مليارات إيران تتسلّل إلى النظام المالي الأميركي رغم العقوبات

«وول ستريت جورنال»: طهران تستغل شبكة بنوك مراسلة وشركات واجهة للوصول إلى حسابات المقاصة بالدولار

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة مائة دولار في طهران (رويترز)
تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة مائة دولار في طهران (رويترز)
TT

مليارات إيران تتسلّل إلى النظام المالي الأميركي رغم العقوبات

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة مائة دولار في طهران (رويترز)
تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة مائة دولار في طهران (رويترز)

في مفارقة تكشف إحدى أبرز الثغرات في حملة واشنطن لعزل إيران مالياً، تستمر مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية في المرور سنوياً عبر حسابات المقاصة لدى بنوك أميركية، رغم العقوبات التي تحظر على الخاضعين للقانون الأميركي المشاركة في معظم الأنشطة المالية المرتبطة بطهران.

وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، تعتمد إيران في الوصول إلى النظام المالي الأميركي على شبكة من المؤسسات الأجنبية التي تربطها علاقات مصرفية مراسلة مع بنوك أميركية، إلى جانب شركات واجهة وكيانات تستخدم لإخفاء الصلة بطهران.

وتضع هذه الآلية النظام المصرفي الأميركي أمام معضلة معقدة: فواشنطن تمتلك بفضل نظام الدولار قدرة استثنائية على مراقبة التحويلات المالية الدولية وقطع وصول الأطراف المستهدفة إلى العملة الأميركية، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على شبكة مصرفية عالمية واسعة يصعب منع استخدامها بالكامل من جانب إيران.

الدولار... ثغرة في جدار العقوبات

تقول «وول ستريت جورنال» إن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية تمر عبر حسابات المقاصة في البنوك الأميركية كل عام، فيما تصل طهران إلى هذه القنوات من خلال شركاء أجانب لديهم علاقات مراسلة مع البنوك الأميركية.

وتعود هذه الآلية إلى نظام «المصارف المراسلة»، وهو نظام يعود إلى أكثر من قرن ويشكل أحد الأعمدة الأساسية للنظام المالي العالمي، إذ يسمح للبنوك والمؤسسات المالية في دول مختلفة بتسوية المدفوعات العابرة للحدود من دون نقل الأموال نقداً.

لكن هذا النظام نفسه يوفر لإيران مساراً للوصول بصورة غير مباشرة إلى النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وتوضح الصحيفة أن أي معاملة مُقوَّمة بالدولار في أي مكان من العالم يتعين في نهاية المطاف أن تمر عبر جهة مصرفية أميركية للمقاصة، وهو ما يمنح واشنطن قدرة كبيرة على مراقبة حركة الدولار وحرمان المؤسسات أو الدول المستهدفة من الوصول إليه.

9 مليارات دولار عبر البنوك الأميركية

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن وزارة الخزانة الأميركية قالت العام الماضي إنها رصدت نحو 9 مليارات دولار من الأموال الإيرانية التي مرَّت عبر البنوك الأميركية خلال عام 2024.

ويرى باحثون في الشأن الإيراني أن حجم التدفقات يمكن خفضه إذا كثَّفت البنوك الأميركية جهودها في التدقيق في علاقاتها المصرفية المراسلة ومراقبة العمليات المرتبطة بإيران. غير أن المشكلة تكمن في صعوبة اكتشاف الشبكات المستخدمة، إذ تعتمد طهران على منظومة معقَّدة من شركات الواجهة والكيانات الوسيطة وشركات الصرافة لإخفاء المستفيد الحقيقي من المعاملات.

وقالت إيلين ديزينسكي، المسؤولة السابقة في وزارة الأمن الداخلي الأميركية، إن شبكات «الخدمات المصرفية الظلية» يصعب اكتشافها بدرجة كبيرة، لكن تتبع التدفقات المالية الإيرانية ليس مستحيلاً، معتبرة أن البنوك الأميركية والبنوك المراسلة تقع في صميم المسؤولية عن هذه العمليات.

سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس جنوب إيران (رويترز)

دبي وشبكة التحويلات

وتبرز الإمارات في التحقيق باعتبارها إحدى نقاط العبور المهمة في هذه الشبكة. ففي 28 أغسطس (آب)، حددت وزارة الخزانة الأميركية فرع بنك مصر في الإمارات باعتباره إحدى المؤسسات الأجنبية التي تعتقد واشنطن أنها ساعدت إيران في الوصول إلى النظام المصرفي الأميركي، وأعلنت نيتها منعه من استخدام حسابات المراسلة الأميركية.

