محمد عبد الملك: لا بد من التجديد... ستضجر من نفسك أو يضجر القارئ

الروائي البحريني يقول إنه حاول ترك الكتابة بسبب الإحباط

الروائي البحريني محمد عبد الملك
الروائي البحريني محمد عبد الملك
TT

محمد عبد الملك: لا بد من التجديد... ستضجر من نفسك أو يضجر القارئ

الروائي البحريني محمد عبد الملك
الروائي البحريني محمد عبد الملك

على مدى نحو خمسين عاماً، يواصل الكاتب والروائي البحريني محمد عبد الملك رحلته الإبداعية التي تستلهم البيئة البحرينية وما تختزله من ثراء، وتعبّر عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مر بها البحرين والخليج. ومن هنا اعتبره كثيرون أهم من كتب الرواية الحديثة في البحرين، والخليج عموماً. وقد أنتج خلال هذه المسيرة الطويلة عدداً من المجموعات القصصية والروايات بينها: «موت صاحب العربة»، 1972، «نحن نحب الشمس» 1975، «ثقوب في رئة المدينة»، 1979، رواية «الجذور» 1980، «السياج» 1982، «النهر يجري» 1984، «رأس العروسة» 1987، ورواية «ليلة الحبّ»، ورواية «غليون العقيد». وهو إضافة لذلك من الأعضاء المؤسسين لأسرة الأدباء والكتاب بالبحرين عام 1969.
هنا حوار مع عبد الملك الذي يوجد حالياً في العاصمة البريطانية لندن لتلقي العلاج:

> طمئننا عنك.. ماذا تفعل في لندن؟
- أنا هنا للعلاج والراحة وتجديد الطاقة.
> تُعتبر أهم من كتب الرواية الحديثة في البحرين، والخليج عموماً، ماذا تعني لك الرواية؟
- الرواية بالنسبة لي هي وجود، وحياتي تفتقد المعنى من دونها، أنا لست أنا إذا لم أكتب، في هذه الحالة أكون خارج المشهد، وهذا يجعلني متوتراً وقلقاً. حاولت أن أترك الكتابة في وقت من الأوقات بسبب الإحباط الذي يصاحب الكتّاب عادة، خاصة في العالم الثالث لأسباب كثيرة، أولها الضريبة العالية التي يدفعها الكاتب من حياته، وليس آخرها عدم إقبال الناس على القراءة بعد الطفرة النفطية، وكان سؤال واحد يعترض طريقي بعض الوقت عن جدوى الكتابة إذا لم يكن هناك متلق. صحيح أن الكتابة تشبع الرغبة الذاتية لدي لكن هذا لا يكفي، خاصة عندما نقارن الإقبال الشديد على القراءة في الستينات وبداية السبعينات، مع انحسارها السريع والمفاجئ بعد الطفرة النفطية..
> وما الذي أعادك للكتابة إذن؟
- اكتشفت تالياً أن الكاتب يدمن الكتابة، ولا يستطيع أن يعيش من دونها، فهي تحقق له الرضا عن الذات، وراحة الضمير والشعور بالامتلاء والتميز، الكتابة في أسوأ حالاتها ممتعة وجميلة. بالنسبة لي منحتني الرواية فرصة أكبر للتعبير عن الذات، التي هي في معظم الحالات تلتقي مع ذوات الآخرين، إذ مع اختلافاتنا الفردية يظل هناك قاسم مشترك..
> ماذا بشأن الرواية تحديداً؟
- الرواية هي مساحة شاسعة للبوح ومشاركة البشر في أحاسيسهم، وطموحاتهم، وعذاباتهم اليومية، ومع ذلك فالرواية أفقها مفتوح على الحياة، وهي متنوعة، تتزاحم فيها النقائض والمفارقات كلها؛ تلك التي تكون صلات البشر بعضهم ببعض، في الرواية أنت أكثر حرية وانطلاقاً في التعبير والرصد والمكاشفة، الابتكارات في الرواية أغنى وأكثر تعدداً، لذا فالرواية تشكل إغراء لا يقاوم عند الكتّاب، وهي تحتضن في الوقت نفسه فنوناً كثيرة؛ الشعر أولاً، الحوار المسرحي، السينما، الفن التشكيلي خاصة في الرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا؛ وهي تعتمد في تقنيتها على تعدد اللوحات، والمشاهد وتداخلها، الرواية تتسع لسرد تفاصيل الحياة اليومية، كما يتعدد فيها أفق الخلق والابتكار، ربما لهذا السبب أغرت الرواية الكثيرين، ولَم ينج الشعراء من هذا الإغراء.
