حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

الشاعر العراقي يتحدث عن بدايات القصيدة عنده و«الوعي بها» ونقدها

حميد سعيد
حميد سعيد
TT

حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

حميد سعيد
حميد سعيد

أردنا لهذا الحوار مع الشاعر العراقي حميد سعيد أن يكون حول القصيدة، وبداياتها، وزمانها، والوعي بها، ونقدها. وليس سهلا أن تحاور شاعرا يدرك شأن القصيدة، يدركها بحواسه وافتتانه بها مبنى ومعنى، وبهيامه بها باعتبارها قصيدة حالمة، فاتنة، وهاربة دائما. هي الخلاصة التي خرجت بها من محاورة شاعر مثل حميد سعيد، فإجاباته تفتح شهية تعدد الأسئلة وتفرعها وانشطارها إلى قضايا متنوعة تصب في منابع الشعر وتستمد قدرتها الخلاقة من جذوره.

* تظل بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب عندك..
- ألا تُشاركني الظن بأن جميع البدايات، على صعيد ما هو إبداعي، تتّسم بالصعوبة؟ وهل تشاركني الرأي في أن معظم القصائد المهمة تتوفر على بدايات متميزة، جماليا وفكريا، حيث تتشكّل المقومات الإبداعية، في بداية إبداعية، هي أشبه ببراعم الشجرة التي تفتح الباب للربيع، أو كما هي بدايات المطر. من المعروف أن الصيادين في البر والبحر تكون أحوالهم وهم في انتظار الصيد، ومن ثَمَّ في أوقات التماس مع ما يصطادون، أحوالا تتسم بالقلق ونشاط الفكر والمخيّلة، مهما كانت خبراتهم واستعداداتهم وتجاربهم، فإذا اطمأنوا إلى دخولها في حبائلهم تراجع القلق وفتر نشاط الفكر والمخيّلة، وكان الحضور للخبرة. كذلك هو العمل الإبداعي وكذلك هي علاقة المبدع به.
تحدّثت سابقا عن تشكّل القصيدة في ما أطلقت عليه «المدى الوهمي» الممتد بين الذهن والمخيّلة، حيث تأتي الكتابة لاحقا، في لحظة يتوحد فيها إيقاعان، داخلي وخارجي، حيث تكون البداية تماثل ما هو على الورقة، مع ما قد تشكل قبلها، وهذا ما يجعل من مرحلة بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب. إن البداية هي مرحلة التماس، في حالة الصيد، وإذ تتجلى لي البداية عبر كينونتها على الورقة، أكون قادرا على كتابة القصيدة كما أراها وكما أريدها. قد تتمرد البدايات وتعاند، ولا تدخل في مدى الكتابة، لكن الشاعر بخبرته يعرف كيف يُروِّضها، ويقودها إلى حيث يشاء.
* ليس للقصيدة زمن محدد، على حد تعبيرك، لكن حين تنساب في مجرى النص، هل تمتلك زمنها وتفصح عن مكون التحقيب، أم أنها تنتمي إلى الفضاء اللامتناهي؟
- يمكننا القول إنه ليس من تناقض بين التحقيب وفضاء الزمن اللامتناهي، كما جاء وصفه في السؤال، وإن كان التحقيب حيث يعبر النص الإبداعي عن عصره، فكريا وجماليا، هو ما يمنح الإبداع الكثير من خصوصيته ويمنحه العمق أيضا.
إن ملحمة جلجامش، مثلا، بقدر ما عبّرت عن إشكالية وجودية تتعلق بزمنها، فإنها تواصل حضورها في الزمن بكل متغيراته، وكذلك هي الإلياذة، ومثلهما ما كتبه المعري والخيام وشكسبير. إن القول بأنه ليس للقصيدة زمن محدد لا يعني كونها مقطوعة الجذور عن زمنها ولا تنتسب إليه ولا تعبر عن قضاياه، وإنما هي التي تتواصل مع المستقبل، والتي تمثلّت الماضي وتواصلت معه. فما زلنا إلى اليوم نقرأ امرأ القيس ولبيد وطرفة بن العبد وسحيم عبد بني الحسحاس، وما زالت نصوص الشعراء العذريين ونصوص شعراء المدن، يمثلهم أبو نواس، تشاركنا قراءاتنا وخبراتنا الإبداعية.
ولو ارتضينا جدلا ثنائية التحقيب والفضاء التاريخي، فإن حقبة القصيدة تتوارى خلف الفضاء التاريخي. حتى الموقف في الإبداع، إن كان ثمة موقف في هذا العمل الإبداعي أو ذاك، يتلاشى بتأثير المتغيرات الكبرى، حتى يكاد يفقد ما كان له من أهمية وتأثير، وتبقى المقومات الجمالية في الإبداع حاضرة ومستقطبة.
