مولر يوسع تحقيقه في «الصلات الروسية»... وترمب يحصن دفاعاته

صهر الرئيس يمثل اليوم أمام مجلس الشيوخ

روبرت مولر يغادر مقر الكونغرس في واشنطن الشهر الماضي (أ.ب)
روبرت مولر يغادر مقر الكونغرس في واشنطن الشهر الماضي (أ.ب)
TT

مولر يوسع تحقيقه في «الصلات الروسية»... وترمب يحصن دفاعاته

روبرت مولر يغادر مقر الكونغرس في واشنطن الشهر الماضي (أ.ب)
روبرت مولر يغادر مقر الكونغرس في واشنطن الشهر الماضي (أ.ب)

يعمل روبرت مولر، المحقق المستقل الطويل القامة المكلف التحقيق في تدخل روسي محتمل في الانتخابات الرئاسية الأميركية، منذ شهرين بهدوء تام في مكتب حكومي وسط واشنطن، في حين يعمل الرئيس دونالد ترمب على تحصين دفاعاته.
ولكن المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. آي)، صاحب الشخصية الجادة البالغ من العمر 72 عاما والمتكتم، يثير قلق البيت الأبيض الواقع على بعد ثمانية مبان فقط بشأن المسار الذي يمضي فيه تحقيقه، وفق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
وشكّل مولر فريقا من أكثر من عشرة محققين معروفين بحنكتهم، بينهم خبير في ممارسة ضغوط على الشهود في القضايا المتعلقة بالمافيا، إلى جانب اختصاصي في غسل الأموال لاحق مليارديرا فاسدا، إضافة إلى واحد من أكثر مرافعي المحكمة العليا خبرة.
ومنذ مايو (أيار)، يستجوب هؤلاء الشهود ويجمعون الوثائق بهدف التوصل إلى حقيقة ما إذا كان كبار أعضاء فريق حملة ترمب، وأفراد عائلته، وربما حتى الرئيس نفسه، تورطوا في التدخل الروسي في انتخابات عام 2016.
وبعدما وصف التحقيق طوال أشهر بـ«السخيف» و«الأخبار الزائفة» من طرف البيت الأبيض، تبين هذا الأسبوع أن تأثيره سبب توترا بين وزير العدل جيف سيشنز والرئيس ترمب، بعدما انتقد الأخير نأي سيشنز بنفسه عن التحقيق.
وفي تصريحات لصحيفة «نيويورك تايمز»، اشتكى ترمب من أن مولر تولى مهمة التحقيق في القضية المتعلقة بروسيا بعد يوم من مقابلة أجراها معه الرئيس أثناء بحثه عن بديل لرئيس «إف بي آي» المُقال، جيمس كومي. وقال ترمب «في اليوم التالي، يتم تعيينه كمدع خاص. تساءلت ماذا يجري؟ هل هذه خلافات؟». وأضاف: «لم أرتكب أي خطأ. ما كان يجب أن يعَيَّن مدع خاص في هذه القضية من الأساس».
ويؤكد راندل سامبورن، المحامي الذي شارك في التحقيق الذي استهدف نائب الرئيس السابق ديك تشيني في العقد الأول من الألفية الثالثة أنه على أي مدع يتسلم ملفات مرتبطة بالرئاسة أن يتحمل ضغوطا سياسية ضخمة. ولكن إذا كان هناك من يمكنه تحمل ذلك فإنه مولر، بحسب سامبورن.
ومولر العنصر السابق في قوات المارينز الذي أصيب خلال حرب فيتنام، متمرس كذلك في القضايا القانونية الشائكة، بما فيها قضية الرئيس البنمي السابق مانويل نورييغا وزعيم المافيا جون غوتي. وتولى رئاسة «إف بي آي» قبل أسبوع من وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، 2001. وفي الأعوام التي تلت، حولها إلى وكالة لمكافحة الإرهاب.
وفي دفاع بات يعدّ أسطوريا عن حكم القانون، واجه مع كومي الرئيس جورج بوش الابن عام 2004 إثر برنامج سري وغير قانوني للمراقبة محليا. وأجبرا بوش حينها على تعديل خططه، مخاطرين بذلك بوظيفتيهما. وأكسب هذا النوع من المواجهة مولر تقديرا من كل من الديمقراطيين والجمهوريين لسنوات.
من جهته، يقول كينيث ستار، الذي كاد تحقيقه المتعلق بفضائح بيل كلينتون أواخر التسعينات أن يخرجه من البيت الأبيض، «لا أعتقد أن هناك قلقا مشروعا حيال روبرت مولر». كما يقول المدعي السابق، أندرو ماكارثي، من مجلة «ناشيونال ريفيو» المحافظة إن «مولر من دعائم الأوساط القانونية والسياسية المتداخلة بشكل كبير في واشنطن».
وفيما يستجوب فريق مولر، المكون من مدعين يتمتعون بخبرة كبيرة ومحققي «إف بي آي»، وملاحقي الجواسيس ومتتبعي مسارات الأموال، الشهود بشكل خفي ويجمعون الملفات، تبدو الطلبات التي يرسلونها إلى الأشخاص المعنيين بالتحقيق وكأنها الإشارات الوحيدة عن عملهم.
ولفتت وسائل إعلام أميركية إلى أن التحقيق يتجاوز مسألة التعاون مع روسيا، حيث تفيد تقارير أن مولر ينظر في أعمال ترمب التجارية السابقة وعائداته الضريبية وعمليات غسل أموال محتملة، قد يكون أعضاء فريق حملته تورطوا فيها، إضافة إلى عرقلة القضاء وغيرها من الجرائم المحتملة.