> هل تعتبر أنك أنجزت مشروعك الروائي؟
- الكتابة حين تبدأ لا تنتهي ولا تكتمل. وما دمت مصمماً على الكتابة، وتلتزم بشروطها ورغباتها، وتنصاع لأهوائها، فدائماً هناك رواية تنتظرك، أو تطل عليك من بعيد، ما دمت تتنفس وتعيش فهناك دائماً مشاريع للكتابة تظهر في ذهنك، وتظل معك فترة طويلة، وأحياناً تفاجئك رواية أو قصة تظهر في الطريق. الحياة ذاتها تمنحك مادة للكتابة، أنت دائماً تنتظر محبوبتك الأثيرة على قلبك، وهي لن تخذلك، لأنك تحبها، وهي لهذا السبب تحبك بالمثل، إذا أخلصت للكتابة، ومنحتها نفسك، منحتك نفسها وقد تعطيك في هذه الحالة ببذخ. الكتابة بعض الأحيان تغيب طويلاً، وتسرف في الغياب، لكن لا تيأس، فهي تظهر لك فجأة في موعد لا تتوقعه، غالباً ما تأتي الكتابة من غير ميعاد.
> كنتَ رائداً في كتابة القصة الجديدة في البحرين منذ صدرت مجموعتك الأولى: «موت صاحب العربة»، بداية السبعينات، وقتها كانت البيئة البحرينية وحاراتها الشعبية مصدر إلهام وإثراء، اليوم هل تفتقد تلك المرحلة؟
- الكتابة على وتيرة واحدة لفترة طويلة تفسد مشروع الكاتب برمته. لا بد من التنوع، لا بد من الانتقال، والتغيير، والتجديد وإلا سيضجر منك القارئ ويتركك وحدك، وقد تضجر أنت من كتابتك، كما أنك تخوض في الحياة تجارب جديدة، وينمو تفكيرك في اتجاهات مختلفة، تتغير فيها قناعاتك. في المرحلة الأولى اندفعت أكتب على سجيتي، وفِي مرحلة لاحقة بدأ تأملي في الحياة يكبر، واتسعت المعرفة، وتنوعت الأفكار، فوجدت ضالتي في القصة الرمزية؛ في المرحلة الأولى رصدت الآلام المبرحة للناس في حياتهم اليومية، وفِي المرحلة الثانية اتسعت مداركي فولجت في الرمزية دون أن أتخلى عن الهم الإنساني فهو جوهر الكتابة في كل العصور؛ ومع الكتابة الرمزية استهوتني القصة النفسية لأحاول الولوج إلى الداخل في الدهاليز الخلفية للبشر، ابتدأ هذا التغيير بشكل واضح مع مجموعة رأس العروسة واستمر معي بعد ذلك حتى الآن حين اكتشفت أن الغموض أيضاً يشكل إضافة مهمة في الكتابة، فالحياة ذاتها غامضة، لكن الغموض سلاح ذو حدين، وقد يفسد الكتابة إذا لم يعي الكاتب كيفية استخدامه، ومع هذا التغيير كان لا بد لي أن أكتشف لغة تناسب الرمز وأعماق النفس، وكان لا بد لي أن أستعين بالشعر والجملة متعددة المعاني، وحمالة الأوجه، هذه اللغة استخدمتها أيضاً في رواية «سلالم الهواء».
> هل كُتبت الرواية الخليجية فعلاً؟، أساساً هل يمكن أن ينتج الخليج عملاً روائياً؟
- الرواية الخليجية كتبت منذ خمسة عقود وهي الآن في مرحلة نضج وانبعاث جديد لافت، الرواية الخليجية في أوج انتعاشها الآن، وبخاصة الرواية السعودية، والدليل هو بروز وتفوق مجموعة من الروائيين الخليجيين على أقرانهم العرب في مسابقات «البوكر» العربية، ومن المعروف أن جائزة «البوكر» هي الأكبر من نوعها في مجال الرواية، ويشترك فيها في كل مسابقة بين مائة ومائة وثمانين كاتباً من الدول العربية.
