«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات

القارة السمراء مهددة بأن تغدو تربة خصبة للتنظيم المتطرف

«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات
TT

«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات

«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات

يتساءل بعض المراقبين حول ما إذا كانت هزيمة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف في العراق وسوريا ستكون منطلقاً لحقبة جديد من انتشار هذا التنظيم، في مواقع ومواضع أخرى حول العالم. وكان عدد من المتابعين والخبراء قد توقعوا أن يسعى «داعش» ليجد له موطئ قدم في آسيا، وبالذات في دول جنوب شرقيها، وتحديداً في الفلبين وإندونيسيا وماليزيا. ومعلوم أن البلدين الأخيرين اللذين يشكل المسلمون غالبية كبيرة من سكانهما، يمثلان خزاناً بشرياً يمكن استقطاب عناصر جديدة منه لإعادة إحياء الفكر والتنظيم المتطرفين معاً.
غير أن الأحداث وتواليها تشير إلى أن «الدواعش» قد يذهبون في طريقين: آسيا أحدهما، أما الطريق الآخر فهو أفريقيا. والمعنى أن يكون التحرك على جبهتين، ما يعطي زخماً وفاعلية لمريديه، ويعقّد في الوقت ذاته إمكانية القضاء المبرم عليه مرة واحدة. وثمة من يرصد أوضاع أفريقيا بالنسبة لتنامي الحركات المتطرفة، ويدرس إمكانيات إيجاد أرضية أصولية تساعد «داعش» على الانتشار التمدد في قلب القارة السمراء.
ليس سرّاً أنه قبل أن يظهر تنظيم داعش الإرهابي المتطرف على سطح الأحداث في سوريا والعراق، كانت هناك جماعات ذات طابع إرهابي تنشط في مناطق شمال غربي أفريقيا، وإقليم الساحل، بصورة خاصة. وكانت غالبية هذه الجماعات قد وُلِدَت من رحم الجماعات التي ترفع ألوية إسلامية متشددة، لا سيما تلك القائمة والناشطة في دول المغرب العربي وبالأخص الجزائر، مثل «الجماعة الإسلامية الجزائرية».
وفيما بعد، بنتيجة الضغوط الأمنية المشددة عليها، فضلت الانتقال إلى إقليم الساحل وتخوم الصحراء الكبرى، ولقد غيّرت اسمها لاحقاً لتصبح «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».
وعطفاً على هذا التيار، يبقى تنظيم «بوكو حرام»، في نيجيريا وجوارها، أحد أهم وأخطر وأعنف الحواضن الإرهابية المتطرفة التي تنشط في قارة أفريقيا من جهة الغرب. وهو مسؤول عن كثير من العمليات الإرهابية كخطف السياح، وقطع الطرق، والاعتداءات المسلحة على غير المسلمين. ثم أن تنظيم «بوكو حرام» معروف بعلاقاته مع بقية مجموعات الشباب النيجيري خاصة، والأفريقي عامة، التي تمضي في المنهج الراديكالي المغالي في محافظته.
ومن ناحية أخرى، يرى متابعون أنه مما لا شك فيه أن سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا أدى إلى تزخيم وتدعيم الكثير من الجماعات الإرهابية التي ترفع ألوية وشعارات إسلامية في أفريقيا، وتستفيد من تدفق السلاح من وإلى ليبيا. وتستفيد كذلك من تلاشي ملامح الدولة عبر الحدود المفتوحة، والانفلات الأمني، بل إن القذافي - لفترة ما من حكمه الطويل الذي استمر بين خريف 1969 وخريف 2011 - نفسه كان من أسباب انتشار الإرهاب في أفريقيا، وذلك عبر تسليحه وحمايته وتوجيهه المجموعات المتمردة والانفصالية في بعض الدول، وبالذات مالي، التي كان الزعيم الليبي السابق الراحل يستخدمها خنجراً في خاصرة دول غرب أفريقيا الشمالية.

أرضية أفريقية ممهدة
لقد وجد «داعش» بالفعل أرضية فكرية ولوجيستية مهيأة لحضوره في القارة السمراء، خصوصاً أن الطرح الرئيسي له أي قيام «دولة الخلافة الإسلامية»، هو عينه الذي تسعى وراءه الجماعات الأصولية الأفريقية المتطرفة، سواء كانت العربية الأصل، كما في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا، أو الأفريقية الصرف مثل «بوكو حرام».
وفي هذا الإطار، لم يكن غريباً أو مثيراً أن تبايع جماعة «بوكو حرام» في شهر مارس (آذار) الماضي «داعش»، وتعلن الولاء الكامل والتام لقائده (أبو بكر البغدادي)، إذ في خطوة مفاجئة قال أبو بكر شيكاو زعيم «بوكو حرام» في بيان له: «نعلن مبايعتنا للخليفة، وسنسمع له ونطيعه في أوقات العسر واليسر». ولقد لفت هذا الأمر انتباه كثرة من المتخصصين في دراسة ومتابعة الحركات الإسلامية في أفريقيا، ذلك أن هذه المبايعة قد تخالف التقارب الشديد بين «بوكو حرام» و«تنظيم القاعدة». لكن يبدو أن ظهور داعش، الأكثر دموية، وتراجع «القاعدة» وعملياتها النوعية والكمية، أدى بجماعة «بوكو حرام»، إلى اتباع الجماعة التي تتماشى وأهدافها المحلية، وفي مقدمتها إنشاء «دولة الخلافة» المزعومة في شمال نيجيريا.

