حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

الشاعر العراقي يتحدث عن بدايات القصيدة عنده و«الوعي بها» ونقدها

حميد سعيد
حميد سعيد
TT

حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

حميد سعيد
حميد سعيد

أردنا لهذا الحوار مع الشاعر العراقي حميد سعيد أن يكون حول القصيدة، وبداياتها، وزمانها، والوعي بها، ونقدها. وليس سهلا أن تحاور شاعرا يدرك شأن القصيدة، يدركها بحواسه وافتتانه بها مبنى ومعنى، وبهيامه بها باعتبارها قصيدة حالمة، فاتنة، وهاربة دائما. هي الخلاصة التي خرجت بها من محاورة شاعر مثل حميد سعيد، فإجاباته تفتح شهية تعدد الأسئلة وتفرعها وانشطارها إلى قضايا متنوعة تصب في منابع الشعر وتستمد قدرتها الخلاقة من جذوره.

* تظل بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب عندك..
- ألا تُشاركني الظن بأن جميع البدايات، على صعيد ما هو إبداعي، تتّسم بالصعوبة؟ وهل تشاركني الرأي في أن معظم القصائد المهمة تتوفر على بدايات متميزة، جماليا وفكريا، حيث تتشكّل المقومات الإبداعية، في بداية إبداعية، هي أشبه ببراعم الشجرة التي تفتح الباب للربيع، أو كما هي بدايات المطر. من المعروف أن الصيادين في البر والبحر تكون أحوالهم وهم في انتظار الصيد، ومن ثَمَّ في أوقات التماس مع ما يصطادون، أحوالا تتسم بالقلق ونشاط الفكر والمخيّلة، مهما كانت خبراتهم واستعداداتهم وتجاربهم، فإذا اطمأنوا إلى دخولها في حبائلهم تراجع القلق وفتر نشاط الفكر والمخيّلة، وكان الحضور للخبرة. كذلك هو العمل الإبداعي وكذلك هي علاقة المبدع به.
تحدّثت سابقا عن تشكّل القصيدة في ما أطلقت عليه «المدى الوهمي» الممتد بين الذهن والمخيّلة، حيث تأتي الكتابة لاحقا، في لحظة يتوحد فيها إيقاعان، داخلي وخارجي، حيث تكون البداية تماثل ما هو على الورقة، مع ما قد تشكل قبلها، وهذا ما يجعل من مرحلة بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب. إن البداية هي مرحلة التماس، في حالة الصيد، وإذ تتجلى لي البداية عبر كينونتها على الورقة، أكون قادرا على كتابة القصيدة كما أراها وكما أريدها. قد تتمرد البدايات وتعاند، ولا تدخل في مدى الكتابة، لكن الشاعر بخبرته يعرف كيف يُروِّضها، ويقودها إلى حيث يشاء.
* ليس للقصيدة زمن محدد، على حد تعبيرك، لكن حين تنساب في مجرى النص، هل تمتلك زمنها وتفصح عن مكون التحقيب، أم أنها تنتمي إلى الفضاء اللامتناهي؟
- يمكننا القول إنه ليس من تناقض بين التحقيب وفضاء الزمن اللامتناهي، كما جاء وصفه في السؤال، وإن كان التحقيب حيث يعبر النص الإبداعي عن عصره، فكريا وجماليا، هو ما يمنح الإبداع الكثير من خصوصيته ويمنحه العمق أيضا.
إن ملحمة جلجامش، مثلا، بقدر ما عبّرت عن إشكالية وجودية تتعلق بزمنها، فإنها تواصل حضورها في الزمن بكل متغيراته، وكذلك هي الإلياذة، ومثلهما ما كتبه المعري والخيام وشكسبير. إن القول بأنه ليس للقصيدة زمن محدد لا يعني كونها مقطوعة الجذور عن زمنها ولا تنتسب إليه ولا تعبر عن قضاياه، وإنما هي التي تتواصل مع المستقبل، والتي تمثلّت الماضي وتواصلت معه. فما زلنا إلى اليوم نقرأ امرأ القيس ولبيد وطرفة بن العبد وسحيم عبد بني الحسحاس، وما زالت نصوص الشعراء العذريين ونصوص شعراء المدن، يمثلهم أبو نواس، تشاركنا قراءاتنا وخبراتنا الإبداعية.
ولو ارتضينا جدلا ثنائية التحقيب والفضاء التاريخي، فإن حقبة القصيدة تتوارى خلف الفضاء التاريخي. حتى الموقف في الإبداع، إن كان ثمة موقف في هذا العمل الإبداعي أو ذاك، يتلاشى بتأثير المتغيرات الكبرى، حتى يكاد يفقد ما كان له من أهمية وتأثير، وتبقى المقومات الجمالية في الإبداع حاضرة ومستقطبة.
