السعودية تعيد تأكيد حقيقتها كحاضن تراثي وعمراني عالمي

في نشاط مكثف للهيئة العامة للسياحة والآثار.. داخل المملكة وعبر العالم

الأمير سلطان بن سلمان خلال حفل افتتاحه مؤتمر «الجزيرة العربية الخضراء» في أكسفورد ({الشرق الأوسط})
الأمير سلطان بن سلمان خلال حفل افتتاحه مؤتمر «الجزيرة العربية الخضراء» في أكسفورد ({الشرق الأوسط})
TT

السعودية تعيد تأكيد حقيقتها كحاضن تراثي وعمراني عالمي

الأمير سلطان بن سلمان خلال حفل افتتاحه مؤتمر «الجزيرة العربية الخضراء» في أكسفورد ({الشرق الأوسط})
الأمير سلطان بن سلمان خلال حفل افتتاحه مؤتمر «الجزيرة العربية الخضراء» في أكسفورد ({الشرق الأوسط})

في المملكة العربية السعودية، إحدى أعظم الحواضن الثقافية للتراثين العربي والإسلامي، توجد اليوم ديناميكية غير مسبوقة تتمثل بخطط الهيئة العامة للسياحة والآثار وأعمالها النشطة، ليس فقط لبناء «ثقافة عامة» تقدّر المخزون التراثي والأثري والعمراني والبيئي وتتعايش معه وتعتز به فحسب، بل لرعايته والكشف عنه، عبر الاستكشاف والتنقيب والتوثيق والعرض. وكانت كلية سانت جونز في جامعة أكسفورد البريطانية العريقة قد احتضنت يوم 2 أبريل (نيسان) الماضي مؤتمر «الجزيرة العربية الخضراء»، الذي استقطب لفيفا من علماء الآثار والبيئة من بريطانيا والمملكة العربية السعودية وعدد من دول العالم، وخصّص بهدف استكشاف العلاقة بين التاريخ البشري والتغير المناخي في الجزيرة العربية. وفي الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، ألقى الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، كلمة شاملة تناول فيها العمق الحضاري للجزيرة العربية منذ حُقب ما قبل التاريخ، وتطرّق لتأثير التغيرات المناخية في أرض الجزيرة العربية التي كانت في فترة من فترات التاريخ مليئة بالبحيرات والبساتين والأنهار وشاهدا على الحضارات ومساهما فيها. ثم، قرب أواخر الشهر الماضي، افتتح الأمير سلطان بن سلمان في متحف نيلسون - آتكينز للفنون، المتحف المرموق بمدينة كنساس سيتي في القلب الجغرافي للولايات المتحدة الأميركية، معرض «طرق التجارة في الجزيرة العربية - روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور»، وذلك في محطته الرابعة داخل الولايات المتحدة، علما بأنه يمتد لثلاثة أشهر.

