النفط يبحث عن سفن... شح الناقلات يقلب حسابات تجارة الخام

تكلفة شحن البرميل من هيوستن إلى آسيا تقفز 26 دولاراً... وطلبات جديدة تتجاوز 20 مليار دولار

ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)
ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)
TT

النفط يبحث عن سفن... شح الناقلات يقلب حسابات تجارة الخام

ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)
ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)

لم يعد السؤال في سوق النفط العالمية يقتصر على مكان العثور على البرميل، بل بات يتسع إلى سؤال أكثر تكلفة: كيف سيصل هذا البرميل إلى المصفاة؟ وكم ستبلغ فاتورة نقله؟

فبعد أشهر من الحرب التي عطلت حركة النفط عبر مضيق «هرمز»، وأعادت توجيه الإمدادات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ظهرت أزمة جديدة في سوق الطاقة: شح الناقلات العملاقة القادرة على نقل الخام لمسافات طويلة. ومع ارتفاع الطلب على الرحلات البحرية الأطول، قفزت أسعار الشحن إلى مستويات قياسية، وأصبحت بعض مسارات تجارة الخام أقل جدوى اقتصادياً.

وتقول «بلومبرغ» إن نقل شحنة من هيوستن إلى آسيا يضيف حالياً نحو 26 دولاراً للبرميل إلى تكلفة إمداد أكبر منطقة مستوردة للخام في العالم، أي ما يعادل نحو 52 مليون دولار للشحنة الواحدة. وتقترب تكلفة النقل بذلك من رُبع سعر خام غرب تكساس الوسيط، بعدما كانت تمثل جزءاً صغيراً من قيمة الشحنة قبل الحرب.

وفي المسار القياسي لنقل الخام من الخليج إلى الصين، تجاوزت عوائد ناقلات الخام العملاقة «VLCC» حاجز 1.2 مليون دولار يومياً، بينما سجَّلت تكلفة استئجار ناقلة نفط على المسار نفسه أكثر من مليون دولار يومياً في وقت سابق من الشهر، للمرة الأولى على الإطلاق، وفق بيانات «بلومبرغ» وبورصة البلطيق.

سفن وناقلات في مضيق «هرمز» قبالة ساحل مسندم بعمان (رويترز)

سباق على الناقلات

المفارقة أن أزمة الشحن الحالية تحدث بالتزامن مع طفرة غير مسبوقة في طلب الناقلات الجديدة.

فبحسب «رويترز»، جرى طلب أكثر من 217 ناقلة «VLCC» منذ بداية 2026، مقارنة بـ93 ناقلة خلال العام الماضي، في موجة استثمارات تتجاوز 20 مليار دولار وتعد الأكبر منذ 25 عاماً على الأقل. والناقلة الواحدة من هذه الفئة تستطيع حمل نحو مليونَي برميل من الخام.

لكن هذه الطلبات لا تقدِّم حلاً سريعاً للاختناق الحالي. فالسفن الجديدة يجري تسليم بعضها في 2029 و2030، بينما تحتاج السوق إلى الناقلات الآن. وفي الوقت نفسه، يبلغ عمر نحو 20 في المائة من أسطول «VLCC» العالمي أكثر من 20 عاماً، ما يزيد الحاجة إلى إحلال السفن القديمة وتجديد الأسطول.

وتشير بيانات الصناعة إلى أن ارتفاع الطلب أصبح حاداً إلى درجة أن شراء ناقلة عمرها 10 سنوات بات، في بعض الحالات، أكثر تكلفة من طلب ناقلة جديدة.

وهكذا تواجه السوق مفارقةً لافتةً: الطلب على السفن الجديدة يعكس ثقة في استمرار تجارة النفط لمسافات طويلة، لكنه لا يحل نقص السفن المتاحة في الأجل القصير.

الحرب أطالت الرحلة... وقلّصت الأسطول المتاح

أعادت الحرب رسم مسارات تجارة الخام. فالسفن التي تنقل النفط من الخليج باتت تحتاج إلى وقت أطول، سواء بسبب تجنب مضيق «هرمز»، أو بسبب عمليات نقل الشحنات بين ناقلات خارج المضيق، بينما تسلك ناقلات أخرى طرقاً أطول حول أفريقيا.

وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن حركة التجارة عبر «هرمز» ظلت عند مستويات شديدة الانخفاض. ففي 18 سبتمبر (أيلول) عبرت 4 سفن للسلع المضيق، مقارنة بمتوسط 10 أيام بلغ 16 سفينة، وفق بيانات أولية من «كبلر». وقبل ذلك بيوم واحد، عبرت 3 سفن فقط، مقابل متوسط 17 سفينة خلال 10 أيام، وفق «رويترز».

ولا يعني انخفاض عدد السفن أن النفط توقف بالكامل، إذ لجأت بعض الناقلات إلى مسارات غير معلنة أو أوقفت أجهزة التعريف الخاصة بها، كما توسعت عمليات نقل الشحنات بين السفن خارج المضيق.

لكن النتيجة الاقتصادية واحدة: كلما استغرقت الناقلة وقتاً أطول لإيصال شحنتها، قلّ عدد الرحلات التي يستطيع الأسطول العالمي تنفيذها في الفترة نفسها.

وهذا يحول اضطراب الممرات البحرية إلى أزمة في «الطاقة الفعلية» لأسطول الناقلات، حتى من دون انخفاض عدد السفن الموجودة في العالم.

سفن وناقلات في مضيق «هرمز» قبالة ساحل مسندم بعمان (رويترز)

«هرمز» يعيد توزيع البراميل

وتدفع هذه التطورات المشترين إلى البحث عن خام أقرب إلى مصافيهم.

فقد تراجعت تدفقات الخام الأميركي إلى آسيا خلال الأسابيع الأخيرة مع تضاعف تكاليف الشحن تقريباً، بينما لجأت إحدى المصافي اليابانية إلى شراء خام ألاسكا، رغم أنه أقل ملاءمة عادة لمصافيها؛ بسبب قصر المسافة البحرية.

وفي أوروبا ظهرت الفوارق بصورة أكثر وضوحاً. ففي الوقت الذي اقترب فيه خام برنت الآجل من 110 دولارات للبرميل خلال الأسبوع، تجاوز سعر خام «داتد برنت» الفعلي 131 دولاراً، مع تنافس المشترين على الشحنات القريبة، بينما تواجه المصافي الأوروبية نقصاً في الإمدادات المقبلة من الشرق الأوسط.

وهذا يخلق سوقاً للنفط تحدد فيه المسافة والممر البحري الآمن قيمة البرميل بقدر ما تحددها جودته ومصدره.

وتظهر الفوارق السعرية بين الخامات بالفعل اتساعاً كبيراً؛ إذ أصبحت بعض الخامات العالقة خلف الاختناقات اللوجستية تباع بخصومات حادة، بينما تحصل الخامات القادرة على الوصول إلى الأسواق بسهولة على علاوات كبيرة.

رهان على تجارة نفط أطول

ولا تعكس طفرة طلب الناقلات مجرد استجابة مؤقتة للحرب. فالمالكون يراهنون أيضاً على تغير طويل الأجل في خريطة تجارة النفط. ومع زيادة إنتاج البرازيل وغويانا والأرجنتين، يصبح حوض الأطلسي مصدراً أكثر أهمية للمشترين في أوروبا وآسيا، ما يعني رحلات أطول واستخداماً أكبر للناقلات العملاقة.

وتتوقع بيانات الصناعة أن يضيف إنتاج شرق أميركا الجنوبية نحو 2.5 مليون برميل يومياً حتى 2030، ما قد يعزِّز تدفقات الخام إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية ويدعم تجارة المسافات الطويلة.

وهذا يفسر لماذا تستمر شركات الشحن في طلب ناقلات جديدة رغم ارتفاع أسعارها وطول فترات التسليم.

ناقلات نفط في مرفأ البصرة (رويترز)

البرميل الذي لا يصل هو المشكلة الجديدة

لكن ارتفاع أسعار الشحن قد يحمل في النهاية آلية لتصحيح نفسه. فإذا أصبحت تكلفة نقل البرميل لمسافة طويلة مرتفعة إلى حد يلتهم هامش التكرير، سيتوقف بعض المشترين عن تلك الشحنات، ويتجهون إلى مصادر أقرب، ما يؤدي إلى إغلاق بعض مسارات التجارة التي كانت مربحة سابقاً.

وهذا ما يفسر تراجع بعض شحنات الخام الأنغولي المتجهة إلى الصين، رغم استمرار الطلب الآسيوي على النفط.

