روسيا تغوي العالم بخطة جديدة بخصوص سوريا

تحرفها من حرب أهلية إلى أزمة إنسانية تستحق مساعدات دولية هائلة

دمار في عربين في الغوطة الشرقية لدمشق بعد غارة طيران ليلة الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
دمار في عربين في الغوطة الشرقية لدمشق بعد غارة طيران ليلة الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
TT

روسيا تغوي العالم بخطة جديدة بخصوص سوريا

دمار في عربين في الغوطة الشرقية لدمشق بعد غارة طيران ليلة الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
دمار في عربين في الغوطة الشرقية لدمشق بعد غارة طيران ليلة الاثنين الماضي (إ.ب.أ)

وجدت روسيا نفسها محصورة بين الأمل في ضمان معقل دائم لها داخل الشرق الأوسط، والخوف من توارث موقف تستحيل تسويته، الأمر الذي دفعها إلى محاولة إعادة تقييم سياستها تجاه سوريا مع دعم محتمل من جانب إدارة ترمب في واشنطن.
ويتمثل الملمح الأساسي في استراتيجية روسيا الآخذة في التشكل، بمحاولة تغيير الخطاب السائد حول سوريا من رسم صورة حرب أهلية دائرة إلى خطاب يطرح أزمة إنسانية طارئة تستحق مساعدات دولية هائلة.
من جانبهم، يرى محللون غربيون أن الخطاب الجديد يملك ميزة تجنب القضايا الشائكة، مثل مستقبل الرئيس بشار الأسد والتشارك في السلطة في إطار حكومة مستقبلية.
أما الهدف الآخر لروسيا فيتمثل في تحويل الاهتمام الدولي بعيدا عن التحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ربما لا تثير قلق الأسد فحسب، وإنما كذلك القوات الروسية داخل سوريا.
ولدى إلقاء نظرة خاطفة على الخطاب الروسي الذي طرحه الدبلوماسي الروسي البارز إيفغيني زاغايانوف في وقت سابق هذا العام، في إطار ورقة عرضها على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ويقترح في الورقة مشروعا لتطهير حقول الألغام التي زرعها تنظيم داعش داخل وحول صحراء تدمر. وقد أرجأ المجلس مناقشة الورقة بعدما شدد أعضاء على أن تناول المشكلة الإنسانية في سوريا على نحو جاد يتطلب التخلص من العقبات التي وضعتها حكومة الأسد في الطريق.
وبعد بضعة أسابيع، أخبر الدبلوماسي الروسي رفيع المستوى، فلاديمير سفرونكوف، المجلس بأنه «لا يمكن النزول بقضية المساعدات الإنسانية لسوريا إلى مسألة الحواجز والمناطق التي يصعب الوصول إليها». ومنذ ذلك الحين، عكف خبراء من موسكو على ما أطلقوا عليه «خطة كبرى للإغاثة وإعادة بناء سوريا». وتقوم الخطة على تصور مشروعات منفصلة لإعادة إطلاق وتحفيز صناعات حيوية، مثل إنتاج النفط والغاز الطبيعي واستخراج الفوسفات وإعادة فتح طرق للتجارة الإقليمية.
الملاحظ أن روسيا طرحت بالفعل خطة تقدر تكلفتها بأكثر عن 300 مليون دولار لنزع 40 في المائة من الألغام من الأراضي السورية في غضون 22 شهراً. وتبعا لديفيد بتر، خبير في الشأن السوري لدى «تشاتام هاوس» في لندن، فإن الكرملين بدأ بالفعل في التواصل مع شركات روسية لاختيار التعاقدات المناسبة في جميع هذه المجالات.
وتدور الخطوة المقبلة في إطار استراتيجية روسيا الجديدة حول توسيع نطاق «مناطق تخفيض التصعيد»، المقتصرة حاليا على خمس أو ست مناطق محلية بجنوب البلاد، إلى أجزاء أخرى من سوريا، مع النظر إلى محافظة إدلب باعتبارها الأولوية التالية.
في هذا الصدد، قال الباحث الإيراني أحمد الأنصاري: «تحاول روسيا تجميد الوضع السياسي وواقع السيطرة على الأرض. وبمجرد إقرار منطقة خفض تصعيد، لن تصبح لمسألة من له السيطرة الاسمية، أهمية تذكر. وبمرور الوقت، ستتركز أنظار الناس على مشروعات التشييد الممكنة، وليس طبيعة السلطة القائمة في دمشق». إلا أن استراتيجية «تجميد المواقف» المقترحة تتطلب أمرين على الأقل: حد أدنى من الإدارة البلدية ووجود شرطي لفرض حد أدنى من الأمن.
من ناحيتها، تحاول موسكو التعامل مع المشكلة الأولى من خلال خطة لإقرار مجالس بلدية مؤقتة في «مناطق تخفيض التصعيد». ومن المتوقع أن يزور فريق من الخبراء الإداريين الروس سوريا الشهر المقبل للمعاونة في جهود التخطيط اللازمة.