> كيف ترى المشهد الروائي الخليجي؟
- الخليجيون فازوا بالجائزة أربع مرات في عشر مسابقات، هذا دليل كاف على الحضور اللافت للرواية الخليجية؛ الروايات الفائزة كانت لعبده خال، ورجاء عالم، ومحمد حسن علوان من السعودية، الرواية الرابعة ذهبت إلى الكويتي سعود السنعوسي عن رواية «ساق البامبو». وأريد أن أوضح أن ظهور كم كبير من الروايات المتهالكة، لا ينفي وجود روايات مهمة ومكتملة، ليس علينا أن نقلق من هذه الظاهرة لأن الأدب يدافع عن نفسه، والمتطفلون على الرواية، لن يصمدوا طويلاً أمام النقد الجاد والقارئ اللبيب، والزمن كفيل بإبراز الكتاب الموهوبين من غيرهم.
> برأيك ما هو تأثير الجوائز على طوفان الأعمال الروائية؟
- الجوائز لا تصنع الروائيين، وإنما الروائيون يصنعون الجوائز، عندما لا تكون هناك روايات تظهر إلى الوجود بكثافة عالية كما يحدث الآن لن يفكر أحد في رصد جوائز لها، الجوائز وجدت الآن لأننا في عصر ازدهار الرواية العربية، ودور الجوائز إعلامي ومعنوي بالدرجة الأولى، وهي تساعد على رواج الروايات الفائزة التي تترجم إلى اللغات الأجنبية، وهذه فكرة جيدة تحسب لمنظمي هذه المسابقة.
> أنت من المؤسسين لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، كيف ترى دورها اليوم؟
- تضاعف حضور أسرة الأدباء والكتاب في المشهد الثقافي في البحرين بعد الإصلاح السياسي، حيث توفرت البيئة الخصبة لازدهار الثقافة، التي لا تتسع وتكبر إلا في المناخات الحرة، وكلما اتسعت الحرية، انتعشت الثقافة، وليس من الإنصاف أن يأتي ذكر أسرة الأدباء والكتاب، دون أن نذكر دورها الريادي في نشر الثقافة والأدب والتنوير في البحرين وبشكل مكثف طوال أربعة عقود مفصلية في تاريخنا الحديث؛ تدفقت فيها سواقي أسرة الأدباء والكتاب، تضخ ماء الحياة والنماء في جسد المجتمع البحريني ونسقه، عبر إصدارات شعرية، ومجاميع قصصية وروائية، هذا غير الندوات والأنشطة الثقافية المتنوعة، وما زالت تعبر مخيلتي مشاهد الجمهور الذي كانت تغص به القاعات في السبعينات من القرن الماضي، في أمسيات أسرة الأدباء والكتاب، أسرة الأدباء والكتاب بجانب دورها الأدبي الكبير لها تاريخ وطني أيضاً، فأنت لا تستطيع أن تفصل الوطن عن الكتابة، خاصة في الفترات الحرجة، وكما هو معروف فالأسرة ساهمت بشكل كبير في بث الوعي الوطني الذي كان الإصلاح من ثماره، وكان ذلك التوجه واضحاً في شعار الأسرة: «الكلمة من أجل الإنسان».
> تناولت معاناة الكتابة، في كتابك «سلالم الهواء»... كيف ترى تجربة الكتابة؟
- هي رفقة جميلة لا نشبع منها مهما طالت مسافاتها، ومهما قست ظروفها، وهي شديدة القسوة، لأن الكتابة تقودك إلى طرقات وعرة تتعرض فيها حياتك للخطر، وتعذب معها روحك بالمعاناة، الكتابة تقودك إلى الجمال والمعرفة والحقيقة، وتجد نفسك مع هذه الصحبة في مواجهة أعداء يخشون الكتابة ويزيفون الحقيقة، وهم لذلك لا يتوقفون عن إيذائك كل الوقت. الكتابة تضحية بالروح وفيها تهديد للقمة عيشك، وأحياناً تهديد لوجودك. والأنظمة المستبدة تخشى الكتابة كما يخشى الطفل الظلام، لأن الكتابة تكشف خدعهم وألاعيبهم وطغيانهم، الكتابة تضعك في الواجهة لتصيبك شظايا النار، وهي تقودك إلى الوعي، فالكتّاب هم كهنة المعرفة، وقادة الفكر ونبراس الشعوب، الكتابة أعطتني الكثير وأخذت مني الكثير. أعطتني حب الناس، والشعور بالسعادة، ورضا النفس وراحة الضمير، وتحقيق الذات، وهي أخذت مني الصحة وراحة البال، وجعلتني في حالة من القلق الدائم والخوف الدائم، وتوقع المصائب، الكتابة هي صخرة سيزيف الذي يصعد بها إلى قمة الجبل فتهوي به في الحضيض، لكنه لا يتركها؛ فيعود إلى حملها ثانية إلى القمة. الكتابة هي الصديقة التي تسعدك وتحزنك في الوقت نفسه، الكتابة هي العسل وهي الحنظل.
