أحلام النساء في الغرب والمتاجرة بجين أوستن

الذكرى المئوية الثانية لرحيل صاحبة «الكبرياء والهوى» فرصة للكسب؟

جين أوستن
جين أوستن
TT

أحلام النساء في الغرب والمتاجرة بجين أوستن

جين أوستن
جين أوستن

لا تكاد تخلو صحيفة أو مجلة في الغرب هذه الأيّام من مقالة عن الروائيّة الإنجليزيّة جين أوستن (1775 – 1817). صدر عنها وعن تجربتها أكثر من عشرة كتب مهمة هذا العام فحسب، وهنالك أخرى على الطريق. طبعات جديدة من كل رواياتها الست بالإضافة إلى نسخة الأعمال الكاملة التي تحتل واجهات المكتبات في المملكة المتحدة حيث يتوقع الخبراء أن تتجاوز المبيعات هذا العام حاجز المليون نسخة قبل انتهاء موسم الصّيف. عدد كبير من الأفلام والمسلسلات التي قدّمت رواياتها واستعرضت حياتها عادت للتداول بكثافة غير معهودة على الشاشات.

مهرجانات متوازية بأنشطة كثيفة للاحتفال بجوانب من سيرة جين أوستن تتنافس على امتلاك (جين أوستن): مسقط رأسها في مقاطعة هامبشير، وحيث قضت شطراً مهماً من حياتها في مدينة باث، وأيضاً وينشيستر حيث ماتت ودفنت. الرّسم الوحيد لوجهها - من ريشة شقيقتها كاساندرا - معلّق داخل متحف البورتريهات الوطني بلندن. تحول بيتها إلى مزار، وتُنظّم مؤتمرات على شطري الأطلسي لمناقشة وتحليل المحتوى الفكري والفلسفي والاجتماعي لرواياتها. تضاعف عدد أعضاء الجمعية الأميركيّة لجين أوستن حتى زادت فروعها عن الثلاثين عبر الولايات المتحدة. بل إن بنك إنجلترا المركزي أعلن إصدار ورقة نقديّة من فئة العشرين جنيه إسترليني تحمل صورتها ونصاً على لسان إحدى شخصياتها بخصوص متعة القراءة (كانت قد تقاضت من ناشرها مقابل أوّل عمل روائي قدمته للمطبعة).
ليس في حياة جين أوستن ما يستحق بالفعل كل هذا التمجيد. فهي بالكاد عاشت أربعة عقود من العمر. وبالرغم أن ثيمة رئيسية طبعت نهايات أعمالها بأجواء الزواجات الرومانسيّة السعيدة إلا أنها لم تتزوج قط، ومع أنها بدأت تكتب منذ العام 1789 إلا أنها لم تنشر أيّاً من أعمالها قبل العام 1811 ليخطفها مرض غامض أنهكها آخر أيامها، فلم تتح لها فرصة تطوير تجربتها الأدبية إلى منتهاها. وحتى وصفها بأنها مُبدِعَة (الواقعيّة الاجتماعيّة) يبدو فارغاً من المضمون اليوم بعد أن تبدلت الوقائع والأزمنة ولم تعد تلك الواقعيّة ذات قيمة فعليّة سوى ربما للمؤرخين الاجتماعيين المعنيين بفترة الوصاية على العرش بين تنحي الملك جورج الثالث وتولي الملك جورج الرابع عرش المملكة المتحدة، كما أن أسلوبها النثري - على ألمعيته - قد لا يؤهل رواياتها للوصول إلى الكلاسيكيّة وفق كثير من النقّاد أقلّه مقارنة بروائيين من جيلها.