ومن شأن ذلك، تصدير روسيا كحائط صد بين نظام الأسد الذي سيبقى على مسافة بعيدة في دمشق والذي يحظى بسيطرة اسمية، وقوى المعارضة المسيطرة فعليا على أرض الواقع. وسعيا لحل المشكلة الثانية، تتولى روسيا بالفعل تدريب وحدات خاصة من الشرطة لنشرها في سوريا. وتبعا لما أفادته مصادر في موسكو، من المتوقع أن تصل المجموعة الأولى من هذه الوحدات التي يبلغ عدد أفرادها 80 ضابطا الأراضي السورية في سبتمبر (أيلول) بعد خوضهم دورة خاصة، بما في ذلك التدريب على اللغة العربية.
وتبعا لما أفادته مصادر في موسكو، فإن الرئيس فلاديمير بوتين أثار الخطوط العريضة لـ«الخطة الكبرى لإغاثة وإعادة بناء سوريا» خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في هامبورغ. ويعتقد الروس أن ترمب، بخلفيته بمجال البناء والتشييد والعقارات، من المحتمل أن يقدر «الخطة الكبرى» تلك أكثر من السياسيين العاديين.
أيضاً، روسيا تأمل في أن يشكل تهميش إيران داخل سوريا، الأمر المشار إليه ضمنيا في استراتيجية موسكو، حافزا إضافيا بالنسبة لترمب الذي يبدو عاقدا العزم على تحجيم الدور الإيراني من خلال سبل أخرى بخلاف التدخل العسكري.
من جانبهم، يقدر خبراء غربيون تكلفة برنامج إعادة الإعمار الشامل في سوريا بما يزيد على 1.2 تريليون دولار، الأمر الذي لا تملك روسيا بوضعها الاقتصادي المتردي وتراجع أسعار النفط توفيره. في الواقع، في وقت سابق من الشهر أشارت رئيسة مكتب المحاسبة العامة الروسي تاتيانا غليكوفا، إلى أن عدد الروس الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفع بمقدار مليونين، ليصل الإجمالي إلى 22 مليون نسمة عام 2016 مقارنة بالعام السابق.
وتبعا لما أفاده البروفسور بجامعة موسكو أوليغ بوكليميشيف، فإنه حتى إذا استعاد الاقتصاد الروسي نموه عام 2017، ستبقى موسكو في وضع لا يمكنها من الالتزام بواجباتها الاجتماعية مع إنفاق أموال ضخمة على مشروعات ترتبط بالسياسة الخارجية، مثل المشاركة في سوريا.
أيضاً، ربما تسيل «الخطة الكبرى» المتعلقة بإعادة بناء سوريا لعاب الاتحاد الأوروبي في وقت تبحث دوله بدأب عن محفز لاقتصاداتها الجامدة. وطبقا لما ذكرته مصادر فرنسية، فإن بوتين أثار هذه القضية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعهما في فرساي، مايو (أيار) الماضي.
أيضاً، تروق «الخطة الكبرى» لتركيا التي تعرضت شركات الإنشاء والتعمير لديها لخسائر فادحة، خصوصا بعد إرغامها على مغادرة ليبيا في أعقاب سقوط نظام معمر القذافي. بجانب ذلك، تواجه الشركات ذاتها بيئة معادية داخل دول عربية أخرى، وكذلك داخل الاتحاد الأوروبي. ومن ناحيتهما، يبدو الأردن ولبنان حريصين على تدفق موارد مالية جديدة على اقتصاد المنطقة من خلال «الخطة الكبرى» السورية. وخلال لقائه الرئيس ترمب في واشنطن، أعرب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري عن أمله في أن يجري النظر إلى بلاده كنقطة انطلاق لإعادة بناء سوريا.
ومع أنه لا يزال من السابق لأوانه التعرف على الصورة الكاملة للاستراتيجية الروسية في سوريا، فإنها تبدو خليطا من تصورات سياسية وأمنية واقتصادية مختلفة قد تبدو أحيانا متناقضة.
ومن المتوقع أن تحد الاستراتيجية الروسية من دور بقايا نظام الأسد، ليصبحوا مجرد حكومة شبح، الأمر الذي قد يبهج خصوم الأسد، لكنه سيترك المسألة المحورية المتعلقة بمن سيحكم سوريا، من دون تسوية. ومع أن روسيا ربما تتمكن من تأمين المساحات الصغيرة من الأراضي السورية اللازمة، لتأمين قاعدتها التي بنتها على البحر المتوسط، فإنها تفتقر إلى الموارد المالية والبشرية التي تمكنها من توفير قدر مقبول من الاستقرار بمختلف أرجاء البلاد. ومع انشغال إيران وتركيا في خلق جيوب لهما في الأراضي السورية، فإن تمزق سوريا ربما يصبح أمرا واقعاً.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.