ترمب يثير غضب العالم مجدداً بـ«رسوم العمل القسري»

واشنطن لوّحت بعقوبات جمركية واسعة ... والصين وأوروبا ردتا

سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
TT

ترمب يثير غضب العالم مجدداً بـ«رسوم العمل القسري»

سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
سيارات تمر فوق جسر قبالة ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة جديدة في النزاعات التجارية العالمية بعدما اقترحت فرض رسوم جمركية إضافية تتراوح بين 10 و12.5 في المائة على واردات قادمة من 60 اقتصاداً حول العالم، متهمة شركاءها التجاريين بعدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع دخول منتجات مصنوعة باستخدام العمل القسري إلى الأسواق العالمية.

والخطوة الأميركية، التي جاءت عبر مكتب الممثل التجاري الأميركي، لا تقتصر على كونها إجراءً تجارياً جديداً، بل تمثل محاولة لإعادة بناء جزء من منظومة الرسوم الجمركية الواسعة التي أطلقتها إدارة ترمب سابقاً قبل أن تُبطلها المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) الماضي.

وبينما تبرر واشنطن القرار بحماية العمال الأميركيين، ومكافحة الممارسات التجارية غير العادلة، أثارت المقترحات موجة واسعة من الانتقادات الدولية، وسط مخاوف من أن تؤدي إلى جولة جديدة من التوترات التجارية في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يواجه تداعيات الحرب الإيرانية، وتباطؤ النمو العالمي.

وقال الممثل التجاري الأميركي، جيميسون غرير، إن فشل الشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة في الحد من استيراد السلع المرتبطة بالعمل القسري «أمر غير مقبول»، مضيفاً أن هذا الواقع يجبر العمال الأميركيين على المنافسة في بيئة غير متكافئة.

وبموجب المقترحات الجديدة، ستخضع واردات من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا والمكسيك وتايوان وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وعدد من الاقتصادات الأخرى لرسوم إضافية تبلغ 10 في المائة، بينما تواجه الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا و45 دولة أخرى رسوماً أعلى تصل إلى 12.5 في المائة.

ورغم أن الإجراءات لم تدخل حيز التنفيذ بعد، إذ فتح مكتب الممثل التجاري باب التعليقات العامة حتى السادس من يوليو (تموز) مع عقد جلسة استماع في السابع من الشهر نفسه، فإن الإعلان وحده كان كافياً لإثارة ردود فعل قوية من أبرز الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

جانب من اجتماع بالبرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (إ.ب.أ)

اعتراضات واسعة

وكان الاتحاد الأوروبي في مقدمة المعترضين على القرار. فقد أكدت المفوضية الأوروبية أن الرسوم المقترحة «غير مبررة»، مشددة على التزامها بتنفيذ الاتفاق التجاري الذي أُبرم مع واشنطن العام الماضي.

ووصف رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، بيرند لانغه، المبررات الأميركية بأنها «سخيفة تماماً»، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي أقر بالفعل قانوناً عام 2024 يحظر استيراد المنتجات المرتبطة بالعمل القسري.

وقال لانغه إن الانطباع السائد أصبح أن الإدارة الأميركية تبحث أولاً عن فرض الرسوم، ثم تبحث لاحقاً عن الأساس القانوني الذي يبرر هذه الرسوم، في انتقاد يعكس تزايد التوتر داخل أوروبا تجاه السياسة التجارية الأميركية.

وتحمل هذه الانتقادات دلالة خاصة، لأن الاتحاد الأوروبي كان قد توصل العام الماضي إلى تفاهم مع واشنطن قبل بموجبه رسوماً أميركية بنسبة 15 في المائة على نطاق واسع من صادراته، في إطار تسوية هدفت إلى تجنب حرب تجارية عبر الأطلسي.

لكن التقرير الأميركي الجديد اعتبر أن الإجراءات الأوروبية لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بعد، وأنها لا تتضمن عناصر كافية لضمان مكافحة فعالة للمنتجات المرتبطة بالعمل القسري، وهو ما رفضته بروكسل بشكل قاطع.

سفينة حاويات تغادر ميناء لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

بكين غاضبة

أما الصين، التي تواجه رسوماً مقترحة بنسبة 12.5 في المائة، فقد جاءت ردودها أكثر حدة. وقالت وزارة الخارجية الصينية إنه «لا يوجد ما يسمى بالعمل القسري في الصين»، متهمة واشنطن باستخدام الملف ذريعة للتلاعب السياسي، وفرض قيود تجارية أحادية الجانب.

وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ أن بكين تعارض جميع أشكال الرسوم الجمركية الأحادية، محذرة من أن الصين ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها التجارية.

وتأتي هذه المواجهة في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم حالة من التهدئة الحذرة بعد قمة الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينغ في بكين الشهر الماضي، والتي أسفرت عن تفاهمات تجارية تشمل خفضاً متبادلاً لبعض الرسوم، وتوسيع التعاون في مجالات محددة.

لكن القرار الأميركي الجديد يهدد بإعادة التوتر إلى العلاقة التجارية بين البلدين، خصوصاً أن واشنطن لا تزال تواصل تحقيقات أخرى تستهدف الفائض الصناعي الصيني، والدعم الحكومي للصناعات الاستراتيجية.

