{أصيلة} يرصد الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة والديمقراطية

بن عيسى دعا إلى عزل الظاهرة عن الحركات الآيديولوجية التي تشكل وقوداً لها

TT

{أصيلة} يرصد الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة والديمقراطية

طغى موضوع خطاب الشعبوية في النظام الإقليمي والدولي على حلقة النقاش الأولى في الندوة الثانية لمنتدى أصيلة الـ39 التي انطلقت أعمالها مساء أول من أمس، وحملت عنوان «الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة الديمقراطية»، وذلك بحضور ثلة من الخبراء والمفكرين المغاربة والعرب والأجانب، الذين رصدوا تأثير هذا الخطاب على الإنسانية والحلول الممكنة في ظل الوضع الراهن.
ودعا الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، محمد بن عيسى، أول من أمس، بأصيلة في كلمة تقديمية للندوة إلى عزل الشعبوية عن الحركات الآيديولوجية التي تشكل وقودا لها.
وقال إن المطلوب الآن في مواجهة التيارات الشعبوية الفوضوية هو «الانكباب على التأمل والتفكير في أوضاعنا العربية والأفريقية، من زاوية أن الشعبوية حالة يجب عزلها عن الحركات الآيديولوجية التي تستمد منها النار»، مضيفا أنه يتعين أيضا «تقوية الأواصر الفكرية بين النخب العربية والأفريقية لتستعيد مكانتها ودورها التنويري في المجتمع»، فضلا عن «تفعيل قنوات الاتصال بالغرب وفتح حوار مع نخبة ومؤسساته الفاعلة لتبيان مخاطر الانسياق في التعاطي العاطفي مع التيارات الشعبوية الفوضوية».
وتساءل بن عيسى: «ضمن أي خانة فكرية وسياسية نصنف تجارب الاحتجاج، أو الحراك الذي عرفته بعض المجتمعات العربية والأفريقية والأوروبية؟ هل هو مجرد مطلب ملح لتحقيق العدالة الاجتماعية ؟ أم تقف وراءه خلفيات وأجندات سياسية يجهلها المحتجون أنفسهم؟»، محذرا في هذا السياق من أن الغرب يخطئ في تشخيص وتقييم الأوضاع في المجتمعات الساعية إلى الديمقراطية حينما يطالب بتطبيق معاييره في التعاطي مع «النزعات الشعبوية التي تحركها الأمية والغرائز والعنف الأعمى، وهذا ما حدث فيما يسمى بالربيع العربي».
وسجل الأمين العام لمنتدى أصيلة أنه رغم «تباين» مواقف الغرب من التيارات الشعبوية داخله، لكنه «قادر على احتواء غلوها وحماستها، بالنظر إلى مناعة مؤسساته الديمقراطية وقوة اقتصاده وتعايش وتقبل المجتمع الأفكار المتطرفة»، مضيفا أن ذلك جانب من «واجهة ديمقراطية خاصة بالغرب، تقبل دخول أحزاب شعبوية إلى البرلمان، بينما الوضع مختلف في المجتمعات الساعية إلى الديمقراطية». كما أبرز بن عيسى أن الشعبوية لم تعد مجرد أفكار «مبعثرة خارجة عن الانسياق الفكري المعروف» تتساكن وتتعايش مع الآراء المخالفة لها في المجتمع الواحد، بل تسعى لاقتحام معاقل السلطة وادعاء القدرة على تنظيم مغاير للمجتمع. وخلص إلى القول إنه «لا مانع من أن تحتل الشعبوية السلمية حيزا ضيقا في الصرح الديمقراطي الذي ننشده، بما يشحذ الأفكار ويثري النقاش بين الفاعلين ليسود الاستقرار في خاتمة المطاف».
بدوره، قال ميغيل أنخيل موراتينوس، وزير الخارجية والتعاون الإسباني الأسبق، إن الشعبوية ذات وجهين: شعبوية وطنية وأخرى دولية، وبالتالي لا يمكن فهم تأثيرها على المستوى الوطني دون إدراك التأثير الدولي لها، مضيفا أن للشعبوية تأثيرا في الطبقات السياسية بكل من إسبانيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والدول الإسلامية. أما على الصعيد الدولي فيرى موراتينوس أن الشعبوية انعكست على التجارة الدولية والاتفاقيات المتعددة الأطراف ففقدت العولمة وجهها الإنساني، ولم تستطع تحقيق الترابط بين الدول إلا سلبيا، وأضاف أن العالم احتاج إلى قرون لبناء منظومة الضمان المشترك للتهديد المشترك، وعندما كان القرار يصنعه الأقوياء نيابة عن الضعفاء كانت الاتفاقيات الدولية هي التي تخلق التوازن لتقف أمام الشعبوية.
وتحدث محمود جبريل، رئيس المكتب التنفيذي السابق للمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، عن تأثير الشعبوية على المجتمعات العربية، وقال إن هذه الأخيرة تعاني من الصدى، أي المصطلحات التي تروج في العالم ويتم ترديدها في المجتمعات ككل.