* قُلت إن مرجعيات الإبداع هي مرجعيات الحياة، هل نفهم من قولك هذا إن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة والتماس معها، حتى في تناقضاتها؟
- نعم.. إن ما ورد في السؤال بشقيه أراه صحيحا. خلال أعوام الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كنت أسهر، كلما كنت في مدينة الحلة، مع الزجال المعروف محمد علي القصاب، وكان يتعصب لي شاعرا، رغم أنه شبه أمّي، ولا أظن أنه قرأ شيئا لي، كما لم أقرأ في كل سهراتي معه قصيدة من شعري. لكن لو ذهبنا معا إلى سوق من أسواق المدينة أو إلى أحد مقاهيها لكان في نظر المواطنين هو الشاعر، وما أنا إلاّ واحد من المعجبين بشعره، وفي تلك السهرات كانت أحاديثنا تتشعب، فأتحدث عن أشخاص وتجارب ومدن وكتب وأحداث، وكان يستمع إلى ما أتحدث عنه بشغف، وفجأة يقول: «بهذه المعرفة كانت شاعريتك».
إن هذا الزجال البسيط يدرك العلاقة بين الإبداع والتجربة الحياتية بمصادرها العديدة، ومعظم التجارب الإبداعية المتميزة تمثلّت تجارب معرفية وحياتية متميزة، منها بالتأكيد القراءة، غير أن القراءة وحدها لا تشكِّل فعلا يُعمِّق مسار التجربة الإبداعية، إنْ لم تقترن بتجربة حياتية عميقة وثرية، وبغير هذين العاملين تكون محاولات الإبداع باهتة وضعيفة، لا تترك أثرا ولا تثير أسئلة أو تفتح حوارا، وتظل مهمشة لا تدخل محيط القبول ولا محيط الرفض، لذا نجد أن النص الشعري الذي لا يتجاوز أن يكون تجريدا لغويا باردا، لا يتوفر على ما يثير التجريد من أسئلة وما يفتح من آفاق على الصعيدين الجمالي والفكري.
لذا يصح القول بأن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة، وتجاوز التماس معها إلى الغور فيها والاشتباك معها، في صراعاتها وتناقضاتها وقضاياها، وليس من حدود لآفاق الإبداع، وجميع مفردات الحياة هي التي تشكّل المدى الذي يتحرك فيه.
* من خلال وعيك الشعري والنقدي في آن، من الأكثر تأثيرا، هل هو المبنى/ الشكل، أو المعنى/ المحتوى والمضمون، وأيهما يُدخل القصيدة إلى مملكة الشعر؟
- المبنى/ الشكل والمعنى/ المحتوى والمضمون، تقسيم افتراضي، لا يتجاوز حضورهما بعض القراءات النظرية، أما في القراءة الإبداعية، حيث يكون المتلقي شريكا في النص، فمثل هذا التلقّي بمنأى عن هذا التقسيم الافتراضي، فبوحدتهما تكون القصيدة، وبهما موحدين تدخل إلى مملكة الشعر. إن تحولات القصيدة، منذ طفولتها الأولى حتى الآن، وفي جميع الثقافات واللغات، لا ينفصل فيها المبنى عن المعنى، وفي أي تحوّل يكون الجديد واحدا وموحدا. إن الشكل سواء كان في الشعر أو في مجالات الإبداع الأخرى ليس إطارا خارجيّا، يؤطر المعنى، بل هو بعض المعنى والمعنى بعض منه، والقصيدة هي أعلى حالات التكامل بينهما.
* الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه، هذه المقولة لك.. هل للشعر في زماننا مثل هذه القدرة الخلاّقة على تفعيل هذا الإبداع؟
- التجارب الشعرية، سواء تمثّلت في تجربة شاعر أو في شعر مرحلة أو في موجة شعرية جديدة، تتجاوز السائد والشائع والمألوف، بهذا القدر أو ذاك، وتؤسس لذائقة ووعي جديدين، وهذا التجاوز يضع حدا بينها وبين المتلقي الذي ألف ما كان، وصار من غير اليسير عليه مغادرة المألوف والاستجابة لما هو جديد.
غير أن التجارب المهمة، حتى وهي تغادر الشائع والمألوف وتبتعد عنه، وتأتي بما هو جديد وخارج محيط ما هو مألوف، تواجه المتلقي بالدهشة وتثير أسئلة تفتح مجالات الحوار، وقد تأخذه إلى إلفة أخرى معها. هذا ما أقصده، في ما قلت، بأن الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قرّاءه، وهذا يحدث الآن كما كان في الماضي وربما سيكون في المستقبل أيضا، بل هذا ما حدث في جميع المتغيرات التي عرفها الشعر.