تلفزيونات معروضة في أحد متاجر وول مارت بولاية هيوستن الأميركية (أ.ب)

هدوء هندي

وفي الهند، التي وُضعت أيضاً ضمن قائمة الدول الخاضعة للرسوم الأعلى، جاء الرد أكثر هدوءاً. فقد أكدت وزارة التجارة الهندية أن الرسوم المقترحة ليست نهائية، وأن نيودلهي تواصل التفاوض مع الولايات المتحدة في إطار إجراءات التحقيق الحالية.

ويكتسب الموقف الهندي أهمية خاصة، لأن القرار الأميركي جاء بالتزامن مع جولة جديدة من المفاوضات التجارية الثنائية بين البلدين، حيث يسعى الطرفان إلى التوصل لاتفاق إطار اقتصادي أوسع. ويرى مسؤولون هنود أن القضية تتجاوز ملف العمل القسري نفسه، وأنها جزء من أدوات الضغط الأميركية المستخدمة خلال المفاوضات التجارية.

مواقف متباينة

أما تايوان، التي تواجه رسوماً بنسبة 10 في المائة، فقد تبنت لهجة أكثر تفاؤلاً، معربة عن ثقتها بأن النتائج النهائية ستأخذ في الاعتبار التفاهمات التي توصلت إليها سابقاً مع واشنطن، بما يضمن معاملة تفضيلية نسبياً مقارنة ببعض الشركاء الآخرين.

وفي بريطانيا، قالت الحكومة إنها تواصل التواصل المنتظم مع الإدارة الأميركية، مؤكدة أنها تتخذ بالفعل إجراءات لمكافحة العمل القسري في سلاسل الإمداد المحلية، والعالمية، مع الحفاظ على الامتيازات التجارية القائمة للشركات البريطانية.

مزارع يقوم بحصاد محصول الذرة في مدينة ألباني بولاية جورجيا الأميركية (أ.ب)

وراء الستار

لكن خلف هذا الجدل السياسي والتجاري يبرز سؤال اقتصادي أوسع: «هل تمثل الرسوم الجديدة تحولاً دائماً في السياسة التجارية الأميركية؟»، فإدارة ترمب تبدو مصممة على إعادة استخدام أدوات الحماية التجارية بطرق جديدة بعد القيود القانونية التي فرضتها المحكمة العليا على صلاحيات الرئيس في فرض الرسوم الطارئة.

ولهذا جاءت التحقيقات الحالية بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، والتي تمنح الإدارة مساحة أوسع لفرض إجراءات ضد ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة.

كما أن القائمة الواسعة للدول المستهدفة تشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى القضية باعتبارها نزاعاً مع الصين فقط، بل إنها جزء من استراتيجية أشمل لإعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية، وسلاسل التوريد الدولية.

ورغم ذلك، حاولت الإدارة الأميركية الحد من التأثيرات الاقتصادية المباشرة للقرار عبر استثناء عدد من السلع الحساسة من الرسوم المقترحة، بما في ذلك الطاقة، والعناصر الأرضية النادرة، وبعض المعادن، والمنتجات الدوائية، وقطع غيار الطائرات، والمواد الكيميائية العضوية، ومنتجات زراعية محددة.

لكن حتى مع هذه الاستثناءات، يخشى المستثمرون والشركات من أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى زيادة تكاليف التجارة العالمية، وإرباك سلاسل الإمداد، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يواجه تحديات مرتبطة بالتضخم، وأسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية.

وفي المحصلة، تبدو الرسوم الأميركية المقترحة أكثر من مجرد إجراء تجاري محدود؛ فهي تمثل اختباراً جديداً للعلاقات الاقتصادية بين واشنطن وشركائها الرئيسين، وقد تتحول خلال الأشهر المقبلة إلى إحدى أهم نقاط التوتر في الاقتصاد العالمي إذا تحولت من مقترحات قيد التشاور إلى واقع يفرض أعباء جديدة على التجارة الدولية.


مقالات ذات صلة

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

الاقتصاد مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد المركز المالي في الرياض (كافد)

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

دعت وزارة الصناعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتحقق من أهليتها لمبادرة «استرداد»، التي تتيح استعادة 10 رسوم حكومية لتخفيف الأعباء ودعم النمو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب وزير الصناعة ورئيس قطاع الأغذية في «بيبسيكو» خلال افتتاح المركز الإقليمي للبحث والتطوير في الرياض (تركي العقيلي)

«بيبسيكو» توسع أعمالها في السعودية من بوابة الرياض

تتجه صناعة الأغذية في السعودية إلى تعزيز التوطين، مع اعتماد «بيبسيكو» على الإنتاج المحلي لـ95 % من منتجاتها، و100 في المائة من البطاطس المستخدمة في منتجاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

بلغت التحويلات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 728.6 مليار دولار في 2025، وسط دعوات لتوسيع القنوات الرقمية وخفض كلفة وصول الأموال للأسر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد يستضيف المؤتمر قادة الأعمال وصنّاع القرار وخبراء محليين ودوليين لبحث دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد (الشرق الأوسط)

«الاقتصادية» تطلق منتداها السنوي الأول حول «الذكاء الاصطناعي» أكتوبر المقبل

تطلق صحيفة «الاقتصادية»، النسخة الأولى من منتداها السنوي تحت عنوان «اقتصادنا والذكاء الاصطناعي»، الذي يُقام في 5 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.