* السعودية قِبلة سياحية
اليوم المملكة العربية السعودية تطرح نفسها على العالم قِبلة سياحية وتراثية عالمية متميّزة. ولئن كان من الظلم القول إنها «تكتشف ذاتها»، فهي هذه الأيام بهمّة الهيئة العامة للسياحة والآثار تطلّ على العالم بثقة متجدّدة، والكثير الكثير مما تزخر بها أرضا وتاريخا وتراثا. ثم إذا كان لا بد من الإقرار بأن تعرّف العالم إلى مختلف ثروات السعودية السياحية والأثرية، في خضمّ الفورة النفطية والاقتصادية وواجب الاهتمام بالمرافق الدينية، تأخّر بعض الشيء، فإن النشاط اللافت للهيئة يعوّض اليوم ما فات، وبسرعة وإصرار ملحوظين.
في الكلمة التي ألقاها الأمير سلطان بن سلمان في أكسفورد مطلع أبريل الماضي، فإنه حرص على عرض جوانب غاية في الأهمية بالنسبة للهوية التراثية والثقافية للسعودية. وكشخص حضر افتتاح مؤتمر «الجزيرة العربية الخضراء»، الذي نظمته الهيئة بالتعاون مع كل من جامعة أكسفورد وجامعة الملك سعود، كان الجانب الديني هو الأهم والأكثر وقعا عند المستمع الأجنبي. فأمام جمهور كبير بعضه جاء مشكّكا في قدرة السعودية على الجمع بين استثمار إرثها الأثري الضخم والاستفادة منه وبين التزامها بتقاليدها الإسلامية، تناول الأمير سلطان البُعد الديني بعمق وإسهاب بصورة معبّرة تستفزّ المستمع وتحثه على مراجعة فرضيّات وأوهام استقرت طويلا مخيلته.
قال الأمير سلطان في نص كلمته في تلك الأمسية «يشكّل مشروع (الجزيرة العربية الخضراء)، الذي تعمل عليه الهيئة العامة للسياحة والآثار من خلال فرق علمية سعودية تساندها فرق من علماء الآثار من مراكز بحثية مرموقة عالميا، عنصرا مهمّا في مشروع أكبر هو مشروع (الملك عبد الله للعناية بالتراث الحضاري) الذي صدرت موافقة مجلس الوزراء السعودي الموقّر عليه منذ أسابيع قليلة، والهادف لإعادة الاعتبار للآثار والتراث الوطني، ودراستهما وفهمهما وربط المواطنين بهما، بوصفهما صفحات مشرقة لتاريخنا المشرق والذي توجه شروق شمس الإسلام فيه وفي أرضه متنزّل الكتاب ومنها مبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى أرضها الحرمان الشريفان. وهو ما يمثل أهم قيمة يتمسّك بها مواطنو هذه البلاد، ويفخر بها سكان الجزيرة العربية منذ القدم، وكذلك العناية بمواقع الآثار وشواهد الحضارات السابقة، التي أعقبها الإسلام وأظهر عليها، ولم يهمشّها أو يهدمها، بل احترمها وأبقاها ليستمر الفهم وتتصل العبرة».
ومن ثم، شرح الأمير سلطان ما وصفه بـ«محاولة فهم الترابط بين المكوّنات الأساسية التي تُعرف بها المملكة العربية السعودية عالميا، إذ إنها مهد الإسلام، والقوة الاقتصادية التي جعلتها ضمن أعظم عشرين اقتصادا عالميا، وهي الثقل السياسي في المنطقة، غير أن فهم هذه الأبعاد ومنطلقها، وأسباب استمرارها، يرتبط بمعرفة الجذور التاريخية والتراثية لهذا المجتمع من خلال استقراء الشواهد الأثرية الباقية، ليتضح لنا أن هذه السمات لم تبرز من فراغ، ولم تطرأ مؤخرا، بل لكل منها جذوره التي تجعل منه أمرا متوقعا، وتساعد على إدراك الترابط العميق في ما بينها. وباختصار، لكي نفهم جميع سِمات شبه الجزيرة العربية، يجب علينا الابتداء من تاريخها العريق». وانطلق ليشرح ما عرّفه بـ«المكوّن الإسلامي»، فقال «يمثل الإسلام المحوَر الأساسي الذي قامت عليه بلادنا، والذي حصل حوله التوافق لقيام الدولة الحديثة، والأساس الذي تستمر الدولة قائمة به، وهو الدين الذي نزل في هذه البقعة من الجزيرة العربية، لينتشر منها إلى العالم، متخطيّا مناطق استوطنتها حضارات أخرى، ليصبح اليوم واحدا من أسرع الأديان نموا، وقدرة على التعايش عبر العصور وبمرور الأزمنة والمتغيّرات الحياتية؛ لما يتّسم به من مرونة وشموليّة وضعها الخالق سبحانه في الدين الخاتم للأديان والباقي إلى قيام الساعة..».
وتابع موضحا البعد التكاملي، فقال «وعلى الرغم من أن القيم الإسلامية لصيقة بنا، ونعيشها في حياتنا باعتزاز، فإن علينا التنبّه إلى أن الإسلام لم يأت من فراغ، بل قامت أسسه ومبادئه على قيم عالية تتشارك في جوهرها مع الحضارات الأخرى التي في أصلها تنبني على التوحيد ومعالي الأخلاق مع تتميمها، وهو ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الشريف (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فاكتملت منظومة القيم وتهذبت بالإسلام الخالد، وازدهرت في ثنايا مجتمع متنوع ثقافيا، مما يوحي بشكل صريح بوجود سابق لقيَم أخلاقية. وبالتالي، جاء ظهور الإسلام على أناس تمتّعوا بنظام من القيم والأخلاق، كما اعترف الإسلام بحضارات شبه الجزيرة العربية العظيمة واحترم الديانات التي سبقته بنفس السياق الذي عمّق فيه القيم العربية النبيلة الموجودة. ونحن المسلمين نؤمن بأنه لكي يكون المرء صحيحَ الإسلام، يتوجّب عليه الإيمان بجميع الرسل والأنبياء عبر العصور - مثل إبراهيم وموسى وعيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) صدق الله العظيم».
ولقد بزغ الإسلام في وقت فائق الأهمية، وفي مكان حافل بالأهمية هو مكّة المكرمة التي كانت تمثل قوة اقتصادية فريدة ومركزا روحيا وثقافيا في شبه الجزيرة العربية، حيث تكوّنت أهميتها لوجود الكعبة المشرفة التي قام النبي إبراهيم - عليه السلام - ببنائها قبيل ما يقرب من 24 قرنا قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لتصبح مقصد الحجاج وملتقى لقوافل التجارة جرّاء ذلك}.
ولقد أسهمت مواسم الحج منذ ذلك الوقت في ترسيخ مكانة مكة كمركز ثقافي واقتصادي في قلب خطوط التجارة وجموع الحجيج الذين يفدون لمكة المكرمة ويخرجون منها.
وبعدها تطرق الأمير سلطان بن سلمان إلى المكوّن الاقتصادي، فأشار إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي المهمّ لشبه الجزيرة العربية، لا سيما محطاتها العديدة على طرق التجارة والقوافل، حيث جرى نقل السلع والبضائع والمواد الأولية، منذ الأزمان الغابرة، مما أهّلها لتكون في صلب محاور الحضارات والنشاط الاقتصادي. وشرح أن وفرة الكنوز والأدوات الأثرية التي يُعثر عليها في عمليات الاستكشاف والتنقيب الجارية تؤكد أهمية موقع شبه الجزيرة العربية الاستراتيجي في قلب الحضارات والنظم الاقتصادية. وأشار إلى ما وصفه بـ«الاكتشافات المذهلة التي حصلت في قطاعات الفنون والنحت والمجوهرات والمنشآت والتي تظهر وجود مستوى راق من الصناعات الحرفية التي تؤكد وفرة الثروات على نطاق واسع.. لذا، ففي وسع المرء أن يقول إن منطقة شبه الجزيرة العربية كانت غنية لحقب طويلة قبيل اكتشاف النفط». وحول هذا المكوّن جرى التركيز في معرض كنساس سيتي على مكانة شبه الجزيرة العربية التجارية والحضارية والثقافية المتميزة في العالم القديم، وبالذات الطرق التجارية القديمة، التي اجتازت شبه الجزيرة العربية، فكانت حاضنة فعلية للثقافات الإنسانية المختلفة عبر العصور.