كما تطرق جبريل لموضوع الفرد في العالم العربي، وفي العالم الذي أصبح ممكنا أكثر من ذي قبل بالمعلومة عن طريق التواصل التقني، وأصبحت المجتمعات تتحدث ككتل تطرح توقعات في ظل فشل اقتصادي وتتحول إلى احتجاجات تتنامى بشكل مستمر، موضحا في هذا الصدد أنه إذا لم تكن صياغة عقل جديد يتعامل مع العصر وتأطير الحراك الشعبي، فسيشهد العالم توترا كبيرا بين مفهوم الأمن والديمقراطية، ويصبح الطلب حثيثا على استعادة الأمن على حساب الديمقراطية السليمة.
ومن جانبه، عبر طاهر المصري، رئيس الوزراء الأردني الأسبق ورئيس مجلس الأعيان الأسبق، عن اندهاشه من توصيف المجتمعات الغربية للديمقراطية إذا ما تمت مقارنة ذلك بتصرفاتهم وأساليب حكمهم التي تميز بها استعمارهم في بلدان كثيرة، والشعبوية كمفهوم في نظر المصري، لا تزال بفعل تعريفاتها الناقصة وغير المحددة قادرة على التستر وتحويل ملامحها بدعوى المقدس ودعوى الانتماء الأعمى تارة، وتطل اليوم على العالم باسم الهويات المحلية تارة، وباسم الإرهاب والتطرف تارة أخرى.
وعن الشعبوية في شرق أوروبا ودول البلقان، تحدث فيوك جيريميكش، وزير خارجية صربيا سابقا ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة الـ67 عن عدم تفاؤله وعدم اتفاقه مع أن الشعبوية لها شعبية، ففي شرق أوروبا كانت هناك دائما على مر التاريخ موجات الشعبوية، مشيرا إلى أن هناك قادة لهم دور كبير في تكريسها، وأنها في تصاعد كبير. لكن مع الديمقراطية يمكن تصحيح المسار، لكن تبعات الموجة الجديدة لما سيشهده الحكم هو كمثل مريض، حيث تبقى هناك دائما تبعات وأعراض العلاج فيما بعد قائمة.
وأوضح جيريميكش أن تصاعد الحراك الشعبوي أصبح مقلقا بشأن ما يتعلق بمعالجة مشكلات التيارات السياسية الجديدة، وقدم مثالا على ذلك بالولايات المتحدة التي سحبت الدعم من الاتفاقيات الأوروبية، خصوصا اتفاقية المناخ، موضحا أن هذا النوع من الخطابات الجديدة أصبح مهيمنا، وأبدى تخوفه من أن المفكرين الأوروبيين سيتوانون عن المشاركة في المنتديات الأوروبية، وستستمر التوجهات الجديدة والراهنة مما يهدد بحدوث أزمة.
من جانبه، استهل مصطفى حجازي، وهو مختص في الاستراتيجية السياسية ورئيس مؤسسة «سكوير» للفكر الإنساني بالقاهرة، حديثه عن العصر الإنساني الجديد الذي سماه «ما بعد الصناعة والمعلوماتية»، أو «عصر الحكمة والمبدأ»، وهو عملية إتاحة المعلومات على مدى أوسع واختزال المعرفة، حيث يصبح الحكم فيه على قدر كبير من الخطأ، ووصف الإنسانية بأنها تتخبط وأصبحت تعبر عن نفسها من خلال الاحتجاج في الشارع، وهي تجليات تقود الإنسانية إلى انتقاد كل ما تعودت عليه من تعريفات قديمة، مثل العدل والحرية والنظم السياسية والاقتصادية، مشيرا في هذا الصدد إلى خروج نوعين من البشر إلى الشارع: الأول النخبة المرنة التي وجدت مكانا في الشوارع وموقعا في الحكم. والفئة الثانية هي فئة من الجمهور الغير المفكر الذي لا يستجيب لنداءات العقل.
في السياق ذاته، قال أنطونيو دي أغويار باتريوتا، سفير البرازيل لدى إيطاليا والممثل الدائم السابق للبرازيل لدى الأمم المتحدة ووزير الخارجية سابقا، إن هذا الخطاب يتم طرحه دائما بمنظور الدول وإرثها، ودائما ما يتم الربط بين الشعبوية وتصاعد الانتمائية وتصاعد القومية، لكن بالنسبة لتجربة البرازيل يوضح باتريوتا أن الشعبوية لم تكن لها علاقة بكراهية الأجانب، فهذا التوجه بالنسبة للبرازيل كانت له بعض المزايا بإعطائها فرصة لفتح النقاش حول قضايا العدالة الاجتماعية، مشيرا إلى أن الشعبوية ليست بالضرورة أن تكون استبدادية، لأنها استطاعت أن تجد لها مكانا.
أما محمد تاج الدين الحسيني، الخبير في الشؤون السياسية وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، فقال إن الشعبوية لها تعريفات كثيرة، وإنها فلسفة سياسية وآيديولوجية تتجه عن طريق توظيف الدعاية من أجل استقطاب الجماهير والتأثير عليها من خلال نشر معلومات بطريقة موجهة لدغدغة مشاعر الجماهير واستقطابها من أجل رؤية محددة، مبرزا أن الديماغوجية لها أساليب كثيرة لخداع الجماهير والتأثير عليها واستغلالها للحصول على السلطة أو للحفاظ عليها، وهي مقاربة استبدادية لا تستعمل فقط من طرف الحاكم، بل تستغلها المعارضة أيضا.



مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها العراق في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ فبراير (شباط) الماضي، تكتسب المحادثات المصرية-العراقية أهمية متزايدة، في ضوء مساعي البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية، ودعم الاستقرار في المنطقة.

وتحمل الزيارة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى بغداد، الخميس، دلالات مهمة بحسب خبراء من مصر والعراق تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ كونها تؤشر إلى زيادة التنسيق الأمني في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلى جانب تدشين مشروعات اقتصادية مشتركة لتوفير بدائل للمنافذ التقليدية لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز.

وأفاد مجلس الوزراء العراقي بأن رئيس المجلس علي الزيدي استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن محمود رشاد، الذي نقل إليه رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، واستعداده الدائم لمساندة جهود تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في جميع المجالات.

رسالة القاهرة

وتضمنت الرسالة، بحسب البيان العراقي الصادر مساء الخميس، توجيه الدعوة إلى رئيس مجلس الوزراء لزيارة مصر «انطلاقاً من الحرص المشترك للمضي بتعزيز مسار التعاون بين العراق ومصر، والمحافظة على مصالح البلدين وتدعيم السلم والاستقرار الإقليمي والدولي».

كما شهد اللقاء بحث «عدد من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على أهمية تنسيق المواقف وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز المصالح الثنائية، ولما فيه خير الشعبين الشقيقين والمنفعة المشتركة».

