ترمب يصعِّد ضد كندا... حرب تجارية تختبر الاقتصاد والجمهوريين قبل انتخابات 2026

أوتاوا تستعد للرد... وولايات حدودية تتحول إلى ساحة اختبار لسياسات «أميركا أولاً»

لافتة معلقة خارج السفارة الكندية في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)
لافتة معلقة خارج السفارة الكندية في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)
TT

ترمب يصعِّد ضد كندا... حرب تجارية تختبر الاقتصاد والجمهوريين قبل انتخابات 2026

لافتة معلقة خارج السفارة الكندية في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)
لافتة معلقة خارج السفارة الكندية في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

تتجه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا إلى مرحلة أكثر خطورة، بعدما تحولت الرسوم الجمركية التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الواردات الكندية من ورقة تفاوضية إلى مصدر ضغط اقتصادي وسياسي، يهدد برفع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد، في وقت يستعد فيه الحزبان الجمهوري والديمقراطي لمعركة انتخابية للسيطرة على مجلس الشيوخ.

وتصاعد الخلاف خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد انهيار المفاوضات بين البلدين، ليرفع ترمب الرسوم على واردات كندية بقيمة 20 مليار دولار، بينما تستعد أوتاوا لإعلان إجراءاتها الانتقامية اليوم (الثلاثاء). وكان ترمب قد أعلن كذلك عزمه مضاعفة الرسوم على السيارات وقطع غيارها الكندية إلى 50 في المائة بدءاً من العام المقبل.

وتأتي المواجهة في توقيت حساس بالنسبة للجمهوريين؛ إذ تتجه الأنظار إلى ولايات مثل مين وميشيغان وأوهايو وألاسكا؛ حيث تشكل التجارة مع كندا جزءاً مهماً من اقتصاداتها، بينما يخوض عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين سباقات انتخابية صعبة في انتخابات التجديد النصفي.

لفائف من الفولاذ في منشأة أرسيلورميتال دوفاسكو في هاميلتون بأونتاريو (أ.ف.ب)

من كندا إلى صناديق الاقتراع

في ولاية مين، التي تعتمد قطاعات منها على التجارة مع كندا، حذَّرت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز من تداعيات الرسوم الجديدة على الشركات والمستهلكين الأميركيين، وقالت إن فرض رسوم جديدة على كندا «خطأ».

وتبرز أهمية موقف كولينز كونها واحدة من أبرز أهداف الديمقراطيين في الانتخابات المقبلة. وقد أشارت خلال حملتها الانتخابية إلى منتجات محلية، مثل جراد البحر والتوت والأخشاب التي تجد أسواقاً لها في كندا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ولا تقتصر المخاطر السياسية على مين. ففي ميشيغان، التي يذهب نحو ثلث صادراتها إلى الشمال، يحاول الديمقراطيون استغلال التصعيد التجاري لمهاجمة الجمهوريين ودعمهم سياسات ترمب.

أما أوهايو، فتجمع بين صناعات السيارات والصلب وغيرها من القطاعات المرتبطة بالتجارة مع كندا، ما يجعل الرسوم قضية انتخابية واقتصادية في آن واحد.

وقال مارك شورت، الذي كان مستشاراً بارزاً لنائب الرئيس السابق مايك بنس خلال ولاية ترمب الأولى، إن القضية قد تتحول إلى «فخ سياسي» للجمهوريين؛ خصوصاً في الولايات الزراعية التي يعتمد ناخبوها على التجارة الخارجية.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث عن النزاع التجاري مع الولايات المتحدة في حوض بناء السفن بمدينة ليفيس بمقاطعة كيبيك (أ.ف.ب)

كندا تستعد للرد

في المقابل، تستعد الحكومة الكندية لإعلان ردها على الرسوم الأميركية، بعدما رفض رئيس الوزراء مارك كارني اتفاقاً مع واشنطن وصفه بأنه غير عادل.

وكان كارني قد أعلن بالفعل أن الرسوم الانتقامية ستدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر (أيلول)، وتستهدف قطاعات أميركية تشمل الصلب ومنتجات الألبان، إلى جانب معدات زراعية وورق وإلكترونيات.

