أحلام النساء في الغرب والمتاجرة بجين أوستن

الذكرى المئوية الثانية لرحيل صاحبة «الكبرياء والهوى» فرصة للكسب؟

جين أوستن
جين أوستن
TT

أحلام النساء في الغرب والمتاجرة بجين أوستن

جين أوستن
جين أوستن

لا تكاد تخلو صحيفة أو مجلة في الغرب هذه الأيّام من مقالة عن الروائيّة الإنجليزيّة جين أوستن (1775 – 1817). صدر عنها وعن تجربتها أكثر من عشرة كتب مهمة هذا العام فحسب، وهنالك أخرى على الطريق. طبعات جديدة من كل رواياتها الست بالإضافة إلى نسخة الأعمال الكاملة التي تحتل واجهات المكتبات في المملكة المتحدة حيث يتوقع الخبراء أن تتجاوز المبيعات هذا العام حاجز المليون نسخة قبل انتهاء موسم الصّيف. عدد كبير من الأفلام والمسلسلات التي قدّمت رواياتها واستعرضت حياتها عادت للتداول بكثافة غير معهودة على الشاشات.

مهرجانات متوازية بأنشطة كثيفة للاحتفال بجوانب من سيرة جين أوستن تتنافس على امتلاك (جين أوستن): مسقط رأسها في مقاطعة هامبشير، وحيث قضت شطراً مهماً من حياتها في مدينة باث، وأيضاً وينشيستر حيث ماتت ودفنت. الرّسم الوحيد لوجهها - من ريشة شقيقتها كاساندرا - معلّق داخل متحف البورتريهات الوطني بلندن. تحول بيتها إلى مزار، وتُنظّم مؤتمرات على شطري الأطلسي لمناقشة وتحليل المحتوى الفكري والفلسفي والاجتماعي لرواياتها. تضاعف عدد أعضاء الجمعية الأميركيّة لجين أوستن حتى زادت فروعها عن الثلاثين عبر الولايات المتحدة. بل إن بنك إنجلترا المركزي أعلن إصدار ورقة نقديّة من فئة العشرين جنيه إسترليني تحمل صورتها ونصاً على لسان إحدى شخصياتها بخصوص متعة القراءة (كانت قد تقاضت من ناشرها مقابل أوّل عمل روائي قدمته للمطبعة).
ليس في حياة جين أوستن ما يستحق بالفعل كل هذا التمجيد. فهي بالكاد عاشت أربعة عقود من العمر. وبالرغم أن ثيمة رئيسية طبعت نهايات أعمالها بأجواء الزواجات الرومانسيّة السعيدة إلا أنها لم تتزوج قط، ومع أنها بدأت تكتب منذ العام 1789 إلا أنها لم تنشر أيّاً من أعمالها قبل العام 1811 ليخطفها مرض غامض أنهكها آخر أيامها، فلم تتح لها فرصة تطوير تجربتها الأدبية إلى منتهاها. وحتى وصفها بأنها مُبدِعَة (الواقعيّة الاجتماعيّة) يبدو فارغاً من المضمون اليوم بعد أن تبدلت الوقائع والأزمنة ولم تعد تلك الواقعيّة ذات قيمة فعليّة سوى ربما للمؤرخين الاجتماعيين المعنيين بفترة الوصاية على العرش بين تنحي الملك جورج الثالث وتولي الملك جورج الرابع عرش المملكة المتحدة، كما أن أسلوبها النثري - على ألمعيته - قد لا يؤهل رواياتها للوصول إلى الكلاسيكيّة وفق كثير من النقّاد أقلّه مقارنة بروائيين من جيلها.
