محمد عبد الملك: لا بد من التجديد... ستضجر من نفسك أو يضجر القارئ

الروائي البحريني يقول إنه حاول ترك الكتابة بسبب الإحباط

الروائي البحريني محمد عبد الملك
الروائي البحريني محمد عبد الملك
TT

محمد عبد الملك: لا بد من التجديد... ستضجر من نفسك أو يضجر القارئ

الروائي البحريني محمد عبد الملك
الروائي البحريني محمد عبد الملك

على مدى نحو خمسين عاماً، يواصل الكاتب والروائي البحريني محمد عبد الملك رحلته الإبداعية التي تستلهم البيئة البحرينية وما تختزله من ثراء، وتعبّر عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مر بها البحرين والخليج. ومن هنا اعتبره كثيرون أهم من كتب الرواية الحديثة في البحرين، والخليج عموماً. وقد أنتج خلال هذه المسيرة الطويلة عدداً من المجموعات القصصية والروايات بينها: «موت صاحب العربة»، 1972، «نحن نحب الشمس» 1975، «ثقوب في رئة المدينة»، 1979، رواية «الجذور» 1980، «السياج» 1982، «النهر يجري» 1984، «رأس العروسة» 1987، ورواية «ليلة الحبّ»، ورواية «غليون العقيد». وهو إضافة لذلك من الأعضاء المؤسسين لأسرة الأدباء والكتاب بالبحرين عام 1969.
هنا حوار مع عبد الملك الذي يوجد حالياً في العاصمة البريطانية لندن لتلقي العلاج:

> طمئننا عنك.. ماذا تفعل في لندن؟
- أنا هنا للعلاج والراحة وتجديد الطاقة.
> تُعتبر أهم من كتب الرواية الحديثة في البحرين، والخليج عموماً، ماذا تعني لك الرواية؟
- الرواية بالنسبة لي هي وجود، وحياتي تفتقد المعنى من دونها، أنا لست أنا إذا لم أكتب، في هذه الحالة أكون خارج المشهد، وهذا يجعلني متوتراً وقلقاً. حاولت أن أترك الكتابة في وقت من الأوقات بسبب الإحباط الذي يصاحب الكتّاب عادة، خاصة في العالم الثالث لأسباب كثيرة، أولها الضريبة العالية التي يدفعها الكاتب من حياته، وليس آخرها عدم إقبال الناس على القراءة بعد الطفرة النفطية، وكان سؤال واحد يعترض طريقي بعض الوقت عن جدوى الكتابة إذا لم يكن هناك متلق. صحيح أن الكتابة تشبع الرغبة الذاتية لدي لكن هذا لا يكفي، خاصة عندما نقارن الإقبال الشديد على القراءة في الستينات وبداية السبعينات، مع انحسارها السريع والمفاجئ بعد الطفرة النفطية..
> وما الذي أعادك للكتابة إذن؟
- اكتشفت تالياً أن الكاتب يدمن الكتابة، ولا يستطيع أن يعيش من دونها، فهي تحقق له الرضا عن الذات، وراحة الضمير والشعور بالامتلاء والتميز، الكتابة في أسوأ حالاتها ممتعة وجميلة. بالنسبة لي منحتني الرواية فرصة أكبر للتعبير عن الذات، التي هي في معظم الحالات تلتقي مع ذوات الآخرين، إذ مع اختلافاتنا الفردية يظل هناك قاسم مشترك..
> ماذا بشأن الرواية تحديداً؟
- الرواية هي مساحة شاسعة للبوح ومشاركة البشر في أحاسيسهم، وطموحاتهم، وعذاباتهم اليومية، ومع ذلك فالرواية أفقها مفتوح على الحياة، وهي متنوعة، تتزاحم فيها النقائض والمفارقات كلها؛ تلك التي تكون صلات البشر بعضهم ببعض، في الرواية أنت أكثر حرية وانطلاقاً في التعبير والرصد والمكاشفة، الابتكارات في الرواية أغنى وأكثر تعدداً، لذا فالرواية تشكل إغراء لا يقاوم عند الكتّاب، وهي تحتضن في الوقت نفسه فنوناً كثيرة؛ الشعر أولاً، الحوار المسرحي، السينما، الفن التشكيلي خاصة في الرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا؛ وهي تعتمد في تقنيتها على تعدد اللوحات، والمشاهد وتداخلها، الرواية تتسع لسرد تفاصيل الحياة اليومية، كما يتعدد فيها أفق الخلق والابتكار، ربما لهذا السبب أغرت الرواية الكثيرين، ولَم ينج الشعراء من هذا الإغراء.
> هل تعتبر أنك أنجزت مشروعك الروائي؟
- الكتابة حين تبدأ لا تنتهي ولا تكتمل. وما دمت مصمماً على الكتابة، وتلتزم بشروطها ورغباتها، وتنصاع لأهوائها، فدائماً هناك رواية تنتظرك، أو تطل عليك من بعيد، ما دمت تتنفس وتعيش فهناك دائماً مشاريع للكتابة تظهر في ذهنك، وتظل معك فترة طويلة، وأحياناً تفاجئك رواية أو قصة تظهر في الطريق. الحياة ذاتها تمنحك مادة للكتابة، أنت دائماً تنتظر محبوبتك الأثيرة على قلبك، وهي لن تخذلك، لأنك تحبها، وهي لهذا السبب تحبك بالمثل، إذا أخلصت للكتابة، ومنحتها نفسك، منحتك نفسها وقد تعطيك في هذه الحالة ببذخ. الكتابة بعض الأحيان تغيب طويلاً، وتسرف في الغياب، لكن لا تيأس، فهي تظهر لك فجأة في موعد لا تتوقعه، غالباً ما تأتي الكتابة من غير ميعاد.
> كنتَ رائداً في كتابة القصة الجديدة في البحرين منذ صدرت مجموعتك الأولى: «موت صاحب العربة»، بداية السبعينات، وقتها كانت البيئة البحرينية وحاراتها الشعبية مصدر إلهام وإثراء، اليوم هل تفتقد تلك المرحلة؟
- الكتابة على وتيرة واحدة لفترة طويلة تفسد مشروع الكاتب برمته. لا بد من التنوع، لا بد من الانتقال، والتغيير، والتجديد وإلا سيضجر منك القارئ ويتركك وحدك، وقد تضجر أنت من كتابتك، كما أنك تخوض في الحياة تجارب جديدة، وينمو تفكيرك في اتجاهات مختلفة، تتغير فيها قناعاتك. في المرحلة الأولى اندفعت أكتب على سجيتي، وفِي مرحلة لاحقة بدأ تأملي في الحياة يكبر، واتسعت المعرفة، وتنوعت الأفكار، فوجدت ضالتي في القصة الرمزية؛ في المرحلة الأولى رصدت الآلام المبرحة للناس في حياتهم اليومية، وفِي المرحلة الثانية اتسعت مداركي فولجت في