غرفة التجارة الأوروبية: نتطلع إلى توسيع التجارة والاستثمار مع السعودية

غيدفيلاس لـ«الشرق الأوسط» أكد وجود شراكات جديدة واستثمارات أوروبية أعمق في المملكة

الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)
TT

غرفة التجارة الأوروبية: نتطلع إلى توسيع التجارة والاستثمار مع السعودية

الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)

أكدت غرفة التجارة الأوروبية في السعودية (ECCKSA) أن العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والسعودية تتجه نحو مرحلة جديدة من التوسع، مدفوعة بشراكات جديدة، ودخول شركات أوروبية إضافية إلى سوق المملكة، إلى جانب تعميق الالتزامات الاستثمارية، في وقت تسعى فيه الغرفة إلى توسيع قاعدة الشركات الأوروبية العاملة في المملكة وزيادة حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة.

وقال الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية في السعودية، كريستيوناس غيدفيلاس إن هناك «زخماً حقيقياً يمكن البناء عليه، وهو ما يشير بوضوح إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية إلى المملكة»، مشيراً إلى أن السنوات المقبلة مرشحة لأن تشهد تحولاً نوعياً في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.

وأضاف في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن الدورة العاشرة المرتقبة لمنتدى الأعمال بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، حال تأكيد انعقادها في الرياض، ستمثل محطة مهمة في ترسيخ الشراكة الاقتصادية، وتحويل الحوار السياسي رفيع المستوى فرصاً تجارية واستثمارية ملموسة للشركات الأوروبية.

تعميق الحوار المؤسسي

ولفت إلى أن سفير الاتحاد الأوروبي لدى السعودية، كريستوف فارنو، كان قد أشار في وقت سابق من العام الحالي إلى أن الاستثمارات الأوروبية في المملكة مرشحة لتحقيق نمو ملحوظ خلال السنوات الخمس المقبلة، خصوصاً في قطاعات الطاقة النظيفة، والمعادن والمواد الخام الأساسية، والصناعات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي.

وأوضح غيدفيلاس أن هذه التوقعات تستند إلى استمرار تنفيذ مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، إلى جانب نضج اللجان القطاعية التابعة للغرفة، وتعميق الحوار المؤسسي مع الجهات السعودية والأوروبية، فضلاً عن انتقال مبادرات استراتيجية، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، من مرحلة التأسيس إلى مراحل تنفيذ أكثر اتساعاً.

وقال إن هذه التطورات ستقود إلى دخول مزيد من الشركات الأوروبية إلى السوق السعودية، وزيادة رؤوس الأموال المستثمرة، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات والشركات السعودية، مؤكداً أن دور غرفة التجارة الأوروبية يتمثل في تمكين أعضائها، من الشركات متعددة الجنسيات الكبرى إلى الشركات الجديدة، من الاستفادة من هذا النمو والمساهمة في دفعه.

وأضاف أن الغرفة، بعد أن أرست أسس عملها خلال العامين الأولين، أصبحت لاعباً مؤثراً في العلاقات الاقتصادية الثنائية، متوقعاً أن يتعاظم هذا الدور مع استمرار تطور الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة.

شراكات جديدة

وأشار غيدفيلاس إلى أن غرفة التجارة الأوروبية في السعودية تحولت خلال العامين الماضيين جسراً مؤسسياً يربط الحكومة السعودية بالقطاع الخاص الأوروبي، موضحاً أنها وفرت للجهات الحكومية السعودية قناةً أكثر تنظيماً وفاعلية للتواصل مع الشركات الأوروبية بشأن السياسات المؤثرة في التجارة والاستثمار وتطوير الأسواق.

وأوضح أن هذا الإطار المؤسسي بُني عبر لجان وفرق عمل متخصصة تشمل قطاعات النقل والخدمات اللوجستية، والطاقة، والرعاية الصحية، إضافة إلى الجوانب القانونية والضريبية، بما يتيح حواراً منتظماً ومباشراً بين الشركات الأوروبية والسلطات السعودية والأوروبية.

وقال إن هذه الآلية أسهمت في تحويل الالتزامات والسياسات نتائجَ عملية، تمثلت في شراكات جديدة، ودخول شركات أوروبية جديدة إلى السوق السعودية، وتعميق الالتزامات الاستثمارية.

