قيادة «داعش» تمول المسلحين في الفلبين

تقدر بمئات الآلاف من الدولارات على مدار العام الماضي

قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
TT

قيادة «داعش» تمول المسلحين في الفلبين

قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)

أفاد تقرير صدر أول من أمس عن «معهد التحليل السياسي للصراعات» ومقره جاكرتا بأن القيادة المركزية لتنظيم «داعش» في سوريا قامت بتحويل مبالغ مالية تقدر بمئات الآلاف من الدولارات إلى مسلحين في الفلبين على مدار العام الماضي. وكشف التقرير أن محمود أحمد، أحد قيادات تنظيم «داعش» الماليزيين المقيم بجزيرة مراوي الفلبينية، يعد إحدى حلقات التسلسل القيادي والاتصال بالقيادة في سوريا المسؤول عن الحصول على التمويل وتجنيد الشباب من مختلف الجنسيات لمساعدة المسلحين بالداخل في السيطرة على إقليم في البلاد وللانطلاق منه لتحقيق حلم دولة الخلافة.
وأعطى التقرير إجابات عن أسئلة لطالما حيرت الساسة وصناع القرار بعد نجاح مسلحي «داعش» في التسلل إلى جزيرة مراوي منذ شهرين، إذ كيف لهم أن يتمكنوا في السيطرة على تلك المدينة المهمة جنوب الفلبين؟ وما هو دور الذي لعبه تنظيم «داعش» في ذلك؟
فقد خضعت المدينة للسيطرة الكاملة للمسلحين على مدى شهرين على الرغم من الحملات العسكرية التي شنها الجيش النظامي للدولة باستخدام قوات المشاة والضربات الجوية لسلاح الطيران لاستعادتها.
وفي تأكيده على خطورة الوضع، صرح الرئيس رودريغو دترتيت، بأن نحو 220 مسلحاً ما زالوا يقاتلون في مراوي من إجمالي 600 مسلح، وهو رقم أكبر بكثير من التقديرات السابقة التي أفادت بأن عدد مَن تبقى من المسلحين في المدينة لا يتخطى 60 مسلحاً.
وأعلن الرئيس عن الرقم الصحيح الأسبوع الحالي خلال كلمة وجهها إلى الكونغرس الفلبيني طالَب من خلالها بمد الأحكام العرفية حتى نهاية العام الحالي، مشيرا إلى أن المتمردين ما زالوا يسيطرون على وسط مدينة مراوي وأن قيادتهم لا تزال متماسكة.
فبعد سيطرة المسلحين على مراوي نهاية مايو (أيار) الماضي، رفع المتمردون علم تنظيم داعش، معلنين عن تأسيس منطقة جديدة تابعة لـ«داعش» هناك. غير أن بعض الساسة في الفلبين نفوا أن تكون «جماعة ماوت» المتطرفة التي تمكنت من السيطرة على مراوي تابعة لـ«داعش»، مشيرين إلى أنها مجرد عصابة للمخدرات يحاكي نهجها أسلوب مسلحي «داعش».
لكن التقرير الصادر عن «معهد التحليل السياسي للصراعات»، أشار إلى أن قادة تنظيم داعش في سوريا تأخذ استراتيجية «جماعة ماوت» وطموحاتها المستقبلية مأخذ الجد.
وتبدو قدرة تنظيم داعش على توفير الدعم المالي لفرعه في الفلبين مقتصرة على التحويلات التي يرسلها عن طريق شركة «وستيرن يونيون» التي تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، مما يوحي بأن الدعم المباشر من سوريا يمثل عنصرا ثانويا في مساعدة «جماعة ماوت» في السيطرة على مدينة مراوي.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن عمليات التجنيد التي تجري داخل البلاد لعناصر الجماعة والتبرعات التي يقدمها المتشددون المعارضون لسياسة الحكومة المركزية قد تكون قد لعبت دوراً أكبر في نجاح المتمردين.