كما أن ارتفاع تكلفة النقل ينتقل في النهاية إلى أسعار الوقود. فقد حذرت السوق من أن ارتفاع الشحن، إلى جانب ارتفاع أسعار وقود السفن، يضيف طبقة جديدة من الضغوط على تكلفة إمدادات الديزل والبنزين في وقت تعاني فيه أسواق المنتجات النفطية بالفعل من ضيق المعروض.

وبالتالي، فإن أزمة الناقلات قد تصبح حلقة إضافية في سلسلة التضخم النفطي: الحرب تعطل الممرات، والممرات تطيل الرحلات، والرحلات الأطول تستنزف الأسطول، ونقص السفن يرفع أجور الشحن، وارتفاع الشحن يعيد تحديد مصدر البرميل الذي يستطيع المشتري تحمله.

وإذا استمرت هذه الظروف، فقد لا يكون الأثر الأهم للحرب هو كمية النفط التي خرجت من السوق، وإنما إعادة تشكيل الطريقة التي ينتقل بها النفط الموجود بالفعل من المنتج إلى المستهلك.


مقالات ذات صلة

رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

خاص رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)

رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

بلغت التحويلات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 728.6 مليار دولار في 2025، وسط دعوات لتوسيع القنوات الرقمية وخفض كلفة وصول الأموال للأسر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب أعلى مستوى في 7 أسابيع بدعم من تشدد «الفيدرالي»

حافظ الدولار على مكاسبه قرب أعلى مستوى له في 7 أسابيع، الخميس، بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد لوحات إعلانية تعرض أسعار الوقود خارج محطات البنزين في طوكيو (رويترز)

الأسهم الآسيوية تلتقط أنفاسها بعد رفع «الفيدرالي» الفائدة

ارتفعت الأسهم الآسيوية بشكل طفيف، الخميس، بعد أن رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ناقلات نفط قادمة من حقول رميلان اصطفت على طول أحد الطرق بعد أن أوقفها السكان المحليون خلال احتجاجات (أ.ب)

النفط يواصل التراجع مع انحسار مخاوف اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط

تراجعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية، الخميس، مواصلة خسائرها، بعدما تراجعت بنحو 3 دولارات للبرميل، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
TT

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)

رفع البنك المركزي الأردني أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية بمقدار 25 نقطة أساس، بدءاً من يوم الاثنين 21 سبتمبر (أيلول)، في خطوة قال إنها تستهدف الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز جاذبية الدينار الأردني.

وقال البنك المركزي، في بيان الأحد، إن القرار اتخذته لجنة عمليات السوق المفتوحة خلال اجتماعها السادس لعام 2026، في ضوء مراجعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية محلياً وإقليمياً ودولياً، إلى جانب توجهات البنوك المركزية والضغوط التضخمية المتزايدة.

وأوضح أن رفع الفائدة يأتي أيضاً لمواءمة أسعار الفائدة المحلية مع الاتجاهات السائدة في الأسواق المالية الإقليمية والدولية، بما يعزز تنافسية الموجودات المقوَّمة بالدينار.

وارتفع معدل التضخم في الأردن إلى 2.20 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، مقارنة مع 1.86 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات البنك المركزي.

في المقابل، أظهرت المؤشرات الاقتصادية تحسناً في عدد من القطاعات؛ إذ نما الدخل السياحي 2.9 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ليبلغ نحو 5.6 مليار دولار. وتسارع أداء القطاع خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي بلغ متوسط نمو الدخل السياحي خلالها نحو 17 في المائة.

كما ارتفعت حوالات العاملين الأردنيين في الخارج 14.1 في المائة، خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، لتصل إلى نحو 3 مليارات دولار، بينما زادت الصادرات الوطنية 7.2 في المائة إلى 6.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وأكد البنك المركزي مواصلة متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية، وتقييم انعكاساتها على الاقتصاد الوطني، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التطورات الخارجية.


«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
TT

«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)

يتجه صندوق الاستثمارات العامة إلى توسيع أدوات تمكين القطاع الخاص في السعودية، من الاستثمار المباشر إلى معالجة إحدى الحلقات الأكثر حساسية في دورة الأعمال، وهي توفير السيولة للموردين وتمويل رأس المال العامل، مع إطلاق شركة «توريد للحلول التمويلية» المتخصصة في تمويل سلاسل الإمداد.