الرمزية دون أن أتخلى عن الهم الإنساني فهو جوهر الكتابة في كل العصور؛ ومع الكتابة الرمزية استهوتني القصة النفسية لأحاول الولوج إلى الداخل في الدهاليز الخلفية للبشر، ابتدأ هذا التغيير بشكل واضح مع مجموعة رأس العروسة واستمر معي بعد ذلك حتى الآن حين اكتشفت أن الغموض أيضاً يشكل إضافة مهمة في الكتابة، فالحياة ذاتها غامضة، لكن الغموض سلاح ذو حدين، وقد يفسد الكتابة إذا لم يعي الكاتب كيفية استخدامه، ومع هذا التغيير كان لا بد لي أن أكتشف لغة تناسب الرمز وأعماق النفس، وكان لا بد لي أن أستعين بالشعر والجملة متعددة المعاني، وحمالة الأوجه، هذه اللغة استخدمتها أيضاً في رواية «سلالم الهواء».
> هل كُتبت الرواية الخليجية فعلاً؟، أساساً هل يمكن أن ينتج الخليج عملاً روائياً؟
- الرواية الخليجية كتبت منذ خمسة عقود وهي الآن في مرحلة نضج وانبعاث جديد لافت، الرواية الخليجية في أوج انتعاشها الآن، وبخاصة الرواية السعودية، والدليل هو بروز وتفوق مجموعة من الروائيين الخليجيين على أقرانهم العرب في مسابقات «البوكر» العربية، ومن المعروف أن جائزة «البوكر» هي الأكبر من نوعها في مجال الرواية، ويشترك فيها في كل مسابقة بين مائة ومائة وثمانين كاتباً من الدول العربية.
> كيف ترى المشهد الروائي الخليجي؟
- الخليجيون فازوا بالجائزة أربع مرات في عشر مسابقات، هذا دليل كاف على الحضور اللافت للرواية الخليجية؛ الروايات الفائزة كانت لعبده خال، ورجاء عالم، ومحمد حسن علوان من السعودية، الرواية الرابعة ذهبت إلى الكويتي سعود السنعوسي عن رواية «ساق البامبو». وأريد أن أوضح أن ظهور كم كبير من الروايات المتهالكة، لا ينفي وجود روايات مهمة ومكتملة، ليس علينا أن نقلق من هذه الظاهرة لأن الأدب يدافع عن نفسه، والمتطفلون على الرواية، لن يصمدوا طويلاً أمام النقد الجاد والقارئ اللبيب، والزمن كفيل بإبراز الكتاب الموهوبين من غيرهم.
> برأيك ما هو تأثير الجوائز على طوفان الأعمال الروائية؟
- الجوائز لا تصنع الروائيين، وإنما الروائيون يصنعون الجوائز، عندما لا تكون هناك روايات تظهر إلى الوجود بكثافة عالية كما يحدث الآن لن يفكر أحد في رصد جوائز لها، الجوائز وجدت الآن لأننا في عصر ازدهار الرواية العربية، ودور الجوائز إعلامي ومعنوي بالدرجة الأولى، وهي تساعد على رواج الروايات الفائزة التي تترجم إلى اللغات الأجنبية، وهذه فكرة جيدة تحسب لمنظمي هذه المسابقة.
> أنت من المؤسسين لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، كيف ترى دورها اليوم؟
- تضاعف حضور أسرة الأدباء والكتاب في المشهد الثقافي في البحرين بعد الإصلاح السياسي، حيث توفرت البيئة الخصبة لازدهار الثقافة، التي لا تتسع وتكبر إلا في المناخات الحرة، وكلما اتسعت الحرية، انتعشت الثقافة، وليس من الإنصاف أن يأتي ذكر أسرة الأدباء والكتاب، دون أن نذكر دورها الريادي في نشر الثقافة والأدب والتنوير في البحرين وبشكل مكثف طوال أربعة عقود مفصلية في تاريخنا الحديث؛ تدفقت فيها سواقي أسرة الأدباء والكتاب، تضخ ماء الحياة والنماء في جسد المجتمع البحريني ونسقه، عبر إصدارات شعرية، ومجاميع قصصية وروائية، هذا غير الندوات والأنشطة الثقافية المتنوعة، وما زالت تعبر مخيلتي مشاهد الجمهور الذي كانت تغص به القاعات في السبعينات من القرن الماضي، في أمسيات أسرة الأدباء والكتاب، أسرة الأدباء والكتاب بجانب دورها الأدبي الكبير لها تاريخ وطني أيضاً، فأنت لا تستطيع أن تفصل الوطن عن الكتابة، خاصة في الفترات الحرجة، وكما هو معروف فالأسرة ساهمت بشكل كبير في بث الوعي الوطني الذي كان الإصلاح من ثماره، وكان ذلك التوجه واضحاً في شعار الأسرة: «الكلمة من أجل الإنسان».
> تناولت معاناة الكتابة، في كتابك «سلالم الهواء»... كيف ترى تجربة الكتابة؟