* البعد البيئي
وبعد كلمة الأمير سلطان بن سلمان، أضاف المتكلمون في أكسفورد خلال جلسة الافتتاح معلومات علمية تفصيلية، لعل أهم ما فيها كشف مستفيض عن الجوانب البيئية والجيولوجية. ولقد أعلن البروفسور مايك بتراليا، رئيس فريق جامعة أكسفورد في «مشروع البعثة السعودية البريطانية للتنقيبات الأثرية» العاملة في السعودية، عن نتائج اكتشافات لفريق الجامعة في عدد من المواقع الأثرية بالمملكة، منها اكتشاف قطعتين يعتقد أنهما من ناب لفيل ضخم يصل طولهما معا إلى مترين ونصف المتر، وهما لفصيلة منقرضة تعرف باسم «الفيلة المستقيمة الأنياب»، وذلك في أحد أماكن صحراء النفود بشمال السعودية، وعن العثور أيضا على مفصل عظمي لفيل في المكان نفسه. كذلك عرض في المناسبة حصيلة بحث سويسري نشر العام الماضي يقدّر عمر الطبقات الرملية في تلك المنطقة من صحراء النفود بـ325 ألف سنة، وهي معلومة اعتمد عليها فريق جامعة أكسفورد لتحديد عمر ناب الفيل ومفصله.
وحسب بتراليا فإن القطع المكتشفة «هي أول اكتشافات الفريق في هذا الموقع منذ بدأ التنقيب العام الماضي». وخلص الفريق العلمي إلى أن وجود فيلة في هذا المكان من العالم يعني أن المنطقة كانت في الماضي السحيق خضراء غنية بالنباتات والأعشاب ولحاء الأشجار التي يعيش عليها الفيل، قبل أن تؤدي التغييرات المناخية والجيولوجية المتتالية التي مرت على شبه الجزيرة العربية عبر عصور طويلة إلى إحداث تغييرات بيئية أثرت في نمط استيطان الإنسان وهجراته عبر قارات العالم القديم. وكشف المشروع حتى الآن عن آثار لمئات البحيرات والأنهار والغابات والكائنات التي كانت تعيش في غابات شبه الجزيرة، وعن البيئات القديمة التي نشأت فيها وحولها عدة حضارات متعاقبة.