> يلاحظ الكاتب الراحل عبد الله خليفة في كتابه النقدي «الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي» من خلال دراسته لأعمالك أن أسلوب الراوي يتطور مع التطورات الاجتماعية، والاقتصادية، لكنك بقيت تجسد الواقعية حيث تنتصر للإنسان وقضاياه... هل تعتبر نفسك كاتباً ملتزماً؟
- أنا منحاز للإنسانية، بهذا المفهوم والوعي كتبت منذ الستينات، وفِي تلك الفترة كان التيار الواقعي الذي كان نجيب محفوظ أبرز ممثليه واسع الانتشار، وحقق نجيب محفوظ جائزة نوبل، بهذا النمط من الكتابة، نجيب محفوظ كان واقعياً رمزياً أيضاً ويكاد أن يكون فيلسوفاً، فهو درس الفلسفة، والنفَس الفلسفي ظاهر في كتابته كما كان الرمز حاضراً في رواية «الحرافيش» و«أولاد حارتنا»، وفِي بعض قصصه، وقد تأثرت به، وكنت شغوفاً بما يكتب، والالتزام، صفة أفسدتها الأحزاب السياسية التي حاولت أن تحول الكاتب إلى واجهة إعلامية للحزب، لذا فالمفردة لم تصمد طويلاً، فذهبت، كما ذهبت معها مفاهيم أخرى هي إفراز لمرحلة أرادت فيها السياسة أن تبتلع الأدب. كل الكتّاب بجميع تياراتهم وأنواعهم، على مر العصور ملتزمون بإنسانيتهم التي لا يتنازلون عنها، وهكذا تجد أن الالتزام هو شيء عفوي داخل الكتابة، هذه مفردة انتهى وقتها.
> في كتابه السابق، يلاحظ عبد الله خليفة «أن ظهور القصة القصيرة الجديدة في البحرين في نهاية الستينات عبر عن البداية الشاقة لهذا الفن في المنطقة»، ما الذي كان يعيق فعلاً تقبل التجارب الأدبية الحديثة في بلد سبق كل جيرانه في التعليم والاتصال بالعالم الخارجي؟
- الكاتب عبد الله خليفة يشير هنا إلى صعوبة خلق عمل جديد لم يكن موجوداً في الساحة الثقافية المحلية، في الستينات، قبل هذا التاريخ كانت هناك إرهاصات أولية لم تكتمل للفن القصصي، والجيل الذي أنتمي إليه مع عبد الله خليفة وأمين صالح ومحمد الماجد وخلف أحمد خلف تكفل بابتكار القصة، وحملها إلى ضفاف التجديد والتنويع ومحاكاة القصة العربية في أقطار المركز العربي في مصر وسوريا والعراق، ومن حسن حظ هذا الجيل أن انتعاش القصة العربية بدأ في ذلك الوقت على يد يوسف إدريس ونجيب محفوظ وزكريا تامر ومجيد الربيعي وآخرون، وكان على جيلي أن يأخذ السرد القصصي إلى أفاق جديدة وأبعاد مختلفة، وهذا ما حدث، مع هذا الجيل بدت القصة أكثر اكتمالاً وتنوعاً، وأكثر اتصالاً بالحياة، والمحيط الاجتماعي والسياسي الذي كان جديداً بدوره، كانت تلك بداية مرحلة الحداثة الأدبية والفكرية بشكل عام في كل الوطن العربي، القراء البحرينيون اهتموا بالسرد الحديث والشعر اهتماماً كبيراً، لأن هذه الحداثة حملت تطلعاتهم الجديدة ومعاناتهم، وهمومهم، وأشبعت شغفهم المتوارث للثقافة، وأذكر أن كتبنا كانت تنفد بسرعة في ذلك الوقت.
وكان الناس يحاوروننا فيما نكتب في المجالس والشوارع والساحات، كانت مرحلة نهوض ثقافي واسع اندمجنا فيه وأحببناه.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.