دخل الاقتصاد الياباني مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أولوياته، مع استمرار تعافي الين بعد التدخل المشترك النادر بين اليابان والولايات المتحدة في سوق الصرف؛ وهو ما أعاد فتح النقاش حول مستقبل السياسة النقدية، وإدارة الأصول الضخمة التي يمتلكها «بنك اليابان»، واتجاهات تدفقات رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن قوة العملة اليابانية لم تعد تعتمد فقط على التدخلات الحكومية، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بتوقعات تشديد السياسة النقدية، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية لإيجاد مصادر تمويل لخطة الحكومة الرامية إلى خفض ضريبة المبيعات على المواد الغذائية.
وفي هذا السياق، قالت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني إن استمرار ارتفاع قيمة الين سيتطلب على الأرجح مزيداً من رفع أسعار الفائدة من جانب «بنك اليابان»، في إشارة إلى أن التدخلات في سوق العملات قد توفر دعماً مؤقتاً، لكنها لن تكون كافية لإحداث تحول دائم في اتجاه العملة ما لم يصاحبها تشديد نقدي يعزز جاذبية الأصول المقومة بالين.
ويأتي هذا التقييم بعدما سجل الين مكاسب قوية خلال الأيام الماضية عقب التدخل المشترك بين طوكيو وواشنطن، وهو الأول من نوعه منذ الأزمة المالية الآسيوية في عام 1998؛ ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية اليابانية خلال الأشهر المقبلة.
وفي الوقت نفسه، برز نقاش سياسي جديد حول إمكانية الاستفادة من الأصول الضخمة التي يمتلكها «بنك اليابان» لتمويل السياسات المالية الحكومية. فقد قال دايشيرو ياماغيوا، أحد كبار مسؤولي اللجنة الضريبية في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، إن بيع جزء من حيازات البنك المركزي من صناديق المؤشرات المتداولة قد يكون أحد الخيارات المطروحة لتمويل خفض ضريبة المبيعات على المواد الغذائية من 8 في المائة إلى 1 في المائة لمدة عامين.
وكانت حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي قد أقرت الخطة، مع تعهدها بعدم اللجوء إلى إصدار ديون جديدة لتمويلها، رغم أن العجز المتوقع في الإيرادات يقترب من خمسة تريليونات ين سنوياً. ويملك «بنك اليابان» حالياً صناديق مؤشرات متداولة تبلغ قيمتها نحو 37 تريليون ين، تراكمت خلال أكثر من عقد من برامج التيسير النقدي الضخمة الهادفة إلى دعم الاقتصاد والأسواق المالية.
ويرى ياماغيوا أن وتيرة التخارج الحالية بطيئة للغاية؛ إذ يبيع البنك المركزي أصولاً بقيمة تقارب 330 مليار ين سنوياً، وهو ما يعني أن التخلص من كامل الحيازات قد يستغرق نحو قرن كامل. وأضاف أن المستويات القياسية التي سجلتها الأسهم اليابانية تجعل من المناسب دراسة تسريع عمليات البيع، رغم أن «بنك اليابان» يؤكد أن التخارج التدريجي يهدف إلى تجنب إحداث اضطرابات في سوق الأسهم.
• ضغوط سياسية
ويعكس هذا الطرح تصاعد الضغوط السياسية على البنك المركزي، الذي أصبح يمتلك واحدة من أكبر المحافظ الاستثمارية في العالم نتيجة سنوات طويلة من السياسات النقدية غير التقليدية؛ الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تلك الأصول ودورها في السياسة الاقتصادية.
وفي الأسواق المالية، بدأت قوة الين تؤثر بالفعل في سلوك المستثمرين اليابانيين. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية عودة المستثمرين المحليين إلى شراء السندات الأجنبية للمرة الأولى منذ ثلاثة أسابيع، مستفيدين من تحسن القوة الشرائية للعملة اليابانية وارتفاع العوائد في الأسواق العالمية.
وخلال الأسبوع المنتهي في الأول من أغسطس (آب)، سجل المستثمرون اليابانيون صافي مشتريات بلغ 477.9 مليار ين من السندات الأجنبية طويلة الأجل، إضافة إلى 424.7 مليار ين من أدوات الدين قصيرة الأجل، في أول صافي مشتريات أسبوعية منذ منتصف يوليو (تموز).
وجاء ذلك بعد ارتفاع الين بنحو 4 في المائة أمام الدولار خلال الأسبوع الماضي؛ وهو ما خفض تكلفة الاستثمار الخارجي بالنسبة للمؤسسات اليابانية، بالتزامن مع بقاء العوائد على السندات الأميركية والأوروبية عند مستويات مرتفعة نسبياً.
ورغم هذه العودة، لا تزال البيانات السنوية تظهر تغيراً واضحاً في توجهات المستثمرين اليابانيين؛ إذ بلغ صافي مبيعاتهم من السندات الأجنبية طويلة الأجل نحو 2.84 تريليون ين منذ بداية العام، مقارنة بصافي مشتريات تجاوز 9.5 تريليون ين خلال الفترة نفسها من العام الماضي؛ وهو ما يعكس حالة الحذر التي فرضتها تقلبات الأسواق العالمية.
• الاستثمارات الأجنبية
وفي المقابل، خفض المستثمرون اليابانيون استثماراتهم في الأسهم الأجنبية، بعدما سجلوا صافي مبيعات بقيمة 276.4 مليار ين، في إشارة إلى استمرار تفضيل أدوات الدخل الثابت على الأسهم في ظل ارتفاع العوائد العالمية.
أما المستثمرون الأجانب، فقد عادوا إلى سوق السندات اليابانية، مسجلين صافي مشتريات بلغ 558.9 مليار ين من السندات الحكومية طويلة الأجل، وهي أول عملية شراء أسبوعية منذ منتصف يوليو؛ ما يعكس تنامي الرهانات على استمرار ارتفاع العوائد اليابانية مع اقتراب «بنك اليابان» من مواصلة دورة تشديد السياسة النقدية.
في المقابل، واصل المستثمرون الأجانب تقليص تعرضهم للأسهم اليابانية، بعدما سجلوا صافي مبيعات بلغ 392.5 مليار ين خلال الأسبوع، في تحول يعكس حالة الترقب التي تسود الأسواق مع استمرار التقلبات في أسعار الصرف وتوقعات الفائدة.
ويرى محللون أن هذه التطورات ترسم ملامح مرحلة جديدة في الاقتصاد الياباني، لم يعد فيها الين الضعيف هو السيناريو الأساسي كما كان طوال السنوات الماضية. فاستمرار قوة العملة بات يعتمد على قدرة «بنك اليابان» على مواصلة رفع أسعار الفائدة تدريجياً، في حين تواجه الحكومة تحدياً موازياً يتمثل في تمويل خططها المالية دون زيادة الدين العام.
وبذلك، تبدو اليابان أمام معادلة اقتصادية معقدة، تجمع بين تشديد السياسة النقدية، وإعادة هيكلة ميزانية البنك المركزي، وإعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تحفيز الاقتصاد من دون الإضرار باستدامة أوضاعها المالية، وهي معادلة ستحدد إلى حد كبير مسار الين والأسواق اليابانية خلال الفترة المقبلة.
