تباطؤ انكماش قطاع الخدمات في منطقة اليورو خلال يونيو وسط تراجع التضخم

تحسن نسبي في ألمانيا مع استمرار ضعف الطلب في فرنسا

نادل يخدم زبائن داخل مطعم في مدريد (رويترز)
نادل يخدم زبائن داخل مطعم في مدريد (رويترز)
TT

تباطؤ انكماش قطاع الخدمات في منطقة اليورو خلال يونيو وسط تراجع التضخم

نادل يخدم زبائن داخل مطعم في مدريد (رويترز)
نادل يخدم زبائن داخل مطعم في مدريد (رويترز)

أظهر مسح أن انكماش قطاع الخدمات في منطقة اليورو تباطأ خلال يونيو (حزيران)، بالتزامن مع تسجيل انخفاض حاد في ضغوط التكاليف بأسرع وتيرة منذ فترة الإغلاقات المرتبطة بجائحة «كوفيد-19»، ما ساهم في استقرار نسبي للاقتصاد بعد شهرين من التراجع.

وقفز مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات في منطقة اليورو، الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 49.4 نقطة في يونيو، مقارنة بـ 47.7 نقطة في مايو (أيار)، متجاوزاً القراءة الأولية البالغة 48.9 نقطة. وتشير القراءات دون مستوى 50 نقطة إلى انكماش في النشاط.

وبينما ظل القطاع في نطاق الانكماش للشهر الثالث على التوالي، فإن وتيرة التراجع تباطأت بشكل ملحوظ، في إشارة إلى تحسن نسبي في أوضاع الطلب والنشاط، وفق «رويترز».

وأظهرت البيانات انخفاضاً في ضغوط التكاليف بأسرع وتيرة مسجلة خارج فترات الإغلاق خلال الجائحة، مع تباطؤ واضح في تضخم أسعار المدخلات وتراجع أسعار البيع بوتيرة أقل.

كما أظهر المسح أن الطلب على الخدمات تراجع مجدداً في يونيو، في حين استمرت الطلبات الخارجية بالانخفاض للشهر الثاني على التوالي، وإن بوتيرة أبطأ مقارنة بشهر مايو.

ورغم استمرار ضعف الطلب، ارتفع التوظيف في قطاع الخدمات بأسرع وتيرة منذ يناير (كانون الثاني)، بعدما سجل تراجعاً طفيفاً في الشهر السابق، كما تحسنت توقعات الشركات لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ فبراير (شباط).

وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز ماركتس إنتلجنس»: «يُعد انحسار التراجع في نشاط قطاع الخدمات في منطقة اليورو خلال يونيو خبراً إيجابياً، وبالتزامن مع نمو قطاع التصنيع، فإنه يشير إلى استقرار الاقتصاد بشكل عام بعد شهرين من الانكماش».

وأضاف أن أحد أبرز العوامل التي كبحت النمو الاقتصادي منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط كان تراجع الطلب الاستهلاكي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، مشيراً إلى أن هذه الضغوط بدأت تتراجع بوضوح خلال يونيو.

وفي السياق ذاته، انخفض تضخم تكاليف المدخلات في قطاع الخدمات خلال يونيو للمرة الأولى منذ أكتوبر (تشرين الأول)، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أربعة أشهر، وبأسرع وتيرة تراجع منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1998، باستثناء فترة الجائحة. كما ارتفعت أسعار البيع للمستهلكين بوتيرة أبطأ.

وأظهرت بيانات رسمية أن التضخم في منطقة اليورو جاء أقل من المتوقع عند 2.8 في المائة في الشهر الماضي، رغم بقائه أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة.

وقد يخفف التراجع الحاد في ضغوط التكاليف من الضغوط على صانعي السياسة في البنك المركزي الأوروبي، في ظل ترقب مزيد من المؤشرات حول سرعة انحسار التضخم، بعد أن قام البنك برفع أسعار الفائدة الشهر الماضي للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات.