مصر والعراق لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني والاقتصادي (مكتب رئيس الوزراء العراقي)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين، أن التقارب المصري-العراقي استراتيجي فرضته التطورات الإقليمية وأهمية العراق المحورية، مشيراً إلى أن زيارة رئيس المخابرات المصرية الأخيرة لبغداد تكتسب أهمية بالغة في إطار بناء علاقات متطورة ترتكز على التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وأن القاهرة تنظر للعراق باعتباره دولة محورية في معادلة الأمن العربي.

صناعة غرف أمنية

ويرى المحلل السياسي والأمني «رئيس مركز العراق للدراسات» علي فضل الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية للعراق لها أهمية كبيرة بحكم تبادل المعلومات والعمل على صناعة غرف أمنية مشتركة من أجل التعاون ومعالجة كل التحديات، خاصة في ملف الإرهاب في ظل الخبرة المتراكمة لدى الجيش والأجهزة الأمنية المصرية.

زخم تعاون يتصاعد

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد زار بغداد في يونيو (حزيران) 2021، في أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ عقود ضمن آلية التعاون الثلاثي التي جمعت مصر والعراق والأردن، واستهدفت تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث.

وانطلق المسار الثلاثي بين مصر والعراق والأردن في 14 مارس (آذار) 2019، عبر أول قمة ثلاثية استضافتها القاهرة، بحضور رئيس وزراء العراق آنذاك عادل المهدي.

وشهدت الفترة الأخيرة زخماً في الزيارات؛ إذ استقبل السيسي في 27 أغسطس (آب) 2024 رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، في ثالث زيارة له إلى مصر، بعد زيارتين في مارس ويونيو 2023، تناولت بحث تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، والاستفادة من خبرات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية العراقية، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين لبحث التهدئة في المنطقة بعد اندلاع حرب إيران، خاصة في ظل قرب بغداد من طهران.

وفي ضوء ذلك أوضح السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين أن المرحلة الراهنة تشهد تحولات رئيسية في مجالات الطاقة عبر مشروعات استراتيجية تجمع بين مصر والعراق والأردن، لإنشاء شبكات لتصدير النفط تعيد توجيه مسارات الطاقة، وتوفير بدائل لمنافذ التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز، مشدداً على أن هذه المشروعات الاقتصادية الطموحة تتطلب ترتيبات وتنسيقاً أمنياً على أعلى مستوى لحمايتها.

أولوية الأمن

وأضاف أن الشأن الأمني يحتل أولوية في المباحثات المشتركة، لا سيما في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر المقبل، مما يستدعي تعزيز قدرات الجيش العراقي لضبط الحدود ومواجهة مخاطر الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لتنظيم «داعش»، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة العراقية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وشدد شاهين على أن استقرار بغداد لا يتجزأ من استقرار المنطقة وأمنها القومي العربي، لافتاً إلى أن مصر تمتلك إمكانات وخبرات فنية عالية تُمكّنها من تقديم الدعم والمساندة للجيش العراقي في مجالات متعددة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي وتأمين الأجواء والمجال الأمني الإقليمي.

وأشار المحلل السياسي والأمني العراقي علي فضل الله إلى أن التعاون الأمني العراقي-المصري «ليس مستغرباً بحكم التحديات المشتركة التي تعصف بالمنطقة؛ فهناك تهديدات إسرائيلية باتجاه مصر، وباتجاه العراق، وباتجاه دول المنطقة عموماً، كما أن هناك تهديدات باتجاه الدول العربية التي من المفترض أن تشهد تنسيقاً وتعاوناً».


«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر، تبرز تساؤلات حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين.

ويعتقد دبلوماسيون مصريون سابقون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تنتهج في مسار علاقاتها الخارجية «الاتزان الاستراتيجي»، بما يسمح لها بموازنة علاقاتها على أساس المصالح المشتركة، من دون الانحياز إلى سياسات تتعارض مع مصالح حلفائها في المنطقة.

و«الاتزان الاستراتيجي»، عده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر أبريل (نيسان) 2014، الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، حتى بات هذا المفهوم كتاباً جديداً لوزارة الخارجية المصرية أصدرته في نهاية 2025، أكد أنه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وتشهد العلاقات المصرية الصينية محطة تاريخية بارزة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين القاهرة وبكين، حيث تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتتوج مساراً طويلاً من التعاون المتنامي بين البلدين، بحسب ما ذكرته «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» الرسمية، الخميس.