فما السّر إذن في هذا الاحتفاء - الأسطوري - بشخص الروائيّة وكيف يمكن أن نفسّر تلك الشعبيّة المتزايدة والإقبال غير المسبوق على أعمالها في القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد هذا العالم يشبه عالمها البتة، حتى أن الرواية نفسها كعمل أدبي باتت معرضة للاندثار بسبب التقدّم التكنولوجي الذي غيّر طبيعة تلقي الترفيه والمعلومات بشكل جذري. وكيف نجحت المنظومة الرأسماليّة في تسليع جين أوستن وتحويلها إلى أيقونة قادرة على استقطاب المعجبين وتنتج أرباحاً متزايدة لمجموعة متقاطعة من الناشرين والمؤسسات وحتى البلديّات في بريطانيا؟
تركت أوستن ست روايات: (العقل والعاطفة)، (مانسفيلد بارك)، (إيما)، (إقناع) و(دير نورثانجر) وأشهرها (كبرياء وهوى) وكلّها رومانسيّة الطابع كوميديّة المزاج عن صبايا من الطبقة الوسطى البريطانيّة مطلع القرن التاسع عشر في رحلة بحثهن (الخطرة) عن أزواج مناسبين. الخطورة هنا متأتية كونَ قيم تلك المرحلة وظروفها الاجتماعيّة كانت تمنح النّساء فرصة واحدة وحيدة للظفر بسعيد الحظ وإلا انتهين - إن هنّ أسأن الاختيار - وحيدات وفقيرات. السرد الأدبي في الروايات الست متمكن ومتماسك، وأعمالها بمجموعها كان لها دور محوري في تطوير المنتج الروائي الذي أصبح عشيّة تطوّر الرأسماليّة الصناعيّة البريطانيّة بمثابة التسلية الوحيدة تقريباً لأبناء الطبقة الوسطى لا سيما النساء. لكن ما يُضفي على إرثها المكتوب تلك الهالة أمر يبدو أعمق من مجرد تماسك النثر الأدبي للروائيّة، وعلى نحو ما يمكن القول بأننا أعدنا إنتاجها كجين أوستن معاصرة بما يوافق هوانا وتطلعاتنا في الزمن الراهن. فهي تقدّم في رواياتها تصويراً لقيم الطبقة البرجوازيّة الصاعدة وقتها في المجتمع البريطاني، مما يساعد الأفراد على تحليل ذواتهم وفق مسطرة أخلاقيّة متعالية، في وقت تراجع الديّن كمصدر للقيم العامة، وتمايزت الطبقة في مساحة وسطى بين الأرستقراطيّة الباذخة والفلاحين المهمشين، فأفرادها ليسوا أثرياء بما يكفي لتجاوز القلق من تدبير أمور العيش، لكنّهم في الوقت ذاته ليسوا معدمين وبإمكانهم التمتع ببعض الترفيه والأجواء الصاخبة.
على عكس النهج المعاصر في الرواية - الذي يعطي القارئ الرّخصة للتغلغل في عقل وسيكولوجيا الشخصيات كي يدرك ما يعتمل في عقولها بينما هي تتعامل مع الأحداث - فإن شخصيات أوستن بقيت مساراتها دوماً طوع يد مؤلفتها تتحكم بها كما تشاء وتقيّم سلوكها فيما يشبه المحاكم الأخلاقيّة التي ترسم من خلالها حدوداً لما ترى أنه يشكل السلوك الإيجابي وتفرض عليها نهايات سعيدة غير متوقعة، دون السماح مطلقاً لها بالتطور تلقائياً من سياق النص. ولذا فأوستن تقدّم لقرائها المعاصرين - الذين لا يزالون برجوازيين وتهيمن على وعيهم القيم البرجوازيّة تماماً كما كان أسلافهم قبل مائتي عام من اليوم - ما يشبه خريطة أخلاقيّة متكاملة توجههم في بحثهم عن ذواتهم وكيف يمكن أن يعيشوا أيّام حياتهم القلقة - من دون الخروج ولو للحظة عن السرد الأدبي إلى الوعظ الأخلاقي المباشر. ومع أن بعض المعجبين بجين أوستن حاولوا تصويرها كشخصية متمردة ثائرة على قيم مجتمعها البطركية وناقدة لها بعين خبيرة، إلا أن حقيقة شخصياتها جلها تعمل ضمن المنظومة القائمة، ولم تَدع مطلقاً للتمرد أو كسر الأقفاص، بل كانت غايتها البحث عن مساحات في قلب الظلام للجوء إليها بمواجهة الواقع القاتم حتى من دون طرح إمكانيّة التفكير في هز أسس الوضع القائم.