وقال كارني إن هدف حكومته خلال المفاوضات كان دائماً الحصول على «أفضل صفقة للكنديين»، وليس قبول اتفاق «بأي ثمن أو في أي إطار زمني».

وأضاف أن المفاوضين الأميركيين أرادوا -حسب رواية أوتاوا- فرض قيود على العلاقات التجارية الكندية مع دول أخرى، فضلاً عن تقديم مطالب اعتبرتها كندا غير مقبولة بشأن اللغة الفرنسية وثقافة كيبيك.

وفي المقابل، اتهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس كندا بتقديم مطالب غير معقولة في اللحظات الأخيرة من المفاوضات.

«لا نحتاج إلى كندا»

اختار ترمب لهجته المعتادة في الدفاع عن سياسته التجارية، قائلاً إن كندا «تستغل الولايات المتحدة منذ سنوات»، ومؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى جارتها الشمالية.

لكن الأرقام تعكس مدى تشابك اقتصادَي البلدين؛ فالصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة تمثل نحو 70 في المائة من إجمالي صادرات كندا، بينما تعد كندا ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في تجارة السلع هذا العام، بعد المكسيك.

وهذا الترابط يجعل أي تصعيد في الرسوم أكثر من مجرد خلاف على أسعار السلع؛ إذ يمكن أن ينتقل سريعاً إلى المصانع والمزارع والمتاجر والمستهلكين على جانبي الحدود.

السيارات والأخشاب والغذاء في مرمى الرسوم

وتشمل الولايات الأميركية الأكثر تعرضاً لتداعيات التصعيد قطاعات شديدة الارتباط بالسوق الكندية، من صناعة السيارات وقطع الغيار في ميشيغان وأوهايو، إلى الأخشاب والمنتجات الزراعية في مين، والمنتجات البحرية والغذائية.

ويخشى اقتصاديون وسياسيون من أن يؤدي استمرار المواجهة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتضرر سلاسل الإمداد، بما يضيف ضغوطاً جديدة على الأميركيين الذين لا تزال الأسعار والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة من أبرز مخاوفهم الاقتصادية.

وتأتي هذه المخاوف في وقت يحاول فيه الجمهوريون الدفاع عن سجل ترمب الاقتصادي، بينما يراهن الديمقراطيون على أن ارتفاع التكاليف سيمنحهم سلاحاً انتخابياً في الولايات المتأرجحة.

لفائف من الفولاذ في منشأة أرسيلورميتال دوفاسكو في هاميلتون بأونتاريو (أ.ف.ب)

ترمب يدفع بـ«أميركا أولاً»... والجمهوريون أمام الاختبار

لطالما جعل ترمب الرسوم الجمركية جزءاً أساسياً من أجندة «أميركا أولاً»، بحجة أنها تحمي الصناعة المحلية وتدر إيرادات إضافية على الخزانة الأميركية.

لكن سياسة الحماية التجارية تواجه اختباراً أكثر صعوبة في ولايته الثانية، بعدما اتسعت المواجهة من الصين إلى أحد أقرب الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

ويرى مسؤولون سابقون أن الدفاع عن الرسوم في الولاية الأولى كان أسهل عندما تركزت بدرجة أكبر على الصين، بينما أصبح الأمر أكثر تعقيداً بعدما دخلت دول حليفة وشركاء تجاريون تقليديون في دائرة المواجهة.

وفي مين، حاول نائب الرئيس جي دي فانس طمأنة الناخبين بأن الإدارة تدرك أهمية العلاقة مع كندا، مؤكداً أن ترمب يريد «العدالة» في السياسة التجارية.

لكن السيناتورة كولينز طرحت هدفاً مختلفاً تماماً: العودة إلى العلاقة الودية والمفيدة اقتصادياً التي جمعت الولايات المتحدة وكندا لعقود.

وبينما يستعد البلدان لجولة جديدة من الرسوم والردود الانتقامية، تبدو الحدود الأميركية- الكندية أمام اختبار يتجاوز التجارة. فهذه المرة قد تحدد أسعار السيارات والأخشاب والمنتجات الزراعية، إلى جانب وظائف المصانع والمزارع، ليس فقط مسار العلاقات بين واشنطن وأوتاوا، وإنما أيضاً شكل المعركة على مجلس الشيوخ الأميركي.