وفي المقابل، ارتفع المؤشر المركب النهائي لمنطقة اليورو، الذي يجمع بين قطاعي الخدمات والتصنيع، إلى 50 نقطة في يونيو من 48.5 نقطة في مايو، ليخرج بذلك من نطاق الانكماش للمرة الأولى منذ مارس (آذار)، مدفوعاً بتحسن النشاط الصناعي رغم استمرار التراجع في الخدمات.

ألمانيا: تباطؤ الانكماش رغم ضعف الطلب

أظهر مسح منفصل أن انكماش قطاع الخدمات في ألمانيا تباطأ خلال يونيو، مع تراجع ضغوط التكاليف، رغم استمرار ضعف الطلب وتأثيره على النشاط الاقتصادي.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات في ألمانيا، الصادر عن «إتش سي أو بي» والمعد من قبل «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 48.6 نقطة في يونيو، مقارنة بـ 48.1 نقطة في مايو، متجاوزاً القراءة الأولية البالغة 46.8 نقطة.

وتشير قراءة أقل من 50 نقطة إلى انكماش النشاط، ما يجعل قراءة يونيو الأعلى منذ بدء التراجع في أبريل، لكنها لا تزال تعكس انكماشاً مستمراً وإن بوتيرة أبطأ.

وقال فيل سميث، المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز ماركتس إنتلجنس»: «لا يزال قطاع الخدمات يعاني من تداعيات الظروف الاقتصادية الأكثر صعوبة منذ بداية حرب الشرق الأوسط».

وتراجعت الطلبات الجديدة للشهر الرابع على التوالي، وبوتيرة أسرع من الشهر السابق، نتيجة ضعف الظروف الاقتصادية وتراجع الثقة وتشديد الأوضاع المالية، إلى جانب انخفاض الطلب الخارجي. كما انخفضت الأعمال المتراكمة بوتيرة هي الأسرع منذ أغسطس (آب) الماضي.

وأضاف سميث أن هذا التراجع يشير إلى انخفاض الضغوط على الطاقة الإنتاجية، ما قد يحد من وتيرة التوظيف خلال الفترة المقبلة.

وتراجع التوظيف للشهر السادس على التوالي في يونيو، رغم أن وتيرة الانخفاض كانت الأبطأ خلال هذه الفترة.

كما تباطأ تضخم تكاليف المدخلات بشكل حاد إلى أدنى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مدفوعاً بانخفاض أسعار الوقود، في حين بقيت آفاق النمو غير واضحة وسط استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

فرنسا: انكماش أعمق من التقديرات الأولية

أظهر مسح أن قطاع الخدمات في فرنسا انكمش خلال يونيو بأكثر من التقديرات الأولية، في ظل استمرار ضعف الطلب والضغوط التضخمية على الشركات.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات في فرنسا إلى 46.8 نقطة في يونيو، مقارنة بـ 44.3 نقطة في مايو، لكنه جاء دون القراءة الأولية البالغة 47.4 نقطة.

كما ارتفع المؤشر المركب الفرنسي، الذي يشمل قطاعي الخدمات والتصنيع، إلى 47.2 نقطة من 44.9 نقطة في مايو، وهو أيضاً دون التقديرات الأولية البالغة 47.6 نقطة.

وقال جو هايز، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز ماركتس إنتلجنس»: «كانت نتائج يونيو أقل سوءاً مما كان يمكن أن تكون عليه، خاصة بعد مؤشرات الركود في بيانات مايو والتعديلات السلبية للناتج المحلي في الربع الأول».

وأضاف أن الاقتصاد الفرنسي لا يزال يواجه ضغوطاً من ضعف الطلب وتراجع ثقة الأعمال وارتفاع الضغوط التضخمية.