وتقدم «توريد» خدماتها عبر منصة رقمية تربط المشترين والموردين والجهات التمويلية، وتتيح منتجات من بينها السداد المبكر للمستحقات القائمة على فواتير معتمدة، بما يمنح الموردين إمكانية الحصول على السيولة قبل موعد تحصيل مستحقاتهم، بدلاً من انتظار دورة السداد كاملة.

وحصلت الشركة على تصريح من البنك المركزي السعودي «ساما» لبدء اختبار عملياتها ضمن البيئة التجريبية التشريعية، في خطوة تضع نموذج تمويل سلاسل الإمداد الرقمي أمام الاختبار الفعلي في السوق السعودية.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تواجه فجوة بين تنفيذ الطلبات أو توريد المنتجات وبين تحصيل مستحقاتها من الشركات الأكبر. ويسمح تمويل الفواتير المعتمدة بتحويل جزء من هذه المستحقات إلى سيولة متاحة للنشاط، مما يساعد الشركات على تمويل مشترياتها ورواتبها والتزاماتها والتوسع في أعمالها.

حلقة بين الشركات والبنوك

وقال مدير قطاع المؤسسات المالية في الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى صندوق الاستثمارات العامة، سلطان آل الشيخ، إن «توريد» ستسهم في تعزيز سلاسل الإمداد المحلية وزيادة مرونتها من خلال تحسين قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل وإدارة السيولة النقدية، بما يتيح للقطاع الخاص المحلي العمل بكفاءة ومرونة أكبر.

ويتمثل أحد العناصر الرئيسية في نموذج «توريد» في إتاحة وصول البنوك المحلية المسجَّلة على المنصة إلى الموردين المسجلين، بما ينشئ قناة رقمية تجمع بين الفواتير والموردين والجهات التمويلية، بدلاً من اعتماد الشركات على ترتيبات تمويل منفصلة للحصول على السيولة اللازمة.

ويرى حسن آل هليل، الخبير اللوجستي، أن إطلاق منصة متخصصة في تمويل سلاسل الإمداد يمكن أن يسد فجوة مهمة في المنظومة، خصوصاً أن كفاءة سلاسل الإمداد لا تعتمد فقط على حركة السلع والخدمات، وإنما كذلك على قدرة أطرافها على الحفاظ على تدفقات نقدية مستقرة.

وأوضح آل هليل أن أهمية إطلاق «توريد» تتجاوز الجانب التمويلي، إذ أصبحت السيولة أحد العناصر الأساسية لاستمرارية سلاسل الإمداد وكفاءتها. فالمورد الذي يمتلك سيولة كافية يكون أكثر قدرة على شراء المواد الخام، والحفاظ على مستويات المخزون، وتأكيد الطلبات، وتنفيذ عمليات الإنتاج والشحن في مواعيدها.

وأضاف أن أهمية توفير السيولة في الوقت المناسب تتزايد بالنسبة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه فجوة زمنية بين تنفيذ طلبات العملاء وتحصيل مستحقاتها. ومن شأن تسريع حصولها على السيولة أن يساعدها على مواصلة التوريد من دون الاضطرار إلى تقليص المخزون أو تأجيل المشتريات أو تأخير تسليم الطلبات.

وأشار إلى أن تقليص هذه الفجوة النقدية يسهم، من المنظور اللوجستي، في الحد من احتمالات تعطل إحدى حلقات سلسلة الإمداد. كما يمكن للمنصة الرقمية أن تعزز سرعة وشفافية التعامل بين المشترين والموردين والجهات التمويلية، بما يتيح اتخاذ قرارات أسرع بشأن الطلبات والمخزون والتوريد.

ورأى أن القيمة الأهم لـ«توريد» تتمثل في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد المحلية؛ فكلما تمكن المورد من الحصول على السيولة في الوقت المناسب، زادت قدرته على الاستجابة لتغيرات الطلب، والحفاظ على استمرارية التوريد، والتعامل مع اضطرابات الشحن أو ارتفاع تكاليف النقل، من دون أن تنتقل آثار هذه الضغوط سريعاً إلى العميل النهائي.

وخلص آل هليل إلى أن تمويل سلاسل الإمداد لا ينبغي النظر إليه كأداة مالية فحسب، بل كأحد الأدوات الداعمة لاستقرار تدفق السلع والخدمات داخل الاقتصاد، قائلاً: «من الناحية اللوجستية، السيولة ليست مسألة مالية فقط؛ إنها وقود سلسلة الإمداد».