مقالات ذات صلة

الدولار يكافح لاستعادة الزخم... عقوبات إيران وإعادة شراء السندات تحت المجهر

الاقتصاد يقوم تاجر عملات بعدّ أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي في ساحة فردوسي بطهران (أ.ب)

الدولار يكافح لاستعادة الزخم... عقوبات إيران وإعادة شراء السندات تحت المجهر

كافح الدولار الأميركي للحفاظ على مكاسبه أمام العملات الرئيسية، يوم الثلاثاء، مع تقييم المستثمرين لتوسيع واشنطن العقوبات المرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أسعار البنزين معروضة على مضخة وقود في محطة إكسون بمدينة فولز تشيرش، بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

مخزونات الاحتياطي النفطي الأميركي عند أدنى مستوى منذ 1982

انخفضت مخزونات النفط الخام في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي بنحو 3.7 مليون برميل الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد دوغ فورد رئيس وزراء أونتاريو يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد انهيار المحادثات التجارية بين كندا والولايات المتحدة (رويترز)

ترمب يهاجم رئيس وزراء أونتاريو... ويحذر كندا من عواقب «أسوأ»

شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هجوماً حاداً على رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو الكندية دوغ فورد، متهماً إياه بالتصعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

الخزانة الأميركية قد تستخدم 950 مليار دولار لدعم سوق السندات

تدرس وزارة الخزانة الأميركية الاستفادة من رصيد حسابها العام لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، البالغ نحو 950 مليار دولار، لتمويل عمليات شراء السندات الحكومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تعرض شاشة مؤتمراً صحافياً لوارش عقب إعلان سعر الفائدة (رويترز)

هل يختبر أسبوع «جاكسون هول» قدرة الأسواق على تجاوز ضغوط السندات؟

تدخل الأسواق العالمية أسبوعاً حافلاً بالأحداث الاقتصادية، تتصدره كلمة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في ندوة «جاكسون هول» وبيانات التضخم الأميركية.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

«إن إتش سي» توقع مذكرة تفاهم مع «إي دي إف» الفرنسية لتطوير حلول الطاقة والبنية التحتية

«إن إتش سي» توقع مذكرة تفاهم مع «إي دي إف» الفرنسية لتطوير حلول الطاقة والبنية التحتية
TT

«إن إتش سي» توقع مذكرة تفاهم مع «إي دي إف» الفرنسية لتطوير حلول الطاقة والبنية التحتية

«إن إتش سي» توقع مذكرة تفاهم مع «إي دي إف» الفرنسية لتطوير حلول الطاقة والبنية التحتية

وقّعت الشركة الوطنية للإسكان «إن إتش سي» مذكرة تفاهم مع شركة «إي دي إف» الفرنسية، على هامش اجتماع الطاولة المستديرة السعودي - الفرنسي للاستثمار، الذي جمع عدداً من القيادات والمستثمرين وصنّاع القرار من البلدين، وذلك خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا.

وتأتي المذكرة في إطار جهود «إن إتش سي» لتعزيز العلاقات الاقتصادية الدولية وتوسيع فرص الاستثمار والشراكات النوعية، بالتنسيق مع وزارة الاستثمار والهيئة السعودية لتسويق الاستثمار، كما تستهدف وضع الأطر والمبادئ الأساسية للتعاون المستقبلي بين الجانبين في عدد من المجالات المرتبطة بالطاقة والاستدامة والبنية التحتية.

وتشمل مجالات التعاون الأرصدة الكربونية، وحلول الطاقة والإنارة، والبنية التحتية الكهربائية، والطاقة الشمسية، إلى جانب الاستثمار في محطات شحن المركبات الكهربائية في الأماكن العامة.

اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي - السعودي للاستثمار (إكس)

كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية

وتتضمن المذكرة بحث فرص رفع كفاءة استهلاك الطاقة وخفض تكاليف التشغيل، وتطوير البنية التحتية الكهربائية ومشروعات الطاقة الشمسية في وجهات «إن إتش سي» ومرافقها وأصولها، إضافة إلى التوسع في محطات الشحن الكهربائية في الأماكن العامة وتعزيز جاهزية الوجهات.