- هي رفقة جميلة لا نشبع منها مهما طالت مسافاتها، ومهما قست ظروفها، وهي شديدة القسوة، لأن الكتابة تقودك إلى طرقات وعرة تتعرض فيها حياتك للخطر، وتعذب معها روحك بالمعاناة، الكتابة تقودك إلى الجمال والمعرفة والحقيقة، وتجد نفسك مع هذه الصحبة في مواجهة أعداء يخشون الكتابة ويزيفون الحقيقة، وهم لذلك لا يتوقفون عن إيذائك كل الوقت. الكتابة تضحية بالروح وفيها تهديد للقمة عيشك، وأحياناً تهديد لوجودك. والأنظمة المستبدة تخشى الكتابة كما يخشى الطفل الظلام، لأن الكتابة تكشف خدعهم وألاعيبهم وطغيانهم، الكتابة تضعك في الواجهة لتصيبك شظايا النار، وهي تقودك إلى الوعي، فالكتّاب هم كهنة المعرفة، وقادة الفكر ونبراس الشعوب، الكتابة أعطتني الكثير وأخذت مني الكثير. أعطتني حب الناس، والشعور بالسعادة، ورضا النفس وراحة الضمير، وتحقيق الذات، وهي أخذت مني الصحة وراحة البال، وجعلتني في حالة من القلق الدائم والخوف الدائم، وتوقع المصائب، الكتابة هي صخرة سيزيف الذي يصعد بها إلى قمة الجبل فتهوي به في الحضيض، لكنه لا يتركها؛ فيعود إلى حملها ثانية إلى القمة. الكتابة هي الصديقة التي تسعدك وتحزنك في الوقت نفسه، الكتابة هي العسل وهي الحنظل.
> يلاحظ الكاتب الراحل عبد الله خليفة في كتابه النقدي «الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي» من خلال دراسته لأعمالك أن أسلوب الراوي يتطور مع التطورات الاجتماعية، والاقتصادية، لكنك بقيت تجسد الواقعية حيث تنتصر للإنسان وقضاياه... هل تعتبر نفسك كاتباً ملتزماً؟
- أنا منحاز للإنسانية، بهذا المفهوم والوعي كتبت منذ الستينات، وفِي تلك الفترة كان التيار الواقعي الذي كان نجيب محفوظ أبرز ممثليه واسع الانتشار، وحقق نجيب محفوظ جائزة نوبل، بهذا النمط من الكتابة، نجيب محفوظ كان واقعياً رمزياً أيضاً ويكاد أن يكون فيلسوفاً، فهو درس الفلسفة، والنفَس الفلسفي ظاهر في كتابته كما كان الرمز حاضراً في رواية «الحرافيش» و«أولاد حارتنا»، وفِي بعض قصصه، وقد تأثرت به، وكنت شغوفاً بما يكتب، والالتزام، صفة أفسدتها الأحزاب السياسية التي حاولت أن تحول الكاتب إلى واجهة إعلامية للحزب، لذا فالمفردة لم تصمد طويلاً، فذهبت، كما ذهبت معها مفاهيم أخرى هي إفراز لمرحلة أرادت فيها السياسة أن تبتلع الأدب. كل الكتّاب بجميع تياراتهم وأنواعهم، على مر العصور ملتزمون بإنسانيتهم التي لا يتنازلون عنها، وهكذا تجد أن الالتزام هو شيء عفوي داخل الكتابة، هذه مفردة انتهى وقتها.
> في كتابه السابق، يلاحظ عبد الله خليفة «أن ظهور القصة القصيرة الجديدة في البحرين في نهاية الستينات عبر عن البداية الشاقة لهذا الفن في المنطقة»، ما الذي كان يعيق فعلاً تقبل التجارب الأدبية الحديثة في بلد سبق كل جيرانه في التعليم والاتصال بالعالم الخارجي؟
- الكاتب عبد الله خليفة يشير هنا إلى صعوبة خلق عمل جديد لم يكن موجوداً في الساحة الثقافية المحلية، في الستينات، قبل هذا التاريخ كانت هناك إرهاصات أولية لم تكتمل للفن القصصي، والجيل الذي أنتمي إليه مع عبد الله خليفة وأمين صالح ومحمد الماجد وخلف أحمد خلف تكفل بابتكار القصة، وحملها إلى ضفاف التجديد والتنويع ومحاكاة القصة العربية في أقطار المركز العربي في مصر وسوريا والعراق، ومن حسن حظ هذا الجيل أن انتعاش القصة العربية بدأ في ذلك الوقت على يد يوسف إدريس ونجيب محفوظ وزكريا تامر ومجيد الربيعي وآخرون، وكان على جيلي أن يأخذ السرد القصصي إلى أفاق جديدة وأبعاد مختلفة، وهذا ما حدث، مع هذا الجيل بدت القصة أكثر اكتمالاً وتنوعاً، وأكثر اتصالاً بالحياة، والمحيط الاجتماعي والسياسي الذي كان جديداً بدوره، كانت تلك بداية مرحلة الحداثة الأدبية والفكرية بشكل عام في كل الوطن العربي، القراء البحرينيون اهتموا بالسرد الحديث والشعر اهتماماً كبيراً، لأن هذه الحداثة حملت تطلعاتهم الجديدة ومعاناتهم، وهمومهم، وأشبعت شغفهم المتوارث للثقافة، وأذكر أن كتبنا كانت تنفد بسرعة في ذلك الوقت.
وكان الناس يحاوروننا فيما نكتب في المجالس والشوارع والساحات، كانت مرحلة نهوض ثقافي واسع اندمجنا فيه وأحببناه.



العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق
TT

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

أفادت مواقع سورية بالعثور، صباح الخميس، على الفنانة السورية هدى شعراوي، المعروفة بشخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الشهير، مقتولة داخل منزلها في العاصمة السورية دمشق، ولا تزال ملابسات الحادثة طور التحقيق من الجهات المختصة.

وقالت مواقع فنية سورية إن الممثلة السورية هدى شعراوي (87 عاماً) وُجدت جثة هامدة في منزلها، مشيرةً إلى أن مصادر من عائلتها رجحت تعرضها للقتل، مع وجود شبهات حول تورط خادمتها التي يُعتقد أنها فرّت من المكان بعد وقوع الجريمة.

«أم زكي» الداية الشهيرة في مسلسل «باب الحارة» الفنانة السورية هدى شعراوي (متداولة)

من جهته، أكّد نقيب الفنانين مازن الناطور، في تصريح لمنصة «تأكد»، صحة الأنباء المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول العثور على الممثلة السورية هدى شعراوي مقتولة داخل منزلها.

وأوضح الناطور أن المعلومات الأولية الصادرة عن الطب الشرعي تشير إلى أن الجريمة وقعت ما بين الساعة الخامسة والسادسة صباح يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني)، لافتاً إلى أن المشتبه بها هي خادمة الضحية، التي لا تزال متوارية عن الأنظار حتى الآن.

القبض على المشتبه بها

وأعلن المحامي العام في دمشق، مساء الخميس، إلقاء القبض على المشتبه بها في جريمة قتل الفنانة السورية هدى شعراوي.

وقال القاضي حسام خطاب، في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا): «تم إلقاء القبض على المشتبه بها في قتل الفنانة القديرة هدى شعراوي، وقد اعترفت خلال التحقيقات الأولية بإقدامها على ارتكاب الجريمة».

وأضاف أن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف جميع ملابسات الحادثة.

ونقلت الوكالة عن قائد الأمن الداخلي في دمشق، العميد أسامة عاتكة، قوله: «في إطار المتابعة الفورية لحادثة مقتل المواطنة هدى الشعراوي، وردت معلومات عصر اليوم تفيد بالعثور عليها متوفاة داخل منزلها، وبعد مباشرة التحقيقات وجمع الأدلة، تبين أن الوفاة وقعت صباح اليوم نتيجة تعرّض المجني عليها لاعتداء بأداة صلبة أدّى إلى نزيف حاد، وقد نُقل الجثمان إلى الطبابة الشرعية بانتظار التقرير الطبي النهائي». وأضاف أن «التحقيقات الأولية أظهرت الاشتباه بخادمتها المدعوة فيكي أجوك، من الجنسية الأوغندية، التي غادرت المنزل عقب وقوع الجريمة، وعلى إثر ذلك، تابعت الوحدات المختصة تحركات المشتبه بها، وتمكّنت من إلقاء القبض عليها مساء اليوم، حيث أقرّت خلال التحقيق بارتكابها الجريمة، فيما تستمر التحقيقات لكشف دوافع الجريمة وملابساتها تمهيداً لإحالة الملف إلى القضاء المختص».

ونعت نقابة الفنانين السوريين الراحلة عبر بيان رسمي شاركته عبر معرفاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، قالت فيه: «فرع دمشق لنقابة الفنانين ينعى إليكم وفاة الزميلة الفنانة القديرة هدى شعراوي، وسنوافيكم لاحقاً بموعد التشييع والدفن وموعد التعزية. إنا لله وإنا إليه راجعون».

وبحسب مواقع تحدثت عن مسيرتها، دخلت هدى شعراوي عالم الفن في سن مبكرة، وبدأت عملها في الإذاعة السورية وهي في التاسعة من عمرها، وقدمت العديد من الأعمال الإذاعية المميزة، مثل مسلسل «صرخة بين الأطلال» و«حكم العدالة».

ورغم اعتراض أهلها الشديد على دخولها الوسط الفني، فإنها تمكنت من الحصول على موافقتهم بعد وساطة من وزير الإعلام في سوريا آنذاك.

أدّت شعراوي أكثر من 50 دوراً في المسلسلات السورية، منها مشاركاتها في أعمال مثل «أيام شامية»، و«عيلة خمس نجوم»، و«ليالي الصالحية»، و«الخوالي» و«بيت جدي». لكن الدور الأبرز في مسيرتها كان شخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الذي استمر أكثر من 10 أعوام، ما جعلها تُعرف بهذا الاسم في حياتها العامة.

وكان آخر ظهور إعلامي لها عبر برنامج «السؤال الأخير» على شاشة تلفزيون «الثانية» في تلفزيون سوريا، حيث استعرضت محطات من مسيرتها الفنية وتجربتها الطويلة في الدراما السورية.


صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب
TT

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت واحدة من أكثر الحضارات ابتكاراً للأساطير، وهي التي نصبت آلهة أو أكثر لكل ظاهرة من الظواهر المتصلة بالوجود والمسيرة الإنسانية. إضافة بالطبع إلى أنصاف الآلهة الذين يقعون في الوسط بين الأرضي والسماوي، بين العادي والخارق، كما بين البشري وما بعد البشري.

ومع أن الميثولوجيا اليونانية لم تولد في عصر واحد ولم تتشكل على صورة واحدة، بل كانت مزيجاً من ميثولوجيا الخليقة وأصل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين، فإن النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، وللبطولة والحب، وللجمال والألم، باتت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية، والإنسانية على نحو عام.

وحيث كان على كل واحد من الأبطال التراجيديين، أن يدفع غالياً ثمن سلوكياته وأفعاله المثيرة لغضب الآلهة، كما كانت حال بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس وغيرهم، فقد كان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع كالآخرين ثمن افتتانه المفرط بجماله، وهو الذي عاقبته الآلهة بأن دفعته إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، إلى أن قضى غرقاً في المياه المظلمة للافتتان بالذات، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه.

وقد اعتبر هربرت ماركوز في كتابه «الحب والحضارة»، أن الحضارة الغربية منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المتأخرة، قد وضعت العقل في حالة مواجهة دائمة مع الغريزة، بحيث استخدم الأول بوصفه أداة للقسر والقمع وكبح الأهواء، فيما نُظر إلى كل ما ينتمي إلى منطقة الغريزة واللذة بأنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الباحث عن مردود وللإنتاجية والتقدم عن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، الشبيهة صورتهما بصورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقياً ولكنه يغنّي».

أما على الصعيد الأدبي، فقد تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. وقد كان الشاعر الروماني أوفيد، من أوائل الذين أولوا شخصية نرسيس عناية خاصة، حيث أفرد له صفحات عدة من كتاب «التحولات»، متحدثاً عن الطفل ذي الوسامة الفائقة الذي كان ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة والإله النهر كيفيزوس، وحيث وقع نرسيس منذ يفاعته في عشق نفسه، فقد قابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغوائه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي كانت الآلهة الكبرى قد غضبت منها وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة بين الطرفين، قررت إيكو انتقاماً لحبها أن تتقمص انعكاس صورة حبيبها في المياه العميقة. حتى إذا انحنى ليشرب أعجبت صورته في الماء، فأغرق نفسه فيه، لتبكيه وفق رواية أوفيد، الآلهات جميعهن:

وكانت إيكو ترجّع نواحهنّ

وها هي تُهيَّأُ المحرقة

والمشاعلُ التي تُحرَّك في الأجواء

غاب الجسم

وفي مكانه نبتت زهرةٌ بلون الزعفران

تحيط بقلبها أوراق بيضاء

ومع أن شخصية دون جوان، التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تمتلك كثيراً من الوجوه، التي تتصل بالسلوك الماجن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانقلاب الاحتجاجي على التزمت الديني ورومانسية القرون الوسطى، فنحن لا نحتاج إلى كثير من الجهد لكي نكتشف الجنوح النرجسي لهذه الشخصية، التي وقع صاحبها في عشق نفسه، جاعلاً من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر.

ولم يفُت وليم شكسبير أن يتخذ من المآل المأساوي لجمال نرسيس، العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل من حب الذات «الوقود الكبير الذي يغذي شعلة النور الإنساني، يحث شاباً وسيماً مأخوذاً بجماله ومكتفياً به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفاً للعقم؛ بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، ليضيف قائلاً:

انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه

إن الوقت قد حان

لينشئ ذلك الوجه وجهاً آخر

وهكذا عبر نوافذ عمرك

سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي

وإلا متَّ وحيداً وماتت معك صورتك

كما بدا النزوع النرجسي واضحاً لدى أندريه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماماً بالغاً بالذات، واحتفاء باللذة، فضلاً عن ميوله المثلية، ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، والعيش وفقاً لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أما كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو عبارة عن نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث البطل الأسطوري يحاول دون جدوى أن يقبض على صورته في مرآة الماء. وهو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه:

أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق

من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية

فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام

وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة

كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود

وفي قصيدته المميزة ذات اللغة المتوهجة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألمّ بها مرض داهم. وإذ يحرص فاليري في الوقت ذاته، على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلاً في المصير، يكتب قائلاً:

ها أنا ذا أهلكُ بالجمال

أهلك لأنني اشتهيتُ نفسي في عريك

لكَم آسفُ على بريقكَ الصافي المنهك

أيها النبع الذي أحتضنه برقّة

حيث شربتْ عيناي من لازورد الفناء

وليس صدفة بالطبع أن يلح فاليري على الاحتفاء بشخصية نرسيس، إذ في هذا الاحتفاء ما يتعدى جمال الوجه والجسد، ليتصل باللغة نفسها، وهو الذي كان مساعداً لرائد المدرسة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري الباحث عن الكمال المطلق، الذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن».

تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين

يصعب الحديث أخيراً عن أثر النزوع النرجسي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلاً عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بلاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكتئاب إياه، والفشل في الحياة والحب. حتى إذا عجز الشعر عن إسكات الأصوات السوداء المنبعثة من الأعماق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انتحاراً بمثابة المرآة الأخيرة التي تلملم شتات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة.وإذ تكتب سكستون من جوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الذي تجاوزته وأنا أتعفن على الجدار دوريان غراي نفسي، وتلك المرآة المزدوجة التي تحدق في نفسها كأنها متحجرة في الزمن»، تحاول بلاث في قصيدتها «المرآة» الاستعانة بهذه الأخيرة، لكي ترسي ذاتها المتحولة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هتفت قائلة: «أنا الآن بحيرة، وثمة امرأة تنحني فوقي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، فيّ غرقتْ فتاة صغيرة، وفيّ تظهر امرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يوم، مثل سمكة رهيبة».


سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
TT

سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»

يحوي متحف الفن الإسلامي ببرلين مجموعة من القطع الأثرية الأموية المتنوّعة، منها لوحة جدارية من الحجم الكبير، تمثّل امرأة تقف في وضعية نصف جانبية. حسب البطاقة التعريفية، اقتنى المتحف هذه القطعة خلال عام 1908 من الرسّام النمساوي ألفونس ليوبولد ميليخ، وهو أحد كبار الفنانين التشكيليين المستشرقين، ومصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، تشكّل جدارياته متحفاً حياً للفن التصويري الأموي المدني.

يقع قصير عمرة في وادي البُطم، شرق عمان، وهو منتجع ملكي يجمع بين حمّام كبير مؤلف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. يتميّز هذا المنتجع برسومه الجدارية التي تلفّ جدران حجراته وسقوفها بمجموعة هائلة من الصور المتعدّدة المواضيع. يعود الفضل في اكتشاف هذا الموقع الاستثنائي إلى العالِم التشيكي ألوييس موزيل الذي قدم عام 1898 إلى المشرق العربي على رأس بعثة للآثار، بدعم فاعل من أكاديمية فيينا. وصل هذا العالِم إلى بادية الأردن خلال هذه الحملة، وقاده أهل المنطقة من البدو إلى مبنى مهجور يُعرف محلياً باسم قصير عمرة، وفوجئ بثراء حلله التشكيلية، فعاد إليه مرتين في فترة وجيزة، ثمّ زاره ثالثة في عام 1901 لدراسته بشكل موسّع، واصطحب معه الرسّام ألفونس ليوبولد ميليخ، فأنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم أكملها في محترفه في فيينا.

رسم الأبراج الفلكية والدوائر الفلكية على قبة قصر عمرة (عمرا)، أحد قلاع الصحراء الواقعة في شرق الأردن (شترستوك)

حمل الرسام النمساوي معه عيّنة صغيرة من هذه الحلل، نزعها عن جدار من جدران الموقع، ودخلت هذه العينة متحف الفن الإسلامي ببرلين في عام 1908 كجدارية مستقلّة، وكانت في الأصل تزيّن زاوية تعلو جنوب شمالي الإيوان الأوسط، وتمثل امرأة تقف منتصبة بين عمودين يعلو كلاً منهما تاج. يشكّل هذان العمودان الأبيضان قاعدة لقبّة زرقاء زُيّنت بشبكة من المكعّبات الزرقاء، وتُشكّل هذه القبّة قوساً يُعرف في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي باسم «قوس المجد». ومن أسفل هذه القبة، تنسدل ستارة طويلة، حدّدت ثناياها بخطوط حمراء. وتنفتح في الوسط، وتشكّل إطاراً في وسطه المرأة في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان لوزيتان، يعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. الذقن عريض، وكذلك العنق. الصدر ممتلئ، ويعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تماثل هذا العقد من حيث الشكل عقود الياقوت الأحمر، ويشكّل جزءاً من الحلي التي تتزّين بها هذه المرأة. يعلو الرأس شعر أسود كثيف، يكلّله بكتلة بيضاوية سوداء. وتعلو هذه الكتلة شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء. ترفع المرأة بيدها اليمنى طرف الستارة، وتشير بيدها اليسرى إلى الأسفل. يُزيّن كلّاً من هاتين اليدين سوار خطّ باللون الأسود، كما يزّين كلاً من الذراعين سوار مزدوج خطّ بأسلوب مماثل، وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة مشابهة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط.