في بدايات التحوّل الذي عرفه الشعر العربي في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي، من خلال نصوص الشعراء الرواد، كنّا نتجاوز ما ألفنا، وفي استجاباتنا لذلك الجديد من جهة، وفي صدامنا مع أولئك الذين هم في حالة قطيعة مع الأسئلة، مع ثباتهم على ما ألفوا من قبل، من جهة ثانية، فنكون بعض هذا التحوّل، وهكذا يبدع الشعر قراءه. ولم يحدث أن كان القارئ في توجهاته الجديدة ووعيه بالمتغيرات قد سبق النص الجديد ومتغيراته، ولو راجعنا تاريخ الأدب لوجدنا هذا الحوار الخلافي قد رافق كل حركات التجديد، وجميع المتغيرات الإبداعية.
* هل ما زالت الأوراق الجميلة والأقلام الجذابة ترافقك في مواصلة الكتابة؟
- يذكرني هذا السؤال ببيت شعري شهير للشاعر عمر بن أبي ربيعة:
«وذو الشوق القديم وإنْ تأسّى.. مشوقٌ حين يلقى العاشقينا».
وأقول: أبعدتني الظروف التي أعيشها في السنين الأخيرة، منذ أن غادرت بغداد بعد احتلالها، عن بعض ما يمكن أن يعدَّ ترفا، وتنازلت عن حاجات أساسية وغير أساسية، وغيّرت بعض ما كنت قد اعتدت عليه من متطلبات الحياة، وقاطعت أخرى. حتى ما أشار إليه السؤال بشأن الأوراق الجميلة والأقلام الملونة، أكاد أكتفي بما يتوافر لي منها، لكن ما إن أمرُّ بأحد محلات القرطاسية وأراها معروضة في الواجهة أو على الرفوف، فإنها تغويني وأكون ضعيفا أمام الرغبة في اقتناء ما يلفت نظري منها، فأضيفها إلى ما عندي، وهو كثير.
في الصيف الماضي رافقت حفيدتي «فاطمة» إلى إحدى مكتبات القرطاسية في شارع الغاردنز بعمّان، وهي مغرمة بتجميع الدفاتر والأقلام، وإذ كانت تختار من معروضات تلك المكتبة منها، وجدتني أنا الآخر أقتني بعض ما تقتنيه حفيدتي. وما زال ابني د.مصعب يجمع لي ما يعجبه من الدفاتر الأنيقة والأقلام الرشيقة، ويقدمها لي كلما التقينا. وفي حواراتي مع الشاعر الفلسطيني هشام عودة التي نشرها في كتاب «الشمعة والدرويش» وردت إشارة إليها، لذا وبعد صدور الكتاب وصلتني هدايا كثيرة من الدفاتر والورق والأقلام، لذا، ما زلت أكتب قصائدي على أوراق أنيقة وأفضّلها صقيلة، ولا يتجاوز حجمها حجم الكف، وبعدد من الأقلام الملونة. حتى حين أكتب مقالة أجدني أميل إلى اختيار أوراق صغيرة الحجم نسبيا، ولا أحب الكتابة على الأوراق كبيرة الحجم.
* دفترك الأخضر الذي سرقته امرأة مجنونة، أيام كنت صبيا، هل تتذكر بعض ما كتبت على صفحاته، وهل تحنُّ إليه؟
- يا لك من منقِّبٍ ماهر ومثابر، من أين لك هذه الحكاية؟ حكاية الدفتر الأخضر صارت جدّ بعيدة، حتى حين تحدثت عنها يوما كان ذلك قبل زمن طويل، ثم طوتها الأحداث والسنين. لكن سؤالك هذا يمنحني فرصة للحديث عنه:
حين التحقت بالصف الأول الابتدائي في عام 1948، كانت آثار الحرب العالمية الثانية ما زالت قائمة ومؤثرة - أدركت هذا طبعا في ما بعد - ولم يكن من اليسير الحصول على دفاتر مدرسية حسنة الصنع، وأذكر أن بعض الدفاتر التي كانت توزع التلاميذ الفقراء من قبل إدارة المدرسة تتمزق أوراقها بمجرد مرور القلم عليها، ولم أكن قد رأيت دفترا أنيقا ولا أتيح لي أن أحصل على قلم صالح للكتابة بيسر، ليس لأنني غير قادر على اقتنائها، ولكن لأن ما كان متوفرا منها في الأسواق من أردأ الأنواع.