كما تشمل مجالات التعاون تحديد وتوثيق الأرصدة الكربونية الناتجة عن مشروعات الشركة، وبناء قاعدة بيانات دقيقة للبصمة الكربونية، إلى جانب دراسة جدوى الفرص الاستثمارية في هذا المجال.

وشارك محمد بن صالح البطي، الرئيس التنفيذي لشركة «إن إتش سي»، في اجتماع الطاولة المستديرة السعودي - الفرنسي للاستثمار، إلى جانب قيادات ومستثمرين وصنّاع قرار من البلدين، حيث جرى استعراض الفرص الاستثمارية في قطاع الإسكان والتطوير العقاري، وبحث آفاق الشراكة مع الجانب الفرنسي في مجالات الطاقة والاستدامة والبنية التحتية.

وتأتي هذه الشراكة في سياق توجه «إن إتش سي» نحو تطوير وجهات عمرانية متكاملة، توفر حلولاً سكنية متنوعة وتدعم جودة الحياة، ضمن جهود الشركة للإسهام في مستهدفات برنامج الإسكان و«رؤية 2030»، فيما تستهدف الوصول إلى 600 ألف وحدة سكنية بحلول عام 2030.


اليابان تستنجد بمدخرات الأُسَر لتمويل ديونها القياسية

رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
TT

اليابان تستنجد بمدخرات الأُسَر لتمويل ديونها القياسية

رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

تتجه اليابان إلى اختبار أداة جديدة لمواجهة واحدة من أكثر المعضلات المالية حساسية في الاقتصادات المتقدمة، والتي تتعلق بكيفية تمويل جبل من الدين العام في عصر انتهت فيه الفائدة الصفرية وتراجع فيه البنك المركزي تدريجياً عن دوره بوصفه المشتري المهيمن للسندات الحكومية؟

ففي الوقت الذي تستعد فيه طوكيو لقفزة قياسية في تكاليف خدمة الدين، كشفت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما أن الحكومة تدرس تقديم حوافز ضريبية للأفراد للاستثمار في السندات الحكومية اليابانية، في خطوة قد تساعد على توسيع قاعدة المشترين وتعويض جانب من التراجع في مشتريات بنك اليابان. وتكتسب الخطوة أهمية استثنائية بعدما أفادت وكالة «كيودو» بأن وزارة المالية تتوقع ارتفاع تكاليف خدمة الدين بنحو 17 في المائة خلال السنة المالية المقبلة إلى مستوى قياسي يبلغ 36.64 تريليون ين (نحو 230 مليار دولار). ويأتي ذلك بالتزامن مع توقع تجاوز طلبات الموازنة للسنة المالية 2027 مستوى 130 تريليون ين للمرة الأولى، مقارنة بنحو 122 تريليون ين في السنة الحالية.

هذه الأرقام تكشف عن تحول جذري في البيئة التي أدارت فيها اليابان ديونها لعقود. فطوال سنوات، استطاعت الحكومة تحمل مستويات استثنائية من الدين العام بفضل أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، وسياسة نقدية جعلت بنك اليابان مشترياً ضخماً للسندات. ولكن ارتفاع التضخم وتطبيع السياسة النقدية بدآ بتغيير هذه المعادلة. وتخطط وزارة المالية لاستخدام سعر فائدة مفترض يبلغ 3.8 في المائة عند حساب تكاليف خدمة الدين في موازنة السنة المقبلة، وهو الأعلى منذ 29 عاماً، مقارنة بـ3 في المائة في موازنة 2026. وهذه ليست مجرد فرضية محاسبية؛ بل اعتراف رسمي بأن عصر التمويل شديد الرخص ربما انتهى. وتداول عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات الثلاثاء حول 2.895 في المائة، بينما تجاوزت عوائد بعض الآجال الطويلة 4 في المائة. ومع إعادة تمويل السندات المستحقة وإصدار ديون جديدة بأسعار أعلى، تنتقل زيادة العوائد تدريجياً إلى فاتورة الفوائد الحكومية... وهنا تظهر أهمية الأسر اليابانية.