وقالت الخزانة إن فرع بنك مصر في الإمارات استخدم حسابات مراسلة بالدولار لدى ثلاثة بنوك أميركية، ومرر ما يصل إلى 1.8 مليار دولار لشركات يُحتمل ارتباطها بشبكات مصرفية ظلّية إيرانية.

ولم تسمِّ الخزانة البنوك الأميركية الثلاثة، فيما تشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بنك مصر يدرج «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي غروب» ضمن المؤسسات التي تربطه بها علاقات مصرفية مراسلة. ورفض البنكان التعليق على الإجراء الأميركي.

وقالت وزارة الخارجية المصرية إنها تتواصل مع السلطات الأميركية بشأن الاتهامات، فيما أكد بنك مصر أنه يتعامل مع وزارة الخزانة ويحترم الأطر التنظيمية والقانونية ذات الصلة.

«عملية المنبوذ الاقتصادي» تشدد الخناق

وتأتي هذه الإجراءات في إطار حملة أوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب تحت اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، تستهدف زيادة الضغط المالي على إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات وإنهاء الأعمال العدائية في الشرق الأوسط.

وبموجب الحملة، تحذر واشنطن مؤسسات وحكومات حول العالم من استمرار العلاقات الاقتصادية مع إيران، ملوّحة بعقوبات ثانوية يمكن أن تؤدي في أقصى الحالات إلى قطع المؤسسات المستهدفة عن النظام المالي القائم على الدولار.

وتقول الخزانة الأميركية إن المؤسسات المالية مطالبة بتعزيز الرقابة على التدفقات المرتبطة بإيران، محذرة من أن عدم الالتزام بقواعد العقوبات ستترتب عليه عواقب.

وقال جين لانغ، المسؤول البارز في وزارة الخزانة المشرف على مكتب مكافحة تمويل الإرهاب، إن الوزارة تتحرك بوتيرة أسرع وبصورة أكثر تشدداً لتحديد وتعطيل ومعاقبة المؤسسات أو الوسطاء الذين يواصلون تمكين الأعمال المرتبطة بالنظام الإيراني.

كيف تمر الأموال الإيرانية؟

توضح «وول ستريت جورنال» أن المؤسسات الإيرانية لا تفتح عادة حسابات مباشرة لدى البنوك الأميركية، لأن مثل هذه المؤسسات ستواجه على الأرجح رفضاً بسبب العقوبات. وبدلاً من ذلك، تستخدم طهران شركات واجهة وشركاء في دول مثل الصين والإمارات وهونغ كونغ، حيث توجد مؤسسات مالية لديها علاقات مصرفية مراسلة مع البنوك الأميركية.

وتتحرك الأموال بعد ذلك عبر هذه المؤسسات نيابة عن شركات مرتبطة بإيران، من دون الإفصاح عن الصلات بطهران، بينما تتولى البنوك الأميركية تسوية التحويلات بالدولار.

وتسمح هذه البنية لإيران باستخدام الدولار عند الحاجة، رغم سعيها المتزايد إلى تقليل اعتمادها على العملة الأميركية واللجوء إلى اليوان الصيني أو العملات المشفرة.

فاتورة التكنولوجيا تكشف طريقة عمل الشبكة

وتقدم الصحيفة مثالاً عملياً على كيفية استخدام هذه الشبكة. فبحسب فاتورة اطلعت عليها «وول ستريت جورنال»، طلبت شركة هندسية إيرانية من مورد صيني شراء 150 ألف لوحة دوائر وحسَّاسات، وهي مكونات تستخدم في صناعة السيارات، لكنها مطلوبة أيضاً في إيران لاستخدامات مرتبطة بالأسلحة والطائرات المسيَّرة.

وبلغت قيمة الصفقة نحو 650 ألف دولار، بينما أشارت الفاتورة إلى أن الدفع ينبغي أن يمر عبر جهة مقاصة أميركية في نيويورك.

وأظهرت الوثائق أن الشركة الإيرانية وافقت على الدفع عبر «بنك تجارت»، وهو مؤسسة مالية إيرانية خاضعة للعقوبات الأميركية.

ولا يتضح من الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفة ما إذا كانت عملية الدفع قد تمت فعلاً، لكن المثال يوضح تعقيد المسار الذي يمكن أن تسلكه الأموال الإيرانية للوصول إلى معاملات مرتبطة بالدولار.