كما أن أوستن غير مؤهلة حقيقة لتقديم دور الشخصيّة النسويّة التقدميّة، فكل خطاباتها تكريس للثقافة القائمة في عصرها، ثقافة تقمع المرأة وتحاصرها وتفرض عليها قوالب مجهّزة في كيفيّة التصرف بالإطار العام. وحتى على الصعيد العنصري هي تتجاهل العبوديّة بوصفها مصدر ثراء المجتمعات المبهرجة التي هي مسرح رواياتها حتى وصفها إدوارد سعيد بأنها جزء من ثقافة الكولونياليّة البريطانيّة وأنها يجب أن تدان لا أن يرحّب بها. مع ذلك كله نجحت أوستن بالاحتفاظ بتواصل استثنائي مع قلوب النساء - المعاصرات على وجه التحديد - إذ إن التطور الاجتماعي - في الغرب على الأقل - جعل مسألة التقاء النساء بأزواج محتملين مسألة في غاية البساطة والسهولة، وأخرجهن من وصمة الزواج أو العلاقات السابقة التي كانت أيام أوستن كافية لتدمير سمعة المرأة حتى نهاية حياتها. لكن ذلك أفقدهن تلك الحالة السحريّة المتخيّلة عن الرحلة الرومانسيّة للفوز بالرجل المناسب ومواجهة استحقاقات وتحديات قبل تتويج العلاقة بنهاية الزواج السعيد وحتى الترفل - ولو لليلة واحدة تكلّف الكثير - في أجواء البذخ والثياب والتجهيزات المستوحاة من حياة البرجوازيّة القديمة التي لا مبرر معاصر لها. بالتالي فإن أوستن تعطيهن هذه المساحة لعيش الوهم وإبقاء جذوته بين أجيال الأمهات والبنات.
وهي أيضاً تبدو معاصرة لناحية ثقافة التلصص على الآخرين والنميمة والفضول التي وسعت من آفاقها أدوات التكنولوجيا المعاصرة ومواقع التواصل الاجتماعي من دون أي عمق حقيقي في فهم دواخل الآخرين ودوافعهم الحقيقية، فشخصيات عوالمها إما أن تكون في موقع التلصص ومراقبة الآخرين وانتقادهم والثرثرة بشأنهم أو تكون هي موضوعاً لكل ذلك، وأوستن دون شك نجحت وبعبقرية في رسم إتيكيت السلوك العام على نحو يجعل من تلك المراقبة الاجتماعيّة عملاً لا يتسم بالفضول والانشغال بالمظاهر في حياة الآخرين بقدر ما هو نشاط أساسي لفهم خريطة القيم المجتمعيّة والتعلم منها في السعي نحو الحياة الأمثل.
جين أوستن، لا يستسيغها الذوق الأرستقراطي المترفع عن صراعات المتشبثين بأطراف الثراء، ولا تعني كثيراً للبروليتاريا والفلاحين. أوستن منتج برجوازي محض، يروج لقيم البرجوازيّة البريطانيّة، وتوظفه المؤسسات الثقافيّة البرجوازيّة اليوم للترفيه عن برجوازيين لتسلبهم بعضاً من دخلهم الزائد عن حاجتهم الأساسيّة في إطار الترويج للشخصيّة الإنجليزيّة التي يراها هؤلاء تتعرض للتهديد بسبب الهجرة وميلان كفة الاتحاد الأوروبي لمصلحة البرجوازيّة الألمانيّة.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.