قالت كاتاياما إن الحكومة يُرجح أن تطرح إجراءات ضريبية محتملة مرتبطة بحيازة الأفراد للسندات ضمن إصلاحات السنة المالية المقبلة، ولكنها شددت على ضرورة درس الفكرة بعناية؛ خصوصاً في ضوء احتمال استفادة أصحاب الثروات الكبيرة منها بدرجة أكبر. وتحاول الحكومة عملياً تحويل جزء من المدخرات المالية الضخمة للأسر اليابانية إلى مصدر أكثر استقراراً لتمويل الدين العام. وكانت السندات الحكومية المخصصة للأفراد متاحة منذ عام 2003 بآجال 3 وخمسة وعشرة أعوام، ولكنها لا تزال تمثل جزءاً صغيراً من سوق الدين اليابانية.

اقتصادياً، قد تحقق الحوافز الضريبية أكثر من هدف. فهي تستطيع زيادة العائد الصافي الذي يحصل عليه المواطن من السندات من دون اضطرار الحكومة إلى رفع العائد الاسمي بالقدر نفسه، كما توسع قاعدة المستثمرين وتقلل اعتماد الخزانة على مجموعة محدودة من المؤسسات المالية والبنك المركزي. والأهم أن المستثمر الفردي قد يكون أقل ميلاً إلى المضاربة مقارنة بالمؤسسات الدولية، ما يوفر للحكومة قاعدة طلب محلية مستقرة في الفترات التي تشهد فيها أسواق السندات تقلبات حادة.

لكن السياسة تنطوي على مفارقة. فمنذ سنوات تدفع اليابان الأسر إلى الانتقال: «من الادخار إلى الاستثمار»، وتشجعها على شراء الأسهم والصناديق الاستثمارية بهدف توجيه الثروة المالية نحو الأصول الأكثر إنتاجية. ومنح إعفاءات خاصة للسندات الحكومية قد يعيد جزءاً من تلك الأموال إلى تمويل الدولة بدلاً من الشركات والاستثمارات ذات المخاطر الأعلى. ولهذا أشارت كاتاياما صراحة إلى ضرورة موازنة الحوافز المقترحة مع سياسة تشجيع الاستثمار، إضافة إلى التساؤلات المتعلقة بالعدالة؛ فالإعفاء الضريبي على دخل السندات قد يمنح فائدة أكبر للأسر الأعلى دخلاً وثروة والقادرة أصلاً على استثمار مبالغ كبيرة.

أما المشكلة الأعمق، فهي أن توسيع قاعدة المشترين يعالج تمويل الدين أكثر مما يعالج أسبابه.

فطلبات الموازنة للسنة المالية 2027 مرشحة لتجاوز 130 تريليون ين، مدفوعة جزئياً بالسياسة المالية التوسعية لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، وبرامج الاستثمار العام التي تسمح للوزارات بطلب تمويل من دون سقف محدد مسبقاً. كما تعتزم الحكومة إدخال نفقات إلى الموازنة الأساسية كانت تمول سابقاً من موازنات تكميلية. ومع ارتفاع تكلفة الفائدة، تتشكل دائرة مالية شديدة الحساسية: دين ضخم يحتاج إلى إعادة تمويل، وعوائد أعلى ترفع خدمة الدين، وزيادة مدفوعات الفائدة تضغط على الموازنة، ما قد يتطلب بدوره إصدار مزيد من السندات. وفي الوقت نفسه، لم يعد بنك اليابان قادراً على أداء الدور نفسه الذي لعبه خلال حقبة التيسير النقدي الاستثنائي. فالبنك يقلص مشترياته من السندات، بينما تواجه المصارف التجارية قيوداً مرتبطة برأس المال ومخاطر أسعار الفائدة تحد من قدرتها على استيعاب إصدارات متزايدة بلا حدود. وتصبح القضية أكثر حساسية لأن اليابان تمتلك أحد أعلى مستويات الدين العام نسبة إلى الناتج بين الاقتصادات المتقدمة. وبالتالي، فإن ارتفاعاً يبدو محدوداً في متوسط تكلفة التمويل يمكن أن يتحول بمرور الوقت إلى مبالغ هائلة بسبب ضخامة رصيد الدين. ومع ذلك، تمنح البيئة الجديدة الحكومة فرصة لم تكن متاحة عندما كانت العوائد قرب الصفر. فالسندات اليابانية أصبحت أكثر جاذبية للمستثمر المحلي، بعدما اقتربت عوائد الآجال الطويلة من مستويات تنافس بعض السندات الأميركية والألمانية. وهذا يعني أن وزارة المالية لم تعد تطلب من الأسر شراء أصل شبه عديم العائد؛ بل أداة دخل ثابت يمكن أن تصبح جزءاً حقيقياً من المحافظ الاستثمارية. ويتمثل الاختبار المقبل في تصميم الحوافز.