* اقتراح جاك شيراك
على صعيد آخر، ولدت فكرة معرض «روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور» بناءً على اقتراح من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك خلال مشاركته خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في افتتاح معرض «روائع من الفنون الإسلامية»، الذي نظمته الهيئة العامة للسياحة والآثار، في المتحف الوطني بالرياض يوم 6 مارس (آذار) 2006. ومن ثم بدأ المعرض جولة عالمية له الغاية منها توفير فرصة لإطلاع العالم على الآثار الوطنية للمملكة العربية السعودية، وما تزخر من الثروات الحضارية والتاريخية التي لم يتح لكثيرين التعرف إليها. وجاءت فكرة انتقال المعرض من دولة لأخرى تنفيذا لتوجيهات المقام السامي بشأن انتقاله بين عدد من المتاحف الشهيرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ويجري عبر المعرض الجوّال عرض عدد كبير من القطع الأثرية المتنوعة، وفي كنساس سيتي تعرض 320 قطعة أثرية من التحف المعروضة في المتحف الوطني بالرياض ومتحف جامعة الملك سعود وعدد من متاحف المملكة المختلفة. كذلك بين المعروضات قطع عثر عليها في التنقيبات الأثرية الحديثة تمتد زمنيا من العصر الحجري القديم (مليون سنة قبل الميلاد) وحتى عصر النهضة السعودي، وتمر هذه الفترة الطويلة بالعصور الحجرية، ثم بفترة العُبَيْد (الألف الخامس قبل الميلاد) ففترة دلمون، ففترة الممالك العربية المبكرة، ثم الممالك الوسيطة والمتأخرة، ففترة العهد النبوي، ثم فترتي الدولة الأموية والعباسية، والعصرين الإسلامي الوسيط والمتأخر، وأخيرا عهد توحيد المملكة العربية السعودية، وما تلاها من تطور وازدهار. ولقد استضاف متحف اللوفر بباريس أول معرض جوّال، وتلته المعارض التي استضافتها مدينة برشلونة في إسبانيا، وبطرسبورغ في روسيا، والعاصمة الألمانية برلين، فالعاصمة الأميركية واشنطن، ثم مدينة بتسبورغ الأميركية، فالعاصمة الإيطالية روما، فمدينة هيوستن الأميركية، وأخيرا مدينة كنساس سيتي.

* السعودية على قائمة التراث العالمي
غير أن هذا الاهتمام يأتي في سياق طيف واسع من الاهتمامات التي أسهمت حتى الآن في إدخال مَعلَمين أثريين - عمرانيين على قائمة منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونيسكو) للتراث العمراني العالمي، وجار العمل على تأهيل معلم ثالث للحاق بهما.
الموقعان السعوديان المُدرجان حاليا على قائمة «اليونيسكو» هما: مدائن صالح (الحجْر) التي أدرجت على القائمة عام 2008، والدّرعية القديمة (حي الطريف) في محيط العاصمة السعودية الرياض التي أدرجت عام 2010، وثمّة موقع ثالث مرشح لدخول القائمة هو جدة القديمة (البلد) في مدينة جدة عروس البحر الأحمر. ومن المتوقع إجراء لجنة التراث العالمي في «اليونيسكو»، خلال دورة تصويتها الـ38 يوم 25 يونيو (حزيران) المقبل، للبت بأمر الترشيحات الجديدة، ومنها ترشيح جدة القديمة. وفي سبيل تحسين فرص قبول جدة القديمة، رُصد مبلغ 50 مليون ريال سعودي (13 مليون دولار أميركي) لترميم وتحديث طرق «البلد» وأبنيتها وإنارتها. وكان قد أنجز حتى الآن ترميم 18 مبنى وفق موقع اليونيسكو الرسمي، وحوّل أحدها إلى فندق تراثي. ومن جهة ثانية، تخطط بلدية جدة لتجديد 34 مبنى من مباني «البلد» البالغ عددها نحو 350 مبنى، علما بأن أكثر من 200 مبنى دمرتها سيول وحوادث مختلفة.