الاستخبارات الأجنبية تراقب «داعش»
في واقع الأمر، لم تكن تحركات «داعش» في أفريقيا بعيدة عن أعين بقية الدول الأفريقية، وكذلك أجهزة الاستخبارية الغربية، وهو ما دعا صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية في منتصف شهر أبريل (نيسان) الماضي، لأن تقدم ملفاً كاملاً عن «داعش في أفريقيا». وتضمن الملف تحليلاً شافياً ووافياً لقلق أجهزة استخبارات البلدان المجاورة، وعلى رأسها تشاد والنيجر وساحل العاج. ذلك أنه اجتمع مسؤولو الاستخبارات في هذه البلدان بنظرائهم الإقليميين، أخيراً في العاصمة النيجيرية أبوجا، بغرض التداول في مجابهة هذا الخطر الإرهابي الصاعد.
وفي هذا السياق، كتب الصحافي الاستقصائي الفرنسي جورج مالبرونو - الذي كان رهينة سابقة عند بعض من تلك الجماعات الأصولية - عن تحركات «داعش» في أفريقيا، مشيراً إلى أن «تنظيم داعش قبل الهزائم الأخيرة التي تعرض لها (في سوريا والعراق)، كان قد أرسل نحو 15 مدرباً عراقياً إلى نيجيريا»، وفقاً لمصادر عسكرية واستخباراتية فرنسية، وتحديداً إلى منطقة «أدامامو في شمال نيجيريا. وهناك - وفق مالبرونو - أقاموا لمدة ستة أشهر خصصت لتدريب عناصر (بوكو حرام) على تقنيات القتال والتعامل مع المتفجرات، وتصنيع أسلحة يدوية بما في ذلك قاذفات الصواريخ.

صراع «داعش» و«القاعدة»
في هذا الإطار، هل باتت المواجهة بين «داعش» و«القاعدة» في القارة الأفريقية مسالة حتمية؟
الشاهد أن التناحر والتنافس «القاعدي - الداعشي» على أفريقيا تبين بوضوح في التصريح الذي أطلقة «أبو محمد العدناني» الناطق الرسمي باسم «داعش»، والذي أشار فيه إلى أن «شرعية جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات في المناطق التي يمتد إليها سلطان الخلافة، تعتبر باطلة»، وذلك في إشارة إلى المجموعات التي أعلنت ومنذ فترة ولائها لـ«القاعدة».
ولعل ما يزيد المشهد إثارة ويؤجج الصراع أكثر بين أكبر تنظيمين متطرفين في المنطقة الأفريقية الآن، هو أن «القاعدة» لا تزال تنظر إلى نفسها بوصفها «الأصل»، بينما ترى أن «داعش» مجرد فرع، أو فصيل انشق عنها. وعليه فإن «خلافة البغدادي» لا شرعية لها ولا ولاء ينبغي أن يعطي من قبل أي جماعة لزعامتها، وبالتالي، باتت «الولايات» تتوزّع بين «القاعدة» ويتبعها جماعات مثل «المرابطون» بزعامة مختار بالمختار، و«القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، ويترأسها عبد المالك درو كال، و«أنصار الدين» بقيادة إياد أغ غالي، ثم «جبهة تحرير ماسينا» بقيادة أمادو كوفا. وأخيراً هناك «كتيبة خالد بن الوليد - أنصار الدين الجنوب» التي يشرف عليها سليمان كيتا، ولقد ضم عشرات من المقاتلين الماليين وبعض البوركينابيين والإيفورايين.
في المقابل، فإن حضور «داعش» يبقى في الأساس متركزاً في ليبيا... وهو «المفرخة» أو «الحاضنة» التي تصدر لأفريقيا العناصر الهاربة من نيران سوريا والعراق، ثم هناك جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا وبعض الدول المجاورة. كذلك تعد جماعة «أنصار بيت المقدس» التي تزعم وجودها في شبه جزيرة سيناء أكثر المجموعات الأفريقية ولاءً لـ«داعش»، وهذا على الرغم من الضربات الأمنية الموجعة التي تتلقاها من قوات الجيش المصري والشرطة المصرية على حد سواء.
لا ريب أنه مما يستدعي التفكير الجدي الأسباب الممكنة أو المحتملة التي تجعل من «القاعدة» و«داعش» تنظيمين جاذبين للإرهابيين من أفريقيا. وهناك ينبغي التساؤل حول ما إذا كانت المسألة برمتها لا تعدو كونها قناعات دوغماتية وآيديولوجية أم أن هناك أسباباً أخرى تجعل هؤلاء وأولئك قادرين على استقطاب شباب أفريقيا وقيادتهم إلى التهلكة كما نرى.