واعتمد البحث الذي أجراه المعهد على عدد من الزيارات الميدانية التي قام بها إلى مدينة منداناو، الجزيرة التي تحتضن مدينة مراوي، وعلى مقابلات شخصية مع مواطنين قريبين من الجماعات المسلحة الإندونيسية في الفلبين، وكذلك على الرسائل المشفرة التي تبادلوها مع تنظيم داعش.
والأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة الإندونيسية أنها ستوقف بعض خدمات المحادثات والرسائل عبر الإنترنت نظرا لما تمثله من فائدة كبيرة للإرهابيين. وقد أظهرت رسائل المحادثات المتبادلة تطور تلك المنظومة في جنوب شرقي آسيا، مما سهل من عملية التواصل والتنسيق بين منتسبي التنظيم في تلك المنطقة من العالم.
ومن ضمن الأمثلة التي برزت، العام الماضي، كان رصد عملية تواصل بين مسلحين اثنين إندونيسيين من ناحية، وشخص في ماليزيا وآخر في تايلاند، حيث ساعدهم الأخير في اقتحام أحد السجون في بلاده بهدف تحرير أعضاء بجماعة «الإيغور» التي تضم بعضا من أبناء الأقليات الإسلامية في غرب الصين، الذين تعرضوا للاعتقال في تايلاند.
ورغم نجاح اقتحام السجن في البداية، فقد استعادت الشرطة التايلاندية السيطرة على السجن وتمكنت من السيطرة على مسجوني «الإيغور». ويوضح التقرير «نجاح التواصل بين أعضاء تنظيم داعش في ظل وجود منسقي الاتصالات الإندونيسيين وتواصلهم مع عناصر في تركيا والفلبين وتايلاند وحتى مع زملائهم في السجن».
وذكر التقرير أن التنسيق الدولي لقادة «داعش» مع مسلحي جنوب شرقي آسيا قد يؤدي إلى تزايد التهديدات إلى دول الجوار الإندونيسي.
غير أن الشهور الثمانية عشرة الأخيرة شهدت تراجعاً في نوعية العمليات المستوحاة من «داعش» في إندونيسيا، بالإضافة إلى ضعف التخطيط والتنفيذ. على سبيل المثال، تسببت عمليتين انتحاريتين نفذتا بضاحية كامبنغ ميلاي بشرق جاكرتا في مايو الماضي في وقوع ثلاثة قتلى فقط، وهو رقم يقل بكثير عن عمليات سابقة.
لكم ما يشغل الحكومة الإندونيسية حاليا هو حصول بعض من المقاتلين العشرين الذين انضموا لتنظيم «داعش» بمدنية مندناو على المعدات والأسلحة اللازمة لتنفيذ اعتداء إرهابي داخل البلاد. ودعا التقرير دول إندونيسيا وماليزيا والفلبين إلى تحسين عمليات التنسيق بين خدماتهم الأمنية وتبادل المعلومات الاستخبارية ليتسنى لهم تبادل أسماء المشتبهين.
لكن لا تزال الخطوة الأولى هي طرد «داعش» من مراوي. فبعد السيطرة على مراوي في نهاية مايو، طالب الرئيس ديتريت بإلحاق الهزيمة بالمسلحين بأقصى سرعة، لكن الخميس الماضي صرح ديتريت بأنه خلال العمليات التي جرت أخيراً لتحرير المدينة، عثر الجيش على 75 مليون بيسو (15 مليون دولار أميركي) بمنزل أحد المسلحين، في إشارة واضحة إلى أنهم قاموا بتخزين الأسلحة والمال استعدادا للمعركة. وقد وقعت على الأقل أربعة قرى تضم نحو 800 مبني تمثل المركز التجاري للمدينة في أيدي المتمردين.
وأفاد الرئيس الفلبيني أيضاً بأن قيادة هؤلاء المسلحين «لا تزال متماسكة بدرجة كبيرة» على عكس ما ورد في تقارير سابقة. واستمرت المعارك حتى الجمعة الماضي، حيث يجد الجيش صعوبة كبيرة في التقدم، ولا يزال زعيم تنظيم «داعش» في الفلبين الذي يتولى قيادة جماعة «أبو سياف» المتمردة، أسنيلون هبيلون، حرّاً شأن قادة «جماعة ماوت».
* خدمة «نيويورك تايمز»



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...