قيادة «داعش» تمول المسلحين في الفلبين

تقدر بمئات الآلاف من الدولارات على مدار العام الماضي

قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
TT

قيادة «داعش» تمول المسلحين في الفلبين

قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)

أفاد تقرير صدر أول من أمس عن «معهد التحليل السياسي للصراعات» ومقره جاكرتا بأن القيادة المركزية لتنظيم «داعش» في سوريا قامت بتحويل مبالغ مالية تقدر بمئات الآلاف من الدولارات إلى مسلحين في الفلبين على مدار العام الماضي. وكشف التقرير أن محمود أحمد، أحد قيادات تنظيم «داعش» الماليزيين المقيم بجزيرة مراوي الفلبينية، يعد إحدى حلقات التسلسل القيادي والاتصال بالقيادة في سوريا المسؤول عن الحصول على التمويل وتجنيد الشباب من مختلف الجنسيات لمساعدة المسلحين بالداخل في السيطرة على إقليم في البلاد وللانطلاق منه لتحقيق حلم دولة الخلافة.
وأعطى التقرير إجابات عن أسئلة لطالما حيرت الساسة وصناع القرار بعد نجاح مسلحي «داعش» في التسلل إلى جزيرة مراوي منذ شهرين، إذ كيف لهم أن يتمكنوا في السيطرة على تلك المدينة المهمة جنوب الفلبين؟ وما هو دور الذي لعبه تنظيم «داعش» في ذلك؟
فقد خضعت المدينة للسيطرة الكاملة للمسلحين على مدى شهرين على الرغم من الحملات العسكرية التي شنها الجيش النظامي للدولة باستخدام قوات المشاة والضربات الجوية لسلاح الطيران لاستعادتها.
وفي تأكيده على خطورة الوضع، صرح الرئيس رودريغو دترتيت، بأن نحو 220 مسلحاً ما زالوا يقاتلون في مراوي من إجمالي 600 مسلح، وهو رقم أكبر بكثير من التقديرات السابقة التي أفادت بأن عدد مَن تبقى من المسلحين في المدينة لا يتخطى 60 مسلحاً.
وأعلن الرئيس عن الرقم الصحيح الأسبوع الحالي خلال كلمة وجهها إلى الكونغرس الفلبيني طالَب من خلالها بمد الأحكام العرفية حتى نهاية العام الحالي، مشيرا إلى أن المتمردين ما زالوا يسيطرون على وسط مدينة مراوي وأن قيادتهم لا تزال متماسكة.
فبعد سيطرة المسلحين على مراوي نهاية مايو (أيار) الماضي، رفع المتمردون علم تنظيم داعش، معلنين عن تأسيس منطقة جديدة تابعة لـ«داعش» هناك. غير أن بعض الساسة في الفلبين نفوا أن تكون «جماعة ماوت» المتطرفة التي تمكنت من السيطرة على مراوي تابعة لـ«داعش»، مشيرين إلى أنها مجرد عصابة للمخدرات يحاكي نهجها أسلوب مسلحي «داعش».
لكن التقرير الصادر عن «معهد التحليل السياسي للصراعات»، أشار إلى أن قادة تنظيم داعش في سوريا تأخذ استراتيجية «جماعة ماوت» وطموحاتها المستقبلية مأخذ الجد.
وتبدو قدرة تنظيم داعش على توفير الدعم المالي لفرعه في الفلبين مقتصرة على التحويلات التي يرسلها عن طريق شركة «وستيرن يونيون» التي تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، مما يوحي بأن الدعم المباشر من سوريا يمثل عنصرا ثانويا في مساعدة «جماعة ماوت» في السيطرة على مدينة مراوي.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن عمليات التجنيد التي تجري داخل البلاد لعناصر الجماعة والتبرعات التي يقدمها المتشددون المعارضون لسياسة الحكومة المركزية قد تكون قد لعبت دوراً أكبر في نجاح المتمردين.