مقالات ذات صلة

السعودية: إجراءات الإفلاس لا تعني خروج المنشأة من السوق أو توقف نشاطها وتصفيتها

الاقتصاد العاصمة الرياض (واس)

السعودية: إجراءات الإفلاس لا تعني خروج المنشأة من السوق أو توقف نشاطها وتصفيتها

أوضحت لجنة الإفلاس السعودية (إيسار) أن افتتاح المنشأة التجارية إجراءات الإفلاس ونشرها في سجل الإفلاس لا يعني بالضرورة خروجها من السوق أو توقف نشاطها وتصفيتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد لقطة لشعار شركة «أبل» في أحد متاجرها بالعاصمة الفرنسية باريس (رويترز)

«أبل» تخسر طعونها ضد قواعد الاتحاد الأوروبي الصارمة بشأن الأسواق الرقمية

يعزّز حكم المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ موقف الجهات التنظيمية الأوروبية في مساعيها للحد من هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» معروض في بورصة فرانكفورت (رويترز)

تراجع الأسهم الأوروبية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

تراجعت الأسهم الأوروبية يوم الأربعاء، بعدما أثارت عودة التوترات في الشرق الأوسط حالة من القلق بين المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد شعار شركة «إكسون موبيل» يظهر في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

حرب إيران تضيف 5 مليارات دولار إلى أرباح «إكسون موبيل» الفصلية

أشارت شركة «إكسون موبيل» الأميركية إلى أن أرباحها في الربع الثاني من العام قد ترتفع بنحو 5 مليارات دولار مقارنة بالربع الأول.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد الشرع وماكرون لدى وصولهما لحضور حفل توقيع اتفاق في دمشق (أ.ب) p-circle 00:28

دمشق وباريس تؤسسان لشراكة اقتصادية جديدة... والاستثمار بوابة إعادة الإعمار

أسّس الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لـ«انعطافة استراتيجية» عبر إطلاق شراكة اقتصادية موسعة لإعادة الإعمار.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الاقتصاد السعودي مرشح لقفزة بـ5.5 %

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
TT

الاقتصاد السعودي مرشح لقفزة بـ5.5 %

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

تصدّرت السعودية المشهد الإقليمي بوصفها أكثر دولة تماسكاً في تحديث «صندوق النقد الدولي» الذي رفع توقعات نمو اقتصادها للعام المقبل إلى 5.5 في المائة، بمقدار نقطة مئوية كاملة من تقديرات أبريل (نيسان)، مما يؤكد صمودها الاستثنائي بفضل شبكة مسارات لوجستية وتصديرية بديلة حمت زخم أنشطتها غير النفطية، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع نطاقاً.

وجاء هذا الصمود البنيوي في وقت دفع الجوار الإقليمي ثمناً باهظاً؛ حيث خفّض الصندوق تقديراته لاقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليتدحرج إلى دائرة الانكماش بنسبة 0.5 في المائة.

على الصعيد الدولي، نجحت طفرة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي والتخفيضات الضريبية الأميركية في حماية النمو العالمي عند 3 في المائة بتراجع طفيف عن 3.1 في المائة المقدَّرة في أبريل، لتمتص قفزات التقنية المتسارعة الصدمة العنيفة الناجمة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.


محضر «الفيدرالي»: بعض المسؤولين بحثوا رفع الفائدة بفعل تداعيات الحرب

وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)
وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)
TT

محضر «الفيدرالي»: بعض المسؤولين بحثوا رفع الفائدة بفعل تداعيات الحرب

وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)
وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، لشهر يونيو (حزيران)، أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط رفعت المخاوف التضخمية، ما دفع بعض أعضاء البنك المركزي إلى طرح زيادة الفائدة، بينما تمسك آخرون بالانتظار حتى تتضح البيانات الاقتصادية.

وكشف محضر الاجتماع، وهو الأول برئاسة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد كيفين وارش، أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط رفعت المخاوف التضخمية، ما دفع بعض أعضاء البنك المركزي إلى طرح زيادة الفائدة، بينما تمسك آخرون بالانتظار حتى تتضح البيانات الاقتصادية.

