إطلالة بانورامية على الفكر الفرنسي

شغل العالم في القرن العشرين

فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار
فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار
TT

إطلالة بانورامية على الفكر الفرنسي

فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار
فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار

يمكن القول منذ البداية إن الفكر الفرنسي شغل العالم في القرن العشرين، مثلما شغله الفكر الألماني في القرن التاسع عشر. فمعظم المدارس الأدبية والفلسفية ظهرت في فرنسا، أو انتعشت فيها. نضرب على ذلك مثلاً الفلسفة الوجودية، والفلسفة البنيوية، والفلسفة التفكيكية، إلخ.
وحتى فيما يخص الأدب والفن، نلاحظ أن فرنسا هي التي صدرت للعالم معظم الصرعات الفنية والجمالية، كالدادئية، والتكعيبية، والسريالية، ومسرح العبث أو اللامعقول، إلخ. ويمكن القول إنه إذا ما حذفنا أسماء أندريه بريتون، وبيكاسو، وسلفادور دالي، ورينيه شار، وأراغون، وهنري ميشو، وجان جنيه، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وكلود ليفي ستروس، وبول ريكور، وميشيل فوكو، ورولان بارت، وبيير بورديو، وجاك دريدا، وجيل ديلوز، وكاستورياديس، وإدغار موران... فإن الفكر العالمي سوف يخسر الكثير. ولا ينبغي أن ننسى بيرغسون وغاستون باشلار، وآخرين كثيرين نعتذر عن ذكر أسمائهم التي لا تقل أهمية.
ويمكن القول أيضاً إن الفرنسيين شغلوا العالم مرتين هذا القرن: مرة أولى أيام سارتر والوجودية، ومرة ثانية أيام فوكو وديلوز وليفي ستروس والبنيوية. ولا ينبغي أن ننسى مدرسة الحوليات الفرنسية، التي هي من أشهر المدارس التاريخية في العالم. وقد قلب أقطابها من لوسيان فيفر إلى فرنان بروديل وجورج دوبي وجاك لوغوف وآخرين منهجية البحث التاريخي رأساً على عقب. وهذا ما نحتاجه حالياً في العالم العربي إلى أقصى حد، فهذه المناهج التحريرية ضرورية لتفكيك الانغلاقات اللاهوتية المتحجرة التي أوصلتنا إلى «داعش» أخيراً. نحن بحاجة إلى المنهجية التفكيكية، ومنهجية الحفر الأركيولوجي في الأعماق، إذا ما أردنا أن نشفى من أمراضنا التراثية والتكفيرية الدفينة. فالقصة أكثر خطورة مما تظنون، والداء مستفحل عضال، «وآخر الدواء الكي»، كما تقول العرب. ولا يتوقع أن نخرج من المغطس عما قريب.
ولا ينبغي أن ننسى الفيلسوف بول ريكور، الذي رحل عام 2005 عن عمر طويل يناهز الثالثة والتسعين. كان ذلك في قرية «شاتني مالبري»، الواقعة جنوب باريس التي عشت فيها عدة سنوات متواصلة عندما كنت طالباً جامعياً، بوهيمياً، متوحشاً... ولكن ما كنت أعرف أن بول ريكور كان جاري! وهي بالمناسبة قرية فولتير أيضاً لأنه ولد فيها. ولذلك، فإن تمثاله الضخم هو أول ما يستقبلك على مدخلها الجميل. وكثيراً ما كنا نشرب قهوة الصباح في مقهى فولتير مستمتعين بمنظر الحسناوات الداخلات الخارجات كخلية النحل دون توقف. على أي حال، لقد خلف بول ريكور وراءه مكتبة كاملة من المؤلفات والبحوث العميقة. ومعلوم أنه كان فيلسوفاً ومؤمناً في الوقت ذاته.
وهذا شيء نادر في الغرب لأن كلمة الفيلسوف هناك أصبحت تعني بالضرورة الشخص الملحد الذي لا يعترف بوجود أي شيء خارج الواقع المادي المحسوس. ولكن بول ريكور لم يكن يخلط بين إيمانه الشخصي والفلسفة، فهو يقول إن للفلسفة مجالها وللدّين مجاله، ولا يجوز الخلط بينهما. وقد اعترف بأن اطلاعه الواسع على الفلسفة ساهم في تعميق إيمانه، لا إزالته ولا تنقيصه. فالإيمان الذي يجيء بعد تفكير ناضج ودراسات معمقة أهم من الإيمان الساذج أو السطحي الذي قد يتحول إلى جهالة فكرية أو تعصب أعمى.
وبالتالي، فهناك علاقة جدلية بين العلم والإيمان، أو بين الفلسفة والدين. إن بول ريكور الذي عاش بين عامي (1912 - 2005) شارك في معظم المعارك الفلسفية التي دارت رحاها في القرن العشرين. فقد اصطدم مع سارتر ووجوديته في الخمسينات. وعندئذ، نعته سارتر بأنه خوري يتفلسف! وهي عبارة احتقارية جداً لا تليق بسارتر، ولكنها صادرة عن فيلسوف وجودي ملحد في المطلق، كاره للدين والمتدينين في آن معاً. ثم اصطدم بول ريكور مع كلود ليفي ستروس وبنيويته في الستينات، وجرت بينهما مناظرة عميقة جداً على صفحات مجلة «اسبري» الفرنسية، أي الروح أو الفكر. كما انخرط في مناظرات معمقة مع الماركسيين والتحليل النفسي، وسوى ذلك من المدارس الفكرية والتيارات. وأعتقد أن فكر بول ريكور يساعدنا كثيراً على حل مشكلتنا التراثية.