* قُلت إن مرجعيات الإبداع هي مرجعيات الحياة، هل نفهم من قولك هذا إن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة والتماس معها، حتى في تناقضاتها؟
- نعم.. إن ما ورد في السؤال بشقيه أراه صحيحا. خلال أعوام الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كنت أسهر، كلما كنت في مدينة الحلة، مع الزجال المعروف محمد علي القصاب، وكان يتعصب لي شاعرا، رغم أنه شبه أمّي، ولا أظن أنه قرأ شيئا لي، كما لم أقرأ في كل سهراتي معه قصيدة من شعري. لكن لو ذهبنا معا إلى سوق من أسواق المدينة أو إلى أحد مقاهيها لكان في نظر المواطنين هو الشاعر، وما أنا إلاّ واحد من المعجبين بشعره، وفي تلك السهرات كانت أحاديثنا تتشعب، فأتحدث عن أشخاص وتجارب ومدن وكتب وأحداث، وكان يستمع إلى ما أتحدث عنه بشغف، وفجأة يقول: «بهذه المعرفة كانت شاعريتك».
إن هذا الزجال البسيط يدرك العلاقة بين الإبداع والتجربة الحياتية بمصادرها العديدة، ومعظم التجارب الإبداعية المتميزة تمثلّت تجارب معرفية وحياتية متميزة، منها بالتأكيد القراءة، غير أن القراءة وحدها لا تشكِّل فعلا يُعمِّق مسار التجربة الإبداعية، إنْ لم تقترن بتجربة حياتية عميقة وثرية، وبغير هذين العاملين تكون محاولات الإبداع باهتة وضعيفة، لا تترك أثرا ولا تثير أسئلة أو تفتح حوارا، وتظل مهمشة لا تدخل محيط القبول ولا محيط الرفض، لذا نجد أن النص الشعري الذي لا يتجاوز أن يكون تجريدا لغويا باردا، لا يتوفر على ما يثير التجريد من أسئلة وما يفتح من آفاق على الصعيدين الجمالي والفكري.
لذا يصح القول بأن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة، وتجاوز التماس معها إلى الغور فيها والاشتباك معها، في صراعاتها وتناقضاتها وقضاياها، وليس من حدود لآفاق الإبداع، وجميع مفردات الحياة هي التي تشكّل المدى الذي يتحرك فيه.
* من خلال وعيك الشعري والنقدي في آن، من الأكثر تأثيرا، هل هو المبنى/ الشكل، أو المعنى/ المحتوى والمضمون، وأيهما يُدخل القصيدة إلى مملكة الشعر؟
- المبنى/ الشكل والمعنى/ المحتوى والمضمون، تقسيم افتراضي، لا يتجاوز حضورهما بعض القراءات النظرية، أما في القراءة الإبداعية، حيث يكون المتلقي شريكا في النص، فمثل هذا التلقّي بمنأى عن هذا التقسيم الافتراضي، فبوحدتهما تكون القصيدة، وبهما موحدين تدخل إلى مملكة الشعر. إن تحولات القصيدة، منذ طفولتها الأولى حتى الآن، وفي جميع الثقافات واللغات، لا ينفصل فيها المبنى عن المعنى، وفي أي تحوّل يكون الجديد واحدا وموحدا. إن الشكل سواء كان في الشعر أو في مجالات الإبداع الأخرى ليس إطارا خارجيّا، يؤطر المعنى، بل هو بعض المعنى والمعنى بعض منه، والقصيدة هي أعلى حالات التكامل بينهما.
* الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه، هذه المقولة لك.. هل للشعر في زماننا مثل هذه القدرة الخلاّقة على تفعيل هذا الإبداع؟
- التجارب الشعرية، سواء تمثّلت في تجربة شاعر أو في شعر مرحلة أو في موجة شعرية جديدة، تتجاوز السائد والشائع والمألوف، بهذا القدر أو ذاك، وتؤسس لذائقة ووعي جديدين، وهذا التجاوز يضع حدا بينها وبين المتلقي الذي ألف ما كان، وصار من غير اليسير عليه مغادرة المألوف والاستجابة لما هو جديد.
غير أن التجارب المهمة، حتى وهي تغادر الشائع والمألوف وتبتعد عنه، وتأتي بما هو جديد وخارج محيط ما هو مألوف، تواجه المتلقي بالدهشة وتثير أسئلة تفتح مجالات الحوار، وقد تأخذه إلى إلفة أخرى معها. هذا ما أقصده، في ما قلت، بأن الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قرّاءه، وهذا يحدث الآن كما كان في الماضي وربما سيكون في المستقبل أيضا، بل هذا ما حدث في جميع المتغيرات التي عرفها الشعر.