أموال وأوهام
أدرك القائمون على تنظيم داعش، منذ البداية، أن الرهانات الفكرية ربما لا تنطلي إلا على العدد القليل جدا من الأتباع، لا سيما أن هناك تنافساً شرساً في إطار التنظيمات الراديكالية، وأن بعضها أوفر قوة وأقوى حجة بل ويتمتع رؤية سياسة وحجة فقهية أوسع وأعمق وأكثر فاعلية من الدموية الداعشية. ولهذا عمد التنظيم الداعشي منذ البدايات على شراء الولاءات بالأموال. ولقد كانت الاتصالات تجري بين العناصر المكلفة بعملية التجنيد وبين الشباب المرشح، وفحواها إغراءات مالية عالية القيمة، يصعب صدها أو ردها بحال من الأحوال.
في هذا الإطار سعى تنظيم «الدولة الإسلامية في أفريقيا» إلى الدول ذات الكثافة السكانية العالية، وفي مقدمها جمهورية غانا، الدولة الساحلية التي كانت بين الأسبق إلى نيل الاستقلال في مناطق أفريقيا السوداء جنوبَ الصحراء، التي يشكل المسلمون نحو 60 في المسلمين من سكانها، بينما تبلغ نسبة البطالة فيها 11.5 في المائة. في غانا مشكلات اقتصادية، تجعل من شبابها صيدا سهلاً لأصحاب الأموال الوفيرة.
ولعل هذا الواقع يعيدنا بالذاكرة إلى نشاط الدواعش المريب في كل من العراق وسوريا، حيث عملوا جاهدين على تأمين مصادر مالية طائلة عبر تهريب النفط والاتجار غير المشروع بالآثار، وما إلى ذلك من طرق غير شرعية لاكتساب المزيد من الأموال.
ربما المسألة هنا تتجاوز وجود الأموال فقط. ذلك أن من الأهمية بمكان أيضاً وجود طريق الاتصال، وفي هذا يبرع أعضاء «داعش» المؤهلين علمياً في استخدام وسائط الاتصال الاجتماعي الحديثة لا سيما «فيسبوك».
وفي رواية لمؤسسة الأنباء والتلفزيون الألمانية الشهيرة «دويتشه فيلله» DW يقول شاب غاني: «انتهت دراستي الثانوية وأنا أبلغ من العمر 21 سنة، وما كنت أملك مالاً كافياً لدخول الجامعة، أو بدء نشاط حياتي لكسب العيش. ولكن اتصل بي عبر (فيسبوك) أحد الغرباء ووعدني بمليون دولار أميركي إن عملت لصالحه»... وتساءل الشاب: «كيف لي أن أرفض هذا الطلب؟».
هذا المثال، بلا شك، يعد حالة أو نموذجاً لملايين الشباب الأفارقة الذين عمل «داعش»، وما زال يعمل، على استقطابهم مستغلاً الفقر المدقع الذي يعيشونه، تمهيداً لضمهم إلى صفوف مقاتليه، ومن ثم صبغ أفريقيا بالإرهاب بشكل كامل.