واتسعت دائرة تحقيق مولر والتحقيقات الموازية التي تجريها لجان مجلسي الشيوخ والنواب، لتشمل المقربين من ترمب، بمن فيهم ابنه دونالد ترمب جونيور وصهره جاريد كوشنر. ومن المقرر أن يمثل كوشنر أمام اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ اليوم، فيما ينتظر أن يدلي ترمب الابن بإفادته أمام الكونغرس الخميس. وقال محامي كوشنر في بيان «سنواصل التعاون... ونحن نقدر الفرصة المتاحة للمساعدة في إنهاء هذا الأمر».
من جهته، يجند البيت الأبيض فريقه من المحامين الخبراء في القانون الدستوري والدفاع الجنائي، إلى جانب حملته الإعلامية المضادة.
واتّهموا فريق مولر بالانحياز إلى منافسة ترمب في الانتخابات، هيلاري كلينتون، وهاجموا التوسع في التحقيقات الجارية. وتفيد تقارير إعلامية أن فريق ترمب القانوني درس كذلك إمكانية قيامه بإصدار عفو رئاسي لحماية من باتوا في مرمى مولر.
وفي تغريدة عبر موقع «تويتر» صباح السبت، تفاخر ترمب بـ«السلطة الكاملة لإصدار عفو» التي يملكها الرئيس الأميركي. ويشير محللون إلى أن فريق ترمب قد يسعى إلى إزاحة مولر.
وفي هذا السياق، نقل موقع «لوفاير» عن بوب بوير، محامي البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، قوله إن مقابلة ترمب مع «نيويورك تايمز» تعتبر إشارة إلى «النقاشات الجارية في البيت الأبيض بشأن احتمال إقالة روبرت مولر».
ويؤكد سامبورن، الذي شارك في التحقيق الذي كشف اسم فاليري بلايم كعميلة سرية لوكالة الاستخبارات المركزية في عهد بوش الابن، أن ضغوطا من هذا النوع ليست مفاجأة. وكان فريقه، آنذاك، قد واجه تقارير إعلامية مستمرة تهدف إلى بث البلبلة في صفوف فريق المحققين، سرب معظمها على الأغلب محامون وغيرهم ممن استهدفتهم التحقيقات.
ويتذكر سامبورن، الذي يتولى الآن منصبا رفيعا في شركة «ليفيك» للعلاقات العامة، «كان الجو السياسي مشحونا للغاية (...) كانت هناك انتقادات وتعليقات كثيرة توجب عليك تجاهلها». ولكن ما ساعد تحقيق بلايم حينها هو أن بوش نفسه كان يريد التوصل إلى كشف أبعاد القضية. وعلى العكس من ذلك، فإن ترمب وصف تحقيق مولر بـ«حملة مطاردة» ضده.
في سياق آخر، رفض مايك روجرز مدير وكالة الأمن القومي الأميركية إنشاء وحدة أمن إلكتروني بين الولايات المتحدة وروسيا، وهو اقتراح لاقى انتقادات حادة من أعضاء كبار بالكونغرس كما تراجع الرئيس دونالد ترمب عنه بعد أن أبدى اهتماما بالأمر في البداية.
وقال مبعوث رئاسي روسي الأسبوع الماضي إن موسكو وواشنطن تجريان محادثات لتشكيل مجموعة عمل مشتركة للأمن الإلكتروني. وقال روجرز في منتدى «أسبن» الأمني السنوي، أول من أمس، ردا على سؤال حول ما إذا كان إنشاء وحدة للأمن الإلكتروني مع الروس فكرة جيدة «لست رجل سياسة... أقول إن الآن ليس الوقت المناسب للقيام بذلك».
وكان ترمب قد قال في وقت سابق هذا الشهر إنه بحث فكرة إقامة مثل هذه المجموعة
مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قمة مجموعة العشرين في هامبورغ. وانتقد جمهوريون كبار الفكرة، وقالوا إنه لا يمكن الوثوق بموسكو، كما تراجع ترمب على ما يبدو عن الفكرة بعد ذلك، وفق ما نقلت وكالة رويترز. وقال ترمب في تغريدة على «تويتر» «حقيقة أنني بحثت والرئيس بوتين وحدة للأمن الإلكتروني لا يعني أنني أعتقد أن ذلك يمكن أن يحدث... لا يمكن».
على صعيد متصل، أنهى سيرغي كيسلياك سفير روسيا في واشنطن فترة عمله هناك السبت. وكيسلياك هو إحدى الشخصيات الرئيسية في التحقيقات التي تجريها الولايات المتحدة في تدخل موسكو في انتخابات 2016.
وقالت السفارة الروسية بواشنطن على حسابها على «تويتر» إن دينيس غونتشار، نائب رئيس البعثة، سيعمل قائما بالأعمال إلى أن يصل السفير الجديد الذي سيخلف كيسلياك.
ومن المتوقع أن يحل أناتولي أنتونوف، نائب وزير الخارجية الروسي، محل كيسلياك الذي ظل يشغل هذا المنصب منذ عام 2008.
وظهر اسم كيسلياك فيما يتعلق بالكثير من مساعدي ترمب، في الوقت الذي يحقّق فيه محقق خاص ولجان بالكونغرس في تدخل روسيا وعلاقاتها المحتملة بحملة ترمب.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».