«توزيعات ترمب» تضع 1.35 تريليون دولار على طاولة الانتخابات

وعد بـ5 آلاف دولار لكل بالغ أميركي يفتح حسابات العجز والدين

TT

«توزيعات ترمب» تضع 1.35 تريليون دولار على طاولة الانتخابات

الحضور يستمع إلى ترمب وهو يلقي كلمته خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)
الحضور يستمع إلى ترمب وهو يلقي كلمته خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)

طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعداً نقدياً بقيمة 5 آلاف دولار لكل بالغ أميركي إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، في مقترح قد تصل تكلفته إلى نحو 1.35 تريليون دولار، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً اقتصادياً أكبر من قيمة الشيك نفسه: من سيدفع ثمن هذه الدفعات؟

وخلال المؤتمر الجمهوري للتجديد النصفي في دالاس الأربعاء، قال ترمب إنه سيصدر «توزيعاً» بقيمة 5 آلاف دولار لكل مواطن بالغ إذا فاز الجمهوريون بمجلسي النواب والشيوخ، وأطلق على الدفعة اسم «توزيعات ترمب» (Trump Dividend)، مشترطاً أن تُنفَق الأموال داخل الولايات المتحدة.

ويعني عدد البالغين في الولايات المتحدة، الذي يقترب من 270 مليوناً، أن دفع 5 آلاف دولار لكل شخص سيضع فاتورة إجمالية عند نحو 1.35 تريليون دولار. وهذا الرقم يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف حجم حزمة التحفيز النقدي الأولى التي أُقرت خلال جائحة «كوفيد-19»، عندما بلغت الدفعة 1200 دولار للبالغ ضمن حدود دخل معينة، وفق «رويترز».

1.35 تريليون دولار... من أين تأتي؟

هنا تبرز المعضلة الأساسية في المقترح: مصدر تمويل هذه الدفعات وآلية إقرارها. فترمب لم يقدم حتى الآن خطة تفصيلية لتمويل «التوزيعات»، كما أن تنفيذها لن يكون بقرار رئاسي منفرد، إذ يحتاج برنامج بهذا الحجم إلى موافقة الكونغرس وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة. وأشارت «أسوشييتد برس» إلى أن الرئيس لا يملك السلطة لصرف هذه الأموال من دون موافقة تشريعية.

كان ترمب قد ألمح إلى إمكانية استخدام إيرادات الرسوم الجمركية لتمويل الدفعات، في إحياء لفكرة سبق أن طرحها العام الماضي عندما تحدث عن «توزيع جمركي» بقيمة 2000 دولار للأميركيين.

لكن الفجوة بين الإيرادات الجمركية والتكلفة المحتملة للبرنامج تبدو كبيرة. ووفق أرقام أوردتها «نيويورك تايمز» نقلاً عن «نموذج بن وارتون للموازنة»، بلغت الإيرادات التي حققتها رسوم ترمب الجمركية نحو 300 مليار دولار، قبل أن تؤدي التطورات القانونية المتعلقة بهذه الرسوم إلى خفض الحصيلة المتاحة إلى نحو 132.5 مليار دولار مع بدء رد الأموال. وحتى بافتراض احتساب 300 مليار دولار كاملة، فإنها لن تغطي سوى نحو 22 في المائة من تكلفة الدفعات البالغة 1.35 تريليون دولار، بينما لا تغطي حصيلة 132.5 مليار دولار سوى أقل من 10 في المائة.

في المقابل، قد تنخفض التكلفة إذا قررت الإدارة استبعاد أصحاب الدخول المرتفعة من البرنامج. وكان نائب الرئيس جي دي فانس قد ألمح إلى هذا الاحتمال، من دون أن يحدد ترمب في خطابه سقفاً للدخل. ووفق تقدير كِنت سميترز، أستاذ الاقتصاد في «وارتون» ومدير «نموذج بن وارتون للموازنة»، فإن استبعاد الأسر التي يزيد دخلها على 400 ألف دولار سنوياً قد يخفض إجمالي التكلفة إلى نحو 1.15 تريليون دولار.

ومع بقاء فجوة كبيرة بين تكلفة البرنامج والإيرادات الجمركية المتاحة، ستصبح كيفية تمويلها عاملاً حاسماً في تحديد أثرها على المالية العامة. فإذا لم تُغطَّ الفجوة من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، فإن اللجوء إلى الاقتراض سيكون الخيار الأكثر مباشرةً، لكنه سيعني في المقابل زيادة العجز والدين الفيدرالي.

الحضور يهتف خلال إلقاء ترمب خطابه خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)

عبء إضافي على مالية مثقلة بالدين

يأتي المقترح في وقت تواجه فيه المالية الأميركية ضغوطاً متزايدة، مع تجاوز الدين الوطني 40 تريليون دولار واقتراب العجز السنوي من 1.8 تريليون دولار، وفق بيانات أوردتها «أسوشييتد برس» في تغطيتها للمقترح.