واجهة قصر قصر مشطة في متحف بيرغامون للفن الإسلامي في 7 أبريل 2017 في برلين (شترستوك)

تشكّل هذه الجدارية عيّنة بسيطة من برنامج واسع، يصعُب تحديد مجمل عناصره بدقّة. تجمع جداريات قصير عمرة بين المشاهد الآدمية، الحيوانية والنباتية، وتشكل امتداداً لما نراه في سوريا الرومانية في العقود التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد الشام. تحتلّ هذه الرسوم مساحة كبيرة تمتدّ على مدى ما يقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج إيقونوغرافي مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية، وهو ما يجعل منها مادة استثنائية لدراسة تطور فن الرسم التصويري في القرن الثامن للميلاد، ونشوء الفن التصويري الأموي.

قدّم ألوييس موزيل قراءة أولى لهذا البرنامج في كتاب نُشر عام 1907 في مجلّدَين، ضمّ أحدهما نصّ البحث، وضمّ الآخر الصور التوثيقية التي أنجزها ألفونس ليوبولد ميليخ. بعد فترة وجيزة، قام الكاهنان العالِمان أنطونان جوسين ورافاييل سافينياك بزيارات متكررة لقصير عمرة بين 1909 و1919، والتقطا مجموعة من الصور الفوتوغرافية، صدرت في عام 1922 ضمن دراسة علمية تناولت ثلاثة مواقع أموية. في تلك السنة، أصدر العالم الكبير سالومون راينش موسوعة كبيرة خاصة بفن التصوير اليوناني والروماني ضمت 2720 رسماً تخطيطياً، وحوت هذه الموسوعة رسوماً لبعض من جداريات قصير عمرة، تعتمد على اللوحات التي أنجزها ألفونس ميليخ، وبدت هذه الجداريات يومها كأنها آخر تجلٍّ لفنون التصوير في العالم الإسلامي الناشئ. بعد بضع سنوات، أسقطت الاكتشافات الأثرية هذه المقولة، وتبيّن أن جداريات قصير عمرة تمثّل تقليداً تشكيلياً جامعاً، تحضر شواهده في قصور أموية مهجورة تقع في سوريا وفلسطين.

حظيت جداريات القصير بشهرة واسعة منذ العشرينات، وجذبت بمواضيعها الشائكة كبار المختصّين، وتوالت الأبحاث التي سعت إلى فكّ ألغازها، غير أن هذه الجداريات بقيت مهملة ومنسية في موطنها. في مطلع السبعينات، كلّفت دائرة الآثار الأردنية فريقاً إسبانياً مهمة تدعيم بناء القصير وتنظيف جداريته، فقامت هذه البعثة بثلاث حملات بين 1971 و1974، وأصدرت في عام 1975 كتاباً ضمّ 59 صورة لجدارياتها، التقطت بعد أعمال الترميم. أعاد هذا الكتاب الاعتبار إلى قصير عمرة، وفي عام 1985 تمّ إدراجه في قائمة مواقع التراث العالمي التي تعدّها اليونيسكو.

في عام 1989، عُهدت إلى «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مهمة توثيق رسوم القصير، فتولى هذا العمل على مدى سنوات، ونشر في 2007 كتاباً سعى فيه إلى تحديد مجمل البرنامج التصويري الخاص بهذا الموقع. بعد ثلاث سنوات، باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العمل في الموقع، وقام بترميم نحو 100 متر مربع من مساحة الجداريات، وكشف عن كتابة تحمل اسم صاحب المجمّع، وبات من المؤكد أن المبنى يعود إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك.

يتواصل استكشاف قصير عمرة اليوم، وتتواصل الدراسات الخاصة ببرنامجه التصويري الضخم. يبدو هذا البرنامج أشبه بكتاب ضخم مفتوح، وتحتاج كل لوحة من لوحاته الكبيرة إلى قراءة مستقلة تلقي الضوء على مكوّناتها، وتكشف عن معانيها ودلالاتها المتعدّدة.