مغامرات خيالية فوق أرض عربية شمال كاليفورنيا

هل سيتم تصوير المزيد من الأفلام في منطقة الخليج؟

من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي  -  «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا
من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي - «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا
TT

مغامرات خيالية فوق أرض عربية شمال كاليفورنيا

من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي  -  «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا
من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي - «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا

عندما تم الإعلان، قبل أشهر قليلة، عن قيام شركة «ديزني» بتصوير أجزاء من فيلمها المقبل «ستار وورز: الفصل السابع» في إمارة أبوظبي، شعر المتابعون لنشاطات السينما في الإمارات العربية المتحدة بحبور كبير، كون واحد من أكثر الأفلام شهرة ومن بين أضخمها إنتاجا وتمويلا اختار التصوير في صحراء أبوظبي.
بعض ردود الفعل أوحت بالاعتقاد بأن العديد من المشاهد سيتم تصويرها في صحراء الإمارة، وتكهّن آخرون بأن بعض كبار ممثلي الفيلم، مثل هاريسون فورد وأندي سركيس ودومنول غليسون، سيحطّون في الإمارة تلبية لضروريات العمل.
لكن الحقيقة أن ما تم تصويره هناك هو مشاهد مساندة، أو كما يطلق عليها اسم «Second Unit Work»، وهي مناظر أساسية لا يمكن توفيرها في أي مكان آخر غالبا ما تصوّر من دون أبطال الفيلم كونها عامة ومساندة. بينما التصوير الفعلي للفيلم سيتم في استوديوهات «باينوود» قرب لندن، بل وهو بدأ فعلا هذا الشهر.
على أن اختيار الإمارات العربية المتحدة للتصوير فيها هو قرار مهم بحد ذاته أقدمت عليه «ديزني» بعد دراسة ميدانية واتصالات مكثفة. المهم تحديدا هو أن مدينة أبوظبي تستطيع الآن كسب ثقة لا تمنحها المؤسسات السينمائية الأميركية بسهولة تماما كما فعلت دبي قبل عامين عندما استقبلت فيلم «المهمة: مستحيلة 4» الذي أنتجته «باراماونت». الاختلاف هو أن التصوير في دبي كان تصويرا أساسيا حضره توم كروز وجيمي رَنر وبعض الممثلين المشاركين بالفعل. هذا مرده أن السيناريو تطلّب ذلك كون بعض الأحداث (نحو 40 في المائة من الفيلم) تدور حول محاولة توم كروز اقتحام شقة في أحد الطوابق العليا من برج خليفة.
بذلك، كل من أبوظبي ودبي مطروحة، على أساس أنهما تستطيعان استقبال أكبر الإنتاجات السينمائية وتوفير الأرضية اللوجيستية والتقنية المطلوبة لعملية تصوير ناجح محاط باهتمام الدولة لتنشيط هذا القطاع التواصلي مع العالم المحيط.

* صحاري
التصوير في الصحراء ليس مجرد حضور سينمائيين ومعدات تصوير، بل يداخله فن صعب من شروطه ملاءمة ما يتم تصويره مع النظرة (The look) العامة للفيلم واندماج تصميمه الإنتاجي مع باقي ما سيتم تصويره (أو ما تم تصويره في حالات أخرى). كذلك هو دقيق لأن للصحراء شروطها الطبيعية: إضاءتها المبهرة وشمسها الساطعة وألوانها الخاصّة.. وسابقا كان من الصعب الحفاظ على المعدّات في حالة جيّدة، إذ غالبا ما تتسلل إليها الرمال. وهذه الصعوبة لم تضمحل اليوم، لكن تأثيرها خف بفضل استنباطات الأجهزة الحديثة.
التصوير في مدينة عربية هو أمر نادر. الأكثر انتشارا هو التصوير في الصحراء.. وليس أي صحراء. إذا ما أردت صحراء حقيقية، تلك التي تتألف من «تريليون» من الرمال الصغيرة جدا (بحجم الذرة) في كل مائتي متر مربع، ومن كثبان لا متناهية ونخيل وواحات، فما عليك إلا الصحراء العربية على الرغم من تعدد الصحاري في العالم. في أميركا أراض صحراوية تتوزع بين كاليفورنيا وتكساس وأريزونا ويوتا، وفي الصين هناك صحراء كبيرة شمال غربي البلاد (اسمها غوبي)، كذلك هناك صحراء في الجزء الجنوبي من أفريقيا، وأرضان صحراويتان في أستراليا، لكنها صحاري ذات بيئة طبيعية تختلف من مكان لآخر: بعضها، مثلا، صخري، وبعضها الآخر عبارة عن أرض ملساء مشققة في أخاديد طويلة ومتقاطعة، وبعضها الثالث من التربة الحمراء. ولبعضها نباتات تكشف عن مكانها مما يعوق قبولها إذا ما كان الفيلم يقص حكاية تدور في الصحراء العربية التي باتت عنوانا للبيئة العربية من أفلام الإعلانات إلى فيلم بحجم «لورنس العرب».