كما أظهر انقساماً واضحاً بين مسؤولي البنك المركزي بشأن المسار المناسب لأسعار الفائدة خلال ما تبقى من العام، في ظل استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، مقابل توقعات لدى فريق آخر بانحسار التضخم تدريجياً، بما يسمح بالإبقاء على السياسة الحالية حتى خفض الفائدة لاحقاً. وبينما أجمع المسؤولون على تثبيت سعر الفائدة في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، أظهرت المناقشات أن بعض الأعضاء رأوا مبررات لرفع الفائدة فوراً، في حين شدّد آخرون على ضرورة انتظار مزيد من البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ أي خطوة.

وبحسب محضر الاجتماع الذي عقد يومي 16 و17 يونيو، فإن صناع السياسة النقدية باتوا أكثر قلقاً حيال مخاطر التضخم، مع اتساع نطاق ارتفاع الأسعار واستمرارها فوق المستهدف البالغ 2 في المائة.

وأشار المحضر إلى أن عدداً قليلاً من المشاركين رأوا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الأسعار، تبرر رفع سعر الفائدة مباشرة خلال اجتماع يونيو، فيما اعتبر «معظم المشاركين» أن القرار المناسب سيظل رهناً بالبيانات الاقتصادية المقبلة، مع استعداد البنك للتحرك إذا بقي التضخم مرتفعاً.

وفي المقابل، رأى عدد آخر من المسؤولين أن الضغوط السعرية قد تتراجع تدريجياً خلال الأشهر المقبلة، ما قد يجعل مستوى الفائدة الحالي مناسباً أو أقل بقليل بحلول نهاية العام، وهو ما يعكس استمرار الانقسام داخل البنك المركزي بشأن الاتجاه المقبل للسياسة النقدية.

ورغم هذا التباين، صوّت أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بالإجماع على الإبقاء على سعر الفائدة ضمن نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، مؤكدين التزامهم بإعادة التضخم إلى المستهدف، مع التشديد على أن القرارات المقبلة ستعتمد بالكامل على البيانات الواردة.

كما أظهر المحضر أن مسؤولي البنك أيّدوا إلى حدّ كبير توجه وارش نحو تقليص ما يعرف بـ«التوجيه المستقبلي»، إذ وافقت الأغلبية على اختصار البيان الصادر بعد الاجتماع، وحذف الإشارات التي كانت توحي سابقاً بأن الخطوة التالية ستكون خفضاً للفائدة.

وأوضح المحضر أن المسؤولين فضّلوا عدم إعطاء الأسواق إشارات مسبقة بشأن اتجاه السياسة النقدية، في إطار نهج جديد يهدف إلى منح البنك المركزي مرونة أكبر في التعامل مع التطورات الاقتصادية، بعيداً عن الالتزامات المسبقة.

وتزامنت هذه التغييرات مع أولى مبادرات وارش لإعادة هيكلة آليات عمل «الاحتياطي الفيدرالي»، إذ أعلن تشكيل 5 مجموعات عمل لمراجعة عدد من الملفات، من بينها أسلوب التواصل مع الأسواق.

وتشير توقعات أعضاء اللجنة، التي صدرت بالتزامن مع الاجتماع، إلى استمرار الانقسام أيضاً؛ إذ توقع 9 من أصل 18 مسؤولاً أن تنتهي أسعار الفائدة هذا العام عند مستويات أعلى قليلاً من الحالية، ما يعني تنفيذ زيادة واحدة على الأقل قبل نهاية 2026، في حين توقع آخرون بقاء الفائدة مستقرة.

تحركات الأسواق

وجاءت ردود فعل الأسواق محدودة بعد صدور المحضر، إذ حافظ مؤشر الدولار الأميركي على خسائره ليتراجع بنحو 0.16 في المائة إلى 101.01 نقطة.

وفي سوق السندات، قلّصت عوائد سندات الخزانة الأميركية مكاسبها، مع استقرار العائد على السندات لأجل 10 سنوات عند نحو 4.573 في المائة، بارتفاع يقارب 4.4 نقطة أساس مقارنة بمستوياته السابقة.