فوكو: عبقرية الجنون
أو جنون العبقرية

أما ميشيل فوكو، الذي عاش عمراً قصيراً (1926 - 1984)، فقد اشتهر بعدة كتب أساسية، نذكر من بينها: «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» (1961)، و«الكلمات والأشياء» (1966)، و«المراقبة والعقاب» (1975). وقد جدد الفكر الفرنسي والأوروبي كله بهذه الكتب المفصلية الشديدة الابتكار والجدة. فقد درس العلاقة الجدلية الكائنة بين العقل والجنون على مدار أربعمائة سنة من تاريخ الحضارة الغربية، أي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. وبرهن على خطأ الوهم الشائع الذي يقول إن العقل كله يقع في جهة، والجنون في الجهة الأخرى، ولا اختلاط بينهما. وأثبت أن كل واحد منا فيه حبّة جنون، حتى لو كان عاقلاً جداً! كما برهن فوكو على أن نظرة الناس إلى الجنون في القرون الوسطى كانت مختلفة عن نظرتنا نحن إليه. وقل الأمر ذاته عن القرن السادس عشر وما تلاه.
وبالتالي، فكل عصر يشكل تصوره عن هذه الظاهرة التي ترعبنا للوهلة الأولى: أقصد ظاهرة الجنون. ثم ختم فوكو كتابه بثناء حار على جنون العباقرة، من أمثال هولورلين، ونيتشه، وأنطونين أرتو، وجيرار دونيرفال، وغويا، إلخ. وقال إن جنون العباقرة هو الذي يحق له أن يحاكم العقل الغربي الاستعماري المتغطرس، وليس العكس. فلا يوجد أي عقل في العالم يستطيع أن يرتفع إلى مستوى هيجانات فريدريك نيتشه أو أنطونين أرتو وهولدرلين. وهكذا، تحدث فوكو بلهجة رومانسية وشاعرية جداً عن هؤلاء المجانين الكبار الذين أتحفونا بالروائع الخالدة، ولكنه اعترف بأن الجنون يضع في النهاية حداً للإنتاج والإبداع. فنيتشه، بعد أن جنّ، لم يعد قادراً على تأليف كتب عبقرية، كما في السابق، بل لم يعد قادراً على كتابة سطر واحد؛ لقد صمت صمت القبور بعد أن هزنا وزعزعنا وزلزلنا، ولا يزال صوته يدوي في أرجائنا حتى اللحظة!
وأما هولدرلين، فوضعه مختلف لأنه لم يجن دفعة واحدة كنيتشه، وإنما على دفعات... ولذا، ظل يخربش على الورق بعضاً من أجمل القصائد، قبل أن يسكت بشكل نهائي. نعم، لقد كتب في الفترة المترجرجة ما بين العقل والجنون مجموعة كاملة لا تقدر بثمن. انظروا: «قصائد الجنون لهولدرلين»، بترجمة الشاعر الفرنسي بيير جان جوف. وبالتالي، فالجنون إذا ما انتصر على العقل يعني نهاية النهايات، ولكن بعض جرعات الجنون مفيدة للإبداع بشرط ألا تزيد عن حدها. بالمناسبة، هل تعلمون أن هيدغر طلب أن يقرأوا على نعشه قبيل الدفن بعض أشعار هولدرلين؟
ويبدو لنا من خلال كتاب فوكو أن المجتمع القمعي هو المسؤول عن جنون العباقرة، وربما غير العباقرة. وهذا الكلام يتوافق مع رأي أنطونين أرتو، الذي جن في نهاية المطاف، كما هو معروف. فقد اتهم المجتمع «الإرهابي» بالمسؤولية عن جنون جيرار دونيرفال وشارل بودلير ورامبو وفيرلين وسواهم كثيرين. انظروا كتابه الشهير الرائع، الصادر عام 1947، قبيل موته بقليل، تحت عنوان بارز شديد الدلالة والمغزى: «فان غوخ وانتحار المجتمع». ففيه، يصب جام غضبه على المجتمع الفرنسي الذي جنن فان غوخ، ودفعه دفعاً إلى الانتحار. وفيه يقول ما معناه: «لا، لم يكن فان غوخ مجنوناً، وإنما المجتمع نفسه هو المجنون؛ إنه مجتمع بلا شفقة ولا رحمة، مجتمع عاجز عن فهم العباقرة الكبار بكل همومهم ومعاناتهم. فلوحاته نيران يونانية، قنابل ذرية! ينبغي العلم أنه داخل كل مجنون يوجد شخص عبقري غير مفهوم. والفكرة التي تلمع في رأسه تخيف الآخرين. ولذلك يحاصرونه، بل ويسجنونه في المصحات العقلية حتى يجن تماماً. ثم يردف أنطونين أرتو، قائلاً: المجنون هو إنسان لم يرد المجتمع أن يسمعه، بل ومنعه من الكلام وقمعه خوفاً من أن يتفوه بحقائق هائلة لا تُحتمل ولا تُطاق، حقائق مزلزلة للمجتمع بأسره.
بعد أن نقرأ كلام أرتو المعذب وصرخاته المدوية لا نملك إلا أن ننحني أمام معاناته النفسية الهائلة. وهذا ما فعله فوكو، في كتابه الشهير. من هنا، جاذبيته التي لا تقاوم. ومعلوم أن فوكو ذاته كان على حافة الجنون، ولم ينج من السقوط في حمأته إلا بعد أن نجح في تأليف أجمل كتاب عن تاريخ الجنون... باختصار: تداويت منها بها. وداوني بالتي كانت هي الداء... ربما كان فوكو يريد أن يقول لنا: كل عبقري مجنون، ولكن ليس كل مجنون عبقرياً!