ليبيا... مربط الفرس
يتصل نجاح «داعش» في قارة أفريقيا مستقبلاً، والقضاء عليه مرة واحدة، أو انتشار التنظيم في أفريقيا والإخفاق في السيطرة عليه على مصير الأوضاع في ليبيا. هذه الأوضاع كبدت أفريقيا جنوباً وغرباً، وشمالاً وشرقاً، تكاليف عالية، بعد الفوضى والارتباك اللذين سادا المشهد الليبي طوال ست سنوات، وبعد انهيار النظام السابق فيها.
لقد تحولت ليبيا إلى مركز جاذب للإرهاب والإرهابيين من كل بقاع وأصقاع العالم، ولا نوفر هنا أدوار دول لعبت وتلعب في زخم الإرهاب هناك، وفي المقدمة منها قطر، تلك التي صدّرت قيادات «القاعدة» لتسيّد المشهد في ليبيا، في أعقاب سقوط القذافي، بالإضافة إلى الإمداد بالدعم المالي واللوجيستي، وبالأسلحة والعناصر البشرية.
في هذا الإطار أيضاً أضحت ليبيا هي «بوابة الإرهاب إلى القارة الأفريقية»، ومركز عمليات لتنظيم داعش في شمال أفريقيا. والمؤكد هنا أنه في حال استمرار فشل القيادات والأطراف السياسية في ليبيا بالتوحد حول مشروع سياسي قابل للحياة لليبيا، فإنهم سيقدمون لـ«داعش» فرصة ذهبية لتكرار نموذجي العراق وسوريا... ومن بعد ذلك الانتقال الكثيف إلى قلب أفريقيا، وفي جميع الاتجاهات الجغرافية داخل القارة.
ولعل الناظر إلى التحليلات الدولية - والاستخباراتية خاصة - بشأن حضور «داعش» في أفريقيا، يرصد تحركات دولية سريعة ومكثفة عبر أكثر من محور.
بدايةً، تتسارع حالياً الجهود السياسية من أجل إنقاذ ليبيا. ولقد كانت الوساطة الفرنسية الأخيرة ناجحة إلى حد كبير، لا سيما إذا خلُصت الإرادات لجهة توحيد الجهود السياسية والعسكرية، ومن ثم السيطرة على البلاد والقضاء على التيارات المتطرفة التي ترفع السلاح، وإدماج المقاتلين غير الملوثة أياديهم بالدماء في صفوف القوات المسلحة الليبية.
وعلى جانب آخر، يلاحظ وجود اهتمام أممي جدي، هذه الأيام، بإقامة قواعد عسكرية في قلب أفريقيا، وعلى أطرافها من قبل الأقطاب الدولية. وكانت آخر هذه القواعد القاعدة الصينية في جيبوتي، حيث توجد في القارة السمراء اليوم أيضاً قواعد للولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وبريطانيا، وكلها تتحسب للساعة التي ستغدو فيها أفريقيا مركزاً للإرهاب العالمي. وغني عن القول هنا إن الحضور الأميركي في أفريقيا، والقيادة الأميركية (أفريكوم)، على أتم الاستعداد لكل هذه السيناريوهات... ولكن مع ذلك تبقى مسألة مواجهة وحصار «القاعدة» أو «داعش» في أفريقيا مسألة صعبة ومعقدة.

إشكالية أفريقية مصدر الصعوبة والتعقيد نبحثه فيما يلي...
في أوائل شهر يونيو (حزيران) الماضي، تعهد الاتحاد الأوروبي بدفع مبلغ 50 مليون يورو لمساعدة دول منطقة الساحل في غرب أفريقيا على تشكيل قوة متعددة الجنسيات لمحاربة الجماعات المتطرفة.
يومذاك قال الاتحاد الأوروبي في بيان له على لسان مسؤولته للسياسة الخارجية فيدريكا موغيريني، إن دعم الاتحاد «سيساعد مجموعة الخمس لدول الساحل وهي تشاد والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا على إنشاء قوة إقليمية».
بطبيعة الحال، لا تفعل أوروبا ذلك مجانًا، على الإطلاق. فأوروبا باتت تدرك أن المنطقة الشاسعة التي تشملها الدول الخمس السابقة الذكر، وكلها على تماس مع الصحراء الكبرى، أضحت تربة خصبة للجماعات المتطرفة التي ترتبط بـ«داعش» و«القاعدة»، التي تخشي أوروبا من تهديداتها إذا ما تُركت تتحرك بحرية. ومعروف أن فرنسا كانت قد تدخلت بالفعل في عام 2013 لطرد متطرفين كانوا قد سيطروا على شمال مالي قبل ذلك بسنة واحدة.
على أن الأمر ليس في غالبه مقاومة أو مكافحة عسكرية. ثم إنه ليس رصد أموال لتجهيزات عسكرية فقط... فالأوضاع البنيوية في أفريقيا مهيأة إلى الدرجة التي تسمح لـ«داعش» أو غيره بإحداث اختراقات. ذلك أن الأنسجة الاجتماعية منقسمة بل ومتشظية عرقياً ودينياً. والصراعات الحدودية بينها لا تزال تمثل «براميل بارود» قابلة للانفجار في أي لحظة. وعطفاً على ذلك فإن أفريقيا ودولها أصبحت أدوات للقوى الإمبراطورية الفاعلة عالمياً في «لعبة أمم» جديدة، وبذا تصبح أفريقيا قارة ملتهبة ومشتعلة، ما يسهل ومن جديد قبول أي وافد يمتلك آيديولوجيا أو عقيدة، فضلاً عن الأموال.
ختاماً، لا تبدو أزمة «داعش» في أفريقيا بعدُ واضحةَ المعالم، لا سيما أن الملفات المتصلة بالتنظيم في العراق وسوريا وليبيا ما زالت مفتوحة. أما المؤكد فقط فهو أن القرن الحادي والعشرين هو قرن القلاقل الناجمة عن الإرهاب، وليس قرن الحروب العالمية كما عهدناها في القرن الماضي.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.