ولا يقتصر أثر تمويل سلاسل الإمداد على توفير السيولة للشركات، إذ يمكن لتسريع دورة المدفوعات أن يرفع قدرة الموردين على الاستمرار في تلبية الطلبات، ويقلل الضغوط التي قد تنشأ عندما تتسع الفجوة الزمنية بين شراء المدخلات وتحقيق الإيرادات.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية مع اتساع سلاسل التوريد المرتبطة بالمشروعات والشركات الكبرى، إذ يمكن لمشكلة سيولة لدى مورد واحد أن تنتقل إلى حلقات أخرى من السلسلة. ومن هنا يأتي تمويل المستحقات والفواتير كأداة مالية يمكن أن تدعم استمرارية العمليات، إلى جانب دوره في تمويل النمو.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (موانئ)

3 بنوك وشركتان

وباشرت «توريد» أنشطتها وأبرمت اتفاقيات ملزمة مع عدد من البنوك والشركات في السعودية، من بينها بنك الخليج الدولي - السعودية، والبنك الأهلي السعودي، والبنك السعودي الفرنسي، إضافة إلى مجموعة «روشن» و«نسما وشركاهم».

وتوفر هذه الاتفاقيات قاعدة أولية لنموذج المنصة، إذ تجمع بين الشركات المشترية التي لديها مستحقات على الموردين، والموردين الباحثين عن السيولة، والبنوك القادرة على تقديم التمويل.

ويأتي إطلاق «توريد» ضمن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026 - 2030، التي تضع الخدمات المالية ضمن الممكنات الاستراتيجية للمنظومات الاقتصادية الست التي أعلن عنها الصندوق.

كما ينسجم المشروع مع توجه الصندوق نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشروعاته وشركات محفظته، ورفع مساهمة الشركات المحلية في الاقتصاد، مع استخدام التقنيات الرقمية لتطوير الخدمات المالية ورقمنة التجارة.

من تمويل الشركات إلى تمويل السلسلة

ويمثل تمويل سلاسل الإمداد مساراً مختلفاً عن التمويل التقليدي للشركات، إذ يستند في جانب منه إلى معاملات تجارية قائمة وفواتير معتمدة، بدلاً من الاعتماد حصراً على الوضع المالي للمورد وقدرته الائتمانية المنفردة.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه ينقل التركيز من تمويل شركة بعينها إلى تمويل التدفقات النقدية التي تتحرك عبر سلسلة كاملة من الشركات. وكلما أصبحت هذه التدفقات أكثر سرعة وانتظاماً، زادت قدرة الموردين على تلبية الطلب والاستثمار في توسيع أعمالهم.

وبالنسبة للسوق السعودية، يأتي إطلاق «توريد» في وقت تتوسُّع فيه سلاسل الإمداد المحلية مع نمو المشروعات والشركات والمحتوى المحلي، مما يجعل توفير أدوات تمويل مرنة للموردين جزءاً من البنية الداعمة لهذا التوسع.


مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)
TT

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)

دعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاعَين الصناعي والتعديني إلى التحقُّق من أهليتها للاستفادة من مبادرة «استرداد»، التي تتيح للمنشآت المؤهلة استعادة 10 رسوم حكومية مرتبطة بتأسيس وممارسة الأعمال، بهدف تخفيف الأعباء المالية ودعم استدامة الأنشطة الاقتصادية ونموها.

وأوضحت «منشآت» أن المبادرة تشمل استرداد رسوم الرخص البلدية لممارسة النشاط، ونشر عقد تأسيس الشركة لمرة واحدة، وإصدار وتجديد السجل التجاري، و80 في المائة من رسوم المقابل المالي للعامل الأجنبي، واشتراك الغرفة التجارية وتجديده، وتحويل المؤسسة إلى شركة، وتسجيل علامة تجارية واحدة، واشتراك البريد السعودي، وتسجيل براءة اختراع، وإصدار وتجديد تراخيص الأنشطة الاقتصادية.

وتستهدف المبادرة، في نسختها الثانية، دعم المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، عبر استرداد الرسوم الحكومية المدفوعة، وفق شروط ومعايير محددة، بما يعزِّز كفاءة التشغيل واستمرارية الأنشطة، ويمكّن رواد الأعمال من التوسع ودخول أسواق جديدة.

كما تركّز على تخفيف الأعباء المالية عن المنشآت الناشئة، وتسهيل بدء أعمالها، وتعزيز فرص استمراريتها، ورفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.