أما الذهب، فقلّص خسائره أيضاً بعد نشر المحضر، لكنه بقي منخفضاً بنحو 0.9 في المائة ليستقر عند نحو 4068.09 دولار للأوقية، مع استمرار تقييم المستثمرين لاحتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

ويرى محللون أن محضر الاجتماع لم يمنح الأسواق اتجاهاً حاسماً، لكنه أكد أن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يزال يضع مكافحة التضخم في صدارة أولوياته، وأن أي قرار بشأن خفض أو رفع الفائدة سيظل مرتبطاً بمسار البيانات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، ولا سيما تطورات التضخم وسوق العمل.


إعلان ترمب فشل التهدئة يشعل النفط ويهبط بالأسواق العالمية

يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)
يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)
TT

إعلان ترمب فشل التهدئة يشعل النفط ويهبط بالأسواق العالمية

يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)
يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)

دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة ومعقدة من انعدام اليقين الجيوسياسي والمالي، بعدما فجر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قنبلة سياسية ثقيلة من العاصمة التركية أنقرة، أثناء مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو». وجاء ذلك بإعلانه الرسمي والنهائي عن إنهاء الحرب وإلغاء مذكرة التفاهم والتهدئة المؤقتة التي وقعت مع طهران لإنهاء صراع الخليج، واصفاً أي مساعٍ جديدة للتفاوض أو التعامل مع القيادة الإيرانية بأنها «مجرد عبث وإهدار للوقت»، ومحذراً في الوقت ذاته من أن واشنطن قد تباشر خيارات عسكرية جادة ومفتوحة للرد على استهداف الملاحة التجارية.

هذا التحول الدراماتيكي المفاجئ، المصحوب بتهديد واشنطن بشن ضربات عسكرية واسعة وجديدة، أحدث هزّة لوجستية ومالية عنيفة في مفاصل الاقتصاد العالمي؛ إذ قفزت أسعار النفط فوراً بأكثر من 7 في المائة لتخترق حاجز الـ79 دولاراً للبرميل، مهددة بتجميد عامين من مكاسب محاربة التضخم ومقوضة آمال تيسير السياسة النقدية.

وفي المقابل، اكتست مؤشرات «وول ستريت» والأسواق الأوروبية والآسيوية باللون الأحمر مع هروب جماعي للمستثمرين نحو الملاذات الآمنة، ليضع الصراع في مضيق هرمز المتجدد الاقتصاد العالمي بأكمله على حافة بركان، في وقت حذر فيه صندوق النقد الدولي مجدداً من أن استمرار هذا النزيف سيجبره على قضم المزيد من معدلات التنمية العالمية الثابتة خجولاً عند 3 في المائة.

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

سوق النفط تشتعل

أعادت تصريحات ترمب الحادة إشعال المخاوف من انسداد كامل ومطول لشريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، مما ترجمه المتداولون فوراً إلى عمليات شراء هلع رفعت الأسعار بشكل جنوني. وعزز خام برنت مكاسبه ليرتفع بنسبة 7.4 في المائة مستقراً عند 79.64 دولار للبرميل، في حين لحق به خام غرب تكساس الأميركي الخفيف بارتفاع قارب 7.3 في المائة ليصل إلى 75.58 دولار للبرميل.

ورغم أن هذه المستويات لا تزال دون ذروة الـ120 دولاراً المسجلة في بداية النزاع، فإن قفزتها السريعة بنسبة تتراوح بين 25 في المائة و32 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، أعادت ضخ مخاطر التضخم في أسواق السندات.

وزاد من حساسية المخاوف النفطية البيانات الرسمية الصادرة هذا الأسبوع، والتي كشفت أن المخزون الأميركي في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي هبط إلى أدنى مستوياته منذ عام 1983، مما يحرم الاقتصاد العالمي من أي هوامش مناورة لامتصاص الصدمات الحتمية القادمة في حال فرض حصار بحري كامل.