* مدائن صالح
أو مدائن صالح، أو مدينة الحِجْر، موقع أثري لافت في شمال السعودية، يتبع محافظة العُلا التابعة بدورها لمنطقة المدينة المنورة. وكان للحِجْر مثلها مثل مواقع عدة في شبه الجزيرة العربية مكانة استراتيجية مهمّة على طريق القوافل التجارية الرابط بين جنوب شبه الجزيرة وبلاد الرافدين (العراق) وبلاد الشام ومصر. ووفق المراجع التراثية فإن الحِجْر هي ديار ثمود - إحدى قبائل العرب البائدة - وموقعها في وادي القرى بين المدينة المنورة وتبوك. ويتموضع الموقع الأثري البديع على بعد 22 كم شمال شرقي مدينة العُلا (ديدان التاريخية). ولقد كانت العُلا أو ديدان عاصمة لمملكة عربية قديمة لقبائل معينية وثمودية، هي مملكة لحيان، أو ديدان، التي ازدهرت في فترتين طويلتين نسبيا، الأولى بين 2000 و1700 قبل الميلاد، والثانية بين 1300 و900 قبل الميلاد، ثم لفترة ثالثة أقصر بين 107 و150 ميلاديا.
والثابت أن في العُلا آثارا لحيانية يقدّر بعض الأثريين أن أقدمها يعود إلى 1700 قبل الميلاد، استنادا إلى الكتابات المكتشفة. وأما مدينة الحِجْر - أو مدائن صالح - فتضم آثار المعينيين والتجار الثموديين الأوائل الآتين إلى شمال شبه الجزيرة العربية من جنوبها.
من ناحية أخرى، يرى أثريون آخرون أن الأنباط هم حقا أول من استوطنوا الحِجْر وعمّروها. وكان الأنباط قد أسّسوا مملكة كبيرة امتدت أراضيها من عاصمتهم البتراء - أو سلع - في جنوب الأردن (اليوم) شمالا إلى الحِجْر (مدائن صالح) جنوبا، ويذكرون أن أقدم دليل يشير إلى وجود الأنباط فيها يعود إلى القرن التاسع الميلادي. ووفق المراجع التاريخية والأثرية أسّس الأنباط مملكتهم في مدينة سلع المسماة حاليا بالبتراء. وبعدها سيطروا على طريق التجارة القديم المتجه جنوبا، فأسسوا عاصمتهم التجارية الحِجْر. ولكن الأنباط واجهوا بعد ذلك عددا من المشاكل السياسية والاقتصادية، أخطرها مع الإمبراطورية الرومانية، كما عانوا من أزمة بيئية أدت إلى انهيار دولتهم في أعقاب اكتشاف الرياح الموسمية في القرن الأول قبل الميلاد التي أدت إلى اعتماد الدول وأصحاب القوافل التجارية نقل بضائعهم عن طريق البحر الأحمر، فخسرت الحِجْر مكانتها كمحطة على طريق القوافل تأخذ الجبابات منها. واليوم تظهر في موقع مدائن صالح - أو الحِجْر - بقايا روائع هندسية بديعة نحتا في الصخر وحفرا في الأرض، إذ يوجد 131 قبرا ضخما منحوتا على صخور واقفةٍ بغباء منفردةٍ وسط الرمال، إلى جانب جزر من صخور الحجر الرملي المتحللة التي تآكلت وتموّجت فغدت منحوتات طبيعية رائعة. وكما سبقت الإشارة، في 2008 أدرجت اليونيسكو موقع مدائن صالح على قائمة مواقعها للتراث العالمي فكان أول موقع في السعودية يُضم إلى القائمة. وأما أبرز آثار الموقع وأجملها على الإطلاق فهي: قصر الصانع، وجبل اثلب، وقصر البنت، والقصر الفريد.