* هنا وهناك
وليس كل ما يتم تصويره في الصحراء العربية يحمل شخصيات أو مواضيع عربية متّصلة. «ستار وورز.. الفصل السابع» الحالي، كما كان «ستار وورز» الأول (1977) الذي تم تصويره في تونس، عملان من تلك التي تستعير المنظر. بينما «المهمة: مستحيلة 4» أراد الموقع (برج خليفة) داخل المدينة. مثله في ذلك مثل «لورنس العرب» (1962) الذي صُوّر في الأردن و«جوهرة النيل» (1985) الذي تم تصويره في المغرب. هذا الفيلم كان واحدا من تلك التي أساءت إلى البلد الذي استقبلها بالترحاب، إذ صوّرته على نحو يخدم تنميطا معروفا، وذلك على عكس «المريض الإنجليزي» لأنطوني منغيلا (1996) الذي صُور في تونس أو «بابل» لأليخاندرو كونزاليس إيناريتو الذي صوّر سنة 2005 في المغرب. كلاهما حافظ على جمال الصحراء والبيئة ومن فيهما.
الأمر اللافت هو أن غالبية ما تم تصويره في العالم العربي جاء يطلب الصحراء في حد ذاتها. البادية وحكايات ألف ليلة وليلة ومشاهد الجمال والرحّالة والقوافل التي تنتقل فوق الرمال في تلك المساحات الرملية الصفراء الواسعة، كانت مطلبا جماليا من ناحية، وتهدف إلى التماثل مع الواقع ومنح الفيلم مصداقية ما من ناحية أخرى.
في هذا الصدد جذب المغرب والجزائر وتونس عشرات الأفلام، وتحوّلت إلى أماكن تصوير معتمدة كلّما كان لدى السينما في أوروبا أو هوليوود ما يفرض عليها ذلك. إليها ورد جورج لوكاس ومصطفى العقاد ومارتن سكورسيزي وريدلي سكوت من بين مخرجين عديدين.
بالتالي، فإن المدن العربية ومناخاتها الحضرية لم تجذب إلا قلّة من الأعمال. جزء من فيلم جيمس بوند «الجاسوس الذي أحبّني» (1977) ومشاهد من «موت في النيل» (1978)، صُورت في مصر.. وكان على الفيلمين إظهار مشاهد من المدينة، لكنهما أيضا صوّرا خارجها (منطقة الهرم في الأول والنيل في الثاني).
في الستينات خطفت بيروت عدّة إنتاجات أوروبية وأميركية جاءت خصيصا للتصوير في تلك المدينة التي نعمت آنذاك بأمان افتقدته في السبعينات وما بعد. وجرى استخدام مدينة الجزائر في فيلمين مهمّين قبل ذلك هما «بيبي لي موكو» للفرنسي جان دوفيفييه (1937) و«معركة الجزائر» للإيطالي جيلو بونتيكورفو. في كلتا الحالتين لم يكن من الممكن استبدال منطقة القصبة الشهيرة بأزقّتها في أي مكان آخر.

* بالقرب من سانتا باربرا
لكن حين يصل الأمر إلى الصحاري العربية فإن تاريخ السينما يشهد إقبالا كبيرا عليها. في البداية، عندما أخذت هوليوود تتعاطى مع الشخصيات العربية، لم يكن من الضروري مطلقا اجتياز المسافة بين القارة الأميركية وتلك الأفريقية للتصوير فيها. قليل من الخيم المبعثرة وبعض الجياد (الجمال كانت عزيزة) والكثير من الكثبان، ولديك الآن البيئة المطلوبة من دون أن تترك ولاية كاليفورنيا. الفيلم الأشهر في تلك الفترة ولحقبة طويلة «الشيخ» (1921) تم تصويره في صحراء تقع قرب مدينة سانتا باربرا في ولاية كاليفورنيا وفي صحراء «يوما» في ولاية أريزونا.
حتى «كازابلانكا» (1942)، ذلك الفيلم التشويقي - العاطفي الشهير الذي يتّخذ من مدينة عربية عنوانا له، لم ير المغرب على الإطلاق. تم تصوير أجزاء منه في استوديوهات «وورنر» والخارجية في صحراء يوما، شمال غربي أريزونا. أما مشهد المطار الشهير بين إنغريد برغمان وهمفري بوغارت فتم تصويره في مطار متروبوليتان الذي كان واقعا، في الأربعينات، في لوس أنجليس.

* لهو بريء
* جذبت حكايات الصحراء العديد من الإنتاجات الأميركية حتى في أيام السينما الصامتة. من ناحية كانت هي مصدرا لأفلام مغامرات تستخدم العناصر ذاتها التي في أفلام الوسترن: القبائل العربية عوض الهنود الحمر، الأميركيون المهددون، بعض العرب المسالمين والكثير من الأشرار. من ناحية أخرى، كان لدى الغربي ذلك الفضول في معرفة كنه هذا الجزء من العالم وشعبه، هذا بالطبع قبل أن تبدد نشرات الأخبار المسائية ومحطاتها ذلك الفضول موفّرة صورا تجعل من الأفلام التي صوّرت العربي على نحو مشوّه بمثابة لهو بريء.



هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.