارتفاع النمو المتوقع إلى 3.4 في المائة في 2027.
وكانت توقعات يوليو قد افترضت بدء إعادة فتح مضيق هرمز في منتصف يوليو، وعودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول مارس (آذار) 2027، كما افترضت متوسط سعر للنفط عند 89 دولاراً للبرميل في 2026، و78 دولاراً في 2027.
صدمة الطاقة
لكن تطورات سوق الطاقة جاءت أكثر حدة من تلك الافتراضات، إذ قالت غورغييفا إن أسعار النفط لا تزال عند نحو 100 دولار للبرميل، في حين أدت الأضرار التي لحقت بقدرات التكرير إلى إضافة نحو 100 دولار إلى هوامش التكرير لكل برميل من بعض المنتجات الرئيسية، بينها الديزل.
وحذرت من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يستمر لبعض الوقت حتى إذا انتهت الحرب في الخليج قريباً، مشيرة إلى أن العقود الآجلة لخام برنت تشير إلى بقاء الأسعار مرتفعة حتى عام 2027.
وأضافت أن موسم التدفئة الشتوي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية سيرفع الطلب على الطاقة، في وقت لا تزال فيه إمدادات الغاز الطبيعي مقيدة بسبب المخاطر التي تواجه شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.
وقالت إن صدمة الطاقة كانت «كبيرة لكنها محتواة» حتى الآن، بفضل استخدام المخزونات، وتحسين كفاءة الطاقة، وخطط الطوارئ، لكنها حذرت من أن الضغوط على الأسعار قد تزداد مع ارتفاع الطلب واقتراب موسم الشتاء، ومع اتجاه الدول إلى إعادة بناء مخزوناتها.
وأضافت أن ارتفاع أسعار الطاقة يرفع التضخم وأسعار الفائدة وعوائد السندات القياسية، مشيرة إلى أن عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان بلغت أعلى مستوياتها منذ 2007 و2009 و1996 على التوالي، ولا تزال في اتجاه صاعد.

تضخم متعدد المصادر
وقالت غورغييفا إن الضغوط التضخمية لم تعد تقتصر على الطاقة والغذاء، إذ تُسهم طفرة الذكاء الاصطناعي، والرسوم الجمركية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وارتفاع تكاليف خدمة الدين في إبقاء التضخم مرتفعاً.
وأضافت: «قد يكون الوقت مناسباً الآن لتبني ميل حذر نحو التشدد في السياسة النقدية في كثير من الدول»، معتبرة أن قرارات رفع أسعار الفائدة من جانب «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي والبنك المركزي الأوروبي و«بنك اليابان» كانت «مناسبة للغاية».
وفي حديث لاحق خلال جلسة حوارية، قالت غورغييفا إن «المهمة الأهم» للسياسة النقدية في البيئة الحالية هي التركيز على استقرار الأسعار، والتواصل بوضوح بشأن التزام البنوك المركزية بالحفاظ عليه.
وشددت على أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بقيت البنوك المركزية مستقلة وقاومت الضغوط التي قد تأتي من السلطات المالية لتخفيف أعباء الدين، بما في ذلك من خلال شراء السندات.
وقالت إن صندوق النقد «يدعم بصوت عالٍ» استقلالية البنوك المركزية، محذرة مما وصفته بـ«رعاة البقر النقديين» الذين يسارعون إلى إنقاذ السلطات المالية من خلال تخفيف الضغوط عليها، مضيفة: «رسالتي هي: من فضلكم لا تفعلوا ذلك».
الدين العام
ويمثل ارتفاع الدين العام أحد أبرز مصادر القلق التي ستناقشها الدول الأعضاء في اجتماعات الصندوق المقبلة، إذ قالت غورغييفا إن الدين العام بلغ أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية، ومن المتوقع أن يتجاوز 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030.
وخصت الاقتصادات المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بالانتقاد، ووصفتها بأنها «أسوأ المخالفين» فيما يتعلق بأعباء الدين، مشيرة إلى أن نسب الدين إلى الناتج لديها أعلى من الاقتصادات الناشئة والدول منخفضة الدخل.
وقالت إن صانعي السياسات لم يعد بإمكانهم التعويل على ارتفاع معدلات النمو وحده لحل مشكلات المالية العامة، داعية إلى خطط موثوقة لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط، مدعومة في بعض الحالات بإجراءات مالية مسبقة لتخفيف الضغوط عن السياسة النقدية.