وأضاف أن الاجتماع السنوي العام للغرفة، الذي عُقد في مايو (أيار) 2026، شكّل خطوة مهمة في مسيرة نضجها المؤسسي، حيث جرى تعزيز مجلس الإدارة بانضمام شركات أوروبية رائدة جديدة، بما يعكس اتساع قاعدة الأعمال الأوروبية التي تمثلها الغرفة داخل المملكة.

وأكد أن الغرفة تعمل بالتوازي مع نمو عضويتها على توسيع نطاق عملياتها، بما يضمن تقديم قيمة مضافة أكبر للأعضاء، وإتاحة فرص الوصول إلى شريحة أوسع وأكثر تنوعاً من الشركات الأوروبية.

وأشار إلى أن افتتاح المقر الجديد للغرفة في الرياض خلال يونيو (حزيران) الماضي، بحضور مسؤولين من الاتحاد الأوروبي والحكومة السعودية، إلى جانب ممثلي سفارات الدول الأعضاء وشركاء الغرفة، يمثل محطة مهمة تؤكد التزام الغرفة طويل الأجل بدعم الشركات الأوروبية وتعزيز الحوار بين الحكومات وقطاع الأعمال.

وأضاف أن الشركات الأعضاء في الغرفة توظف اليوم أكثر من 25 ألف موظف في مختلف مناطق المملكة، في حين تضم السوق السعودية أكثر من 2500 شركة أوروبية، تمثل الشركات الأعضاء نسبة متزايدة منها.

وأوضح أن الغرفة بدأت بالفعل في توحيد هذه القاعدة الواسعة من الشركات تحت مظلة واحدة، مشيراً إلى أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في توسيع قاعدة الشركات الأوروبية بما ينعكس على زيادة التجارة والاستثمارات المتبادلة، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع الحكومة السعودية والقطاع الخاص.

كريستيوناس غيدفيلاس الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية في السعودية (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

وحول مؤشرات العلاقات الاقتصادية، أوضح غيدفيلاس أن حجم التجارة في السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي والسعودية بلغ خلال عام 2025 نحو 88.8 مليار يورو، في حين ارتفعت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى المملكة بنسبة 2.6 في المائة لتصل إلى 38 مليار يورو مقارنة بعام 2024.

وأضاف أن قراءة الاتجاهات طويلة الأجل تكشف عن نمو متوسط الصادرات الأوروبية إلى المملكة بمعدل سنوي يبلغ 11 في المائة منذ عام 2021، مقابل نمو الواردات بنسبة 7.8 في المائة؛ وهو ما يعكس استمرار تعمق العلاقات التجارية رغم التقلبات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن الاستثمار يعكس صورة أكثر قوة من التجارة؛ إذ يمثل الاتحاد الأوروبي 29 في المائة من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية، ليظل أكبر مصدر لرؤوس الأموال الأجنبية إلى المملكة.

كما أوضح أن أكثر من ربع الشركات متعددة الجنسيات، التي أنشأت مقارها الإقليمية في السعودية، هي شركات أوروبية، من بين أكثر من 700 شركة عالمية، مؤكداً أن اختيار المملكة مقراً إقليمياً يمثل التزاماً طويل الأجل يتجاوز الاستثمار التجاري التقليدي، ويعكس تنامي مكانة السعودية بوصفها وجهة استراتيجية لرؤوس الأموال الأوروبية.

شراكة استراتيجية

وأكد غيدفيلاس أن العمل الجماعي للشركات الأوروبية تحت مظلة غرفة التجارة الأوروبية في السعودية يسهم في معالجة القضايا التنظيمية والمؤسسية التي تؤثر في أعمالها، بما يعزز كفاءة السوق ويقوي العلاقات مع المؤسسات والشركات السعودية، ويحفز تدفق الاستثمارات الأوروبية.

وقال إن الغرفة تعمل على مواءمة احتياجات الشركات الأوروبية مع أولويات المؤسسات السعودية والأوروبية، بما يضمن ترجمة التعاون السياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة على أرض الواقع.

وأوضح أن نجاح الغرفة يستند إلى عنصرين رئيسيين، أولهما سهولة الوصول إلى صناع القرار، حيث تبدي الحكومات السعودية والأوروبية انفتاحاً كبيراً على العمل مع جهة حوار منظمة وموثوقة تمثل القطاع الخاص الأوروبي.