في بدايات التحوّل الذي عرفه الشعر العربي في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي، من خلال نصوص الشعراء الرواد، كنّا نتجاوز ما ألفنا، وفي استجاباتنا لذلك الجديد من جهة، وفي صدامنا مع أولئك الذين هم في حالة قطيعة مع الأسئلة، مع ثباتهم على ما ألفوا من قبل، من جهة ثانية، فنكون بعض هذا التحوّل، وهكذا يبدع الشعر قراءه. ولم يحدث أن كان القارئ في توجهاته الجديدة ووعيه بالمتغيرات قد سبق النص الجديد ومتغيراته، ولو راجعنا تاريخ الأدب لوجدنا هذا الحوار الخلافي قد رافق كل حركات التجديد، وجميع المتغيرات الإبداعية.
* هل ما زالت الأوراق الجميلة والأقلام الجذابة ترافقك في مواصلة الكتابة؟
- يذكرني هذا السؤال ببيت شعري شهير للشاعر عمر بن أبي ربيعة:
«وذو الشوق القديم وإنْ تأسّى.. مشوقٌ حين يلقى العاشقينا».
وأقول: أبعدتني الظروف التي أعيشها في السنين الأخيرة، منذ أن غادرت بغداد بعد احتلالها، عن بعض ما يمكن أن يعدَّ ترفا، وتنازلت عن حاجات أساسية وغير أساسية، وغيّرت بعض ما كنت قد اعتدت عليه من متطلبات الحياة، وقاطعت أخرى. حتى ما أشار إليه السؤال بشأن الأوراق الجميلة والأقلام الملونة، أكاد أكتفي بما يتوافر لي منها، لكن ما إن أمرُّ بأحد محلات القرطاسية وأراها معروضة في الواجهة أو على الرفوف، فإنها تغويني وأكون ضعيفا أمام الرغبة في اقتناء ما يلفت نظري منها، فأضيفها إلى ما عندي، وهو كثير.
في الصيف الماضي رافقت حفيدتي «فاطمة» إلى إحدى مكتبات القرطاسية في شارع الغاردنز بعمّان، وهي مغرمة بتجميع الدفاتر والأقلام، وإذ كانت تختار من معروضات تلك المكتبة منها، وجدتني أنا الآخر أقتني بعض ما تقتنيه حفيدتي. وما زال ابني د.مصعب يجمع لي ما يعجبه من الدفاتر الأنيقة والأقلام الرشيقة، ويقدمها لي كلما التقينا. وفي حواراتي مع الشاعر الفلسطيني هشام عودة التي نشرها في كتاب «الشمعة والدرويش» وردت إشارة إليها، لذا وبعد صدور الكتاب وصلتني هدايا كثيرة من الدفاتر والورق والأقلام، لذا، ما زلت أكتب قصائدي على أوراق أنيقة وأفضّلها صقيلة، ولا يتجاوز حجمها حجم الكف، وبعدد من الأقلام الملونة. حتى حين أكتب مقالة أجدني أميل إلى اختيار أوراق صغيرة الحجم نسبيا، ولا أحب الكتابة على الأوراق كبيرة الحجم.
* دفترك الأخضر الذي سرقته امرأة مجنونة، أيام كنت صبيا، هل تتذكر بعض ما كتبت على صفحاته، وهل تحنُّ إليه؟
- يا لك من منقِّبٍ ماهر ومثابر، من أين لك هذه الحكاية؟ حكاية الدفتر الأخضر صارت جدّ بعيدة، حتى حين تحدثت عنها يوما كان ذلك قبل زمن طويل، ثم طوتها الأحداث والسنين. لكن سؤالك هذا يمنحني فرصة للحديث عنه:
حين التحقت بالصف الأول الابتدائي في عام 1948، كانت آثار الحرب العالمية الثانية ما زالت قائمة ومؤثرة - أدركت هذا طبعا في ما بعد - ولم يكن من اليسير الحصول على دفاتر مدرسية حسنة الصنع، وأذكر أن بعض الدفاتر التي كانت توزع التلاميذ الفقراء من قبل إدارة المدرسة تتمزق أوراقها بمجرد مرور القلم عليها، ولم أكن قد رأيت دفترا أنيقا ولا أتيح لي أن أحصل على قلم صالح للكتابة بيسر، ليس لأنني غير قادر على اقتنائها، ولكن لأن ما كان متوفرا منها في الأسواق من أردأ الأنواع.