فإذا كانت سخية للغاية، فقد تفقد الخزانة إيرادات ضريبية وتصب الفائدة بصورة غير متناسبة في مصلحة الأثرياء. وإذا كانت محدودة، فلن تغير هيكل الطلب على السندات بالقدر المطلوب.

لذلك، فإن النقاش حول إعفاءات المستثمرين الأفراد يتجاوز السياسة الضريبية إلى إعادة هندسة سوق الدين اليابانية نفسها. فطوكيو تبحث عن مشترٍ جديد في اللحظة التي يتراجع فيها المشتري القديم، أي بنك اليابان، وفي وقت ترتفع فيه احتياجات الإنفاق وتكاليف الاقتراض معاً. وقد تساعد مدخرات الأسر على تخفيف اضطرابات هذه المرحلة الانتقالية، ولكنها لن تلغي الحساب المالي الأساسي؛ فكلما طال بقاء العوائد مرتفعة، واستمر الإنفاق في التوسع، أصبحت استدامة الدَّين أكثر ارتباطاً بقدرة الحكومة على ضبط الموازنة وتعزيز النمو، وليس فقط بقدرتها على العثور على مشترين جدد لسنداتها.


رائدة أعمال فرنسية: السعودية منصة انطلاق للتكنولوجيا إلى الأسواق العالمية

«ملتقى بيبان» في العاصمة الرياض المختص بالشركات الناشئة (واس)
«ملتقى بيبان» في العاصمة الرياض المختص بالشركات الناشئة (واس)
TT

رائدة أعمال فرنسية: السعودية منصة انطلاق للتكنولوجيا إلى الأسواق العالمية

«ملتقى بيبان» في العاصمة الرياض المختص بالشركات الناشئة (واس)
«ملتقى بيبان» في العاصمة الرياض المختص بالشركات الناشئة (واس)

لا ترى رائدة الأعمال والمستثمرة الفرنسية جولي باربييه السعودية مجرد سوق واعدة لشركات التكنولوجيا، بل منصة انطلاق عالمية تتيح اختبار التقنيات الثورية وتطويرها وتوسيع نطاقها. وترى المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «ميريت» أن مزيج البنية التحتية الرقمية، ورأس المال، وسرعة التنفيذ، واتساع قاعدة العملاء، يجعل المملكة بيئة جاذبة لبناء منتجات تقنية يمكن أن تنطلق منها الشركات إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، تقول باربييه إن التحول الاقتصادي الذي تقوده «رؤية 2030» أوجد بيئة أعمال عالية الطموح وسريعة الاستجابة للأفكار الجديدة، بالتزامن مع إعادة هيكلة قطاعات واسعة تشمل التمويل والسياحة والنقل والتجارة والخدمات اللوجستية والخدمات الحكومية. وتستشهد بتجربة شركة «ميريت» العالمية المتخصصة في تقنيات التفاعل والحوافز، والتي يعمل فيها فريقها السعودي بكفاءة ابتكارية أعلى بنسبة 59 في المائة وفق مقياس الابتكار الداخلي للشركة، وينتج نحو 8 مبادرات ابتكارية أسبوعياً.