جان بول سارتر: الفكر كعلاج

أما القطب الأساسي للفلسفة الفرنسية المعاصرة، فهو دون شك جان بول سارتر. ومن المعلوم أن سارتر (1905 - 1980) سيطر على كل مثقفي فرنسا طيلة ما لا يقل عن ثلاثين سنة متواصلة. فمنذ صدور كتابه الشهير «الوجود والعدم»، عام 1943، حتى موته عام 1980، ما انفك يشغل واجهة الأحداث المحلية والعالمية. ولكن البنيوية على طريقة كلود ليفي ستروس وميشيل فوكو وبارت وسواهم أنزلته عن عرشه وكبريائه، بدءاً من أوائل السبعينات. فقد بدا لأول مرة قديماً بالياً في نظر الشبيبة الفرنسية التي أصبحت مسحورة بالمنهجية البنيوية والعلوم الإنسانية. وشحب بريق الوجودية عندئذ. وهذه هي حال الدنيا: يوم لك، ويوم عليك. ولا تدوم لأحد.
ولكن ينبغي أن نعود إلى الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي لكي نفهم عظمة سارتر، وندرك حجم شهرته وإبداعه وطغيانه على الساحة الثقافية، فقد أعطى للشبيبة الفرنسية أملاً جديداً، بعد أن خرجت فرنسا منهكة محطمة من الحرب العالمية الثانية. ويمكن القول إنه فعل الشيء ذاته الذي فعله أندريه بريتون بعد الحرب العالمية الأولى. ففرنسا، عندئذ، خرجت أيضاً محطمة من أكبر مجزرة في التاريخ. وكان الشباب يائساً عاجزاً عن الإيمان بأي شيء. عندئذ، قدم له أندريه بريتون الفلسفة السريالية كحل أو كعلاج، عام 1920، مثلما قدم له سارتر الفلسفة الوجودية كحل وعلاج، بعد عام 1945. في كلتا الحالتين، كانت الشبيبة الفرنسية بحاجة لأن ترفه عن نفسها، لأن تنسى همومها، لأن تؤمن بشيء ما يعصمها من الانهيار والجنون، بعد أن فقدت كل أمل بسبب الحرب ومآسيها وفواجعها. لم يبق بيت إلا وكان فيه فقيد أو جريح أو قتيل أو معطوب. كل فرنسا كانت مفجوعة، وكل ألمانيا أيضاً. ولا يمكن أن نفهم سبب الانتشار السريع للسريالية بعد عام 1920، والانتشار الكبير للوجودية بعد عام 1945، إلا إذا أخذنا هذه المعطيات الاجتماعية والسياسية بعين الاعتبار. فالأدب هو ابن عصره وظروفه في نهاية المطاف، وكذلك الفكر والفن والفلسفة. كل شيء مرتبط بالعصر والظروف. هل يمكن أن نفهم الأدب العربي الحديث، وكذلك الفكر العربي، دون هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967؟ كل ما فعله المثقفون العرب منذ خمسين سنة كان عبارة عن رد فعل عليها.
والآن، اسمحوا لنا أن نطرح هذا السؤال: من يستطيع أن يكتب النص العربي القادر على أن يرتفع إلى مستوى التراجيديا العربية الراهنة؟ أين هو بريتون العربي أو سارتر العربي أو صموئيل بيكيت العربي؟ ولكن السؤال مطروح بشكل خاطئ في الواقع. فنحن لسنا بحاجة إلى بريتون وبيكيت وكل مسرح العبث واللامعقول. نحن بحاجة إلى فولتير العربي وديكارت العربي وكانط العربي. نحن بحاجة إلى بول ريكور عربي يعرف كيف يصالح بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والفلسفة. باختصار شديد: نحن بحاجة إلى الأنوار العربية لكي تنقذنا من جحيم الظلمات العربية. نقطة على السطر!



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.