فما السّر إذن في هذا الاحتفاء - الأسطوري - بشخص الروائيّة وكيف يمكن أن نفسّر تلك الشعبيّة المتزايدة والإقبال غير المسبوق على أعمالها في القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد هذا العالم يشبه عالمها البتة، حتى أن الرواية نفسها كعمل أدبي باتت معرضة للاندثار بسبب التقدّم التكنولوجي الذي غيّر طبيعة تلقي الترفيه والمعلومات بشكل جذري. وكيف نجحت المنظومة الرأسماليّة في تسليع جين أوستن وتحويلها إلى أيقونة قادرة على استقطاب المعجبين وتنتج أرباحاً متزايدة لمجموعة متقاطعة من الناشرين والمؤسسات وحتى البلديّات في بريطانيا؟
تركت أوستن ست روايات: (العقل والعاطفة)، (مانسفيلد بارك)، (إيما)، (إقناع) و(دير نورثانجر) وأشهرها (كبرياء وهوى) وكلّها رومانسيّة الطابع كوميديّة المزاج عن صبايا من الطبقة الوسطى البريطانيّة مطلع القرن التاسع عشر في رحلة بحثهن (الخطرة) عن أزواج مناسبين. الخطورة هنا متأتية كونَ قيم تلك المرحلة وظروفها الاجتماعيّة كانت تمنح النّساء فرصة واحدة وحيدة للظفر بسعيد الحظ وإلا انتهين - إن هنّ أسأن الاختيار - وحيدات وفقيرات. السرد الأدبي في الروايات الست متمكن ومتماسك، وأعمالها بمجموعها كان لها دور محوري في تطوير المنتج الروائي الذي أصبح عشيّة تطوّر الرأسماليّة الصناعيّة البريطانيّة بمثابة التسلية الوحيدة تقريباً لأبناء الطبقة الوسطى لا سيما النساء. لكن ما يُضفي على إرثها المكتوب تلك الهالة أمر يبدو أعمق من مجرد تماسك النثر الأدبي للروائيّة، وعلى نحو ما يمكن القول بأننا أعدنا إنتاجها كجين أوستن معاصرة بما يوافق هوانا وتطلعاتنا في الزمن الراهن. فهي تقدّم في رواياتها تصويراً لقيم الطبقة البرجوازيّة الصاعدة وقتها في المجتمع البريطاني، مما يساعد الأفراد على تحليل ذواتهم وفق مسطرة أخلاقيّة متعالية، في وقت تراجع الديّن كمصدر للقيم العامة، وتمايزت الطبقة في مساحة وسطى بين الأرستقراطيّة الباذخة والفلاحين المهمشين، فأفرادها ليسوا أثرياء بما يكفي لتجاوز القلق من تدبير أمور العيش، لكنّهم في الوقت ذاته ليسوا معدمين وبإمكانهم التمتع ببعض الترفيه والأجواء الصاخبة.
على عكس النهج المعاصر في الرواية - الذي يعطي القارئ الرّخصة للتغلغل في عقل وسيكولوجيا الشخصيات كي يدرك ما يعتمل في عقولها بينما هي تتعامل مع الأحداث - فإن شخصيات أوستن بقيت مساراتها دوماً طوع يد مؤلفتها تتحكم بها كما تشاء وتقيّم سلوكها فيما يشبه المحاكم الأخلاقيّة التي ترسم من خلالها حدوداً لما ترى أنه يشكل السلوك الإيجابي وتفرض عليها نهايات سعيدة غير متوقعة، دون السماح مطلقاً لها بالتطور تلقائياً من سياق النص. ولذا فأوستن تقدّم لقرائها المعاصرين - الذين لا يزالون برجوازيين وتهيمن على وعيهم القيم البرجوازيّة تماماً كما كان أسلافهم قبل مائتي عام من اليوم - ما يشبه خريطة أخلاقيّة متكاملة توجههم في بحثهم عن ذواتهم وكيف يمكن أن يعيشوا أيّام حياتهم القلقة - من دون الخروج ولو للحظة عن السرد الأدبي إلى الوعظ الأخلاقي المباشر. ومع أن بعض المعجبين بجين أوستن حاولوا تصويرها كشخصية متمردة ثائرة على قيم مجتمعها البطركية وناقدة لها بعين خبيرة، إلا أن حقيقة شخصياتها جلها تعمل ضمن المنظومة القائمة، ولم تَدع مطلقاً للتمرد أو كسر الأقفاص، بل كانت غايتها البحث عن مساحات في قلب الظلام للجوء إليها بمواجهة الواقع القاتم حتى من دون طرح إمكانيّة التفكير في هز أسس الوضع القائم.