ويتوجه الرئيس الصيني، الأحد، إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان، الأربعاء.

صون السلام

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

السيسي والرئيس الصيني في حديث ودي خلال المشاركة في احتفالات عيد النصر بالعاصمة الروسية موسكو يوم 9 مايو 2025 (الخارجية المصرية)

واحتفت وسائل إعلام مصرية مبكراً بالزيارة حيث نشرت صحيفة «الأهرام» الحكومية الخميس، مقالاً للكاتب أحمد ناجي قمحة بشأن الزيارة، قائلاً: «اتجاه مصر شرقاً لا يتعارض مع سياسة الاتزان الاستراتيجي، وإنما يمثل إحدى أدواتها؛ فالاتزان لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما امتلاك أكبر قدر ممكن من البدائل والشراكات، بما يزيد قدرة الدولة على الحركة والمناورة، ويحافظ على استقلال قرارها».

وأضاف: «لهذا تتعاون مصر مع الصين في مجالات، ومع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات أخرى، وتنفتح في الوقت نفسه على الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى، والدلالة الأهم أن التوجه شرقاً أصبح مرتبطاً مباشرة بأولويات التنمية المصرية».

وفي 30 مايو (أيار) 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، قبل أن تشهد عام 2014 اتفاق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني، شي جين بينغ على إقامة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدين، وبعد عامين زار شي القاهرة لأول مرة.

وعام 2024 بلغ حجم التجارة المصرية - الصينية نحو 17.38 مليار دولار، ثم ارتفع في عام 2025 إلى نحو 19.52 مليار دولار، بزيادة تقارب 12.3 في المائة، وتعد الصين من أكبر 5 شركاء استثماريين لمصر، حسب تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، في مايو 2025.

اختبار للعلاقات

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، مؤكداً أن مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» المدخل الأوضح لفهم الزيارة.

ويمثل هذا المفهوم، وفق حجازي، أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المصرية، التي تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، من دون النظر إلى الشراكة مع الصين بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها.

وعلى هذا الأساس، يشير حجازي إلى أنه لا ينبغي تفسير الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصيني بوصفها انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، مؤكداً أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية.

الرئيس الصيني يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين يوم 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

ومع ذلك، تفرض الزيارة اختباراً فعلياً لقدرة مصر على الحفاظ على هذا الاتزان، بحسب حجازي، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بواقع أن التنافس بين القوتين امتد إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً وتكلفة.

وأكد أن القاهرة لا تسعى إلى المفاضلة بين شركائها، بل إلى إدارة علاقاتها معهم وفقاً لأولوياتها ومصالحها، مشدداً على أن تعزيز الشراكة المصرية الصينية لا يعني تلقائياً تراجع الشراكة المصرية الأميركية.

بدوره، يرى سفير مصر الأسبق لدى الصين، نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية – الصينية»، السفير علي الحفني، أن الزيارة تحمل تقديرا كبيراً لجهود مصر ومواقفها في إرساء دعائم السلم والأمن الإقليمي والدولي بالتنسيق مع المنظمات الأممية، إلى جانب التقدير لمسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن مصر تتتبع سياسة الانفتاح والشراكة المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية منذ عام 2014، حرصاً منها على توفير أفضل الفرص لدعم أجندة التنمية الوطنية «مصر 2030».

وشدد على أن القاهرة تمتلك علاقات استراتيجية وثيقة وممتدة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الروسي، والصين، والاتحاد الأوروبي، مبنية على العمل الجماعي والشراكات التنموية الفاعلة على أرض الواقع بدلاً من الشعارات التقليدية، والاتزان في العلاقات وهو ما يجعل القاهرة تنجح في الاستفادة من زيارة الرئيس الصيني دون أزمات مع دول أخرى.


مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.