فرع «طالبان» الأكثر قسوة يتصدر مسببات التوتر الأميركي ـ الباكستاني

«شبكة حقاني» مسؤولة عن سلسلة هجمات مروعة وفائقة الدقة في كابل

جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
TT

فرع «طالبان» الأكثر قسوة يتصدر مسببات التوتر الأميركي ـ الباكستاني

جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)

عندما سلكت شاحنة صهريج كبيرة، تحمل 3 آلاف رطل من المتفجرات، طريقها إلى إحدى المناطق شديدة الحراسة في العاصمة الأفغانية كابول يوم 30 مايو (أيار) الماضي، لتنفجر هناك فيما يشبه القنبلة الضخمة الهائلة التي أسفرت عن مقتل 150 شخصا وإصابة أكثر من 400 مواطن آخرين، لم تعلن أي من الجماعات الإرهابية مسؤوليتها عن الحادثة المروعة. ولكن على الفور بدأت الإشاعات في السريان والانتشار.
إنها شبكة حقاني. لا بد أن تكون شبكة حقاني، كما يقول الناس. فليس بمقدور أحد هناك غيرهم أن يرتكب جريمة إرهابية بمثل هذه الدقة والضخامة. وسرعان ما وجّهت أجهزة الأمن والاستخبارات الأفغانية أصابع الاتهام نحوهم أيضاً، مشيرة إلى تلقيهم قدرا من المساعدة عبر جهاز الاستخبارات الباكستاني. وبعد مرور ستة أسابيع، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادثة، ولا تزال العاصمة الأفغانية تعاني آثارها حتى اليوم.
من المفترض، وبحكم الأمر الواقع، أن جماعة حقاني قد عفا عليها الزمن منذ فترة. فعلى مدى سنوات، ظلت هذه الجماعة العشائرية المتفرعة عن حركة طالبان الإرهابية على رأس أولويات قوات الأمن الأفغانية وحلفائها تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية.
ويُعتقد أن مؤسس تلك الجماعة، القائد البارز جلال الدين حقاني، قد سقط صريع المرض منذ فترة طويلة، كما أن كبار قادة الجماعة وأغلب أبنائه إما أنهم قد قتلوا وإما سجنوا في مختلف غارات قوات الأمن على الجماعة الإرهابية. وتزعم باكستان، التي سمحت أول الأمر لجماعة حقاني بالسيطرة على دويلة خاصة في المنطقة القبلية الحدودية بين البلدين، أنها قد دفعت بهم إلى الخروج منها ومغادرتها.
فلماذا لا يزال اسم «شبكة حقاني» يتردد صداه ويثير مثل هذا الرعب والفزع الآن؟ ولماذا لا تزال تلك الجماعة التي تضم بضعة آلاف من المقاتلين تحتل مركز الصراع في حرب الـ16 عاما الأفغانية؟ ولماذا تحولت مواقعهم بعيدة المنال إلى احتلال موقع الصدارة لدى من يدّعون أن إدارة الرئيس ترمب لا بد أن تعاقب باكستان، الحليف الأمني والعسكري طويل الأمد، على توفير المأوى والملاذ لأولئك الإرهابيين؟
تتعلق الإجابات عن تلك التساؤلات بالسمات التي أورثها جلال الدين حقاني، الوزير السابق في حكومة طالبان والصديق الشخصي لأسامة بن لادن، في قلوب رجاله، وانتقلت من بعده إلى نجله وخليفته سراج الدين حقاني. وتضم هذه السمات الروابط العائلية القوية والآيديولوجيات الدينية الراسخة، والانضباط الصارم، والتخطيط الدقيق، والمقدرة المستمرة على استمالة الأتباع، سواء كانوا من الشباب المتدربين على تنفيذ العمليات الانتحارية، أو الداعمين الأثرياء الأسخياء من أبناء منطقة الشرق الأوسط.
ومزيج الأصول المشار إليه قد ساعد شبكة حقاني على تنفيذ قائمة ممتدة من الهجمات المروعة وفائقة الدقة في كابل خلال السنوات العشر الماضية، بما في ذلك الهجوم على السفارة الهندية، والهجوم الآخر الذي شهده فندق سيرينا الأشبه بالحصن المنيع. ويقال إن تلك الشبكة، الأقرب صلة بتنظيم القاعدة الإرهابي، كانت أول من استحدث أسلوب التفجيرات الانتحارية في الصراع الأفغاني، وكان تفجير 30 مايو من أبرزها وأخطرها.