واعتمد البحث الذي أجراه المعهد على عدد من الزيارات الميدانية التي قام بها إلى مدينة منداناو، الجزيرة التي تحتضن مدينة مراوي، وعلى مقابلات شخصية مع مواطنين قريبين من الجماعات المسلحة الإندونيسية في الفلبين، وكذلك على الرسائل المشفرة التي تبادلوها مع تنظيم داعش.
والأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة الإندونيسية أنها ستوقف بعض خدمات المحادثات والرسائل عبر الإنترنت نظرا لما تمثله من فائدة كبيرة للإرهابيين. وقد أظهرت رسائل المحادثات المتبادلة تطور تلك المنظومة في جنوب شرقي آسيا، مما سهل من عملية التواصل والتنسيق بين منتسبي التنظيم في تلك المنطقة من العالم.
ومن ضمن الأمثلة التي برزت، العام الماضي، كان رصد عملية تواصل بين مسلحين اثنين إندونيسيين من ناحية، وشخص في ماليزيا وآخر في تايلاند، حيث ساعدهم الأخير في اقتحام أحد السجون في بلاده بهدف تحرير أعضاء بجماعة «الإيغور» التي تضم بعضا من أبناء الأقليات الإسلامية في غرب الصين، الذين تعرضوا للاعتقال في تايلاند.
ورغم نجاح اقتحام السجن في البداية، فقد استعادت الشرطة التايلاندية السيطرة على السجن وتمكنت من السيطرة على مسجوني «الإيغور». ويوضح التقرير «نجاح التواصل بين أعضاء تنظيم داعش في ظل وجود منسقي الاتصالات الإندونيسيين وتواصلهم مع عناصر في تركيا والفلبين وتايلاند وحتى مع زملائهم في السجن».
وذكر التقرير أن التنسيق الدولي لقادة «داعش» مع مسلحي جنوب شرقي آسيا قد يؤدي إلى تزايد التهديدات إلى دول الجوار الإندونيسي.
غير أن الشهور الثمانية عشرة الأخيرة شهدت تراجعاً في نوعية العمليات المستوحاة من «داعش» في إندونيسيا، بالإضافة إلى ضعف التخطيط والتنفيذ. على سبيل المثال، تسببت عمليتين انتحاريتين نفذتا بضاحية كامبنغ ميلاي بشرق جاكرتا في مايو الماضي في وقوع ثلاثة قتلى فقط، وهو رقم يقل بكثير عن عمليات سابقة.
لكم ما يشغل الحكومة الإندونيسية حاليا هو حصول بعض من المقاتلين العشرين الذين انضموا لتنظيم «داعش» بمدنية مندناو على المعدات والأسلحة اللازمة لتنفيذ اعتداء إرهابي داخل البلاد. ودعا التقرير دول إندونيسيا وماليزيا والفلبين إلى تحسين عمليات التنسيق بين خدماتهم الأمنية وتبادل المعلومات الاستخبارية ليتسنى لهم تبادل أسماء المشتبهين.
لكن لا تزال الخطوة الأولى هي طرد «داعش» من مراوي. فبعد السيطرة على مراوي في نهاية مايو، طالب الرئيس ديتريت بإلحاق الهزيمة بالمسلحين بأقصى سرعة، لكن الخميس الماضي صرح ديتريت بأنه خلال العمليات التي جرت أخيراً لتحرير المدينة، عثر الجيش على 75 مليون بيسو (15 مليون دولار أميركي) بمنزل أحد المسلحين، في إشارة واضحة إلى أنهم قاموا بتخزين الأسلحة والمال استعدادا للمعركة. وقد وقعت على الأقل أربعة قرى تضم نحو 800 مبني تمثل المركز التجاري للمدينة في أيدي المتمردين.
وأفاد الرئيس الفلبيني أيضاً بأن قيادة هؤلاء المسلحين «لا تزال متماسكة بدرجة كبيرة» على عكس ما ورد في تقارير سابقة. واستمرت المعارك حتى الجمعة الماضي، حيث يجد الجيش صعوبة كبيرة في التقدم، ولا يزال زعيم تنظيم «داعش» في الفلبين الذي يتولى قيادة جماعة «أبو سياف» المتمردة، أسنيلون هبيلون، حرّاً شأن قادة «جماعة ماوت».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».