أما العنصر الآخر، فهو القدرة على جمع مختلف الأطراف حول طاولة واحدة؛ إذ تنظم الغرفة حواراً مباشراً بين الشركات الأوروبية العاملة في المملكة والمؤسسات الأوروبية، بما يضمن وضع واقع الأعمال في السعودية في الحسبان عند صياغة السياسات الأوروبية، كما توفر للجهات السعودية منصةً موحدة للحصول على رؤية القطاع الصناعي الأوروبي بدلاً من التعامل مع كل شركة على حدة.

وأشار إلى أن غرفة التجارة الأوروبية في السعودية تُعدّ جزءاً من شبكة الأعمال الأوروبية العالمية (EBOWN)، التي تمثل مصالح الشركات الأوروبية في أكثر من 60 سوقاً خارج الاتحاد الأوروبي؛ وهو ما يسهم في تعزيز حضور المملكة ضمن خريطة التعاون الاقتصادي الإقليمي والعالمي.

وأضاف أن هذا الدور يجعل السعودية ليست مجرد شريك ثنائي للاتحاد الأوروبي، بل نقطة وصل رئيسية ضمن شبكة أعمال دولية أوسع.

وأوضح أن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يندرج ضمن استراتيجية «البوابة العالمية» للاتحاد الأوروبي، يجسد هذا التوجه؛ إذ يستهدف إنشاء شبكات جديدة لكابلات الكهرباء والاتصالات البحرية، وبنية تحتية للبيانات، وخطوط نقل الهيدروجين الأخضر، بما يعزز مكانة الخليج بوصفه مركزاً يربط أوروبا بآسيا وأفريقيا، ويكرّس موقع السعودية محوراً رئيسياً في هذه الشبكة، مع ما يرافق ذلك من مكاسب في التجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار الأجنبي المباشر.

وأشار إلى أن البرلمان الأوروبي اعتمد في ديسمبر (كانون الأول) 2025 قراراً بشأن العلاقات مع السعودية، أقر فيه بالدور الذي يؤديه مجلس التعاون الأوروبي - الخليجي في تعزيز هذا النوع من البنية التحتية، عادَّاً أن الجهود التي تبذلها الغرفة مع أعضائها في الرياض تسهم في رسم ملامح هذا المشروع الاستراتيجي.

وشدد غيدفيلاس بالتأكيد على دعم الغرفة للدورة العاشرة المقبلة لمنتدى الأعمال بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، معرباً عن أمله في عقدها في الرياض بعد استضافة الكويت للدورة السابقة، ومشيراً إلى أن المنتدى سيمثل، حال تأكيد انعقاده، محطة محورية في تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، وتحويل التفاهمات السياسية فرصاً تجارية واستثمارية حقيقية.


مقالات ذات صلة

تركيا: «اتفاقية مكة» منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة

الخليج وقَّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا: «اتفاقية مكة» منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة

أكدت تركيا أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مرشحة للتوسع، وستتحول إلى منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد المركز المالي في الرياض (كافد)

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

دعت وزارة الصناعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتحقق من أهليتها لمبادرة «استرداد»، التي تتيح استعادة 10 رسوم حكومية لتخفيف الأعباء ودعم النمو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب وزير الصناعة ورئيس قطاع الأغذية في «بيبسيكو» خلال افتتاح المركز الإقليمي للبحث والتطوير في الرياض (تركي العقيلي)

«بيبسيكو» توسع أعمالها في السعودية من بوابة الرياض

تتجه صناعة الأغذية في السعودية إلى تعزيز التوطين، مع اعتماد «بيبسيكو» على الإنتاج المحلي لـ95 % من منتجاتها، و100 في المائة من البطاطس المستخدمة في منتجاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي أنطونيو غوتيريش مستقبلاً جاسم البديوي في نيويورك السبت (مجلس التعاون الخليجي)

إدانة أممية - خليجية لهجمات الحوثيين على السعودية

أدانت الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي هجمات ميليشيا الحوثي الإرهابية على السعودية، واستهدافها الأعيان المدنية، وتأثيرها الخطير على أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف: تدمير باليستي أطلقته ميليشيا الحوثي باتجاه الرياض

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن نجاح قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي في اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقته ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه الرياض، السبت.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.