لقد كنت في الصف الثالث الابتدائي يوم حصلت على دفتر أنيق بغلاف سميك أخضر اللون، وكان من الهدايا التي تقدمها إحدى شركات الدخان المحلية. لم أعد أتذكر كيف حصلت عليه، لكنني وفي الوقت ذاته حصلت على قلم حبر، وصرت أكتب على صفحاته ما كنت أستمع إليه من أغان وأهازيج وأبيات شعر، ثم بدأت أحاول تقليدها بالقدر الذي أستطيع، لكنني لا أتذكر الآن شيئا مما كتبته على صفحات ذلك الدفتر الأخضر، الذي سرقته منّي امرأة مجنونة، لم أستطع استرداده منها، مع أنني أتذكر غلافه وصفحاته بوضوح، بل أتذكر كتاباتي الأولى بقلم الحبر، ولم يكن خطي قد استقرّ بعد، إذ صرت في مرحلة لاحقة أكتب بخط «الرقعة»، واختياري خط الرقعة كان من دون توجيه، وربما لأن والدي كان يكتب بخط الرقعة، بجمال ووضوح. لقد بقيت أعواما طويلة أنتظر عودة الدفتر الأخضر وأحلم به، وكانت مخيلتي تبالغ في أهمية ما كتبت على صفحاته. أما الآن، فما عدت أنتظر عودته ولا أحلم به، بل ما عاد يخطر ببالي، لكنك بهذا السؤال أعدتني إليه وإلى زمانه.
* وفاطمة، أما زالت تنتظرك في بغداد.. ومن هي فاطمة، هل هي امرأة، أم أنها حلم؟
- كانت طفلة في عامها الرابع أو الخامس، تشارك الأولاد السباحة بشط الحلة، وتسبقهم وهي تعوم بثوبها الطويل والسميك، وربما كان ثوبها الوحيد، ثم غابت، ولم أعرف سببا لغيابها. لكنني كنت أتخيلها كلما اقتربت من النهر مساء، وكانت تكبر معي كلما كبرت، إذ بمرور الزمن كنت أتخيل تلك التي تخرج لي في المساءات من النهر، صبيةً وشابةً وامرأة. وكانت تمثل لي من ينتظرني وليس من أنتظره، ثم صارت رمزا لكل ما كان غائبا، وأبحث عنه. يا الله.. كم تمنيت أن تكون الآن في انتظاري ببغداد، لكنني أكاد أشكّ بأن مثل هذا اللقاء سيكون.
* الكاتب العراقي الراحل عبد الحميد العلوجي قال يوما: إن حميد سعيد يتغزّل بامرأة جميلة، ويوهمنا بأنه يكتب عن تأميم النفط!
- كان الراحل عبد الحميد العلوجي مثقفا موسوعيا وإنسانا جليلا، ساخرا ومحبّا ومتواضعا، وكنت أناكده باحترام ومحبة، إذ كلما سافرت وبخاصة إلى مصر وأقطار المغرب العربي، ووجدت كتابا من كتب الجنس ذات الطابع الشعبي، كنت أرسله إلى عنوانه في وزارة الثقافة والإعلام من دون أن أفصح عن مرسله، لكن حين نلتقي بعد ذلك يتجاهل أنني من أرسل له ذلك الكتاب، لكنه يحدثني عنه، عن تاريخه ومؤلفه وطبعاته وأخطاء النشر وما إلى ذلك مما يتعلق بذلك الكتاب. أما قوله الذي يشير إليه السؤال، فقد كان بشأن قصيدة «عن القصيدة» التي كتبتها بعد معاناة، عن انتصار العراق على الشركات الاحتكارية النفطية، في معركة تأميم النفط العراقي في نهاية ربيع 1972 وبداية صيفه، إذ ما اعتدت أن أكتب قصيدة في مناسبة وما كان مناسبا ألا أكتب قصيدة في انتصار وطني كهذا.
وقد كتبت عن هذه التجربة، في كتابي «الكشف عن أسرار القصيدة» بكثير من التفاصيل، لا أريد تكرارها، إذ بالإمكان العودة إليها في كتابي المذكور. نعم.. لقد كانت قصيدة مختلفة، غير مباشرة، وكانت استثنائية بين ما كتب من شعر عن ذلك الانتصار التاريخي، بل هي استثنائية في ما يكتب من شعر في المناسبات والمعارك الوطنية، وكان العلوجي، في ما قاله أيامذاك، يفصح عن طرافته وسخريته الراقية، من جهة، وعن وعيه، بل عن وعي المرحلة التي ينتسب إليها بشأن شعر المناسبات بعامة، والشعر الوطني بخاصة، فهو مثل كل أبناء تلك المرحلة، يصعب عليهم قبول كتابة قصيدة غير مباشرة في مناسبة من نوع الانتصار في معركة تأميم النفط العراقي على الشركات الاحتكارية التي تحكم العالم وتتحكم في مصائر الدول والشعوب.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».