وأضافت أن ارتفاع عوائد السندات يزيد فاتورة الفائدة على الحكومات في وقت تواجه فيه قيوداً على الموازنات وتنافساً على الإنفاق، بما في ذلك الإنفاق الدفاعي.
وقالت إن الدول التي اعتادت تسجيل عجوزات مالية كبيرة تواجه «خيارات سياسية صعبة للغاية»، داعية الحكومات إلى شرح أسباب الحاجة إلى ضبط المالية العامة للمواطنين، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، وتنفيذ إصلاحات هيكلية داعمة للنمو.
طفرة الذكاء الاصطناعي
وفي الجانب الآخر من معادلة المخاطر، قالت غورغييفا إن موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدفع النمو الاقتصادي والأسواق إلى مستويات مرتفعة، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر على الاستقرار المالي وتزيد احتمالات اتساع التفاوت بين الاقتصادات.
وأوضحت أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، نسبةً من الناتج المحلي، قد يتجاوز حجم الاستثمارات التي شهدتها قطاعات كبرى مثل السكك الحديدية وشبكات الكهرباء والبنية التحتية للاتصالات.
وقالت إن نمو التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يتركز خصوصاً في الولايات المتحدة والصين والهند، حيث تنفق الشركات على مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها، في حين تستفيد اقتصادات أخرى من تصنيع الرقائق والروبوتات.
وأضافت أن طفرة الذكاء الاصطناعي «تتجاوز إلى حد كبير معظم الدول الأخرى»، ما يزيد خطر اتساع عدم المساواة الاقتصادية عالمياً.
وقالت إن نجاح هذه التكنولوجيا يتطلّب أن تشارك جميع الدول في الاستفادة من قدراتها التحويلية، مؤكدة أهمية إتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي على نطاق عالمي، والتعاون بين الدول، ليس بدافع العمل الخيري وإنما انطلاقاً من مصالحها الذاتية في اقتصاد عالمي مترابط.
وفي الوقت نفسه، حذرت من المخاطر المرتبطة بالارتفاع الكبير في قيمة شركات الذكاء الاصطناعي، في وقت يتعيّن على هذه الشركات تحقيق مكاسب قوية في الإنتاجية والأرباح لتبرير تقييماتها المرتفعة.
وقالت إن خيبة المستثمرين إذا جاءت الأرباح دون التوقعات يمكن أن تتحول إلى «صدمة واسعة النطاق»، في ظل ارتفاع تركّز الاستثمارات والمخاطر المالية في هذا القطاع.
وأشارت إلى أن أبحاث صندوق النقد تُظهر أن الذكاء الاصطناعي، إذا جرى تطويره واستخدامه بالشكل الصحيح، يمكن أن يضيف نصف نقطة مئوية إلى نمو الاقتصاد العالمي سنوياً.
لكنها حذرت من مخاطر أخرى، تشمل اضطرابات واسعة في سوق العمل، ومخاطر سيبرانية ومالية كبيرة، إلى جانب مخاطر مرتبطة بالنماذج المتقدمة التي قد تتجاوز السيطرة البشرية.
ضغوط متفاوتة على الاقتصادات
وقالت غورغييفا إن الاقتصادات الناشئة تواجه ارتفاع تكاليف الاقتراض وتقلبات أكبر في تدفقات رؤوس الأموال، في حين قد تضطر الدول منخفضة الدخل إلى خفض الإنفاق على التنمية لتوفير الموارد اللازمة لمواجهة ارتفاع تكاليف خدمة الدين والطاقة.
وأضافت أن الحكومات تحتاج، إلى جانب تعزيز قوة أوضاعها المالية، إلى تنفيذ إصلاحات ترفع مهارات القوى العاملة، وتسهّل إنشاء الشركات وخروجها من السوق، وتعزّز أمن الطاقة، وتبسّط الإجراءات التنظيمية.
ومن المقرر أن تُعقد اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك بين 12 و18 أكتوبر (تشرين الأول)، بمشاركة نحو 15 ألف شخص من أكثر من 190 دولة، وسط ضغوط متزايدة على أسواق الدين والطاقة والاقتصاد العالمي.
وقالت غورغييفا، في ختام رسالتها إلى صانعي السياسات، إن العالم «لا يمكنه الاستمرار في تأجيل إجراءات السياسة الضرورية»، مضيفة: «لديكم الأدوات، والآن استخدموها بحكمة».