ومن هذه الزاوية، فإن التكلفة الفعلية لـ«توزيعات ترمب» لن تقتصر على قيمة الشيكات البالغة نحو 1.35 تريليون دولار. فإذا موّلت الحكومة البرنامج بالاقتراض، فستتحمل أيضاً تكلفة خدمة الدين الإضافية، مما يجعل الأثر المالي يمتد إلى ما بعد سنة تنفيذ الدفعات.

وتعني هذه المعادلة أن الـ5 آلاف دولار التي يحصل عليها المواطن دفعة واحدة قد تتحول، من منظور المالية العامة، إلى التزام طويل الأجل تتحمله الحكومة من خلال زيادة الدين وتكاليف فوائده، ما لم تقابل الدفعات إيرادات جديدة أو تخفيضات مماثلة في الإنفاق.

أثر محتمل في التضخم والفائدة

كما أن ضخ أكثر من تريليون دولار في أيدي الأسر الأميركية في فترة قصيرة قد يرفع الاستهلاك والطلب، وهو ما قد يدعم النشاط الاقتصادي على المدى القصير، لكنه قد يزيد أيضاً الضغوط السعرية إذا لم يقابله توسع مماثل في الإنتاج.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل حساسية الأسواق الأميركية تجاه التضخم والعجز والاقتراض الحكومي. فإذا رأت الأسواق أن الدفعات ستزيد العجز والدين، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة، بما يرفع بدوره تكلفة الاقتراض على الحكومة والقطاع الخاص والأسر.

وبالتالي، فإن التأثير الاقتصادي للبرنامج لا يقتصر على حصول كل مستفيد على 5 آلاف دولار، بل يمتد إلى الطلب الاستهلاكي، والتضخم، وإصدارات الخزانة، وأسعار الفائدة وتكلفة خدمة الدين.

هل هي «توزيعات» أم حافز انتخابي؟

الجانب السياسي من المقترح دخل سريعاً في النقاش الاقتصادي. فخلال مقابلة مع نائب الرئيس جي دي فانس، واجه مذيع «فوكس نيوز» بريت باير الإدارة بالسؤال عن تكلفة البرنامج، مشيراً إلى أنها تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار، ثم قال إن هناك من يرى أن ترمب يحاول «رشوة الناخبين» من خلال الوعد بالدفع بعد الانتخابات.

ويكتسب السؤال أهميته من توقيت الإعلان نفسه: فالدفع مشروط بفوز الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر. ومع ذلك، فإن توصيف الوعد بأنه «رشوة» يبقى وصفاً سياسياً من منتقديه وليس حكماً قانونياً.

وقد أثارت الخطة بالفعل تساؤلات قانونية ومالية، إذ إن الرئيس لا يستطيع بمفرده إنشاء برنامج إنفاق بهذا الحجم من دون موافقة الكونغرس، حسب التحليلات القانونية التي رافقت الإعلان.

وفي المقابل، يرى خبراء قانون الانتخابات أن مجرد تقديم وعد بسياسة اقتصادية يمكن أن يستفيد منها الناخبون لا يعني تلقائياً أنه غير قانوني، ما دام تنفيذ المنفعة المفترضة يمر عبر الإجراءات الحكومية المعتادة.

ترمب يومئ بيده بعد اختتام كلمته خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)

تجربة «توزيعات» سابقة

ولا يأتي وعد الـ5 آلاف دولار من فراغ. فقد سبق لترمب أن طرح العام الماضي فكرة دفع 2000 دولار للأميركيين من إيرادات الرسوم الجمركية، لكن المقترح لم يتحول إلى برنامج مدفوعات. كما أن الرئيس تحدث في وقت سابق عن دفعات بقيمة 5 آلاف دولار مرتبطة بالوفورات الناتجة عن تقليص الوظائف الحكومية.

وتختلف هذه الوعود عن دفعات التحفيز التي أقرتها الحكومة خلال جائحة «كوفيد-19»، والتي جاءت ضمن تشريعات أقرها الكونغرس لمواجهة انكماش اقتصادي حاد. أما الوعد الحالي فيأتي في اقتصاد مختلف، لكنه يواجه في الوقت نفسه عبئاً أكبر بكثير من الدين وتكلفة خدمة الاقتراض.

ولهذا، فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي وراء وعد الـ5 آلاف دولار ليس كم سيحصل الأميركيون؟ وإنما من سيدفع فاتورة الـ1.35 تريليون دولار؟

وفي ظل دين وطني يتجاوز 40 تريليون دولار وعجز سنوي يقارب 1.8 تريليون دولار، تطرح «توزيعات ترمب» اختباراً جديداً للمالية الأميركية، خصوصاً أن أي تمويل بالاقتراض سيضيف إلى الدين وتكلفة خدمته. وهنا يختلف «التوزيع» الذي يقدمه ترمب عن توزيعات أرباح الشركات، إذ لا يأتي من فائض مالي متراكم، بل يحتاج إلى مصدر تمويل تحدده الحكومة والكونغرس.


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

الاقتصاد يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كاشكاري وإلى جانبه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن د. غولسبي (الاحتياطي)

رئيس «فيدرالي» مينيابوليس: التضخم لا يزال مرتفعاً... والاقتصاد متماسك

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.