لقد كنت في الصف الثالث الابتدائي يوم حصلت على دفتر أنيق بغلاف سميك أخضر اللون، وكان من الهدايا التي تقدمها إحدى شركات الدخان المحلية. لم أعد أتذكر كيف حصلت عليه، لكنني وفي الوقت ذاته حصلت على قلم حبر، وصرت أكتب على صفحاته ما كنت أستمع إليه من أغان وأهازيج وأبيات شعر، ثم بدأت أحاول تقليدها بالقدر الذي أستطيع، لكنني لا أتذكر الآن شيئا مما كتبته على صفحات ذلك الدفتر الأخضر، الذي سرقته منّي امرأة مجنونة، لم أستطع استرداده منها، مع أنني أتذكر غلافه وصفحاته بوضوح، بل أتذكر كتاباتي الأولى بقلم الحبر، ولم يكن خطي قد استقرّ بعد، إذ صرت في مرحلة لاحقة أكتب بخط «الرقعة»، واختياري خط الرقعة كان من دون توجيه، وربما لأن والدي كان يكتب بخط الرقعة، بجمال ووضوح. لقد بقيت أعواما طويلة أنتظر عودة الدفتر الأخضر وأحلم به، وكانت مخيلتي تبالغ في أهمية ما كتبت على صفحاته. أما الآن، فما عدت أنتظر عودته ولا أحلم به، بل ما عاد يخطر ببالي، لكنك بهذا السؤال أعدتني إليه وإلى زمانه.
* وفاطمة، أما زالت تنتظرك في بغداد.. ومن هي فاطمة، هل هي امرأة، أم أنها حلم؟
- كانت طفلة في عامها الرابع أو الخامس، تشارك الأولاد السباحة بشط الحلة، وتسبقهم وهي تعوم بثوبها الطويل والسميك، وربما كان ثوبها الوحيد، ثم غابت، ولم أعرف سببا لغيابها. لكنني كنت أتخيلها كلما اقتربت من النهر مساء، وكانت تكبر معي كلما كبرت، إذ بمرور الزمن كنت أتخيل تلك التي تخرج لي في المساءات من النهر، صبيةً وشابةً وامرأة. وكانت تمثل لي من ينتظرني وليس من أنتظره، ثم صارت رمزا لكل ما كان غائبا، وأبحث عنه. يا الله.. كم تمنيت أن تكون الآن في انتظاري ببغداد، لكنني أكاد أشكّ بأن مثل هذا اللقاء سيكون.
* الكاتب العراقي الراحل عبد الحميد العلوجي قال يوما: إن حميد سعيد يتغزّل بامرأة جميلة، ويوهمنا بأنه يكتب عن تأميم النفط!
- كان الراحل عبد الحميد العلوجي مثقفا موسوعيا وإنسانا جليلا، ساخرا ومحبّا ومتواضعا، وكنت أناكده باحترام ومحبة، إذ كلما سافرت وبخاصة إلى مصر وأقطار المغرب العربي، ووجدت كتابا من كتب الجنس ذات الطابع الشعبي، كنت أرسله إلى عنوانه في وزارة الثقافة والإعلام من دون أن أفصح عن مرسله، لكن حين نلتقي بعد ذلك يتجاهل أنني من أرسل له ذلك الكتاب، لكنه يحدثني عنه، عن تاريخه ومؤلفه وطبعاته وأخطاء النشر وما إلى ذلك مما يتعلق بذلك الكتاب. أما قوله الذي يشير إليه السؤال، فقد كان بشأن قصيدة «عن القصيدة» التي كتبتها بعد معاناة، عن انتصار العراق على الشركات الاحتكارية النفطية، في معركة تأميم النفط العراقي في نهاية ربيع 1972 وبداية صيفه، إذ ما اعتدت أن أكتب قصيدة في مناسبة وما كان مناسبا ألا أكتب قصيدة في انتصار وطني كهذا.
وقد كتبت عن هذه التجربة، في كتابي «الكشف عن أسرار القصيدة» بكثير من التفاصيل، لا أريد تكرارها، إذ بالإمكان العودة إليها في كتابي المذكور. نعم.. لقد كانت قصيدة مختلفة، غير مباشرة، وكانت استثنائية بين ما كتب من شعر عن ذلك الانتصار التاريخي، بل هي استثنائية في ما يكتب من شعر في المناسبات والمعارك الوطنية، وكان العلوجي، في ما قاله أيامذاك، يفصح عن طرافته وسخريته الراقية، من جهة، وعن وعيه، بل عن وعي المرحلة التي ينتسب إليها بشأن شعر المناسبات بعامة، والشعر الوطني بخاصة، فهو مثل كل أبناء تلك المرحلة، يصعب عليهم قبول كتابة قصيدة غير مباشرة في مناسبة من نوع الانتصار في معركة تأميم النفط العراقي على الشركات الاحتكارية التي تحكم العالم وتتحكم في مصائر الدول والشعوب.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.