تظهر قوارب راسية في ميناء الصيد المحلي ذي الخمس خطوات في مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران (أ.ف.ب)

واشنطن أمام معضلة الدولار

تكمن المفارقة الأكبر في أن النظام الذي يمنح الولايات المتحدة قوة هائلة لمعاقبة إيران هو نفسه الذي يصعب على واشنطن تشديد الرقابة عليه من دون تحمل تكاليف أوسع. فالعلاقات المصرفية المراسلة تعد ضرورية لعمل النظام المالي العالمي، كما أنها تمثل نشاطاً مربحاً للبنوك الأميركية من خلال الرسوم والعوائد على الودائع والخدمات التي تقدمها للعملاء والمؤسسات الأجنبية.

لكن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت البنوك الأميركية تبذل ما يكفي لضمان عدم استخدامها في تسوية معاملات تعود بالنفع على طهران.

ويحذر خبراء من أن تشديد الرقابة إلى درجة كبيرة قد يدفع البنوك إلى تقليص نشاطها في مجال المصارف المراسلة، بما قد يؤثر في تدفق المدفوعات العالمية.

تشديد العقوبات قد يقوي بدائل الدولار

تواجه واشنطن كذلك مفارقة استراتيجية أوسع: كلما استخدمت سلاح النظام المالي الأميركي بصورة أكثر كثافة، زادت حوافز الدول والمؤسسات للبحث عن بدائل للدولار.

وتقول الصحيفة إن إيران تعمل بالفعل على زيادة استخدام اليوان الصيني والعملات المشفَّرة لتقليل تعرضها للرقابة الأميركية، لكنها لا تزال تحتاج إلى الدولار في بعض أنواع التجارة، وفي دعم حلفائها في الشرق الأوسط، وفي الحصول على تقنيات ومكونات تخضع للقيود.

ويرى أليكس زيردن، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية، أن زيادة استخدام أدوات الضغط المالي يمكن أن تخلق حوافز أكبر للبحث عن بدائل للدولار.

وهنا تظهر المعضلة أمام واشنطن: التساهل مع التدفقات المالية يسمح لإيران باستغلال النظام المالي الأميركي، بينما التشدُّد المفرط قد يدفع مزيداً من الدول إلى تقليص اعتمادها على النظام القائم على الدولار.

بنك مصر يكشف حدود التصعيد الأميركي

وفي حالة فرع بنك مصر في الإمارات، اختارت وزارة الخزانة الأميركية مساراً أقل حدة من فرض عقوبات ثانوية شاملة، إذ قررت تقييد وصول الفرع إلى حسابات المراسلة الأميركية بدلاً من فرض عقوبات ثانوية عليه.

كما لم تستهدف الوزارة البنوك الأميركية التي كانت لديها علاقات مراسلة مع الفرع.

ومنحت الخزانة الفرع مهلة 30 يوماً لتقديم ملاحظاته قبل بدء إنهاء علاقاته المصرفية المراسلة في الولايات المتحدة.

وترى «وول ستريت جورنال» أن هذا النهج يعكس حجم المعضلة التي تواجهها وزارة الخزانة؛ إذ إن قطع بنك أجنبي عن النظام المالي الأميركي يمكن أن يؤدي عملياً إلى تدميره، بينما الضغط على البنوك الأميركية نفسها قد يدفعها إلى تقليص نشاطها في المصارف المراسلة، بما يحمل آثاراً على النظام المالي الأوسع.

معركة أوسع من إيران

وتكشف القضية أن معركة واشنطن مع طهران لم تعد تدور فقط حول العقوبات المفروضة على شركات النفط أو المؤسسات الإيرانية، وإنما تمتد إلى البنية التحتية التي يقوم عليها النظام المالي العالمي. فإيران، رغم تعرض اقتصادها لضغوط شديدة وتراجع عملتها، ما زالت قادرة على الوصول بصورة غير مباشرة إلى قنوات الدولار من خلال شبكة دولية معقدة من البنوك والشركات والوسطاء.

وبالنسبة إلى واشنطن، فإن سد هذه القنوات بالكامل يتطلب مراقبة أكثر صرامة ليس فقط للمؤسسات الأجنبية، وإنما أيضاً للعلاقات المصرفية المراسلة التي تمر من خلالها التحويلات بالدولار.

وهكذا تتحوَّل الحسابات المصرفية المراسلة إلى إحدى ساحات المواجهة الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران: طهران تحاول البقاء داخل النظام المالي العالمي من بوابات خلفية، وواشنطن تحاول إغلاقها من دون أن تدفع النظام نفسه إلى البحث عن مخارج خارج الدولار.


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

الاقتصاد يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كاشكاري وإلى جانبه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن د. غولسبي (الاحتياطي)

رئيس «فيدرالي» مينيابوليس: التضخم لا يزال مرتفعاً... والاقتصاد متماسك

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.