* جدة التاريخية
أما في ما يخص مدينة جدة، التي يعود تاريخها إلى عصور ما قبل الإسلام، فإنها تمتعت بمكانة مهمة عبر ‏الحضارات ‏المختلفة، بيد أنها في بدايات العصر الإسلامي عاشت ‏نقطة تحوّل كبيرة عندما ‏اتخذها الخليفة ‏الراشد الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ميناءً لمكة ‏المكرمة عام 26هـ/ ‏‏647م، ومن ‏تلك الفترة اكتسبت مدينة جدة بعدها التاريخي الإسلامي ‏الذي جعلها واحدة من أهم ‏المدن الواقعة ‏على شاطئ البحر الأحمر، وبوابة للحرمين الشريفين.‏ وبالتالي، نظرا لقيمتها التاريخية والعمرانية، لا سيما لجانب ما تضمه من نماذج للطراز العمراني المتميز لحوض البحر الأحمر، جاء حرص الهيئة العامة ‏للسياحة والآثار على إدراج ملف «جدة التاريخية» للتصويت عليه من قبل لجنة التراث ‏العالمي في «اليونيسكو» لوضعها بقائمة التراث العالمي، وهو ما تحقق بالفعل، إذ سيصوّت إدراجها خلال يونيو المقبل. وفق سجلات الهيئة، تضم «جدة التاريخية» - أو «البلد» - عددا من المعالم والمباني الأثرية ‏والتراثية ‏المهمة، أبرزها ‏المساجد التاريخية ذات الطراز المعماري الفريد، مثل: مسجد عثمان ‏بن ‏عفان، ومسجد ‏الشافعي (الجامع القديم)، ومسجد الباشا، ومسجد عكاش، ومسجد المعمار، وجامع ‏الحنفي، ‏والسور التاريخي ‏الذي شيّد معززا بالقلاع والأبراج والمعدات العسكرية ‏ليكون ‏حصنا منيعا يحمي ‏المدينة من هجمات الطامعين والسفن الحربية التي تغير على المدينة ‏عن ‏طريق البحر. كذلك يتجلى التراث العمراني في حارات «البلد» التاريخية، بالإضافة إلى أسواقها التي تتميز بطابعها الخاص الذي جعلها مختلفة ‏عن ‏الأسواق ‏المشابهة في غيرها من المدن.‏

* قرية الفاو.. من أبرز المشاريع التراثية
من أبرز المواقع التي تهتم بها الهيئة العامة للسياحة والآثار حاليا قرية الفاو. و«القرية» تقع على بعد نحو 700 كم ‏جنوب غربي العاصمة السعودية الرياض ونحو 150 كم جنوب شرقي الخماسين بوادي الدواسر، ‏وهي تطل على الناحية الشمالية الغربية للربع الخالي في نقطة تقاطع وادي الدواسر بسلسلة ‏جبال طويق عند ثغرة في الجبل يطلق عليها الفاو.
من الناحية التاريخية كانت الفاو عاصمة لدولة كندة، الدولة التي كان أحد ملوكها والد الشاعر العظيم امرئ القيس، ولعبت دورا كبيرا في تاريخ شبه الجزيرة العربية لمدة ‏تزيد على خمسة قرون، كذلك كانت مركزا تجاريا مهما وملتقى قوافل تحمل المعادن والحبوب ‏والنسيج، وكانت عامرة بالمساكن والمخازن والحوانيت والفنادق، وبها أكثر من 17 بئرا، ‏واشتغل أهلها بالتجارة والزراعة‎. ولقد ساعدها على تأكيد أهميتها التجارية والعمرانية تموضعها على الطريق التجاري القديم ‏المعروف بطريق نجران - الجرهاء. ويعتبر موقعها من أهم المواقع الأثرية على مستوى الجزيرة العربية إن لم يكن على ‏مستوى العالم، لما يجسّده من مثال حي للمدينة العربية قبل الإسلام بكل مقوّماتها من ‏مساكن وطرقات وأسواق ومقابر وآبار. ‏وهو يعجّ بالعديد من المعالم الأثرية، إذ يحتضن عددا وافرا من التلال الأثرية ‏المنتشرة في الموقع، والقصر والسوق.
كذلك عُثر في الموقع على مجموعة من المجسّمات ‏البرونزية التي أعطت بُعدا حضاريا جديدا، إضافة إلى المقابر المتنوّعة في أشكالها، ‏والكتابات التي وجدت بالحرف الجنوبي المُسنَد، كما عثر على قطع أثرية في ‏الموقع جارٍ ترميمها حاليا بالإضافة إلى القطع التي تُعرَض في معرض ‏«روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور».