كما أن أوستن غير مؤهلة حقيقة لتقديم دور الشخصيّة النسويّة التقدميّة، فكل خطاباتها تكريس للثقافة القائمة في عصرها، ثقافة تقمع المرأة وتحاصرها وتفرض عليها قوالب مجهّزة في كيفيّة التصرف بالإطار العام. وحتى على الصعيد العنصري هي تتجاهل العبوديّة بوصفها مصدر ثراء المجتمعات المبهرجة التي هي مسرح رواياتها حتى وصفها إدوارد سعيد بأنها جزء من ثقافة الكولونياليّة البريطانيّة وأنها يجب أن تدان لا أن يرحّب بها. مع ذلك كله نجحت أوستن بالاحتفاظ بتواصل استثنائي مع قلوب النساء - المعاصرات على وجه التحديد - إذ إن التطور الاجتماعي - في الغرب على الأقل - جعل مسألة التقاء النساء بأزواج محتملين مسألة في غاية البساطة والسهولة، وأخرجهن من وصمة الزواج أو العلاقات السابقة التي كانت أيام أوستن كافية لتدمير سمعة المرأة حتى نهاية حياتها. لكن ذلك أفقدهن تلك الحالة السحريّة المتخيّلة عن الرحلة الرومانسيّة للفوز بالرجل المناسب ومواجهة استحقاقات وتحديات قبل تتويج العلاقة بنهاية الزواج السعيد وحتى الترفل - ولو لليلة واحدة تكلّف الكثير - في أجواء البذخ والثياب والتجهيزات المستوحاة من حياة البرجوازيّة القديمة التي لا مبرر معاصر لها. بالتالي فإن أوستن تعطيهن هذه المساحة لعيش الوهم وإبقاء جذوته بين أجيال الأمهات والبنات.
وهي أيضاً تبدو معاصرة لناحية ثقافة التلصص على الآخرين والنميمة والفضول التي وسعت من آفاقها أدوات التكنولوجيا المعاصرة ومواقع التواصل الاجتماعي من دون أي عمق حقيقي في فهم دواخل الآخرين ودوافعهم الحقيقية، فشخصيات عوالمها إما أن تكون في موقع التلصص ومراقبة الآخرين وانتقادهم والثرثرة بشأنهم أو تكون هي موضوعاً لكل ذلك، وأوستن دون شك نجحت وبعبقرية في رسم إتيكيت السلوك العام على نحو يجعل من تلك المراقبة الاجتماعيّة عملاً لا يتسم بالفضول والانشغال بالمظاهر في حياة الآخرين بقدر ما هو نشاط أساسي لفهم خريطة القيم المجتمعيّة والتعلم منها في السعي نحو الحياة الأمثل.
جين أوستن، لا يستسيغها الذوق الأرستقراطي المترفع عن صراعات المتشبثين بأطراف الثراء، ولا تعني كثيراً للبروليتاريا والفلاحين. أوستن منتج برجوازي محض، يروج لقيم البرجوازيّة البريطانيّة، وتوظفه المؤسسات الثقافيّة البرجوازيّة اليوم للترفيه عن برجوازيين لتسلبهم بعضاً من دخلهم الزائد عن حاجتهم الأساسيّة في إطار الترويج للشخصيّة الإنجليزيّة التي يراها هؤلاء تتعرض للتهديد بسبب الهجرة وميلان كفة الاتحاد الأوروبي لمصلحة البرجوازيّة الألمانيّة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.