ووجه كثير من المسؤولين الأميركيين الاتهامات نحو باكستان لإيواء شبكة حقاني، واستخدامهم «وكيلا للقتال» في الوقت الذي يزعمون فيه السعي نحو السلام في المنطقة. ولقد زادت حدة هذه الاتهامات مع تصاعد اهتمامات إدارة الرئيس ترمب بشأن السياسات اللازم اتخاذها حيال الصراع المستمر في هذه المنطقة. وأعرب المسؤولون العسكريون الأميركيون عن رغبتهم في تصعيد الوجود العسكري هناك.
وصرّح القائد الأميركي في أفغانستان الجنرال جون نيكولسون أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي، في فبراير (شباط)، بأن حركة «طالبان» و«شبكة حقاني» على وجه الخصوص تشكلان «أكبر التهديدات للأمن في أفغانستان»، وأن قادتهم يحظون بحرية كبيرة في الحركة والعمل داخل الملاذات الباكستانية الآمنة. ولقد أدرجت الجماعة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من قبل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما اعتبارا من عام 2012.
ونفت باكستان مرارا وتكرارا أنها توفر المأوى أو المساعدات لشبكة حقاني، وقالت إن أفراد الشبكة غادروا منطقة القبائل الحدودية في شمال وزيرستان، إلى جانب جماعات متمردة أخرى، إثر حملة لمكافحة الإرهاب شنها الجيش الباكستاني في الفترة بين عامي 2014 و2015.
وأعلن الناطق الرسمي باسم الخارجية الباكستانية الشهر الماضي قائلا: «ليس هناك وجود لشبكة حقاني في باكستان. والجماعة تعمل بالكامل انطلاقا من الأراضي الأفغانية». وقال إن الحكومة الأفغانية وحلفاءها الأجانب يوجهون اللوم إلى باكستان عن فشلهم وإخفاقهم، وأردف المسؤول الباكستاني يقول: «الإرهابيون لا يزالون يعملون، ولقد استقروا في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في أفغانستان».
وقال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم حركة طالبان الأفغانية، في مقابلة هاتفية، إنه في حين أن بعض عائلات قادة طالبان لا تزل تعيش داخل باكستان كجزء من جالية اللاجئين الأفغان هناك، فلا أصل للمزاعم التي تقول بأن أي عنصر من «طالبان»، بما في ذلك «شبكة حقاني»، يتلقى الدعم من حكومة باكستان أو يعيش بحرية هناك.
وفي أوائل يونيو (حزيران)، نشر سراج الدين حقاني، الذي يصعب العثور على موقعه الحقيقي، تسجيلا صوتيا مطولا باللغة البشتونية الأفغانية على عنوان حركة طالبان عبر تطبيق «واتساب». ولقد أدان خلال التسجيل الصوتي عملية التفجير الأخيرة وقال إن رجاله لديهم أوامر محددة بتجنب شن الهجمات في الأماكن العامة، حيث يوجد «المدنيون الأبرياء» واحتمال أن تلحق بهم الأضرار جراء العمليات هناك.
ومع ذلك، فإنه وجّه الاتهامات إلى حلفاء أفغانستان بمحاولة «احتلال أراضينا والقضاء على النظام الإسلامي في أفغانستان. فكيف نغمض أعيننا عن ذلك؟»، كما قال. وأضاف، أن «هدفنا هو تحرير أفغانستان من سيطرتهم ونفوذهم، وفرض العمل بالشريعة. لقد فقدنا آلاف الأرواح، وصارت لدينا الآلاف من الأرامل والأيتام في هذا الجهاد. ولسوف نمضي به إلى نهايته المنطقية المحتمة».