* الدِّرعية التاريخية
* الدِّرعية التاريخية واحة من واحات وادي حنيفة في نجد استقطبت الاستقرار الحضري منذ أقدم العصور، وتحتل منطقة انعطاف وادي حنيفة مكونة منطقة العوجاء الاسم التقليدي الذي عُرفت به الدرعية. وتتميز الدرعية، الواقعة ضمن محيط مدينة الرياض الكبرى، بمناظر طبيعية بيئية جميلة، ومنها شعاب وأراض خصبة، يبرز من مغانيها الحضرية الدور وأنظمة الري والقنوات والأنفاق.
تحمل الدرعية اسم مكان نسب لأهله، هو حصن الدروع، والدروع، وفق المراجع والمصادر التاريخية، قبيلة استوطنت وادي حنيفة وحكمت الحجر والجزعة، ودعا أحد حكامها «ابن درع» ابن عمه مانع المريدي - من عشيرة المردة من بني حنيفة - للقدوم من عروض نجد إلى مرابع وادي حنيفة، وسكن القادمون ما بين غصيبة والمليبيد. وبتاريخ قدومهم يؤرخ لتأسيس الدرعية عام 850هـ/ 1446م. ومن ثم، سرعان ما احتلت الدرعية الصدارة على الطريق التجاري من شرق شبه الجزيرة العربية إلى غربها، إضافة إلى تحكّمها بطريق الحج إلى مكة المكرمة، وهكذا امتد سلطانها على عدد من قرى وادي حنيفة، وبلغ نفوذها إلى ضرماء في الجهة الغربية من جبل طويق وإلى أبا الكباش شمال الدرعية. ومع ظهور دعوة الإصلاح في ربوعها - بعدما احتضن حاكمها الأمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى (1157-1233هـ/ 1788-1818م) دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - فتحت صفحة جديدة في تاريخ الدرعية، فغدت أقوى مدينة في نجد، وقوي مركزها السياسي والعسكري والديني وتدفقت عليها الثروة، وتقاطر التجار على أسواقها فصارت منارة للعلم والتعليم وتوافد عليها طلبة العلم من جميع الأقطار. ولم يطل الوقت حتى خضعت لنفوذ الدرعية معظم أجزاء شبه جزيرة العرب.
ولكن في إطار اهتمام الدولة بالدرعية التاريخية صدر الأمر السامي رقم 528/م بتاريخ
17/6/1429هـ بالموافقة على أن تتولى الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض مسؤولية تطوير الدرعية عبر لجنة عليا برئاسة الأمير سلمان بن عبد العزيز وعضوية عدد من المسؤولين في الجهات ذات العلاقة. وشمل برنامج تطوير الدرعية التاريخية القرى والأحياء بالضفة الشرقية من الوادي ومنها: غصيبة والظهرة والظويهرة والبجيري والمليبيد، وبالضفة الغربية حي الطريف وما يتصل به من روافد الوادي وشعابه، ويشمل النطاق الجغرافي حدود الدرعية في أوج ازدهارها في عهد الدولة السعودية الأولى. ويجري العمل في تنفيذ هذا المشروع بالشراكة بين الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض والهيئة العامة للسياحة والآثار ومحافظة الدرعية وبلدتها. ثم بتاريخ 19/7/1427هـ صدر الأمر السامي الكريم رقم (5455/م.ب) القاضي بتكليف الهيئة العامة للسياحة والآثار بالعمل على تسجيل موقع حي الطريف بالدرعية ضمن قائمة التراث العالمي لدى اليونيسكو. وبالفعل، قدمت الهيئة موقع حي الطريف بالدرعية ضمن القائمة الأولية للمواقع المراد تسجيلها بقائمة التراث العالمي بتاريخ 24/9/1427 هـ الموافق 16/10/2006 م. وجرى تسجيل موقع حي الطريف بالدرعية التاريخية ضمن قائمة التراث العمراني العالمي باليونيسكو يوم السبت 19/8/1431هـ الموافق 31/7/2010م.



من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.