وتقول باربييه إن السعودية أصبحت من أكثر البيئات جاذبية لإطلاق التقنيات الجديدة والتحقق من جدواها وتوسيع نطاقها، مستفيدة من ارتفاع معدلات تبني التقنيات الرقمية، واستعداد المؤسسات الكبرى للتعاون مع الحلول الجديدة، وتوافر رأس المال، إلى جانب إعادة تشكيل قطاعات اقتصادية بأكملها في الوقت نفسه.

وتوضح أن هذه العوامل تمنح رواد الأعمال فرصة الوصول إلى حالات استخدام حقيقية وعملاء جادين، بما يتيح طرح المنتجات الجديدة واختبارها على نطاق واسع، ثم تطويرها وتكييفها بسرعة قبل التوسع إلى أسواق أخرى. وترى أن سرعة التحول في المملكة تخلق أيضاً استعداداً أكبر لتحدي الأساليب التقليدية، وهو ما تعدّه ضرورياً عند بناء حلول جديدة.

وبالنسبة إلى «ميريت»، التي اختارت الرياض مقراً إقليمياً لها، تقول باربييه إن وجود الشركة في المملكة يمنحها وصولاً مباشراً إلى العملاء والشركاء، وفي الوقت نفسه يتيح لها تطوير منتجاتها واختبارها قبل طرحها على المستوى الدولي. وتضيف: «لهذا السبب؛ أرى السعودية ليس مجرد سوق للتكنولوجيا، بل منصة انطلاق للشركات ذات الطموح الإقليمي والعالمي».

رائدة الأعمال والمستثمرة الفرنسية جولي باربييه (الشرق الأوسط)

«رؤية 2030»... من الطموح إلى سرعة التنفيذ

وقالت باربييه إن أبرز إسهامات «رؤية 2030» تتمثل في منح المملكة اتجاهاً واضحاً ومستوى عالياً من الطموح تشارك فيه الحكومة والشركات والمستثمرون ورواد الأعمال. وأضافت: «في تحول بهذا الحجم، من الطبيعي أن تتحقق بعض الأهداف بوتيرة أسرع من غيرها، لكن الاتجاه واضح والزخم كبير».

وترى أن وضوح الطموح على مستوى منظومة الأعمال ينعكس مباشرة على طريقة التعامل مع الأفكار الجديدة؛ إذ تصبح القرارات أسرع، وتزداد الرغبة في التجربة، وتتعزز قابلية الشركات لتبني أساليب جديدة في العمل.

وشبّهت باربييه «رؤية 2030» بموجة تدفع منظومة ريادة الأعمال إلى الأمام، موضحة أن رواد الأعمال والشركات العاملة في المملكة لا يستفيدون من هذا الزخم فحسب، بل يسهِمون أيضاً في صنعه، ويتحركون في الاتجاه نفسه.

وتشير تجربة «ميريت» إلى جانب من هذا التحول؛ فعلى الرغم من أن الشركة تعمل عبر نحو 8 مكاتب وتضم موظفين من 24 جنسية، فإن فريقها السعودي يحقق أداءً أعلى بنسبة 59 في المائة في مقياس الابتكار الداخلي، ويطلق نحو 8 مبادرات ابتكارية أسبوعياً.

رائدة الأعمال والمستثمرة الفرنسية جولي باربييه بجلسة حوارية في «ملتقى بيبان» (الشرق الأوسط)

وقالت باربييه إن هذه الأرقام تمثل، من وجهة نظرها، تجسيداً عملياً لتأثير «رؤية 2030»، موضحة أنها «ليست مجرد استراتيجية حكومية، بل تخلق بيئة تشجع الأفراد على بذل المزيد من الجهد، والتجربة، والتحرك بوتيرة أسرع، والتفكير على نطاق أوسع».

وأضافت أن هذا الزخم أصبح جزءاً من الميزة الاستراتيجية لـ«ميريت»، قائلة: «نحن نستفيد منه ونسهِم في تعزيزه».

بيئة رقمية تختصر الطريق من الفكرة إلى التنفيذ

وحول تجربتها بصفتها رائدة أعمال ومستثمرة فرنسية في شركة تقنية عالمية تعمل من الرياض، قالت باربييه إن ما يميز بيئة الأعمال في السعودية هو السرعة التي تنتقل بها القرارات من مرحلة الطموح إلى التنفيذ، وهو ما يلمسه رائد الأعمال في تفاصيل العمل اليومية.