ويعتقد أن سراج الدين حقاني في العقد الرابع من عمره، ولقد ظل بعيدا عن الأنظار منذ توليه قيادة الجماعة خلفا لوالده. ومع مكافأة 5 ملايين دولار التي تضعها الولايات المتحدة لمن يساعد في القبض عليه، وتاريخ من غارات الطائرات العسكرية المسيّرة التي استهدفت رجاله ومساعديه، يعتقد بأنه من الشخصيات التي تواصل التحرك والانتقال بشكل مستمر. وقال أنصار محليون للجماعة في باكستان إنهم لم يروه منذ عامين كاملين.
ولكن تعتبر منطقة جنوب شرقي أفغانستان، لا سيما إقليم خوست على طول الحدود الباكستانية - الأفغانية، منطقة الراحة الخاصة بجماعة حقاني في زمن الحرب الدائرة هناك. ويتزعم سراج الدين قوة من المتمردين لا تقل عن 5 آلاف من المقاتلين الموالين. وقال أحد الأتباع المدنيين إنه التقى أيضا مع جنود من الجيش والشرطة الأفغانية الذين ساعدوا شبكة حقاني على تنفيذ هجمات إرهابية ضد أماكن عالية الحساسية في البلاد.
ورفض الناطق باسم شبكة حقاني في باكستان الرد على الأسئلة عبر الهاتف بهذا الخصوص. ويقول المؤيدون والمحللون إن الشبكة لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع أجهزة الاستخبارات الباكستانية منذ تعاونهم الأول إبان الحقبة السوفياتية السابقة، ولكنهم لا يحظون بسيطرة فاعلة في الوقت الراهن بسبب الضغوط الأميركية المتزايدة. ويقول محمد إسرار مدني، الباحث الإسلامي من باكستان: «لم تعد باكستان الملاذ الآمن كما كانت بالنسبة إلى حركة طالبان الأفغانية. بعض من أعضاء الحركة حصلوا على بطاقات هوية شخصية باكستانية، ولكن الحكومة تعمل الآن على منع إقامتهم في البلاد. ولا أنكر وجود عناصر طالبان الأفغان وشبكة حقاني، وأنهم ما زالوا يعيشون في باكستان، ولكن الأمور أصبحت صعبة للغاية الآن عليهم للعيش في حرية وسلام داخل البلاد».
ويقول مولانا سميع الحق، رجل الدين الذي تخرج في مدرسته الدينية بالقرب من بيشاور كثير من مقاتلي طالبان الأفغان: «لا تزال شبكة حقاني الأكثر نشاطا ورعبا في حركة طالبان، ولكن النفوذ الباكستاني عليهم أصبح ضعيفا للغاية بسبب الضغوط الأميركية». وأضاف أن كبار المسؤولين العسكريين في باكستان كانوا يرحبون بهم فيما سبق، ولكنهم صاروا يتجنبون الآن الاجتماع معهم.
ومع ذلك، ورغم جهود إسلام آباد للنأي بنفسها بعيدا عن شبكة حقاني، فإن بعضا من مؤيدي الشبكة على اقتناع بأن هذا الموقف الباكستاني ليس سوى تراجع تكتيكي في حملة باكستان طويلة الأمد للهيمنة على أفغانستان وإضعافها. وقال أحد رجال الدين من القبائل ومن المقربين من «شبكة حقاني» إن سراج الدين «هو الأمل الأخير، ولن تغامر باكستان بفقدانه».
ومن داخل مخابئهم الحدودية الغامضة، من المعروف عن عناصر شبكة حقاني اختطافهم للرعايا الأجانب واتخاذهم رهائن. وظلت إحدى العائلات الكندية الأميركية رهن الاحتجاز لديهم منذ عام 2012. عندما اختطفتهم عناصر الشبكة من إحدى الرحلات الجبلية. وفي شريط فيديو نشرته الشبكة في ديسمبر (كانون الأول)، طلبت الأم الأميركية المختطفة من الرئيس المنتخب دونالد ترمب التدخل لإنقاذهم من كابوسهم المريع.
ولقد طلبت شبكة حقاني إطلاق سراح أحد أشقاء سراج الدين حقاني، والمسجون في كابول انتظارا لتنفيذ حكم الإعدام بحقه. وإذا تم تنفيذ الحكم، كما قالت الشبكة، فسيقتلون أفراد العائلة الأجنبية بالكامل.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ{الشرق الأوسط}



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.