موجة بيع تجتاح الأسهم

وتلقفت البورصات العالمية التهديدات العسكرية الأميركية بضربات برية وبحرية ليلية ضد إيران بحالة من الارتعاش الفوري، مما أطلق موجة بيع واسعة للأصول عالية المخاطر. وافتتحت نيويورك تداولاتها على هبوط حاد؛ حيث فقد مؤشر داو جونز الصناعي نحو 1 في المائة من قيمته (ما يعادل 514 نقطة)، ولحق به مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.46 في المائة، و«ناسداك» لأسهم التكنولوجيا بـ0.31 في المائة.

في أوروبا، تراجعت أسواق باريس وفرانكفورت بنسب قاسية بلغت 1.8 في المائة، بينما هبطت لندن بـ1.2 في المائة. وفي آسيا، قاد مؤشر «كوسبي» في سيول التراجعات مسجلاً هبوطاً عنيفاً تجاوز 5 في المائة.

وكانت شركات الطيران والرحلات البحرية الضحية المباشرة للاشتعال المفاجئ لأسعار الوقود؛ حيث تراجعت أسهم خطوط «يونايتد آيرلاينز» بنسبة 3.2 في المائة و«دلتا» بـ1.9 في المائة. كما هوت أسهم مشغلي الرحلات البحرية مثل «كارنيفال» بنسبة 3 في المائة نتيجة المخاوف من تبخر الهوامش الربحية وتصاعد تكاليف التشغيل.

وقد تزامنت أزمة الطاقة مع زيادة تشكيك المستثمرين في التقييمات المرتفعة لقطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي؛ حيث واصلت أسهم «سامسونغ للإلكترونيات» هبوطها لليوم الثاني على التوالي بمعدل 6 في المائة في سيول، رغم إعلانها عن قفزة أرباح ضخمة بـ19 ضعفاً، وسط مخاوف حقيقية من تباطؤ الطلب على رقائق الذاكرة في النصف الثاني من العام. وفي المقابل، نجت أسهم شركة «برودكوم» الأميركية بارتفاع 3 في المائة بدعم من صفقة توريد ضخمة مع «أبل» بقيمة 30 مليار دولار، مما خفف جزئياً من خسائر «نازداك» التقني.

يتحدث المتعاملون بالقرب من الشاشات التي تعرض أسعار صرف العملات الأجنبية في غرفة تداول تابعة لبنك هانا في سيول (أ.ب)

الين يترنح والدولار يبحث عن الأمان

لم تكن أسواق العملات الأجنبية بمعزل عن هذه الصدمة؛ إذ أعادت نبرة الحرب ترتيب أولويات المتداولين نحو حيازة العملة الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً وقت الأزمات.

وحافظ مؤشر الدولار الأميركي على استقراره النسبي أمام سلة من العملات الرئيسية ليتحرك عند مستوى 101.1 نقطة، مدعوماً بتوقعات الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول لكبح جماح التضخم النفطي المحتمل.

في المقابل، واصلت العملة اليابانية ترنحها؛ حيث حام الين الياباني حول مستوى 162.49 ين للدولار الواحد، متأثراً بالفارق الشاسع في عوائد السندات بين واشنطن وطوكيو، ومقترباً من أدنى مستوياته التاريخية في نحو 40 عاماً، مما يضع ضغوطاً إضافية على بنك اليابان للتدخل في الأسواق.

وأجمع الخبراء والمحللون الاستراتيجيون على أن الأسواق الدولية باتت محكومة بالكامل بتقلبات حادة وعنيفة جراء «انعدام الرؤية الجيوسياسية»، الناتجة عن التقلبات التكتيكية المستمرة في مواقف الإدارة الأميركية الحالية. ويرى محللو المجموعات المالية أن الخوف الأكبر لا يكمن في التراجع اللحظي الحالي لأسعار الأسهم، بل في احتمالية تحول إلغاء التهدئة إلى قطيعة دبلوماسية تامة تؤدي إلى عودة «حرب ناقلات نفط» مفتوحة وشاملة تجبر القوى الدولية على فرض حصار بحري متبادل.