وأوضحت أن قطاعات واسعة من الخدمات أصبحت رقمية، من الخدمات الحكومية والهوية والمدفوعات إلى الخدمات المصرفية وإدارة الشركات، في حين تحولت كثيرٌ من الإجراءات التي كانت تتطلب سابقاً معاملات ورقية أو مواعيد أو المرور عبر وسطاء عدة إلى خدمات يمكن إنجازها رقمياً بدرجة متزايدة.

وترى باربييه أن هذا التحول الرقمي لا يغير طريقة تقديم الخدمات فحسب، بل يعيد تشكيل عقلية الأعمال نفسها؛ إذ يرفع سقف التوقعات بشأن سرعة التنفيذ وتجربة العملاء، في وقت تتسارع فيه عملية بناء بنية تحتية تقنية واسعة في المملكة.

وفي هذا السياق، أشارت إلى دور الشركات السعودية في ترسيخ هذه المنظومة، قائلة إن شركة «هيوماين» تعمل على تطوير قدرات في مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية والنماذج والتطبيقات، في حين تمثل شركة «عِلم» الحكومية، بحسبها، مثالاً على مدى تغلغل التكنولوجيا في قطاعات مثل الخدمات الحكومية والمالية واللوجستية وخدمات الأعمال.

وعن اختيار «ميريت» الرياض مقراً إقليمياً لها، قالت باربييه إن أهمية المملكة بالنسبة للشركة لا تقتصر على حجم السوق، بل تمتد إلى البيئة التي تتيح تطوير المنتجات واختبارها والتوسع بها.

وأضافت: «لهذا السبب اخترنا الرياض مقراً رئيسياً لنا في المنطقة، في حين نواصل من المملكة تطوير منتجات وتقنيات تستهدف الأسواق العالمية».

رائدة الأعمال والمستثمرة الفرنسية جولي باربييه (الشرق الأوسط)

مستقبل ريادة الأعمال للمرأة السعودية

وحول مستقبل ريادة الأعمال للمرأة السعودية في المملكة، قالت: «لمستُ شغفاً كبيراً بريادة الأعمال خلال مشاركتي مؤخراً في ملتقى (الشركات السعودية المليارية) في أبها، حيث التقيت عدداً من المؤسِّسات. وما لفت انتباهي لم يكن فقط قدرتهن على بناء الشركات، بل أيضاً مستوى الطموح والالتزام والرغبة في التوسع والنمو».

وأشارت إلى أن المرأة السعودية تنشط بالفعل بوصفها مؤسِّسةً ومديرةً تنفيذيةً ومستثمرةً وصانعةَ قرار، لافتةً إلى أن ما يعزز حضورها ويزيد من قوتها هو تنامي المنظومة الداعمة لريادة الأعمال، بما تضمه من قادة أعمال ومستثمرين وموجهين من ذوي الخبرة، يفتحون الأبواب ويتبادلون الخبرات ويدعمون الجيل الجديد من رائدات الأعمال.

وأضافت: «أود أيضاً أن أذكر الأميرة ريما بنت بندر، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة، التي أسهمت بقيادتها ودعمها في توفير مزيد من الدعم والفرص للجيل المقبل من رائدات الأعمال السعوديات. وقد شهدنا التطور نفسه داخل شركة (ميريت)، في مجالات مختلفة تشمل إدارة المنتجات والتصميم والتسويق وغيرها، حيث تؤثر النساء بصورة مباشرة في المنتجات التي نصممها، والقرارات التي نتخذها، والطريقة التي تنمو بها الشركة».

وتابعت: «لذلك؛ لا أرى أن السؤال اليوم يتمحور حول مشاركة المرأة السعودية في ريادة الأعمال، فهي حاضرة بالفعل وفاعلة فيها. أما الخطوة التالية، فتتمثل في تمكين المزيد من المؤسسين من التوسع، من خلال إتاحة فرص أكبر للوصول إلى رأس المال، والاستفادة من خبرات الموجهين، والانفتاح على الشبكات الدولية، بما يساعدهم على بناء شركات قادرة على النمو والتوسع إقليمياً وعالمياً».